الأربعاء، 19 يوليو 2017

رواية الملعونة مكتملة

رواية رومانسية جريئة

أتمنى تعجبكم


البداية


تشابة الأسماء والأحداث بالواقع مجرد صدفة ، قد تعني كل شيء ، وقد لا تعني شيئا .
لذا لا تبحثوا عن الواقع في الخيال .



الملعونة بقلم الكاتبة سعودية أميرة المضحي



%%%%%%%%%%%%%%%%%%%%%%


جريدة اليوم 


همسات من قلبي 
...........................

عيني لم تنساك بعد ...وقلبي لم ينساك بعد 
مازلت محفورا على عمري
مازلت مزروعا على جفني 
تشبه الريحان والياسمين 
وأشجار العنب والتين 
جميل .. طاهر.. وشهي 
مازال أسمك مكتوب على جبيني 
ومرسوم بالوشم على كتفي 
وقلبك ينبض في قلبي ورائحتك تعطرني 
يا رجلا يسكن في قلبي ..

كاميليا الناصر
هذه الرسالة الأولى .. والبقية تأتي
......................................... 



الفصل الأول

بلع ريقه .. ورجفة عنيفة تجتاح قلبه وهو يسترق السمع لكلامها وشكواها بعد منتصف الليل ، صوتها يشبه خرير الماء في ينبوع صب في قلبه مباشرة .
كيف يكون للصوت تأثير على قلب الإنسان وروحه و جسده .
شعر بأنه سيغمى عليه وهي تقول بصوتها الرقيق :
- أريده قريب منا ويستمع لمشاكلنا .. هو مشغول باستمرار ولا يريدنا أن نزعجه .. قليل الكلام ولا يتحدث معنا إلا في الأمور التي تهمه .. وبرغم انشغاله في عمله إلا أن سلطته وقسوته لا تفارقنا .. وقوانينه يريدها قائمة دون الالتفات لنا .

تجمدت يده وأحس بنبضات قلبه تتسارع ، وسأل نفسه (من تكون هذه الشاكية في ساعات الفجر الأولى ؟).
تردد أمام كلمات صاحبة الصوت الرقيق . هل يستمع أكثر ، أم يغلق السماعة وكأنه لم يسمع شيئا . أحس بضرورة إغلاق السماعة فورا فالحديث يبدو خاصا والاستماع له ليس أخلاقيا ويتعارض مع مبادئه . وعندما أراد ذلك جاء صوتها من جديد ، وقالت بعد تنهيدة عميقة:

_ أمره يحيرني فهو يلبي لنا حاجتنا دائما ويوفر لنا كل ما نريد .. نعيش برفاهية تحسدنا عليها الكثيرات .. أنا لا أفهم والدي .. هو غاضب وعنيد معظم الوقت .. عنفني بصوته المرتفع وصراخه وهددني بالضرب لو اتصلت ب"ناهد" .. منذ أن بدأت بالكتابة في الجريدة ونشرت اسمها ووالدي جن جنونه .. يقول بأنها ثورية ومتمردة وتفتعل أزمة للسعوديات .

- أقطعي علاقتك بها .


أطلقت من قلبها آهة حزينة وقالت :
- لا أستطيع .. هي قادرة دائما على احتوائي ولا أتردد أبدا في إخبارها أي شيء وبرغم السنوات الست التي تفصلنا إلا إننا صديقتين حميمتين .. هي كاتبة مثقفة و محترمة ولها عدد من القصص و الكتب التي تجمع فيها مقالاتها .. هي بعيدة عن التهم التي يلصقها والدي بها .. ولا تعمل على سلخ الفتاة السعودية من جلدها كما يقول .. يريدها أن تكتب في الدين والحجاب و الشجرة و أسبوع المرور .. يريدني أن أقطع علاقتي بها لأنها اختارت العيش بكرامة بعيدا عن زوجها وذنبها الوحيد أنها كاتبة و مطلقة .

أغلق "عماد" سماعة الهاتف ببطء وراح يسترجع كلمات صاحبة الصوت الرقيق ، صوتها كعزف ناي شجي تغلغل في أعماق روحه . فكر من تكون ؟ .. لابد أنها مقربة جدا لأخته "نسرين" لتبثها أمورا خاصة وعائلية وتشتكي لها من سلطة والدها .

فتح نافذة غرفته المطلة على الكورنيش ، وبقي للحظات يراقب سيارات المارة مازالت الحركة مستمرة ونشطة في مدينة القطيف والسيارات تتحرك في جميع الاتجاهات أغمض عينيه وفي لحظة قرر الخروج من المنزل في هذا الوقت نزل بسرعة وقطع الشارع ليلاقي البحر في الليل شعر بإحساس غريب وهو يخلع حذائه وماء البحر يغسل قدميه ، والهواء الحار يداعب قسمات وجهه ويحرك خصلات شعره الأسود الناعم
تنهد وأغمض عينيه وأستنشق الهواء بعمق وهو يسترجع كلمات صاحبة الصوت الرقيق وعقله يحاول كشف هويتها ، هي صديقة لنسرين ولابنة عمه "أمل" أيضا لأن صداقتهما مشتركة ، وهما تتحدثان عن صديقاتهن دائما هناك "كاميليا" صديقتهما من الطفولة ، و"سماح" التي تعرفنا عليها في المرحلة الثانوية ، وهناك شقيقة خطيبته السابقة ولكن العلاقة بينهما انتهت بعد أن فسخ الخطوبة قبل ثلاث سنوات وأصبح في هذه الحالة من ضجر والوحدة .فبقدر ما انجذب ل "سوسن" بشدة عندما رآها أول مرة بقدر ما كرهها عندما أصبحت خطيبته . كان يشعر بالسوء من تلك المرحلة وخصوصا عندما اتهمه صديقه "ماجد" بالاستهتار وهو بعيد عنه كليا، فلطالما كان جادا ورصينا إلا أنه لم يستطيع أن يستمر مع سوسن أكثر من شهر ، فتح عينيه على صوت بوق سيارة مارة في الشارع وتمنى لو يصرخ بقوة تعادل صوته فربما يستيقظ فيه شيء ما ويغير حياته الرتيبة.


عاد لمنزلة والأثر الذي تركته فيه صاحبة الصوت الرقيق يحيره ، يا لهذه الفيزياء اللعينة ، ما الذي أحدثه فيه ولماذا أحب صوتها ؟. 
كان لرنين صوتها أثرا في رو حه ولا يعرف لماذا تخيل وجه ماجد يقول له بيت من الشعر الشهير ( يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحيانا ). العشق مرة واحدة ، وهو أعلى درجات الحب وأخطرها ، ومن أين سيأتيه الحب وهو منطوي على نفسه وسأل نفسه لماذا لم يدق قلبه لأحد بعد ؟. 
لو كان تزوج بطريقة تقليدية 
فربما يشعر بالسعادة مع امرأة ما كان مدركا ومقتنعا
في قراره نفسه بأن الوقت قد حان ليلقي بنفسه بين يدي امرأة تحتويه وتحبه لذاته فقط، وإن كان لا يعترف بذلك علنا فكر في حياته فهو أحد أبناء عائلة عريقة ومعروفة بالتجارة والمال والثراء أبا عن الجد يعيش في فيلا فخمة وكبيرة في حي "المجيدية"، ويمتلك أحداث السيارات التي يسعى لتبديلها سنويا للمحافظة على وجاهة العائلة كما تطلب منه أمه ذلك يحسده الكل على ما يملك ، رغم كونه لا يملك صديقا يستطيع الاتصال به في منتصف الليل.
******* 
أشعل الضوء الخافت واستلقى على سريره وتدثر بلحافه الفاخر وراح ينظر لغرفته تحت ظلال الضوء الصفر الخفيف الذي يضفي جوا من الدفء على الغرفة الواسعة و الجميلة بأثاث خشبي وطلاء جدار أصفر دافئ وستائر مخملية داكنة ، وجميع مستلزمات الرفاهية فيها ، ولكنها لا تهمه مادام لا يشعر بالسعادة ، تنهد وسرعان ما نهض بسرعة ووضع في مشغل الأقراص أسطوانة لجارة القمر ، وبدأ صوتها يشيع في أرجاء الغرفة ..

"تسأل علي كتير وبتحبني 
بعرف هالحكي.. حافظة هالحكي
كل الحكي حلو .. ومع إنه حلو 
ليش بيضلو إحساس يقلي لا 
في شيء بدو يصير .. في شيء عم بيصير " 


استلقى على السرير لكن عينيه لم تغمضان . أحس بأنه في حاجة لشيء ما ، فهذه الليلة ليست ككل الليلة ، هناك شيء ما يشعر به وقلبه يدق بإيقاع جديد ومختلف . شعر بالحاجة للحديث مع أحد ، من يسمعه في هذا الوقت المتأخر ؟ لمن يشكو ولمن يتحدث ؟ فكر بأخته الكبرى "ندى" ..لابد أنها نائمة بجانب زوجها . كم كنا صديقين وشقيين وكثيري الشجار لكنهما يتصالحان بسرعة .
وكثيرا ما يجعلان أمهما تفقد أعصابها بسبب شجاراتهما الدائمة ، ورغم ذلك كان كل واحد منهما داعم للآخر ومحامي عنه أمام والديهما . مازال يتذكر الضرب بالحذاء بحذائها وكانت المرة الوحيدة التي يتذكر فيها بأنها ضربته ، أما أبوه فلم يمد يده عليه هو وأخواته أبدا.

تذكر شقيقه "علاء" الشعلة المشعة بالسعادة و التفاؤل والحيوية والذي يشكل معه ثنائيا أخويا رائعا انطفأ قبل عشر سنوات وبسرعة كبيرة تنقلت الصور في رأسه لتعيد أمام عينيه صورة علاء وهو جثة هامدة بلا حراك والدم يغطي رأسه ووجهه بعد أن انتشله بنفسه من بين يدي زميله الذي تشاجر معه وأرداه قتيلا أمام باب منزلهم القديم في "القلعة" شعر بالأسى وهو يتذكر بكاء أمه كلما دخلت ترتب غرفته التي أصرت على إعدادها له في المنزل الجديد بعد وفاته بأشهر.
********************************
أستيقظ صباحا على صوت المنبه . غسل وجهه وحلق ذقنه ،وارتدى ملابسه الأنيقة. بذلة كحلية اللون وقميص أبيض وربطة عنق بألوان مبهجة ، وقف أمام المرآة ووضع القليل من العطر وابتسم عندما تذكر صديقه الذي يتهمه بالبعد عن التقاليد ، ابتداء باللباس والناهية لا يعرفها .
كان صاحبه يحاول إقناعه باستمرار بلبس الثوب والغترة التقليدية ، ويجيبه دائما بأنه يرتدي ما يعجبه ويناسبه ، لا ما يرضي الناس وتراث البلد . أغمض عينيه فجأة وهو يستحضر كلمات صاحبة الصوت الرقيق ، وعاود تلاوة الأفكار نفسها في رأسه وهو يفكر بصديقات أخته . 
شارك والديه تناول الإفطار وأكل التوست المحمصة بالزبدة التي أعدتها له أمه وهي تتحلطم من عدم جدية نسرين في المذاكرة ورغبتها الفاترة بالالتحاق بكلية الطب أكدت على زوجها الصامت للمرة الألف ضرورة البحث عن واسطة جيدة ليقوم باللازم ، وأنهت كلامها له ببعض الاتهامات الضمنية باللامبالاة والانشغال عن البيت وعدم الاهتمام بدارسة ابنته. ظل والده صامتا واكتفى بنظرة حياديه . هو هادئ وصامت ، ترك قيادة دفة الأسرة لزوجته التي تتهمه بالسلبية ولا تجرؤ أن تقول بأن شخصيته ضعيفة أمام شخصيتها .


أخذ حقيبته وخرج متجها إلى الشركة . شركة "الغانم" للأسمنت ومواد البناء والخرسانة الجاهزة التي أسسها والده وعمه سويا بجدهما وكدهما حتى كونا اسما قويا في سوق المحلية ، وكونا ثروة مالية يعتزان بها من الشركة والمصنع التابع لها ، إضافة إلى محطات البنزين التي يمتلكونها . كان يرغب بدراسة إدارة الأعمال في كاليفورنيا ولكن والده لم يحبذ ذلك بعد وفاة علاء ، فوافقه ودرس في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالرغم من اعتراض أمه ، وبعد تخرجه من كلية الإدارة أستلم إدارة الشركة يدا بيد مع ابن عمه وزوج أخته فيصل ، وتفرغ والده وعمه للعمل سويا في الاستثمار بجميع مجالاته تاركين إدارة الشركة للشابين الطموحين ليكملا المسيرة . قاد سيارته وهو يستمع لأغنية السيدة فيروز ..

"كنا نتلاقى من عشية
ونقعد على الجسر العتيق
وتنزل على السهل الضباب
تمحي المدى وتحمي الطريق 
ما حدا يعرف بمطرحنا
غير السماء وورق تشرين.."


كان يحب فيروز وأغانيها وصوته وشموخها ، ويردد دائما بان الغناء مباح لها فقط وحرامه على الجميع ، ويحتفظ بجميع أسطوانتها وأشرطتها يستمع لها في السيارة والمنزل . لم يكن يستمع لأي مطربة أخرى ودائما يردد بأنها مطربة النخبة ولعامة الناس مطربيهم ، فالطبقية موجودة في كل شيء حتى في الغناء والموسيقى . لم يكن مؤمنا خالصا بالطبقية الاجتماعية رغم اعترافه بها ، وربما اعترافه ناتج من كونه ولد لعائله عريقة من عائلات القلعة القطيفية ساهمت أمه في جعلها مميزه اجتماعيا

هناك 102 من التعليقات:

  1. الفصل الثاني


    تمددت كاميليا على سريرها وهي تفكر بما حدث في منزل صديقتها وتشعر بالندم لما قالته عن شقيقها . لم تتخيل أن عفويتها قد توقعها يوما بمشكلة مع نسرين التي ظلت منزعجة برغم ما كان في جلستهما من ضحك ورقص وغناء .أحست بالضيق الشديد وتنهدت عينيها العسليتين بالدموع وسال خط الكحل الملازم لعينيها وهي تسترجع نظرات عماد لها .
    نظراته كانت غريبة وكأنه يريد أن يعريها من ملابسها وأقنعتها ويرى جوهر حقيقتها . قضت وقتها وهي على سريرها بعباءتها وحقيبة يدها .
    جاءت أختها "شذى" التي تصغرها بعام واحد . جلست بجانبها واندهشت عندما وجدتها مغمضة العينين والدموع تسيل على خديها ممتزجة بالكحل الأسود . سألتها بقلق عما حدث ، ففتحت عينيها ومسحت دموعها بطرف إصبعها وراحت تخبرها بما حدث.


    ذهبت مع صديقاتها إلى منزل أمل وهناك قابلت عماد شقيق نسرين الذي لم تره منذ فترة طويلة .تنبهت لوجوده ، وخصها بنظرات ملفتة وغريبة . التقت عينيها بعينيه السوداويين وأفترسها من أعلى رأسها مبتدءا بعينيها العسليتين وحتى أسفل قدميها غير آبه بوجود أحد .
    -شعرت بالانزعاج وأخبرت الجميع بذلك إلا أن أمل ونسرين دافعتا
    عنه ..و..


    توقفت عن الكلام ودموعها تخنقها . مسحتها بيديها وأكملت تخبر أختها بردة فعل نسرين التي تضايقت منها وأصبح الجو متوترا برغم محاولات سماح وأمل جعل الأمور طبيعية.وبختها أختها من تبعات لسانها الفلتان ، فأغمضت عينيها وهي تشعر بشيء ما فد حصل لها من جراء نظراته القوية . أحست بأن نظراته وعينيه السوداويين أفقدتها صوابها . عينيه اخترقتاها وأشعرتها بالدوار ، فلم تكن نظراته عابرة . كانت مليئة بالفضول والرغبة وأشياء لا تعرفها ، ومازال رأسها يدور كلما تذكرت كيف نظر لها بعمق وكأنه يستشفها من الداخل.


    جلست على مكتبها وهي تعيد رسم صورته أمام عينيها.
    وسيم وشعره الأسود مصفف بطريقة أنيقة ، عينيه سوداويين وغامضتين وساحرتين وحاجبيه طويلين وكثيفين وشاربه محفوف بأناقة.كانت دائما تراه رجلا وهي طفلة لكنها لم تعد تلك الطفلة أو الفتاة الصغيرة .
    وضعت شريط " نجوى كرم " في مسجلتها..


    "عم بيقولوا إنو غيابك قادر إنو يتعبني
    صحح معلومات أصحابك غيابك بدو يموتني"

    ونجوى تختم أغنيتها تنهدت كاميليا وهي تفكر بنسرين الغاضبة ، وقررت أن تتصل بها وتعتذر لها . ستخبرها بأنها لا تقصد الإساءة لأخيها ولكنها تكلمت بعفوية وصراحة دون نية سيئة . أمسكت بهاتفها واتصلت بها فلم تجبها ، شعرت بالأسف لما قالته عن عماد فهي لا تريد أن تتأثر صداقتهما.


    قضت وقتها في الحديث مع أختها عن القليل الذي تعرفانه عن عماد ولا تعرف لماذا أصبحت فجأة تتوق للحديث عنه وتذكر كل صوره القديمة في ذاكرتها.فكرت به ، لماذا نظر إليها بهذه الطريقة فهي ليست المرة الأولى التي يراها فيها . رآها قبلا مرات عديدة ، وهو يعرفها وكثيرا ما ركبت معه في سيارته وأوصلها مع نسرين إلى منزل أمل,وأصطحبها مرة إلى المدرسة المتوسطة ليحضرن شهادتهن عندما تخرجن.
    كما إنها ركبت معه بصحبة خطيبته السابقة الذي أقيمت حفلة خطوبتهما بعد امتحانات العام الدراسي الأول في المرحلة الثانوية.
    يومها ظلت تراقب لحظات السكوت بينهما واستغربت رؤيتها لخطيبين مغلفان بالصمت . هي مازالت تتذكر يوم خطوبتهما , ذهبت مع نسرين وأمل لمركز التجميل وقمن ثلاثتهن بحف حواجبهن لأول مرة.ذهبت لمنزل خطيبته السابقة ورقصت مع صديقاتها على أنغام الموسيقى الصاخبة .
    وهو يعرفها فلماذا لم يهتم بالنظر إليها بهذه الطريقة قبلا , وهل كانت في نظره طفلة.


    تذكرت عينيه ونظراته ، لم تكن عابرة ، أو نهمة كالتي تجدها في عيون الشباب الجائعة. كانت معتادة على مضايفة الشباب لها ولصديقاتها في الأسواق و الأماكن العامة ، يلاحقونهم ويرمون الأوراق الصغيرة المحتوية على أرقام هواتفهم .أو يتبعونهم وهن يسرن في الشارع مع السائق ولم يؤثر بها ذلك ، لكن عماد كان مختلفا فنظراته القوية اخترقت قلبها المحصن وجعلتها تذرف الدموع وتفكر به وبنظراته طوال الليل .

    ردحذف
  2. كانت أقلهن جرأة وعندما ذهبت مرة مع سماح إلى أحد المجمعات ولحق بهما شابان من محل لآخر ، وطلبت سماح لهما رجال الأمن من داخل المحل وجاءوا واقتادهما إلى مقر الشرطة في المجمع.خافت جدا عندما طلب منهما رجل الأمن التوقيع على بعض الأوراق من أجل استكمال التحقيق معهما رسميا وإيصال الأمر لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرفضت خوفا من والدها لو بلغه الأمر وخوفا من رجال الهيئة

    أشعلت شمعة معطرة وهي تفكر ولم تشعر بالراحة إلا بعد أن اتصلت بنسرين واعتذرت منها .
    لم تكن نسرين غاضبة بقدر ما كانت مندهشة فشقيقها يمثل لها قيمة وأمثولة خاصة ولا تستطيع إساءة التفكير به ولو بشيء بسيط .ولهذا انتظرت عودته للمنزل وتحدثت معه واستفزته عندما شبهت نظراته بنظرات الذئاب الذين يرتادون الأسواق والمجمعات بحثا عن الفتيات .
    صوب عليها عينيه السوداويين وأعلن لها البراءة من جهل الشباب وسطحيته ، ودافع عن نفسه فهو صاحب روح وقلب وعقل ومبادئ مطبوعة بفكر وثقافة خاصة كونها بنفسه.


    ظلت كاميليا تتقلب في فراشها تفكر بعماد ونظراته الساحرة ، ولا تعلم بأنه يتقلب في فراشة أيضا ويفكر بها .
    احتلت تفكيره منذ أن سمع صوتها عبر الهاتف تلك الليلة بالصدفة وأطلق عليها صاحبة الصوت الرقيق .
    بذل جهدا ليكشف هويتها وعندما عرفها ذهب متعمدا لبيت عمه ليراها ويرى كيف أصبحت بعد سنوات ، ومنذ أن رآها وصورتها لا تفارق خياله .
    يتذكرها وهي تدخل أمامهمن باب منزل عمه ، وكم هي جميلة وحبة الخال مستقرة بهدوء وسعادة في زاوية فمها.. وعينيها الذابحتين ..وبشرتها المشرقة البراقة بسمرة شفافة .
    ظل يفكر بتلك الفتاة الصغيرة التي كبرت فجأة وبدت أجمل .
    لم يكن قادرا على النوم بعد أن رآها ، كانت مختلفة عن الصورة التي رسمها لها في مخيلته معتمدا على صورتها وصورة قديمة يحتفظ بها في ذاكرته .
    لم يعرف لماذا أحس بأن قلبه سيخرج من صدره عندما رآها .
    &&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&

    ردحذف
  3. الفصل الثالث



    " أخر أيام الصيفية والصبية شوية شوية وصلت ع ساحة ميس الريم وانقطعت فيها العربية
    أخر أيام المشاوير في غيمة زرقة وبرد كتير
    وحدي منسية بساحة رمادية أنا والليل وغنية
    تأخرنا وشو طالع بالإيد حبيبي وسبقتنا المواعيد
    أنا لو فيي زورك بعيني وعمرها ما تمشي العربية "


    أوقف سيارته في حديقة منزلهم الكبيرة وظل ينتظر انتهاء الأغنية حتى يترجل فهو لا يحب أن ينقطع صوت فيروز . كان ينوي شرب كوب من الشاي وأخذ الأوراق التي يحتاجها قبل الذهاب إلى البنك . لكن لقاءه بنسرين عند البوابة غير مساره . نزع نظارته الشمسية عن عينيه وسألها :
    - إلى أين تذهبين ؟

    أخبرته بأنها تريد الذهاب لمنزل كاميليا لأخذ بعض الأوراق المهمة في الفيزياء ونسخها في القرطاسية ، فابتسمت عينيه فهذه فرصة جيدة لرؤية كاميليا أو لسماع خبر عنها . طلب منها أن تركب معه ليوصلها بنفسه لكنها رفضت فهي ستذهب إلى محل الأشرطة الغنائية مع صديقتها في "سوق مياس" ابتلع ريقه قبل أن يبدأ في الكذب وقال :
    _ سيذهب السائق إلى المطبعة ليحضر أوراقا خاصة بي ولن يعود قبل ساعة .

    ركبت نسرين بجانب أخيها الذي ارتسمت على وجهه ابتسامة رضا لم تفهم مغزاها وهو يستمع لصوت فيروز . كان سعيدا فالفرصة مواتية لرؤيتها من جديد وبدون أن يتدخل كما فعل في منزل عمه .


    توقف أمام منزل كاميليا بواجهته الحجرية الأنيقة في حي "الخامسة" وقلبه يرقص فرحا . ظل ينتظر ظهورها وأثناء إغماض جفنيه خرجت من باب المنزل هي تمسك بحقيبتها . اقتربت من السيارة بتردد فالسيارة التي أمامها ليست سيارة السائق ، والجالس أما المقود هو عماد بكل جاذبيته ورجولته. أحست بقلبها يرتعش بين أضلاعها وقدميها ثقيلتين ولا تستطيع تحريكهما ونسرين تلوح لها بيدها . بقيت ساكنة وعماد يترجل من سيارته ويفتح لها الباب الخلفي بكل احترام . تفادت النظر إليه وركبت ، فحرك السيارة وهو يستمع بإصغاء شديد للحديث الدائر بين أخته وبينها ، قالت نسرين :
    - أين الأوراق ؟ أريد رؤيتهم .

    أخرجت كاميليا الأوراق من حقيبتها وأعطتها لنسرين وعبر مرآة السيارة التقت عينيها العسليتين بعيني عماد السوداويين ، فأشاحت وجهها عنه وهي تشعر بالدوار من عمق نظراته وعينيه اللتين جعلتاها تسرح وتفكر دونما سبب ، وسألتها نسرين :
    - هل ستذكرين اليوم ؟
    رطبت شفتيها بلسانها وقالت :
    - اليوم الأربعاء وأنا أريد أن أرتاح بعد أسبوع شاق من المذاكرة و الامتحانات لذا سأنام الليلة مبكرا وغدا أذاكر.

    سكتت كاميليا وهي تفكر .. لماذا يرتعش قلبها ويخفق بهذه الطريقة ؟.
    ماذا حدث لهذا القلب الصغير عند رأته وهي تشعر بأن دنيا جميلة وخاصة جمعتها مع عماد لدقائق. ما هذا الشعور والانجذاب له ؟ كانت خائفة ودقات قلبها تزيد النار اضطراما في قلبها الذي صانته دائما وعينت عينيها حارسين مكلفين بحراسته حتى لا يستسلم لأحد بسهولة ونصبت عقلها حاكما يطيعه القلب والعينين . ولكن أين هي هذه السلطة القوية.

    ردحذف
  4. لم تكن موجودة وهي تسترق النظر لعماد بين لحظة وأخرى وتتذكر كلام معلمة الدين وهي تحذرهن من النظر المباشر للرجل الأجنبي فهي تسبب الفتنة ، وأي رجل تنظر إليه الآن . انه عماد الذي لم يكن يعني لها شيئا في الماضي ، والذي حضرت حفلة خطوبته ورقصت مشاركة نسرين فرحتها ، وشاركتها دموعها عندما قرر الانفصال عن سوسن . ظلت ساكتة في السيارة البادرة وصوت فيروز يعطي دفئا وحياة ..

    "كان الزمان وكان في دكانة بالفي
    وبنيات وصبيان نيجي نلعب عالمي
    يبقى حنا السكران قاعد خلف الدكان
    يغني وتحزن بنت الجيران
    أوعي تنسيني وتذكري حن السكران"

    أوقف عماد سيارته أمام المكتبة الذهبية وأعطته نسرين الأوراق وطلبت منه أن ينسخها لها ولأمل ولسماح . وعندما ترجل من السيارة قالت كاميليا لصديقتها موبخة :
    - لماذا لم تخبرني بأنك ستأتي مع شقيقك ؟ .. أنت تحرجينني.
    استدارت نسرين إلى الخلف وقالت :
    - لقد أرسل السائق إلى المطبعة .. لذا اصطحبني هو.

    جاء عماد وأعطى أخته الأوراق وطلبت منه التوجه إلى سوق مياس ، قلب القطيف التجاري ، ففيه البنوك ومحلات الصاغة (بائعو الذهب) ، والأجهزة الالكترونية والأزياء والأقمشة والعطور والتجميل والساعات . هز رأسه موافقا وعينيه في المرآة تراقب كاميليا التي تتحاشاه وتنظر إلى الشارع. تنهدت بقوة وهي تشعر بأنها خائرة القوى وسيغمى عليها وتترجاه في سرها بان يتوقف عن النظر إليها بعينيه القاتلتين .أوقف سيارته في المواقف وذهبت أخته وصديقتها لشراء شريط "نجوى كرم " الجديد وظل هو يراقب الناس. النساء المتشحات بالسواد يخرجن من محل ويدخلن آخر ، بعضهن يقف أمام البسطات التي تبيع البخور والعطور المقلدة , وبعضهن في سوق "أم عشرة" حيث كل شيء يباع بعشرة ريالات , وعدد من فتيات يقفن أمام نافذة محل الأشرطة الغنائية حيث دخولهن ممنوع , والأكثرية يدخلن المجمع التجاري القريب . ظل يراقب الناس وكأنه يزور المكان لأول مرة ,وأنهى تأملاته عندما جاءت أخته و كاميليا وركبتا السيارة متوجهين لمنزل سماح وهما تناقشان أغاني "نجوى" الجديدة.

    ظلت كاميليا تنظر إليه من العين الزجاجية في الباب حتى اختفى من أمام عينيها وقلبها يخفق بقوة . أسرعت تصعد الدرج لتخبر أختها شذى بما حدث، والسعادة المختلطة بأحاسيس كثيرة ظاهرة على محياها ، بدت مرتبكة وسعيدة وخائفة ، وفي الصالة العلوية التقت بوالدها يخرج من غرفته وبيده بعض الأوراق وما أن رآها حتى سألها بوجهه العابس :
    - هل نسخت الأوراق التي تريدينها ؟
    هزت رأسها إيجابا، فسألها :
    - ومع من ذهبت؟
    -مع نسرين.
    وسألت والدها:
    -ومتى سيأتي سائقنا ؟.. سافر منذ أكثر من شهر ولم يعد بعد .
    زم شفتيه وطلب منها أن تتدبر أمورها مع صديقتها وهو سيستمر باصطحابها مع أختها للمدرسة وختم حديثه :
    - نحن نعيش في عوز بسبب سفر السائق المفاجئ .. ماتت أمه وتورطنا لا أعرف متى سيسمحون لكن بالقيادة لنرتاح ونتفرغ لأعمالنا .
    سألته باستغراب :
    - وهل ستوافق ؟
    - نحن البلد الوحيد الذي تمنع النساء فيه من القيادة .. ومع الضوابط سيصبح كل شيء بخير فلسنا وحدنا المسلمين .

    ردحذف
  5. بلعت كاميليا ريقها ودخلت غرفتها وقلبها مازال ينبض بقوة، لم تكن تفكر بحديث والدها رغم أنها مناصرة للمرأة في انتزاع جميع حقوقها ، وكانت ابنة خالها تقول لها دائما بأن التغيير يجب أن يبدأ بالنساء أنفسهن فإذا لم يطالبن بحقوقهن وينتزعها فلن يقدمها لهن أحد على صينية من الذهب .
    كانت مشغولة بعماد ولقائها به وتشعر بأن والدها سمع نبضات قلبها وكشف أمرها . هي منجذبة لشاب ، وهذا ما لن يتسامح به مهما حدث .
    لم ترد التفكير في الأمر أكثر وقالت لأختها بصوت منخفض :
    - لقد رأيته يا شذى .. لقد أوصلنا عماد إلى المكتبة ومن ثم إلى سوق مياس .. لقد نظر إلي بطريقة غريبة .. أحسست بأن قلبي سيتوقف عندما تقابلت عيوننا عبر مرآه السيارة .. آه لو رأيته كيف يتكلم وكيف فتح لي باب السيارة بكل أدب وذوق لا يمكن أن تجديه في شاب سعودي أبدا فهو لا يفتح الباب لأحد إلا إذا كان خائفا على الباب .
    تنهدت وأردف تقول :
    - أشعر بأني ثملة من نظرات عينيه .. يا لهما من عينين لم أرى مثلهما في حياتي .. هو مميز في كل شيء حتى في أدق تفاصيله .. يضع في خنصر يده اليمنى خاتما به حجر كريم أحمر اللون لا أعرف ما هو .. لابد أنني موعودة به .. وسيكون هذا الرجل لي .. وهذا وعد على نفسي .

    طلبت منها شذى أن تتمهل قليلا وذكرتها بأنها في القطيف فهي مقتنعة بأن الحب في هذه المدينة مصيره أحد أمرين . إما أن يموت في قلب المحب بدون أن يعبر عنه ، أو مشنوقا بحكم الظروف والمجتمع والناس هي لا تعيش في مدينة رومانسية وأهلها يتمتعون برقة المشاعر . بل على العكس ، الحب والعاطفة ورقة المشاعر هي عيب وقلة أدب وكلام فاضي .
    انفعلت كاميليا وقالت لأخيها :
    - لاتهمني القطيف .. وهل كتب الله علي أن أتزوج من رجل لا أعرفه ومغطى بملابسه ومظهره الكاذب الذي يخفي سيئاته وعيوبه .. لما لا أتزوج برجل أعرفه وأرتاح له وأحبه .. لن أتزوج برجل ( خبط لزق ) ولا أكشف إلا بعد الزواج ولن يسمح لنا بتصحيح هذا الخطأ بسهولة .
    - واو .. قوية .
    - سأختار الرجل الذي أريده ..

    كانت تدافع عن شيء لا تدري ما هو ، وعن علاقة لا تعرفها ولم تدخلها بعد . رغم تأيدها للتعارف قبل الزواج فهو الطريقة الصحيحة لاكتشاف طبيعة الآخر ، ولا تحبذ التعارف بعد الزواج أو الملكة ( عقد القرآن ) ففسخ هذا المشروع صعب وله ثمن محسوب في حياة الشاب والفتاة بنفس القيمة .
    عاد عماد وأخته لمنزلهما وجدا أمهما جالسة مع ندى وابنتها ، شربوا الشاي وبعد أن صعدت نسرين لغرفتها لتذاكر ، ظل هو يتحدث مع أمه وأخته .

    سألهما عن الزواج عندما يقارب الفرق بين الزوجين تسع أو ثمان سنوات ، فتفكيره وانجذابه بكاميليا خلال الأيام الفائتة جعله يفكر بها كامرأة تعيش بجانبه ، وبالتأكيد ستكون زوجته .
    أجابت أمه عن سؤاله بأن الفارق في العمر ليس مهما وضربت له مثلا فوالده يكبرها بعشرة أعوام وزواجها ناجح .. سألته أخته باهتمام :
    - ولماذا تسأل ؟.. هل هناك فتاة ما في رأسك ؟
    سكت عماد محرجا واضطر لتلفيق كذبة فمنذ عرف كاميليا وهو يكذب فقال :
    - هناك شاب أعرفه وسيتزوج من فتاة تصغره بثمان سنوات .. وأنا أحسست بأن الفارق كبيرة بينهما .
    قالت ندى وهي تسكت لها الشاي :
    - المهم هو التفاهم وإن كان الفارق عشرين سنة .. وأنت متى تفكر بالزواج ؟
    أبتسم والسعادة تشع من عينيه وقال :
    - ربما أقول لكم بأني قررت الزواج في الأيام القادمة .. سأفكر بالموضوع جديا .
    شربت أمه رشفة من الشاي وقالت له بنظرة فاحصة :
    - عليها أن تكون من عائلة مرموقة وابنة هامور قطيفي.
    أبتسم وطلب من أمه أن تدعو له بالتوفيق أثناء صلاتها ، فهو يشعر بالخوف من السعادة التي يعيشها الآن . دائما يدفع ضريبة باهظة للفرح ويحزن بشدة بعد ذلك . بقدر ما كان سعيدا بخطوبته من سوسن بقدر ما كان الحزن والتعاسة تنتظره عندما قرر الانفصال عنها .
    وعندما تخرج من الثانوية بنسبة مرتفعة وفرح بشدة لأنه سيدرس في أمريكا قتل علاء في اليوم التالي وبقي هنا وأكمل دراسته في الظهران . وافقته أمه وطلبت منه التفكير بجدية ، قالت له :
    - ما الذي ينقصك يا ولدي ؟ .. لديك الشركة تحت يدك ولديك قطعة أرض كبيرة وقريبة منا وتستطيع البناء عليها في أي وقت .. وإذا أردت أن تسكن معنا فالعين أوسع لك من البيت .. كما أن سوسن ستتزوج في نهاية الصيف وسيشمت بنا أهلها .. لو أطعتني وتزوجت بسرعة لكان لك طفل يمشي وأخر على كتفك الآن .

    ردحذف
  6. توجه عماد لغرفته تاركا أمه وأخته مذهولتين من كلامه عن الزواج بهذه الإيجابية ، فلقد تعودتا منه التأفف والانزعاج والرفض المسبق في الكلام عن هذا الأمر ، أما الآن فهو سعيد وعينيه تبشران بفرح وزهو لم يعيشه منذ فترة طويلة . سعيد بالإحساس الذي دغدغ قلبه منذ أن سمع صوت كاميليا وأحبه ، ورآها وأحبها أكثر ، وأحب قربها وعلاقتها المميزة بأخته وعائلته . سعيد بتفكيره وانشغاله بها وبرغبته لرؤيتها ولسماع صوتها . لقد عرف ما يريد من لحظة واحدة وهاهو نصيبه قريب منه . هو محظوظ لأنه عرف ما يريد في لحظات ولم يحتاج للعمر كله ليعرف غايته . أتصل بماجد وراح يتفلسف عليه ويشرح له نظرية النصيب والحياة والزواج من المرأة المناسبة ، وضحك عندما قال لها صديقه ( حتى في الفلسفة والهذرة .. فتش عن المرأة )

    *********

    قلبت الصفحة بعد أن عجزت عن حل المسألة الفيزيائية وهي مشغولة الفكر بعماد . تريد معرفة ما وراء نظراته لها في اللقاء الأول في منزل أمل ولقاءهما الثاني في السيارة . كثيرا ما تعانقت نظراتهما في ثواني قليلة جعلتها خارج حدود الزمان و المكان . كان قلبها يدق بقوة في السيارة وهي قريبة منه يفصلهما ظهر المعقد . تراه عن قرب وتشم رائحة عطره . كم كان أنيقا ببذلته البنية وقميصه الأزرق ، وكم كان لطيفا وهو يفتح لها باب السيارة بكل لباقة تنهدت وبدأت تكتب ..
    " أنت تشغل تفكيري
    أفكر بك رغما عني
    أرى وحهك الجميل أمامي
    عينيك السوداويين تحاصرني
    ولا أدري لماذا ؟
    اسمك لا يبرح لساني
    أصبح اسمك أغنياتي
    أناديك باسمك دائما
    وأنادي الجميع باسمك
    ولا أدري لماذا ؟؟.."

    كتبت هذه الكلمات في الدفتر الذي تحل فيه المسائل الفيزيائية . تعودت كتابة أبيات شعرية في أي ورقة تكون بين يديها ، فكتبها ودفاترها الدراسية مليئة بالكثير من الخواطر والذكريات و الأحلام وأبيات شعرية متنوعة وأغنيات نجوى كرم . وما تكتبه هي تجمعه بين فترة وأخرى في دفتر خاص لا يعلم بوجوده أحد فهي تعتبره كتابا خاصا بها ولذكرياتها فقط . قرأت ما كتبته بصوت هامس وأرادت أن تكمل ولم تستطيع فرمت بالقلم وبالدفتر أرضا . أغمضت عينيها وأسندت رأسها إلى الوراء وهي تقول لنفسها ( كفى .. تعبت من التفكير وأريد التركيز في المذاكرة .. ما الذي يحدث لي ؟.. لا أستطيع سوى التفكير به وترديد اسمه في سري ) .
    جاءت شذى ورأتها جالسة خلف مكتبها الصغير ورأسها بين يديها ، فسألتها بقلق إذا ما كانت متعبة . ظلت ساكتة ولم ترد على أسئلة أختها فعاودت سؤالها :
    - هل أنتِ مرهقة ؟.. ما رأيكِ بأخذ قسط من الراحة تعالي معي لنشرب كوبا من الشاي لنجدد نشاطنا فأنا تعبت من المذاكرة أيضا .
    رفعت كاميليا رأسها وقالت :
    - وهل أنا أذاكر لكي أخذ قسطا من الراحة ؟ .. منذ ساعات وأنا في الدرس نفسه .

    نهضت من كرسيها وتناولت دفترها وقلمها من الأرض ووضعتها على الطاولة وهي تشعر بالتعب وكأن رأسها سينفجر من التفكير . نظرت لنفسها في المرآة بصمت وبدأت بوضع القليل من الكريم المرطب على وجهها وشذى تطمئنها :
    - لم يبقى على انتهاء الامتحانات سوى يومين وكل شيء سيكون على ما يرام وستحصلين على نسبة عالية بعون الله .. والواسطة موجودة.

    نزلت مع أختها إلى المطبخ الواسع المطل على الصالة وأعدتا الشاي وجلستا . سكبت كاميليا لها الشاي ووضعت عددا من مكعبات السكر لم تعرف عددها وقالت وهي تذوبها بالملعقة :
    - منذ أكثر من أسبوعين وأنا أفكر به .. لا يفارق مخيلتي وأنا أذاكر وأنا أكل .. وأنا أجيب على أسئلة الامتحان في المدرسة .. حتى وأنا نائمة أحلم به .
    سألتها باستغراب :
    - وبمن تفكرين ؟
    وبنبرة غاضبة أجابت أختها :
    - من غير عماد .. أحاول أن أقصية عن تفكيري ولكني لا أستطيع .
    كانت تشعر بالضعف كلما تذكرت عينيه ، فتنفست بعمق وأكملت تقول :
    - أنا مدركة بأن حياتي بعد ذلك اليوم في منزل أمل ليست كحياتي قبله .. مر أكثر من أسبوعين وما زالت نظراته وعينيه السوداويين تلاحقاني .. أنا لا أعرف ما الذي يجري لي .
    تلفتت شذى حولها وطلبت من أختها أن لا تتكلم في هذا الموضوع في المطبخ فلو سمعها أحد والديها ستحدث كارثة فهذا الكلام لا يقال إلا في غرف النوم . شربت كاميليا رشفة من الشاي الساخن وقالت لأختها :
    - أنا في امتحانات الثانوية العامة وأفكر برجل يكبرني بثمان سنوات لمجرد نظر لي بطريقة ساحرة .. أنا هبلة بامتياز .
    لم تكن تريد إكمال الحديث فضميرها يؤنبها لأن ذهنها مشتت وعبثا تحاول التركيز في المذاكرة ، فسكتت وطلبت من أختها تأجيل الحديث عن عماد لما بعد الامتحانات .

    *******

    ردحذف
  7. عماد الذي أحس الجميع بتغيره حتى أن صديقه ماجد حاصره عدة مرات ليخبره عن سبب تغيره وعدم الخروج معه إلى المقهى كالسابق فجاء لزيارته في منزله وجلس معه في المجلس الداخلي المجهز بجلسة عربية فخمة ومريحة . جلبت الخادمة الشاي الفاكهة والمكسرات وبدءا يتحدثان وهما يشاهدا التلفزيون بصوت منخفض جدا ، قال عماد لصاحبة بحماس :
    - أنت تعرف بأني أمتلك قطعة أرض كبيرة في " المجيدية"و قريبة من منزل والدي سأبدأ ببنائها و سأتزوج .. الفكرة تشغلني هذه الأيام .
    سأله ماجد وهو يتناول حبة خوخ وبدأ يقطعها إذا ما كان ينوي الزواج بإحدى قريباته فقال من خارج العائلة بالتأكيد .. مد له صديقه بقطعة خوخ وسأله :
    - وما الذي غير رأيك ؟ .. لقد كنت رافضا للفكرة في الأمس القريب والآن أراك متحمسا بشدة ؟

    أراد أن يقول له بأنه وجد الفتاة التي خفق لها قلبه منذ أن سمع صوتها صدفة ، وعندما رآها أحس بأنه مشدود لها بطريقة عجيبة لكن لسانه لم ينطق ليخبره. يريد البوح للعالم بأسره بما يحتاج قلبه من مشاعر ولدت في قلبه منذ مدة ، ولكن حرصه الشديد على كاميليا منعه وفضل أن تبقى مختبئة في قلبه حتى يأتي الوقت المناسب ليعلنها ملكة على عرش حياته وبمرسوم ملكي يذيعه على الجميع . أبتسم وقال له :
    - الزواج له وقته المناسب .. وأظن بأن الوقت قد حان .. إنه النصيب
    ربت ماجد على كتفه وقال مبتسما ومشجعا في الوقت ذاته :
    - أدخل الدنيا .. صدقني إن الحياة مع امرأة شيء ممتع فمعها ستكتشف عالما جديدا وهو عالم المرأة الغريب والجميل .. لها شخصية غريبة لن تفهمها أبدا ولن تعرف ماذا تريد منك .. ولن ترضيها ولو فرشت لها الشوارع ورودا ورياحين .. ومع ذلك فهي حنونة ورقيقة وإذا غضبت منك تحتاج إلى الكثير من الجهد لإرضائها فعليك أن تشبع غنجها وتدللها وتحبه دائما .
    ضحك ومن ثم أكمل حديثه :
    - سمعت أحدهم يقول بأن الرجل بحاجة للزواج من ألف امرأة لكي يفهم طبيعة الأنثى.. أما المرأة فهي بحاجة لرجل واحد لتفهم كل الرجال .. كما أن الإمام علي قال أن المرأة عقرب حلو اللبسة ..أي حلوة المعاشرة .

    ضحك من قلبه وهو يستمع لصديقة المستمر بالحديث عن المرأة وعن عوالمها وأسرارها والكثير من الحكايات . وودعه بعد أن تناول العشاء معه ثم ذهب لغرفة أخته نسرين ليتحدث معها قليلا فربما يأتي الحديث بسيرة كاميليا . طرق الباب ولم تجبه فانتظر قليلا ثم دخل ولم يجد أحدا مع أن أنوار الغرفة مضاءة ، وعندما هم بالخروج لمح هاتفها الجوال ملقى على السرير فاقترب منه بخطى بطيئة ومد يده بتردد وبسرعة بدأ بالبحث عن أسم كاميليا في قائمة الأسماء وسرعان ما وجده . دون الرقم على ورقة صغيرة ووضع الهاتف مكانه وخرج بسرعة متوجها لغرفته وظل يتأمل الرقم وهو يفكر .. ( هل أتصل بها ؟ .. وإذا اتصلت .. ماذا سأقول ؟ .. وأخبرها بأني سميتها صاحبة الصوت الرقيق لأني لم أعرفها وأني فعلت المستحيل لأكشف هويتها وأعرف المزيد عنها .. هي بالتأكيد ستندهش من اتصالي وربما تسيء التفكير بي .. وربما تقفل الخط عندما أخبرها من أكون .. لن أتصل بها لكني سأحتفظ بالرقم ).

    ظل يفكر بكاميليا والحيرة تجذبه في كل الاتجاهات وتعرض له جميع الاحتمالات والأفكار والحلول حتى غط في نوم عميق . أغمض عينيه وفتحهما بسرعة ، لم يكن مصدقا ، فربما يتهيأ ، يتخيل ، أو يحلم . كانت واقفة أمامه وقطرات الماء الباردة الخارجة من فتحات رشاش الماء تغني بنعومة على جسدها الممشوق وهي تستحم . شعرها البني الداكن المبلل منسدل على ظهرها وهو يراقبها وهي لا تراه . يراقبها بسعادة وهي تغمر ليفتها الطرية بالصابون والماء وتفرك بها بشرة جسمها الناعمة ، وفقاعات الصابون الملونة والفراشات الرقيقة تطير من حولها . نهض من مكانه واقترب منها لم تلتفت إليه . كانت تغني بصوت منخفض وهي تمرر ليفتها على ساقيها وبطنها وذراعيها بانسيابية . كلمها بهمس لم تسمعه . مد يده ليلمسها بأصابعه وهو يشعر بنشوى بالغة وكأنه مراهق يري أنثى عارية لأول مرة ، لكن أطراف أصابعه لمست الرغوة فقط واختفت هي من أمام عينيه . فتح عينيه على غرفته المظلمة ونهض بسرعة وتوجه للحمام . فتح الباب فربما يراها تستحم حقا ، لكنه وجد الحمام خاليا فابتسم وهو يشعر بالأسف لأن ما حصل كان حلما فقط وعاد لسريره ونام

    ردحذف
  8. الفصل الرابع

    انتهت الامتحانات ولم يبقى سوى انتظار ظهور النتائج في الصفحة المحلية بعد أيام .هذا ما كانت تفكر به كاميليا والذنب يلازمها لانشغالها بعماد طيلة الامتحانات .كانت تخشى أن تنخفض نسبتها المئوية ولا تقبل في جامعة الملك فيصل كما أن والدها رفض فكرة دراستها في الرياض أو جدة عندما ناقشته بالأمر . كانت تخشى أن لا تقبل في الجامعة وتضطر للدراسة في كليات البنات وتقضي مستقبلها في دراسة الرياضيات أو الفيزياء .ولكنها اقتنعت بأن النسبة المئوية ليست بتلك الأهمية على قبولها فالواسطة أهم من أي شيء أخر.

    أخرجها رنين هاتفها الجوال من أفكارها .كانت سماح هي المتصلة وتريد أن تذهب معها لزيارة الطبيبة النسائية في مجمع العيادات الطبية فمنذ شهرين والميعاد الشهري متأخر .حاولت أن تطمئنها بأن السبب هو قلق الامتحانات بالتأكيد لكن سماح أصرت على الذهاب فوافقت على الذهاب معها . في السيارة اعترفت لها بأنها تخشى أن تكون حاملا فهي تقابل خطيبها بين فترة والآخر بعد عقد قرانها دون علم والديها وأشقائها . أجرت الطبيبة فحوصها وكانت النتيجة إيجابية فهي حامل منذ أكثر من شهرين .بكت سماح ولم تستطيع العودة لمنزلها فدعت لاجتماع طارئ مع بقية الصديقات في منزل أمل وبختها بعنف وكذلك نسرين و كاميليا وطلبن منها أن تخبر خطيبها أولا وليشارك في مواجهة الأمر . جلس يحدثان في الأمر وساد الجو الكآبة عندما بدأت سماح تنشج بالبكاء وأمل تحسب لها شهور الحمل عندما تتزوج ، ستكون في الشهر الرابع وسينكشف أمرها بالتأكيد ،ولن تتمكن من إخفاء الأمر على عائلتها .
    كان اجتماعهن كئيبا على غير العادة ، فهن كن دائما يستمتعن بمشاهدة الأفلام أو يغنين ويرقصن ، وأحيانا يخترن موضوعا تعليق بحقوقهن المسلوبة ويناقشن فيه، كالسفر وتصريح ولي الأمر ، واختيار شريك الحياة ، وقيادة السيارة ، إلا أن أحاديثهن في الفترة الماضية انصبت على الاستعداد لزواج سماح . لم تستمتع كاميليا بجو الاجتماع فقد كان حزينا وجعلهن يناقشن قضية الزواج مع وقف التنفيذ الذي عانت منها الكثيرات وها هي صديقهن إحدى ضحاياه،وقررن أن يجتمعن في اليوم التالي فربما تتحسن حالة سماح النفسية ويعتدل مزاجها

    *****

    جلست كاميليا في غرفتها قلقة وخائفة وسعيدة وحزينة ، كانت مضطربة المشاعر والأفكار ، مشغولة التفكير فجزء من أفكارها في نتائج الامتحانات ، وجزء مع سماح وحملها ، والجزء الأكبر مع من سرق عقلها وقلبها فجأة . لم تكن تؤمن بالحب من أول نظره فهي لم تجده إلا في الأفلام الهندية ولكنها لم تفهم ما أحدثته نظرات عماد . هل أحبته من النظرة الأولى ؟.. لا .. لم يكن حبا ، ربما هو إعجاب ، أو انجذاب أو (حاجه كده) لا تعرفها . ربما يكون حبا ، فلم يكن ذلك اللقاء هو الأول ولا النظرة الأولى فهي تعرفه منذ طفولتها . ولكن لماذا لم تفكر به قبلا وبنفس الطريقة .لماذا الآن تتوق لرؤيته لتأمل ملامح وجهه وعينيه . خطرت ببالها إخبار ناهد بالأمر لترشدها وأجلت ذلك عندما اتصلت بها نسرين تدعوها لجلسة فضفضة , فذهبت لأمها الجالسة في المطبخ وهي تخبز كعكة التمر اللذيذة ، جلست على الطاولة وأخبرتها بأنها ستذهب لمنزل نسرين ، فطلبت منها أن تستأذن من والدها قبل أن تخرج . تأففت فقالت لها أمها :
    - أخبريه يا ابنتي فأنا لا أريد مشاكل معه .. لو خرجت بدون علمه سيوبخني وأنا لست ناقصة .. وربما يظن بأنك ذهبت لزيارة ناهد.

    شعرت بفرح يغمرها ولأول مرة تضع نصب عينيها هدفا آخر من زيارتها لنسرين ،فربما ترى عماد .شعرت بالتوتر قليلا ولكنها سرعان ما أخمدته وبدأت تصفف شعرها وتضع الكحل الأسود والقليل من أحمر الشفاه البراق ، وزادت جرعة عطرها . تساءلت عن سبب لفتها عليه ، وعن زينتها التي أرادت لفت نظره بها ، ارتدت عباءتها ودعت ربها أن تراه ولو من بعيد . أرادت أن تفتنه أو تثير في نفسه عاطفة ما . ابتسمت أمام المرآة وشعرت بأن نيتها شيطانية . لم ترد أن يكون حلما في خيالها ولا تطاوله بيدها .لابد أن تدير رأسه وتتأكد من نظراته .

    ردحذف
  9. كان عماد جالسا مع والديه وأخته وزوجها بعد أن تناولا الغذاء ككل يوم جمعة .رجف قلبه بقوة عندما طلبت أخته منهم الانتقال لمجلس الرجال قبل وصول صديقاتها ، وراح يخطط بطريقة ما تمكنه من رؤية كاميليا التي جاءت بصحبة شذى وسماح واستقبلتهن نسرين في غرفة استقبال النساء المطلة على الصالة الكبيرة .
    جلسن يتحدثن عن دراستهن فقالت كاميليا:
    - والدي يريد مني الالتحاق بالحقل الطبي وأنا أيضا أريد ذلك .. , وأفكر جديا بالمختبرات الطبية .. لكني خائفة فأدائي في الامتحانات لم يكن بمستوى الذي أطمع إليه .
    قالت أمل :
    - رئيس التحرير في جريدة " اليوم" صديق لأخي .. لذا سأطلب منه أن يخبرنا بالنتائج وقت ظهورها وخصوصا بأن الإشاعة المنتشرة هذه السنة بأن الأسماء ستعلن مع التقدير ومجموع الدرجات .
    أومأت نسرين معلنة موافقتها ، وقالت كاميليا وهي تضحك :
    - أرجوكم ..أنا صديقتكم المخلصة .. تذكروني وطمأنوني فأعصابي لا تحتمل .

    ضحكت نسرين وأخبرتهن بأن ما يحدث لها هو الأدهى فوالدتها تصر على التحاقها بكلية الطب رغما عنها وهي لا تستطيع مخالفتها .ووالدها سيبذل المستحيل من أجل تحقيق ذلك وهو مستعد لدفع أي مبلغ لأي شخص يساعد في ذلك . تحدثن وظلت سماح صامته فلا شيء يهمها ، لا معدل ولا الجامعات والواسطات وتشعر بتفاهة حديث صديقاتها .كان لديها همها الأكبر ، حملها وحفل زفاف الذي أصبح في خبر كان فوالديها ألغيا كل ما كنت تستعد له منذ عام .
    لقد أصبحت امرأة وصديقتها مازلن يناقشن مواضيع لا تهمها وتقدمت عنهن بكثير .

    ظل عماد حائر لا يريد الخروج من المنزل وكاميليا موجودة ، وهي قريبة منه ولا يستطيع أن يراها . صعد لغرفته وأستحم وهو يفكر بها .لبس ملابسه ، بنطلون وقميص أبيض اللون وشعره مصفف بطريقة أنيقة .جلس ينظر إلى نفسه في المرآة وهو ممسك بالورقة التي كتب عليها رقم هاتفها وسرعان ما خبأها في جيبه عندما جاءت أمه . جلست على السرير وقالت له بابتسامه :
    _ أراك متغيرا هذه الأيام .. ما الذي بحدث لك ؟
    ابتسم وقال برضا :
    - ما يحدث بأنني قررت أن أغير مجرى حياتي الرتيبة ..وربما في الأسابيع القادمة أطلب منكِ الذهاب لخطبة الفتاة .
    أرادت أن تستدرجه فسألته :
    -وأي فتاة ؟.. أراهن بأنك تعرف ولا تريد إخباري..ألست أمك ؟.. لماذا لا تصارحني .


    ضحك وطمأنها بـأنه سيجد الفتاة المناسبة له ولها وسيطلب منها أن تذهب وتخطبها . تركته في غرفته فأخذ محفظته وخرج ، مشى بخطوات بطيئة نحو المصعد الكهربائي ورآها وهي تصعد الدرج ، نظر لها مبتسما وهي مطأطئه رأسها وخائفة أن يرى أحد ملامح وجهها التي تغيرت عندما رأته .
    لم يشعر بوجود أحد معها ، رجع خطوتين إلى الوراء ورآها تشيح بوجهها عنه وتدخل غرفة نسرين .

    ردحذف
  10. في المقهى القريب من شاطئ الدمام بجلستها العربية المفتوحة ، الناس جالسون يشربون الشاي ، والمشروبات الباردة ، والبعض يدخن الشيشة وبغضهم يستمتع بالوجبات الخفيفة المقدمة رغم الجو الحار ، وصوت فيروز يصدح بكبرياء وعزه ..

    " أعطني الناي وغني فالغناء سر الوجود
    وأنين الناي يبقى بعد أن يغني الوجود
    هل اتخذت الغاب مثلي منزلا دون القصور
    فتتبعت السواقي وتسلقت الصخور
    هل تحممت بعطر وتنشفت بنور
    وشربت الفجر خمرا في كؤوس من أثير "

    جلس عماد مع فيصل وماجد في المقهى يشربون القهوة التركية وهم يتحدثون ، كان عماد يشرب فنجان القهوة دفعة واحد ويطلب غيره وهو مشغول الفكر ولا يشاركهما أحاديثهما إلا بابتسامة تائهة لا تدل على شيء .
    لاحظ صاحباه شروده ، فقد كان يستمع لفيروز بصمت والابتسامة تعلو وجهه وفجأة نطق بطرب :
    - آه .. كم أنتِ عظيمة يا فيروز.
    ضحك ماجد وقال له :
    - ما بك ؟.. أرى أن هذه الأغنية أطربتك بشدة .
    أكمل يمازحه:
    - هل قطعوا سرّك في لبنان ؟ .. لقد أثرت على العاملين هنا فأصبحوا يضعون أغنيات فيروز إذا جئت تسهر هنا .
    قال فيصل بابتسامة وهو يغمز لماجد :
    - لا أعرف ما الذي حل بابن عمي المسكين .
    خاطبة ماجد ممازحا:
    - ألا تمل من فيروز .. استمع لغيرها يا أخي .
    تحسس شاربه وقال بابتسامه :
    - الطبقة موجودة في كل شيء حتى في الغناء والذي يستمع لفيروز يختلف عن الذي يستمع للطقاقات .

    أغاظهما فضحكا وعاد هو لصمته وشروده وصاحبيه يتحدثان ويضحكان .ظل مشغول الفكر طوال الوقت وحتى عندما خرج من المقهى مشى بسيارته بدون هدى . قطع شارع الخليج ذهابا وإيابا مرتين وهو شارد الذهن .
    ذهب إلى جزيرة المرجان وجد المكان خال ومظلم لا أثر به لأحد والنور القادم من أضواء الشارع والسيارات يبعث القليل من الضوء.
    ترجل من السيارة ومشى بخطى بطيئة نحو البحر ، تخطى حاجز الصخر الكبيرة والتقط حجر صغير رماه بقوة . تنهد وصورة كاميليا تظهر أمام عينيه ، وأحس بالحاجة لسماع صوتها وللحديث معها . عاد لمنزله وألقى نفسه على السرير وهو ممسك بهاتفه ، قال في نفسه (لو يمكنني الحديث معها .. لو أستطيع أن أتصل بها وأخبرها بأني اقضي ليلي سهرا منذ رأيت عينيها .. وحياتي انقلبت رأسا على عقب).
    ظهرت فجأة ووقف من بعيد ، كانت هي بكل تأكيد ، عينيها والكحل الأسود والرموش السواء الطويلة ، وحبة الخال الناعمة .
    أقترب منها أكثر وأمواج البحر تفصله عنها .. ورجل مخيف يريد الاقتراب منها .. كانت خائفة وتلك الصخرة ستسقط عليها من أعلى المنحدر الجبلي ..أراد أن يتكلم لكنه لم يستطع ..أراد أن يحذرها أو يومئ لها ولم يتمكن .. طلبت منه المساعدة ولم يلبيها .. كانت ترجوه بدموع حارة وهو صامت ويديه مكبلتين .. وفجأة سقط هو في الماء وسقطت الحجارة من فوقه وظل يعوم في الماء .
    أستيقظ عماد من النوم فزعا ، وتلفت في الغرفة وعرف بأن ما رآه كان حلما مزعجا ولا بد أن كاميليا نائمة في منزلها براحة .نهض من سريره وهو يستعيذ بالله . نظر إلى الساعة وهي تشير إلى الثالثة فجرا ، خرج من غرفته ومر بغرفة نسرين وسمع صوت التلفزيون عال جدا .
    دخل وآثار النعاس والانزعاج ظاهر عليه فسألته أمل باندهاش :
    - ألم تنم بعد ؟
    لوى فمه وأخبرهما بأنه نام واستيقظ مذعورا بسبب حلم مزعج ، وسألهما:
    - وأنتما ما الذي تفعلانه في هذا الوقت ؟
    أجابته أخته :
    - كنا ننتظر اتصال فيصل .. واتصل بنا قبل ساعتين وأخبرنا بأننا نجحنا بتقدير جيد جدا والمعدلات لم يعلن عنها .. وسيبدأ التسجيل في الجامعةالأسبوع المقبل .

    ********

    ردحذف
  11. ستلقت كاميليا على سريرها تراقب الشمعة التي أشعلتها وهي تفكر بعماد وتتساءل عن انجذابها له . ماذا لو كانت مخطئة ودقة قلبها له مجرد إعجاب بشاب بمواصفاته .ربما كانت تتخيل نظراته التي تحاصرها ، وهو لم يعتمد النظر إليها ذلك اليوم وأنها ألفت كل هذه الحكاية وصدقتها .ربما لم تكن موعودة به وكل ما حدث لها مجرد صدفة . ربما نظراته وسحرها هي من توهمتها ، كانت نظرات عادية وهي من جعل منها نظرات ساحرة . ربما كانت تتخيل كل هذه الحكاية وتختلق كل ما حدث كأي فتاة سعودية بلهاء سرعان ما تفسر نظرة الشاب العادية لها بأنها حب وغرام وتنسج قصة حب خرافية تتمناها أو تحلم بها. جل ما كانت تخشاه هو أن تكون فتاة واهمة فسرت نظرات عابرة لرجل له عينين سوداويين قويتين وآسرتين لخيال وقصة ورواية من تأليفها .
    وربما وقعت في فخ نظراته ونجح في اصطيادها بمحاولة إظهار نفسه بالصورة الذي رأته فيها . نهضت واقتربت من الشمعة ولهبها يتراقص فنفخت فيها بفمها وعادت إلى سريرها . تقلبت وهي تفكر به ، وتمنت لو تعرف ما الذي يدور في خلده عنها . هل لفتت انتباهه وكيف يفكر بها . تمنت لو تكون بين يديها قوة خارقة تستطيع الدخول من خلالها إلى قلبه ومعرفة ما يدور فيه .لو يخبرها عن قلبه منجم أو ساحر أو عالم فلك ليفك لها سر نظراته القوية والساحرة وليكشف لها الغيب المختبئ وراءه ووراء جاذبيته واندفاعها نحوه.

    ردحذف
  12. الفصل الخامس


    ( ما به هذا الرقم يتكرر في هاتفي ..من يتصل بي؟ ..سأرد عليه هذه المرة ) ، هذا ما كنت تفكر به كاميليا وهي جالسة في غرفتها وممسكة بهاتفها تنظر إلى الرقم المجهول في قائمة المكالمات التي لم يرد عليها .فكرت بإخبار أختها فذهبت إليها وعلامات الحيرة ترتسم على وجهها ،قالت لها:
    - لدي رقم يتكرر منذ ثلاثة أيام ..نفس الرقم ونفس الوقت .. في التاسعة مساءا
    - قد يكون خطأ ..احقريه .
    هزت كتفيها بلامبالاة لكنها التفتت بسرعة إلى هاتفها الذي رن يعلمها باستلام رسالة نصية ، وقرأتها فضول ..( مساء الخير كاميليا ..اتصلت بك عدة مرات ولسوء الحظ لم تجيبني ..أود الحديث معك بأمر هام وسأتصل في تمام العاشرة .. شكرا) .وضعت يدها على فمها وقالت لأختها باستغراب :
    - إنه يعرف اسمي ..لقد أرسل رسالة هذه المرة ..من يكون يا ربي ؟
    أخذت شذى الهاتف وقرأت الرسالة وقالت لأختها :
    -الساعة الآن تشير إلى التاسعة والربع ..بقي خمس وأربعون دقيقة ..أجيبي لنعرف من المتصل .
    مرت خمس وأربعون دقيقة وكأنها خمس وأربعون سنة ،مرت بثقلها وطول شهورها وأيامها السوداء والبيضاء والملونة . كانت تنظر إلى الساعة كل حين وتمنت لو كانت لها سلطة على الوقت لأجبرته على المرور بمشيئتها ، وعلى هذا الحال مرت الدقائق والساعة الآن تشير إلى تمام العاشرة . اقتربت شذى من أختها وظلتا تترقبان الاتصال ورن الهاتف وظهر الرقم المجهول على الشاشة . ترددت كاميليا في الإجابة وتحت إصرار أختها أجابت :
    - آلو
    - مساء الخير كاميليا .. ألف مبروك لنجاحك ونيلك شهادة الثانوية . بلعت ريقها وهي تفكر بهذا الصوت الذي سمعته قبل الآن سألته بتحفظ شديد عن هويته فقال:
    - عذرا .. نسيت أن أعرفك بنفسي ..أنا عماد الغانم .. شقيق نسرين. سكتت وكأن أحد سكب عليها ماءا باردا ، كانت مندهشة وعينيها الواسعتين تدلان على ذلك . ظلت صامتة وعماد ساكت أيضا ثم قالت له بعد لحظات :
    - وماذا تريد ؟ ..لماذا تتصل بي؟

    ردحذف
  13. عتذر على جرأته بالاتصال بها وقال :
    - صدقيني رقم هاتفك بحوزتي منذ مدة وأنا متردد في الاتصال .. أخشى فهمك الخاطئ لي .
    وبنبرة غاضبة سألته :
    - من أعطاك رقم هاتفي ؟.. ولماذا تتصل بي ؟
    سكت مترددا ثم قال :
    - أخذت الرقم من هاتف أختي دون أن تدري .. أنا لست عابثا ومن حقي أن أتكلم ويجب أن تصغي لي.
    ظلت كاميليا ساكتة وعماد مسترسل في الكلام :
    - لقد سمعت صوتك صدفة عبر الهاتف .. وصدقني بأني لم أنم ليلتها ونغمة صوتك ترن في أذني .. تعمدت الذهاب لمنزل عمي عندما عرفت بذهابك ..أردت أن أرى صاحبة الصوت الذي تغلغل في أعماق روحي .. ومنذ ذلك اليوم وأنا مشدود لك بقوة لا أجد لها تفسيرا .. سكنتِ في أيامي وأصبحت حياتي جميلة .
    تنهد وظلت ساكتة ومذهولة ولا تعرف ما الذي تقوله أمام كلماته التي تسللت إلى قلبها بدون ممانعة . أحست بصدقه ولم تجد خيارا سوى ذلك ، لكنها قالت :
    - وما الذي تريده مني الآن ؟
    - أنا عازم على إخبار والدي بالأمر لكي أتقدم لخطبتك ..وآثرت الاتصال بك أولا فربما تكونين مرتبطة أو لك رأي آخر..كما أن فارق السن أقلقني ..أرجوك أجيبيني وأعلمي بأن هذا الحديث الذي دار بيننا لن يعرف به مخلوق .. نحن على أبواب الألفين وليس من المعقول أن أذهب لخطبة فتاة كما خطب جدي جدتي .
    ظلت ساكتة للحظات فسألها :
    - هل أنتِ مرتبطة ؟
    لم تتمكن من الكلام وقلبها يدق بقوة عجيبة ، وبصعوبة نطقت وأخبرته بأنها غير مرتبطة ، وبسرعة لا مت نفسها لأنها تجيب على سؤال رجل أتصل وقال لها بأنه مشدود لها ويريد الزواج منها وهي صدقته . لكنها أحست بسعادة وهو يقول :
    - هذا من حسن حظي .
    لم تنطق بكلمة فتابع حديثه بثقة :
    - ستجدين فيّ كل ما تتمنيه .. لن تجدي من يحبك مثلي .. أنا الصديق الذي ستجدين معه نفسك كلما احتجت إليه والذي سيقف بجانبك دائما ..والحبيب الذي ستشعرين بعاطفته وحبه وتعتمدين عليه في كل الأحوال .
    ترددت ثم قالت له رغم فرحتها باتصاله :
    - أنت تتكلم بثقة ..هل أنا مضطرة لتصديقك ؟
    استغرب كلامها فقال لها بانفعال حاول أن يخفيه :
    - قلبي دلني عليك وأظنه صادق ..لا تستغربي اندفاعي نحوك فأنا لا أعرف ما الذي يحدث لي ..إنه النصيب .
    لم تعرف ماذا تقول أمام كلماته التي اخترقت أذنيها ووصلت لقبلها مباشرة ، لكنها آثرت صده حتى لا يظنها فتاة خفيفة تذوب أمام أول كلمة تسمعها من شاب . قالت له باختصار :
    - لست مضطرة لأن اصدق كلامك .. اعذرني علي أن أنهي المكالمة .
    تنهد بغضب لصدها ثم قال :
    - لن أخبركِ بأني صادق فهذا يجب أن تكشفيه بنفسك ..آسف لإزعاجك وسامحيني على اتصالي .. مع السلامة .

    شعرت بأنها خائرة القوى وكأنها ريشة أو ورقة تحركها الرياح في كل الاتجاهات . رمت نفسها على السرير وهي تقول لأختها بأنها لا تصدق ما يحصل لها فلابد أن تعيش في حلم . قرصت شذى خذها وسألتها عما يريده عماد منها فأجابتها :
    - لست مجنونة ولا مهووسة ولا موهومة .. لم أكن وحدي مشغولة الفكر .
    سألتها أختها عما قاله لها فقالت :
    - حصل على رقم هاتفي من جوال نسرين وبقي مترددا لفترة .. هذا فقط .
    أمسكت شذى بيد أختها بقوة وقالت :
    - هل بدأت تخفين عني أمورك؟ مضت أكثر من ربع ساعة وأنتِ ممسكة بالجوال وهذا ما قاله فقط ..؟
    - قال بأنه يريد أن يمضي عمره معي .. ويريد أن يتقدم لخطبتي .
    سألتها إذا ما كانت أخته تعرف بالأمر فقالت :
    - لا أظن ذلك فلقد وعدني بأن مخلوقا لن يعرف بحديثنا .. لا أريد أن يسيء أحد التفكير بي حتى أنني أخبرته بأني لست مضطرة لصديق كلامه.

    حذرتها أختها فقد يكون متلاعبا ، وسجل مكالمتها ليقوم بأمر ما في نفسه ، فهي لا تستبعد شيئا عن أولاد إبليس ، لكن كاميليا دافعت عنه فهي تعرف بأنه مختلف عن الجميع .
    -عماد غير .. هو عاقل ورزين .
    قالت ذلك دون أن تخفي حماسها لمعرفته عن قرب، لتعرف ماذا في قلبه وعقله وأفكاره فلن تكتفي بحب عينيه . تخيلت نفسها تعيش قصة حب معه . كانت متلهفة لمعرفته أكثر ، بيد أن لهفتها لم تبدد خوفها من أن تكون واحدة ممن يتحدث عنهم الناس ، كم هو بشع أن تصبح فتاة حديث المجتمع والناس في القطيف . سيروون قصتها مع حبيبها وسيحرفونها وسيغيرونها وسيضيفون عليها أحداثا لم تحدث . تخاف أن تعرف صديقتها بذلك وينتقدانها كما ينتقدن سماح التي تعرفت على خطيبها في إحدى منتديات الانترنت ومن ثم قابلته عدة مرات وهما الآن خطيبين وسيتزوجان قريبا وسينجبان طفلهما الأول.

    ردحذف
  14. ظلت كاميليا تتحدث مع أختها بشأن عماد واتصاله المفاجئ حتى جاءت أمهما تدعوها لتناول العشاء وتتذمر من جلوسهما في غرفهما معظم الوقت وأردفت :
    - هيا تعالا معي لتناول العشاء فوالدكما وعمكما ينتظران .
    قالت شذى بتذمر :
    - أف .. عمي عبد العزيز هنا .
    حذرتها أمها :
    - أحفظي لسانك يا ابنتي وهذا عمك الكبير والوحيد ..وكوني لبقة في الحديث عنه حتى لا يغضب والدك منا
    تبادلت كاميليا وشذى النظرات وتبعتا أمهما التي توجهت إلى المطبخ لتساعداها . وضعت كاميليا الأطباق على طاولة التقديم وبدأت تدفعها إلى غرفة الطعام وشذى تتبعها ، رتبتا الأطباق وبعدها ذهبت الأم تدعو زوجها الجالس مع أخيه يتحدثان بموضوعات تتعلق بعملها . تفادت كاميليا النظر لوالدها الآتي بصحبة عمها وشقيقها الصغيرة (هديل ) وسلمت على عمها وتبعتها شذى أيضا . رحبت بهما العم عبد العزيز بابتسامة:
    - أهلا بابنتي أخي ..وزوجتيّ ولديّ أيضا
    وألفت عبد العزيز لأخيه وأكمل يقول :
    - ها يا أحمد ماذا تقول ؟ .. كاميليا زوجة لناصر وشذى زوجة لرائد .. بنات العائلة لا يخرجن من العائلة أبدا .
    ضحك الأخوين بسعادة ، لكن أحمد دعاه للجلوس على المائدة وقال له بأنه موافق شريطة أن يتم الزواج بعد أن تنهي كاميليا دراستها الجامعية بنجاح وتتخرج وكذلك شذى أيضا.قال العم لأخيه :
    - وما رأيك بالخطوبة إذن الزواج حالما تنتهي كاميليا من دراستها . فابني ناصر سيسافر أخيرا لينال الماجستير في أمريكا بعد أشهر .. أنت تعرف بأنه طموح وقد عرضت عليه الشركة السفر للدراسة منذ السنوات لكنه رفض .. والآن غير رأيه والنجاح لا يكتمل بدون الدراسة لذا سيسافر وأنا شجعته على ذلك.
    هز رأسه وقال :
    - لكل حادث حديث .
    - أخشى أن تخطب كاميليا لشخص أخر أثناء غياب ولدي .. فالكلام قد يتغير لاحقا.
    وعده بأن كاميليا ستكون لناصر مهما طال غيابه ، وضحكا بسعادة وكأنهما قد أنجزا الاتفاق على صفقة رابحة. تضايقت كاميليا من كلام والدها وعمها وبان الضيق على ملامح وجهها وهي تراهما يأكلان بسعادة . ظلت ساكتة وهي ممسكة بالملعقة تفكر في سرها ولا تعرف ماذا تفعل (ما هذا الذي يحدث لي يا ربي ؟ .. يتصل بي عماد ويخبرني بمشاعره نحوي وبأنه يريد الزواج مني وفي الليلة ذاتها يتفق والدي وعمي على بيعي وشرائي ولكن بالدافع المؤجل .. وبدون أي اعتبار لي وكأن ليست لي أي علاقة بالموضوع). رمت الملعقة على الصحن الفارغ بقوة فأحدثت صوتا ونهضت بسرعة وسط اندهاش الجميع ، ولحقت بها شذى .

    جلست على سريرها والدموع تفيض من عينيها ، قالت لشذى بانفعال :
    - يتفقان على كل شيء وبدون أن يسألاني رأيي بالأمر .. لماذا يحدث لي هذا في اليوم الذي يتصل بي عماد ويخبرني بأنه يريد الزواج بي ؟.. يريدان تزويجي بالمنحط ناصر .
    جاءت الأم فسكتت كاميليا لكن الدموع استمرت في التدفق من عينيها العسليتين ، احتضنتها وطمأنتها بهدوء :
    - لا أحد يستطيع أن يزوجكِ رغما عنك يا حبيبتي .. كما أن والدك قال لعمك بأنه لا زواج ولا خطوبة قبل أن تنهي دراستك .. وهذا الكلام سابق لأوانه .
    قالت لأمها وهي تبكي بأنها لن تتزوج من ناصر لا الآن ، ولا بعد ألف سنة فهو يكبرها بأربعة عشر عاما وسبق له الزواج مرتين وعندما تنهي دراستها سيكون قد بلغ الأربعين . ضمتها أمها لصدها ومسحت دموعها وطلبت منها أن تتصرف وكأن شيئا لم يحدث ، وخرجت .
    مسحت كاميليا دموعها وبدأت تعدل الكحل الذي خربته الدموع ، وقالت شذى :
    -ماذا أقول لعماد لو أتصل بي .. فهو سيخبر أمه وسيطلب منها التقدم لخطبتي بأسرع وقت .. وماذا سيرد عليه أبي ؟ .. وربما يرفضه .
    - أطلبي منه أن ينتظر .. وإذا كان من الذين يقولون كلاما لمجرد الكلام فليذهب بألف سلامة .

    تنهدت وهي تفكر بعماد . هل سينتظرها أربع أو خمس سنوات فخلال أيام تتغير أمور كثيرة في حياة الإنسان وقلبه ..فماذا يحدث خلال سنوات ؟.
    قالت لها شذى بأن هذا أكبر اختبار لصدقه وحسن نواياه واقتنعت بذلك .

    ردحذف
  15. لفصل السادس

    ( لا أحد أتحدث معه ولا أحد أبوح له بما أفكر .. لماذا لا أستطيع إخبار ماجد أو فيصل باني وجدتها .. ما الذي يمنعني ؟ .. هل أخبر أمي وأختي ؟.. هما لن تعودا قبل الفجر فهذا حالهما منذ أن بدأت الإجازة ...سأخبرها بأني أريد الزواج .. متى تعود أمي لأخبرها فهذا ما تتمناه وستفرح بكل تأكيد ).
    هذا ما كان يفكر به عماد وهو مستلق ِ على سريره ، أدار التلفزيون وبدأ يقلب المحطات بحثا عما يشاهده ، لكن عبثا فالليل قد أنتصف ولا شيء يبث غير الأخبار والأغاني والبرامج المملة . أطفأ التلفزيون وقام يبحث بين أسطوانات فيروز التي يرتبها في حامل اسطوانات أنيق ويحتفظ ببعضها في سيارته .أدار الجهاز واستلقى على سريره وبدأ يستمع ..

    نحنا والقمر جيران بيتو خلف تلالنا
    بيطلع من قبالنا يسمع الألحان ..
    نحنا والقمر جيران عارف مواعدنا
    وتارك بقرميدنا أجمل الألوان..

    فتح عينيه في الرابعة فجرا وأمه تربت على كتفه وتوقظه ، فلقد نام بمبلابسه والغرفة مضاءة ومشغل الاسطوانات مازال يصدح بصوت جارة القمر . أخبرها بأنه ينتظرها ولم يخبرها بالسبب . وبعد أن صلى الفجر استلقى على سريره وهو يفكر كاميليا وكيف سيفاتح أمه بموضوع خطبتها ، لابد أنها ستسأله لماذا أختارها بالذات ، حتى نسرين وأمل ستستغربان ذلك . فكر بإجابة يقولها لهن ، سيقول بأنه يريد الزواج بإحدى صديقات نسرين وعندما تعدد له نسرين صديقتها سيختار كاميليا من بينهن ليوهمن بأنه لا يعرفها قبلا . نام على أفكاره لكن الوقت قصير جدا فسرعان ما رن الجوال يعلمه بضرورة الاستيقاظ للعمل .

    أخبره فيصل بأنه تحدث مع الدكتور عبد الكريم ، ووعد بمساعدته في تسهيل قبول نسرين وأمل ، فطلب من ابن عمه الانتظار فلديه شخص يعزه ويود مساعدته في تسجيل أخته . مضت ساعات الدوام مثقلة بالعمل والمواعيد وهو مشغول البال يفكر ويخطط . كيف سيخر والديه ، ومتى يحدد موعد الزواج ويفكر في السكن وبناء الأرض التي يمتلكها . خرج من الشركة عائدا إلى المنزل وفي الطريق خطرت بباله فكرة الاتصال بكاميليا ليسألها عن التخصص الذي تريده برغم الغضب الذي اعتراه في الحديث اليتيم الذي جرى بينهما عندما قالت له بأنها ليست مضطرة لتصديقه . عذرها فهي لا تستطيع أن تظهر له تجاوبها وانجذابها له في هذا المجتمع الفضائحي المحافظ . فكر بأن اتصاله بها سيثبت لها جديته وحسن نواياه . ازدادت دقات قلبه وهو يستمع لرنة الهاتف .. الأولى والثانية والثالثة . كان خائفا من أن لا ترد عليه لكنها أجابته :
    -آلو .
    تنفس الصعداء وهو يسمع صوتها ، فسألها بلهفة ممتزجة بالحذر :
    - مرحبا .. كيف حالك كاميليا .
    أجابت باقتضاب :
    -بخير والحمد الله .
    لم يحبذ إخبارها عن مشاعره وعن الغضب الذي يعتريه كلما تذكر ما قالته ، فقد كانت أول مرة يتصل بفتاة أنجذب لها وتصده. قال لها بتحفظ :
    - اعذريني على الإزعاج .. ولكن ..
    بلع ريقه وسكت ، شعر بأنه غير قادر على الكلام أمام صمتها فتنفس بعمق واستجمع جرأته وسألها :
    - أريد معرفة التخصص الذي ترغبين بدراسته ؟
    سألته باستغراب :
    - ولماذا ؟
    - تعرفين بأن القبول في جامعة الملك فيصل ليس سهلا .. لذا نحن سنتدخل في إتمام الأمر والباقي على الله ..أود أن أحقق لك أمنية تحملين بها فما يسعدك يسعدني بكل تأكيد .
    - شكرا .. لدى والدي واسطة جيدة .
    - زيادة الخير خيرين .
    اضطرت لإخباره بأنها تريد دراسة المختبرات الطبية وسكتت ، لكنه لم يستطيع لجم عنان مشاعره فقال لها بنبره مفعمه بالشوق والصدق :
    -ربما لاتشعرين بما يشتعل في قلبي من عاطفة أشعر بها للمرة الأولى في حياتي .. لا أعرف سببها وإلى ما تهدف .. إلى إني سعيد جدا
    لم يرد أن يقول لها بأنه يحبها رغم إيمانه العميق بذلك ، فكلمة الحب لها وقت وزمان وظروف معينة لم تأت بعد ، تذكر كلام ماجد بأن الاعتراف بالحب يحتاج إلى معاملة ( حكومية طويلة ومعقدة ) . سكتت كاميليا والدهشة من كلام عماد منعتها من التنفس براحة فبدا نفسها مضطربا وهي تستمع لحديثه المسترسل :
    - كنت أفكر بك البارحة طوال الليل وظلت أنتظر والدتي حتى تعود من حفل الزواج الذي تحضره وغفوت قبل وصولها .. سأخبرها اليوم .
    ظلت كاميليا ساكتة وهي ترتعش رعشة غريبة ، ليست رعشة خوف أو برد إنما رعشة مختلفة ، فباغتها بسؤاله :
    - كاميليا .. هل تسمعينني ؟
    - نعم بالتأكيد .. ولكن ..
    أحس بارتباكها فقال :
    - ولكن ماذا ؟!
    - لا تتقدم لخطبتي الآن .. دعنا نؤجل الأمر قليلا.
    أنتفض وقال بخوف :
    - ولماذا .. ما الذي حدث ؟
    أحس بأنه مشتت بين ما تقوله وبين قيادة فأوقف سيارته في جانب الطريق . قالت له:
    - والدي يرفض فكرة الزواج قبل إنهاء دراستي الجامعية .. وهذا مبدأ عنده ولا يمكن أن يغير رأيه .. هو يرفض الخطوبة أيضا فلقد رفض خطوبتي لابن عمي رغم اقتناعه به كزوج مثالي لي .

    ردحذف
  16. حاول أن يقنعها بأن رفض والدها لابن عمها لا يمنعه من المحاولة ، ولكنها فضلت أن لا تعرضه لموقف محرج . سكت للحظات ثم سألها :
    - وأنا .. ماذا عليّ أن أفعل ؟
    أخبرته بالحقيقة التي ستفيدها لتتيقن من صدق نواياه :
    - سأقول لك ما قاله والدي لعمي .. انتظرني حتى أتخرج من الجامعة .. صدقني هذا أفضل .
    - أنتظرك !؟ .. ولكن .. من هو ابن عمك ؟
    - لا عليك منه .. عليك من المبدأ نفسه ووالدي لن يغير كلامه .
    سادت لحظات صمت بدت طويلة قطعته تنهيدة خيبة أطلقها من صدره وتابع الصمت حتى قالت كاميليا :
    - أنا لا أجبرك على انتظاري فالأمر يعود لك.
    ارتفع صوته وهو يرى المرور تقترب منه :
    - بالطبع سأنتظرك .. أنا لم أصدق بأنني وجدت الفتاة التي أريدها شريكة لحياتي وهذا لم أحصل عليه بسهولة .
    طلب منها أن يظلا على اتصال، فهو يريد سماع صوتها وأخبارها والاقتراب منها والتعرف على شخصيتها فهما قد زرعا نبتة صغيرة في تربة صالحة وهذه النبتة تحتاج إلى العناية والماء والغذاء ، وختم كلامه :
    - دعيني أتعرف عليك أكثر .
    أعجبها كلامه فلطالما كانت قضية اختيار الشريك المناسب قضيتها وتأثرت بها وتبنتها منذ طلاق ناهد .

    **********
    تأفف وهو يفكر بالسنوات التي ستفصله عن كاميليا ، أربع سنوات بكامل شهورها وأيامها وساعاتها ودقائقها وثوانيها . فرك جبينه بإصبعه وفكرة أنها تكذب بشأن ابن عمها تنخر في عقله .لكنه تراجع عن ذلك بسرعة فلو أنها لا تريده فلا داعي لتجيب على اتصاله . وفجأة توقف عن التفكير لأن باب غرفته يطرق . دخلت أمه وهي ممسكة بكأس من الماء ، جلست بجانبه وقالت له :
    - أخبرني والدك بأن فيصل تحدث مع أحد معارفه من أجل التحاق نسرين وأمل بالجامعة .
    هز رأسه وطمأنها بثقة بأن كل شيء سيكون على ما يرام فالرجل نافذ وواسطته جيدة . شربت سميرة رشفة من الماء ووضعت الكأس جانبا وقالت :
    - إذا ظهرت النتيجة والتحقت نسرين بكلية الطب سأقيم حفلة كبيرة
    كان ذهنه مشغول بكاميليا وأمر تأجيل الخطوبة فلوى فمه وقال :
    - جيد
    عضت سميرة على شفتيها وقالت لابنها بحنق :
    - ولماذا تتكلم معي بدون نفس ؟
    أومأ رأسه نافيا ذلك ، فسألته إذا كان سيخرج مع ماجد الليلة فهي تعرف بأنه لا يحب الذهاب لمكتب والده كثيرا . تنهد بقوة وأجابها :
    - مزاجي سيء ولا يسمح لي برؤية أحد .
    رمت أمه بكأس الماء الذي بيدها وتساقط على رخام الغرفة وتحول إلى شظايا متناثرة وقالت لابنها بغضب :
    - ولماذا لا يسمح لك مزاجك؟ ..أنت لا تعجبني أبدا وتتصرف وكأنك مريض نفسيا.
    تنهدت وأردفت والدموع تملأ عينيها :
    - أنا تجاوزت أكبر معضلة صادفتني في حياتي كلها .. عندما قتل علاء أحسست بأن الدنيا بالنسبة لي انتهت وبأني لن أرى يوما سعيدا لبقية عمري ..ظلت خمس سنوات وأنا أتعذب وعندما أعدم ذلك البائس أحسست بالراحة وتجاوزت هذه المحنة بقوتي وصمودي .. عشر سنوات مضت وأنا مازالت أتذكر كل شيء وكأنه حدث البارحة لكني يجب أن استمر في الحياة من أجل أولادي وزوجي ..وهذا لا يمنعني من تذكر علاء والبكاء عليه يوما ..وأنت مازلت مكتئبا لانفصالك عن امرأة ستتزوج بعد مدة وجيزه.

    لم يتمكن من الرد على كلام أمه فظل ساكتا وهو يرى دموعها بدأت تترقرق من عينيها السوداويين التي ورث سوداهما عنها ، وأكملت تقول :
    - لا تحاول إيهامي بأن انفصالك عن سوسن ليس سببا لحالتك هذه
    أقترب منها وضمها إليه وهي تبكي على صدره ، فقال لها متأثرا :
    - كوني متأكدة بأن سوسن لا تعنيني البتة .
    مسح دموعها بيديه وقال لها مطمئنا :
    - لا تقلقي عليّ وسأتزوج بفتاة أفضل منها ولكن ليس الآن ..سأبدأ ببناء المنزل وسأؤثثه ومن ثم سأخطب الفتاة المناسبة ونتزوج بدون تأخير .
    زمت شفتيها وسألته:
    - ومتى ؟
    ابتسم وقال :
    -ربما أحتاج لأربع سنوات ليكون كل شيء جاهزا .
    - أنت تستطيع أن تنتهي من ذلك قبل أربع سنوات ..فلما الانتظار ؟
    قبل يدها وأجابها :
    - وهل تظنين بأني سأبني منزلا عاديا ؟!.. سيكون منزلي تحفة فنية تخطف الأنظار ..أريده أجمل بيوت القطيف لذا يحتاج وقت طويل .
    هزت رأسها وأخبرته بأنها ستخرج مع زوجة عمه وستطلب من الخادمة أن تأتي لتنظيف الزجاج المتناثر . خرجت أمه فأقفل الباب وأمسك بهاتفه ليتحدث مع كاميليا ولكنها لم ترد ، فبقي يتساءل ..لمذا لا ترد ؟ ومع من كانت تتحدث قبل قليل ؟ .. هل تشعر بالذي يشعر به وهو جالس لا يعرف ماذا يفعل ؟

    *****

    ردحذف
  17. نالت كاميليا مباركة ناهد التي تلت عليها ما قاله جبران خليل جبران (إذا أومأ الحب إليكم فاتبعوه ، وان كان وعر المسالك ، زلق المنحدر . وإذا بسط عليكم جناحه فاسلموا له القياد ، وان جرحكم سيفه المستور بين قوادمه ) . فكرت بعماد وبالسنوات التي ستفصلهما ، وتخشى أن تأخذه هذه السنوات بعيدا عنها فليس بينهما رابط أو وعد ، فهي سمعت عن الكثير من العلاقات التي دامت أقواها سنة . ودائما ما تكون علاقة عبثية قائمة على التسلية والفراغ القاتل لفتاة وشاب لا يجدا ما يفعلاه في حياتهما . لم تسمع بعلاقة حب حقيقة . علاقة صادقة بين قلبي عاشقين تحلم بها أي فتاة وتعرف بأنها لن تجدها وفي الآخر ستزوج بطريقة تقليدية بكل تأكيد . لم تكن مدركة لما تشعر به ولا التفكير الذي يسيطر عليها ليلا ونهارا . وفجأة فكرت بوالدها العصبي المزاج الذي يخفي طيبته عنهم . ماذا لو عرف بأنها تتحدث مع شاب فماذا ستكون ردة فعله . لو عرف أن بنات القطيف اللاتي لهن علاقات مع شباب ازددن واحدة . لم ترد أن تتخيل ما الذي يمكن أن يفعله بها وتوقفت عن التفكير عندما وصلت نسرين وخرجت معها .

    قضت وقتا طويلا مع أمل ونسرين في التسوق ولم تذهب سماح المتأزمة بسبب موقف عائلتها وأخوتها من حملها . عادت إلى المنزل قبل أن ينتصف الليل فغدا ستذهب إلى الجامعة للتسجيل وسيصطحبها والدها بنفسه .جلست في غرفتها الزهرية اللون كأحلامها التي اصطبغت باللون ذاته عندما رأت عماد لأول مرة ، قالت لأختها وهي ترتب أوراقها في ملف أخضر :
    - لقد أخبرت عماد بأن والدي رفض خطوبتي بابن عمي قبل أن أنهي دراستي الجامعية .. وعليه أن ينتظرني إذا كان جادا فيما يقول .
    تنهدت وأردفت:
    - أنا لاأعرف ماذا أفعل ؟..بقيت أفكر به وأنا مع نسرين وأمل ..صورته لا تفارق مخيلتي ..ماذا لو عرفت نسرين بما بيننا ؟

    اقتربت شذى منها وحذرتها من إخبارهما فهما ستنتقدانها بكل تأكيد فدائما ما كانتا توبخان سماح لعدم تحفظها في علاقتها مع خطيبها . حتى كاميليا كانت مثلهما بالأمس القريب ولكن عماد غيّر كل أفكارها . رتبت أوراقها وكتبت موافقة ولي الأمر مطلوبة ووقعتها نيابة عن والدها وهي تشعر بالسخافة . رن هاتفها وكان عماد هو المتصل ، كانت متلهفة على الرد، فردت:
    -آلو
    جاءها صوته مفعما باللهفة والقلق فلقد اتصل بها مرتين ولم تجبه ، قال لها :
    - أين كنت يا كاميليا؟
    ابتسمت وهي تستشعر قلقه عليها ، فسكت للحظة ومن ثم قال :
    -هل تفكرين بي كم أفكر بك؟..لا أعرف ما الذي يحصل لي منذ ذلك اليوم الذي سمعت فيه صوتك بالصدفة . لا بد أنني موعود بك.
    كانت تصغي له وهو مسترسل في الكلام :
    - سأنتظرك حتى تنهي دراستك ..ولن أضيع الوقت فلدي قطعة أرض قريبة من منزل والدي و سأبدأ بالتخطيط لبنائها ومن ثم تأثيثها لتكون جاهزة ونتزوج بعد تخرجك مباشرة .. هل أنتِ موافقة ؟
    وافقته وهي تتذكر ناهد عندما قالت لها ( عيشي لك يومين حلوين ) ، وبتردد طلبت منه أن لا يخبر أحد بشأنها وأن تبقى سرا في حياته لا يعلم به أحد ، وسكتت للحظة ومن ثم قالت له بأنها تقصد نسرين وأمل .
    -آه..عماد غير..كامل والصلاة على محمد.
    تنهدت وقالت ذلك لأختها بعد أن أنهت حديثهما معه ، فسألتها شذى :
    - ليش غير ؟
    راحت تشرح لأختها ما تقصده ، فسألتها بفذلكة :
    - ما هي طموحات أي شاب قطيفي ؟
    - فلوس ..سيارة..مغازلة البنات ..والزواج من قطة مغمضة تطيعه حتى لو طلب منها أن ترمي نفسها في البحر .
    وافقتها وزادت على ذلك بأن الشاب أيا كان ، يقضي فترة المغازلة في القطيف وضواحيها إذا كان فقيرا ، وإذا ظروفه أحسن بقليل تجده يتأبط ذراع الروسيات في البحرين ودبي ، ويمشي بثوبه وغترته ومعه شقراء بتنورة قصيرة تشاركه العشاء والسهرة والفراش . وتجدينهم في القاهرة والمغرب ودمشق وبيروت أيضا وإذا كان ثريا فيسافر إلى لندن و(ادجوار رود ) يغص بهم ، إلى أن وصل الإيدز القطيف ببركتهم . أغمضت شذى عينيها وقالت بقرف:
    - وع .. الله يغربلهم .
    - لهذا أنا أحب عماد ومتمسكة به .. نبيل ونظيف ورومانسي..وأنا أستحق واحد مثله .
    إذا الرجل المطوّع أفضل ؟
    - كلا .. فهذا يعرف الكثيرات ولكن بزواج المتعة ..تجدينه يتنقل من امرأة مطلقة لأخرى أرملة بموجب ورقة يكتبها له شيخ ..وآه من الشيوخ ومن ورائهم .
    قاطعتها بانفعال : - لا الصايعين ولا المطوعين .. والحل ؟
    - أن نتعرف على النصف الآخر جيدا قبل الارتباط به..أعرفيه وأفهميه وأحبيه .. علمونا أن الرجل هو العدو علينا الابتعاد عنه وهنا مربط الفرس.
    كانت كاميليا مقتنعة بأن سياسة الفصل التام بين الجنسين المفروضة هي سبب المشاكل العائلية والزوجية والحياة العامة . فالرجل لا يعرف بمن سيتزوج سوى صورة عارضة أزياء جميلة رآها قبل عقد قرآن . والمرأة تتزوج برجل بمواصفات عنترة بن شداد وتكتشف لاحقا أن قلبه قلب بعوضة . لقد أبعدوا المرأة وهمشوها وظلموها عندما قرروا أن يكون صوتها ووجهها واسمها وعملها ووجودها في الحياة العامة عورة .




    @@@@@@@@@@@@@

    ردحذف
  18. الفصل السابع

    أستيقظ عماد من نومه ، صلى وبدل ملابسه وتوجه للصالة لم يجد أحد . أتصل بأمه فأخبرته بأنها بصحبة زوجة عمه في منزل إحدى الصديقات ، وبعدها ستذهبان لمنزل عمته فلقد رجع "عصام وريم " من كندا فجر اليوم وطلبت منه أن يأتي لرؤية عمته التي قرت عينيها بعودة ولديها التوأم . راح يبعث في جواله وأرسل لكاميليا رسالة نصية (أصبحت الحياة في نظري جميلة منذ اعتلائك عرش قلبي ..أيامي رائعة منذ رأيتك ..وأصبح لعمري ثمن غالي ) . ذهب مع ماجد إلى سوق السمك فهو يحب شراء سمك الهامور والكنعد الطازج ، ومن ثم دعه ليذهب لمنزل عمته . استقبلته عمته بعناق حار وعاتبته على عدم زيارتها ، لكنه استطاع التملص منها بحجة انشغاله بالعمل . جلس يتحدث مع عصام الذي استأذنه لاستقبال أحد أصدقاءه ، فأمضى الوقت يتحدث مع ريم مما لفت نظر أمه التي لم تخفِ إعجابها بريم خريجة كلية الطب من أعرق جامعات كندا.

    قضى بعض الوقت في منزل عمته ومن ثم عاد مع أمه التي أبدت له رغبتها الملحة في قبول نسرين في كلية الطب ، وتذكر ردة فعلها عندما تراجع عن السفر للدراسة في أمريكا بعد مقتل علاء ، كانت غاضبة ومصدومة وحزينة ويومها اتهمت والده بأنه من حرضه على التراجع . خشي أن يتكرر الأمر ولكن بصورة مختلفة قليلا فوالده يرفض خروج نسرين من المنطقة الشرقية للدراسة .أبتسم عماد وطمأنها :
    - سيكون كل شيء على ما يرام .. ونسرين أجابت على أسئلة امتحان القبول بطريقة جيدة .
    تنهدت سميرة وقالت:
    - لا تأخذ كلامها على محمل الجد ..لقد كانت تقول بأنها تجيب على أسئلة الامتحانات الثانوية بشكل جيد ومن ثم تكون نسبتها أربعة وثمانون بالمائة فقط ..وأمل لا تفرق عنها كثيرا .. كاميليا أحرزت ثمانية وثمانون ..وسماح المشغولة بخطيبها تفوقت عليهن وأحرزت ثلاثة وتسعون .

    استأذن أمه وصعد لغرفته ليتصل بكاميليا ردت بصوتها الرقيق ، فقال لها بسعادة لم تخلو من العتب :
    - ألم ترِ الرسالة التي أرسلتها .
    أعجبتها كلماته وشعرت بأن لها موسيقى رائعة ، وأكثر ما أعجبها هو اعتلائها عرش قلبه ، فسألته بدلال :
    - وماهي مدة اعتلائي العرش ؟
    - أنتِ الملكة ..وهواك سلطان علي وعلى قلبي مدى الحياة ..منذ العام 1999 وحتى النهاية.

    تحدثا عن بداية تعارفهما وكيف جمعت بينهما الصدفة . ضحكت وسألته ما الذي جذبه لصوتها تلك الليلة بالذات وهي صديقة أخته منذ الطفولة .عرفها طفلة وفتاة مراهقة وأحبها شابة صغيرة تصغره بثمان سنوات . سألها إذا ما لفت انتباهها قبلا فقالت له بعفويتها المعهودة بأنها لم تفكر به كرجل يوما وربما فارق السن هو السبب . فعندما كانت طفلة كان مراهقا ،وكبرت وهي لا تراه كثيرا رغم ترددها الدائم على منزل والده . عندما نظر إليها تلك الليلة بتأمل بان واضحا في نظراته التي أغضبتها أحست بأن شيئا ما قد تغير فيها وانجذابها له كان قويا . قالت له:
    - جذبتني عيناك السوداويين وقوتهما وشخصيتك الرصينة وثقتك بنفسك ..لطالما أحببت الارتباط برجل رزين ولم أحلم بمن يكرني بعامين أو ثلاثة ويكون مراهقا بعد .
    كان يود أن يقول لها بأنه يحبها لكنه وجد صعوبة في قولها صريحة ، فلم يقلها لأحد أبدا .بدأ حدثيه:
    - أشعر براحة وأنا أتحدث معك ..
    بلع ريقه ثم قال:
    - أنا ..
    توقف للحظات قبل أن يتم عبارته ، ثم قال:
    - أنا أحبك.

    ردحذف
  19. شهقت كاميليا ولكن بصمت. شعرت بأنها تحلق في السماء وتطير بغير جناحين ، لم تسمع ما قاله لها بعد ذلك .أنهت حديثها وركضت إلى أختها تخبرها بالحدث الأهم . أعترف لها عماد بحبه ، وهي الآن لا تعرف ما الذي تحسه نحوه . تتوق لرؤيته ولعناق عينيه فهو صاحب أجمل عينين سوداويين رأتهما في حياتها . ربما تحبه ولكنها ظلت تشك ولذا طلبت من ناهد الاتصال به واختباره . وعندما نجح في الاختبار بعدم قبوله دعوة ناهد للتعارف وأغلق الخط فرحت كثيرا . طارت من السعادة عندما أتصل بها يخبرها بقدومه ليحضر لها شيئا لم يخبرها ماهيته . اختارت له وقتا يكون فيه والديها خارج المنزل وطلبت من الخادمة أن تفتح له الباب . كانت سعيدة بهديته ، قنينة عطر "ألور" من شانيل ، وباقة من ورود الكاميليا البيضاء كتب على البطاقة المرفقة (الكاميليا ملكة الورود وأنتِ ملكة حياتي ..أحبك كثيرا وعلى الوعد سأبقى ).

    شعرت بمصداقيته ونبله عندما قبلت مع صديقتها في كلية العلوم الطبية لدراسة مختبرات ، لم تكن قادرة على التعبير عن سعادتها فقد وفى بوعده .لابد أنها موعودة به وبأن السعادة ستعيشها بجانبه . شغلت المسجلة التي أذاعت لها صوت نجوى كرم في أرجاء غرفتها وراحت ترقص بفرح أمام المرآة حتى تعبت .

    "كنت صغيرة وكان يوصيني بيي
    صرت كبيرة وعم بمشي ع الوصية
    إذا بعشق ..بعشق مضبوط
    ما بغلط لو بدي أموت
    سموني الوفية.."

    اتصلت به تشكره والامتنان يغمرها . شعرت بأنها تحبه وتجرب طعما لم تذقه قبلا وتحسه تحت لسانها كطعم العسل . لم تغمض عينيها من السعادة وظلت تتحدث مع أختها حتى وقت متأخر ولم تنم إلا بعد شروق الشمس . استيقظت ظهرا على اتصال أمل تخبرها بذهابهن إلى منزل سماح لوداعها ففجر الغد تسافر . كان الوداع كئيبا وسماح حزينة وتشعر بالنقمة على الدنيا كلها ، ابتداء بإخوتها ونهاية بالمجتمع بأكمله فلو عرف أحد بحملها لأصبحت حديث الناس.

    ردحذف
  20. لفصل الثامن

    جامعة فيصل ، حلم الصديقات الثلاث نسرين وأمل وكاميليا . ظلت نسرين معهما ولم تفلح محاولات أمها في جعلها تدرس الطب خارج المملكة . افتقدن سماح بعد أن سافرت مع زوجها إلى "ميتشغان" للدراسة . أصبحن ثلاثة فقط كما كنّ قبل أن يتعرفن عليها في الصف الثاني ثانوي . ارتبطت بهن كثيرا خلال العامين الماضيين وما أن ابتعدت حتى خف وهج هذه الصداقة . كانت تتصل بهن بين وقت وآخر وسرعان ما تناقصت مكالماتها تدريجيا حتى انقطعت بعد مرور ستة أشهر على سفرها .

    أحست كاميليا بالغربة في عالم منفتح ومختلف عن المدرسة ووجودها مع صديقتيها خفف من وطأة هذا الشعور عليها . بدأت تتغير يوما عن يوم ونسرين وأمل لاحظتا تغيرها وقالتا لها عدة مرات (نرى عينيك ترقصان يا ملعونة والسبب إما الحب ،أو الهبل ). كانت تتساءل دائما وهل ترقص العينين على إيقاعات القلب ؟ .. يا لهاتين العينين الفاضحتين والثرثارتين . أخبرتا الجميع دون إذن صاحبتها بما حدث في ذلك القلب الصغير، لم تكونا أمينتين عليها وعلى قلبها أبدا . كانت تتساءل باستمرار ، ما الذي حدث لها وكيف غزا عماد قلبها وأقتحمه بهذه السهولة . لماذا لم تقاومه كما يقوم أبناء الوطن الأوفياء الغزاة الغاشمين . كيف وصل لقلبها وعقلها وأحتلهما ورفع راياته على حياتها بهذه السرعة. ما هي قدرة أسلحته التي لم تستطيع التصدي لها فهو لم يستخدم غير اللطف واللباقة وجاذبيته العجيبة وعينين سوداويين غامضتين وآسرتين .

    توطدت علاقتها بعماد أكثر ، وأصبح يتصل بها مرتين يوميا في اليوم يخبرها عن يومياته وعن عمله وعن حياته التي تغيرت منذ سمع صوتها لأول مرة، وتخبره هي عن دراستها ومحاضراتها . كان يجلب لها الكتب الدراسية الغير متوفرة في المكتبات المحلية يطلبها من الرياض أو الأردن وأحيانا من أمريكا لأخته وابنة عمه ولها. وسرعان ما زادت عدد المكالمات وبدأ يخبرها عن حياته وأفكاره وخططه المستقبلية . كانا يتحدثان عن نفسيهما وشخصيتهما . تعرفت عليه أكثر وأخبرته عن حياتها ووالديها وأختيها .فهي ابنة عائلة نصف متحررة كعائلته بالنسبة لعموم مجتمع القطيف المغلق أبو وجه ووجه ، تبيح أمور ولا تغفر أمورا أخرى . والدها أحد وكلاء الأجهزة الالكترونية يسمح لها بالخروج مع سائقها لأي مكان تريده وحدها أو مع أختها أو مع صديقتيها حسب مزاجه . يسمح لها بكشف وجهها والتنزه في الأسواق والذهاب إلى المطاعم والمقاهي التي بدأت تنتشر في الخبر و الدمام ، ولا يسألها عن مكان ذهابها . والدها المتفتح في الكثير من الأمور ، لن يغفر لها لو تعرفت على أحدهم وارتبطت به بأي علاقة مهما كانت . كان يحذرها دائما من العلاقات المختلطة وخاصة بعد التحاقها بكلية العلوم الطبية وهو مجال تحتك فيه بالرجال العاملين في الحقل الطبي،ويردد على مسمعها هي وأختها بأن الذئب لا يؤتمن على الغنم أبدا . كانت دائما ما تفكر بأن والدها لو عرف بشأن اتصالاتها بعماد لأخرجها من الجامعة وحبسها في المنزل .
    أحبت دودي (عماد) كثيرا كما تحب أن تدلّله ، من شدة تأثرها بقصة حب الأميرة ديانا والمصري عماد الفايد والتي أدت لمقتلها . لم تكن سعيدة فقط بوجوده في حياتها ، بل كانت منتشية والسعادة لا تستوعب ما تشعر به . كانت تحبه كل يوم أكثر كلما أثبت لها صدق نواياه وجديته معها وأبعد عنها طيفا من شكوكها الطبيعية التي تنتاب أي فتاة تتعرف على شاب في مجتمع مغلق بشبكة حديدية أكلها صدأ أبهرها برقته ورجولته وتفتحه لم تستطيع غير الوثوق به وتصديقه ولم يبقى في عقلها أي نوع من الشكوك . كيف تشك به وهو الذي ساعدها في القبول في الجامعة . وعندما أخبرته عن بيت الأحلام الذي تريد العيش فيه ، أرادت بيت أسطوري على هيئة بنائين متداخلين تفصلها حديقة داخلية ووافقها وذهب لاستشارة العديد من المهندسين لتنفيذ هذه الفكرة وكان مستعدا لجلب مهندسين من الخارج لو لزم الأمر.

    ردحذف
  21. حبته بطريقة لم تتخيلها ولا تستوعبها ولا تصدقها . لم يطرأ على بالها بأنها ستحب رجلا يوما ما بهذا القدر. كانت متيقنة بأنها ستتزوج من رجل تعرفه منذ أن يتقدم لخطبتها ، وإن عرفته قبلا فستراه بالصورة المثالية التي يحاول إي شاب سعودي رسمها لنفسه . رجل طموح ومثالي يقدر المرأة ويقدس الحياة الزوجية وتنكشف صورته الحقيقة المختلفة مع الوقت . في فترة الخطوبة سيختار صورة السوبرمان صاحب البطولات الخارقة والقدرات العجيبة في الحياة والمواقف ، والشهم والنبيل والمستعد بالتضحية بحياته من أجل حبيبته .أو الدون جوان صاحب العلاقات الكثيرة ترتمي الفتيات بين قدميه وهو يختارها من بينهن كقصة حب سخيفة لم يسمع عن غيرها في حياته . كانت تتمنى أن تحظى على الأقل بالمثالي وتحبه منذ أن يتقدم لخطبتها كما كانت ترى البنات التي تعرفهن ، حيث يصبح أسمه الحبيب منذ أول يوم تراه فيه . وبعد عقد القرآن تنشأ قصة حب خرافية وغريبة بين يوم وليلة ، وترغم نفسها على التصرف كعاشقة في فترة الخطوبة . كانت تكره صاحب البطولات المزيفة كما تكره اللاهث وراء النساء . كانت مؤمنة بأن قصص الحب الحالمة التي تشاهدها في الأفلام وتقرأ عنها في الروايات لا يمكن أن توجد في السعودية وفي القطيف تحديدا.

    اشد ما تكره الزواج برجل ازدواجي كغالبية الرجال الذي يظنون أنفسهم حراسا للفضيلة . يثابرون على صلاة الجمعة ، ويحرمون الغناء ، ويلوكوا عرض الفتيات كل حسب هواه ويتحكموا بلباسهن ، فمنهم من يرفض عباءة الكتف ومنهم من يرفض كشف الوجه ، أو عمل الفتاة المختلط بحجة العادات والتقاليد التي يجب أن تداس بحذاء ذو كعب عالي برأيها . وما أن يصبحوا في الخارج تجدهم يتلذذون الشرب في المراقص ، وينثرون الورد على أجساد الراقصات ، ويلعبون القمار في الكازينوهات ويرتادوا الفنادق المشبوهة ، حتى عندما يسافرون إلى سوريا لزيارة السيدة زينب نهارا تكون للسهرات والحفلات نصيب في الزيارة أيضا ولكن في آخر الليل ، بعد أن ينام الدين والعادات والتقاليد المطبقة على النساء فقط داخل البلد .

    كانت تشك بوجود حب في بلادها ، تشك بوجود مشاعر تجتاح قلب الإنسان وتغير أفكاره وحياته . مشاعر قوية وغير مفهومة كالتي أصابتها منذ رأت عماد في ذلك اليوم . لم تدرك وقتها بأنه الرجل الذي سيلغى كل أفكارها القديمة وسيحيل كفرها بالحب إلى إيمان لا تشوبه شائبة من الشك ، فهو سحر لم تستطيع فهمه وتفسيره وفكه . وعندما فاجأها بأولى هداياه عطر "ألور " وعبرت له عن إعجابها به أصبح يضيفه لأي هدية أخرى يجلبها . لديها العديد من زجاجات العطر وآخرها أحضرها في علبة أنيقة ضمت زجاجات العطر وساعة ثمينة أخرجتهما من بين أوراق الورد الملونة في تلك اللعبة . بدت متغيرة ، ساهمة وابتسامة الحب البلهاء تزين وجهها دائما ، وتتحدث طويلا عبر الجوال وكلما اتصلتا بها صديقتها تخبرها النغمة بأنها تتحدث . كانت سعيدة وتغني لفيروز دائما وهي التي تحب نجوى كرم بصوتها الجبلي ومواويلها وعنفوانها ، وكثيرا ما سألتاها صديقاتها إن كانت تعرف أحدا ، أو تحب أحدا ..تنفي ذلك ولكن انفعالاتها وتصرفاتها تكذبانها على الدوام . أصرت على جعل علاقتها بعماد سرية ليكون لها طابعا خاصا . لم تخبر أحدا غير ناهد التي باركت لها هذا الحب لم ترد اكتساب سمعة سيئة كالبنات اللاتي يتفاخرن بمعرفتهن فلان وعلان .أو تسجيل نفسها في موسوعة زميلتهن سعاد الذي تجمع فيها اسم كل فتاة بخويها أو صاحبها .أرادت جعل حبها مثالا جيدا لما يجب أن يكون عليه الحب في القطيف والسعودية ، فليست كل العلاقات عبثية ومصيرها الفشل أو الوقوع في الأخطاء وتجاوز الخطوط الحمراء . كانت فرحة لأن حبها طاهر وهي تغالب نفسها ولهفتها لحبيبها وترفض لقاءه في أي مكان عام.

    ردحذف
  22. الفصل التاسع


    يوم شتائي بارد من أيام شهر فبراير والسماء ملبدة بالغيوم وكاميليا جالسة مع صديقاتها بسعادة في كافتيريا الجامعة المتواجدة في الطابق الثاني من المطعم . نظرت إلى الطالبات وهن يتحركن في جميع الاتجاهات ويدخلن إلى المباني المختلفة بعد أن بدأت السماء تلقي بالقليل من قطرات المطر المنعشة . احتست الشاي الساخن الذي تتلذذ به شتاءا وقالت بابتسامة :
    - هذا أول شتاء لنا في الجامعة ..وأريد أن أمشي تحت هذا المطر المنعش
    - ستبتلين ..وربما تمرضين أيضا .
    وضعت دفترها وأقلامها في حقيبتها وقالت لهما بابتسامة وهي تنظر لنفسها في المرآة بأن المطر لا يبللها . وضعت القليل من عطر "ألور" خلف أذنيها ونزلت بسرعة لتستمتع بهذه الزخة المنعشة من قطرات المطر . وحالما ابتعدت عنها شربت أمل رشفة من الشاي وقالت لنسرين بتعجب:
    -لا يبللها المطر .. بعلمي إنها لا تحب كل ما هو شتائي .. هي غربية الأطوار وتخفي عنا شيئا ما .
    وافقتها نسرين وذكرتها بأن عماد ولد في يوم ممطر ولذا هو يحب الخروج تحت زخات المطر الخفيفة والمنعشة دائما يقول بأن المطر لا يبلله . كانت متأكدة وهي تقول :
    -أصبحت ألاحظ عينيها وهما سعيدتين والحب هو السبب .. ولكن تحب من يا ترى ؟.. فهي لا تطيق أبناء عمها ..حتى ناصر الذي يريد الزواج بها ..وليست لها أي قرابة أخرى وأشقاء ناهد كلهم كبار ومتزوجون ..أراهن بأنها واقعة في حب أحدهم .

    ظلت كاميليا تتمشى وحدها والسماء ترشها بقطرات مطر خفيفة وهي تفكر بعماد وقلبها يرقص من حبها له . كانت سعيدة ولا تجرؤ على البوح بمشاعرها الصادقة لصديقتيها المقربتين ، وتود لو تصرخ تحت المطر بذلك دون أن يعتبرها أحد مجنونة . توقفت السماء فجأة عن إنعاشها بقطرات المطر ، فنظرت إلى ساعة يدها المشيرة إلى العاشرة وهو وقت المحاضرة . مشت ببطء متجهة نحو المبنى الرئيسي . استوقفتها أمل ونسرين اللتين جاءتا خلفها بسرعة ، وقالت لها أمل بخبث :
    - لقد تبلل شعرك ..لم أعهدك تحبين المطر هكذا !
    ابتسمت وقالت وفي عينيها بريق خاص :
    - أنا أحب المطر وكنت أتمنى لو ولدتني أمي في يوم ممطر .

    تبادلت نسرين وأمل النظرات باندهاش ،ورفعت كاميليا شعرها البني الداكن وذهبت معها إلى القاعة بعد أن خبأت صورة عماد في قلبها بدلا من عينيها حتى لا يراه أحد. تذكرت كيف كان ينظر لها عندما كانت في سيارته وصوت فيروز يصدح بسعادة ، وراحت تدندن :
    - كان الزمان وكان في دكانة بالفيّ ..وبنيات وصبيان نجي نلعب ع الميّ.
    فتحت ذراعها لعناق لفحة هواء باردة وهي تغني :
    - لالالا لا ..لالالا لا أوعى تنسيني وتذكري حنا السكران.
    تبادلت نسرين وأمل النظرات باستغراب من تصرف صديقتها ، فسألتها أمل :
    - ومنذ متى تحبين فيروز وتغنين لها ؟.. وحنا السكران بعد .
    ضحكت وأجابتها :
    - أحبها من زمان .
    ابتسمت أمل وقالت بمكر :
    - بعلمي تحبين نجوى كرم ..ولم تكوني تغنين غير "ما بسمحلك "و"روح روحي "ومؤخرا "عيون قلبي" ..ستغضب منك نجوى كثيرا . ظلت كاميليا ساكتة وعلى وجهها ابتسامة غامضة ، فضحكت نسرين وقالت:
    - يا لعينة أنتِ متغيرة وتخفين عنا شيئا ما.
    وراحت كاميليا تكمل دندنتها بنشوى:
    - حلوة فبيت الجيران راحت في ليلة عيد ..وأنهدت الدكان وأتعمر بيت جديد.. وبعدو حنا السكران على حيطان النسيان .. عم بيصوّر بنت الجيران.
    أمسكت نسرين بذراعها وقالت :
    - دعينا نذهب للمحاضرة فالدكتورة جويرية لا تتأخر ..بلا حنا السكران بلا خرابيط.

    ردحذف
  23. جلست في آخر القاعة وهي تردد اسم عماد في قلبها . تحبه وتراه جاد في حبها ولا تستطيع التشكيك في صدقه، كانت تحبه كثيرا وتتساءل دائما إذا كان يحبها بالقدر الذي تحبه هي أو أقل أو ربما أكثر . عماد الذي أخبرها بأنه يراها حبيبية وزوجته وأم أولاده ، وشرع في بناء المنزل الذي أرادته . كانت فرحة سعيدة جدا لموافقته على فكرتها ووعدها بتنفيذها بلا تردد.تأكدت من حبه لها وهي سعيدة بهذا الحب ودائما تتساءل عندما تنفرد بنفسها ليلا على الوسادة (ألهذا الدرجة تكون
    الحياة كريمة معي فتمنحني رجلا يحبني بهذا القدر؟!..ومنذ وعده لي بانتظاري حتى انتهاء دراستي وهو لا يتواني عن الاتصال بي والسؤال عني ومساعداتي بالقدر الذي يمكنه بعيدا عن عيون جميع الناس . آه يا عماد .. كم أنت رجل نبيل وكم أحبك وفخورة بك .. لم تتوانى عن بناء منزل الزوجية الذي أردته أنا ولا روابط رسمية بيننا ..الروابط التي يعترف بها الناس وأنا متأكدة أن ما بيني وبينك أقوى من كل الروابط فبيننا حب كبير لم اقرأ عنه ولم أسمع عنه قبلا .. وهذا يكفي )

    تنبهت والدكتورة جويرية تناديها وتطلب منها الإجابة على سؤال طرحته . تلعثمت وسكتت بخجل والدكتورة تقول لها بلهجتها السودانية المحببة :
    - الظاهر أنك وصلتِ للغريقة ..وأنا عمالة أشرح من الصبح وأنتِ مو معايا .
    أحست بخجل وزميلاتها ينظرن إليها وهن يضحكن ، فعماد أخذ الجزء الأكبر من تفكيرها .

    ردحذف
  24. الفصل العاشر.




    "عندي ثقة فيك.. عندي أمل فيك
    وبكفي شو بدك يعني أكثر بعد فيك ؟!
    عندي حلم فيك .. عندي ولع فيك
    وبكفي شو بدك انو يعني موت فيك ؟!"

    استلقت كاميليا على سريرها بعد منتصف الليل تستمتع للاسطوانة التي أهداها إياها عماد . كانت تفكر بما قاله لها البارحة في مكالمتها الرابعة أو الخامسة أو ربما أكثر فهي غير متأكدة من عدد المكالمات بيتهما في اليوم والليلة . طلب منها اللقاء بعيدا عن اتفاقهما بالاكتفاء بالهاتف كرابطة الوصل الوحيدة . قال لها بشوق بالغ ( أرجوكِ وافقي ودعينا نلتقي في أي مكان عام كأي متحابين على هذه الأرض..لن أكلكِ ولن أخطفكِ)

    ترددت كثيرا ، كانت تريد لقاءه والخوف يمنعها . تخاف من والدها لو علم عن علاقتها به فماذا سيفعل . تخاف من المغامرة والدخول في متاهة اللقاءات العاطفية ، وتذكرت ما قاله أحد رجال الدين في إحدى محاضراته عن هذا الموضوع . قال بأن الحب كعاطفة ومشاعر قلبية أمر مباح ، ويصبح محرما عندما يتحول إلى أفعال وممارسات ، كلمسة اليد والقبلة والعناق فربما يؤدي إلى ارتكاب معصية لا تحمد عقبها . كانت تريد لحبهما أن يبقى طاهرا وحلالا بلا ريبة . ولكن بلوغ هذا الحب عامة الأول أصبح عماد يطلب منها اللقاء في الأماكن العامة ولو مرة كل شهر ،فرؤيتها من بعيد عند باب البيت أو في السيارة لا تكفيه .
    ظلت تفكر بنشوى في هذه العاطفة التي تتملكها نحو عماد وتجهل كيف بدأت وأثرت بها بهذه القوة حتى أخرجها عمادها من دوامة الأفكار باتصاله . أجابته وهي مستلقية على فراشها وعينيها تتجولان في جدار غرفتها الزهرية ، قالت له بنعومة :
    - كنت أفكر بك.
    - أخبرني حدسي ولذا اتصلت بك .
    ضحكت وسألته :
    - ومنذ متى حدسك يخبرك عني ؟
    سكت للحظات مترددا فيما يود قوله . كان مشتاقا لرؤيتها فطلب منها ملاقاته في أي مكان هي تريده ، وأقترح عليها تناول العشاء في أحد المطاعم العائلية أو أحد المقاهي في الخبر فرفضت بحجة المسافة ، وعندما عرض عليها اللقاء في مطعم المجمع التجاري على الأقل سألته بدلال :
    - وكيف نذهب سويا ؟!
    حاول أقناعها فراح يخبرها بأن جلساته العائلية هادئة وسينتظرها في مواقف السيارات وتأتي في الموعد ويدخلا سويا . سكتت فقال لها:
    - لا تعتذري حبيبتي ..سأنتظرك مساء الغد في الساعة الثامنة.


    لم تنم تلك الليلة وهي تفكر بعماد وبلقائهما الأول وتخاف لو رآها أحد أو علم والدها بأي طريقة فهو قادر على ذبحها . أوصلها سائقها قبل الموعد وجلست تنتظره في سيارتها . كان قلبها يدق بقوة وهي تنتظره وتفكر في والدها لو عرف بأنها جالسة في هذا المكان لتواعد حبيبها ، تنتظر عمادها الذي أفقدها صوابها . أقصت والدها عن أفكارها وفتحت حقيبتها وأخرجت المرآة وراحت تصحح الكحل الأسود ، وتضع على شفتيها أحمر الشفاه اللامع . رشت القليل من عطر "ألور " على جانبي حجابها وفي معصميها . جاء عماد على الموعد فترجلت من سيارتها لاستقباله والدخول معه في قسم العائلات في الطابق الثاني من المجمع. كانا صامتين وساكنين وأول ما فعله هو الإمساك بيدها برقة أظهرت حبه و اشتياقه لها ، فمنذ أكثر من سنة وهو لا يراها سوى من بعيد في منزلهم ، وأحيانا تمر عدة أيام لا يراها فيضطر إلى انتظارها بالقرب من منزلهم ليراها وهي تهبط من السيارة وتدخل متظاهرة بعدم رؤيتها له.تذكرت كلام الشيخ ، وأرادت أن تبعد يديها عن يديه ولكنها لم تستطيع . شعرت بأنها معه مسيرة لا مخيرة . قال لها بابتسامة :
    - أنا أحبكِ كاميليا.. وسعيد جدا لوجودنا معا.ِ
    أكتفت بابتسامة خجولة فقال لها وعينيه السوداويين تتفحصان وجهها بشوق:
    - أنتِ جميلة جدا .
    وبصوت منخفض وخجول قالت:
    - دودي ..وكأنك تراني لأول مرة .
    كانت هذه أول مرة يراها بهذا القرب بعد سنة وعدة أشهر . بدت عينيها ذابحتين والكحل يعطي نظراتها عمقا خاصا . توقفت عن الكلام للحظة والابتسامة تعلو وجهه ثم قال:
    - عندما سمعت صوتك لأول مرة رسمت لكِ صورة مختلفة ..وعندما عرفت بأنك كاميليا تذكرتكِ وأنتِ طفلة ..أنتِ الآن أجمل بكثير . استرسل في غزله:
    - وحبة الخال في زاوية فمك تقتلني .. أنتِ تبدين كقطعة سكر .

    هددته بدلال بأنه ستخرج من المطعم إذا واصل كلامه وغزاله الذي لم يفتعله ويقوله بتلقائية .. سكت وهو يتفحص وجهها الحبيب بلهفة ، ويمسك بيدها بحب ورقة ، وعندما رفع يده وقربها لشفتيه ليقبّلها ، سحبت يدها فهذا ما كانت تخشاه . لمسات وقبلات ويصبح الحب الطاهر الذي تتفاخر به نوع آخر . قال لها بابتسامة :
    - حتى لو لم تسمحي لي بطبع قبلة على يدك الناعمة فأنا أضمكِ وأعانقكِ بعينيّ.

    ردحذف
  25. وجاء النادل يجلب لهما الكولا المثلجة وقطعتين من الكعك . بسط عماد يده على الطاولة فأمعنت النظر ليده ولفت نظرها أصبعه الخنصر المزين بخاتم فضي به حجر أحمر اللون . سألته :
    - خاتمك جميل .. ما لسم هذا الحجر الكريم ؟
    أجابها وهو يحرك خاتمه المزين بالياقوت الأحمر الذي يلبسه دائما ويتفاءل به، ويعتقد بأنه يقوي القلب ويعدّل المزاج كما قال أرسطو فطلبت منه بدلال واحد مثله . أبتسم وقال:
    - غدا أذهب لزوج عمتي فهو تاجر مجوهرات كبير والأحجار الكريمة تخصصه وسأشتري لكِ أجود حجر ياقوت وأصوغه خاتما جميلا ليدك الحبيبة .
    وبمزيد من الدلال أكملت :
    - أريده في خنصر يدي اليمنى ليتصل بخاتمك وأحدثه ويخبرني عنك.
    ضحكت وأردفت ممازحة :
    - وليتجسس عليك وينتقل لي أخبارك أيضا .
    قال لها بحماس :
    - أمهليني يومين فقط ويكون الخاتم على باب منزلك.
    ضحكت وقالت :
    - شكرا..

    طلب منها أن لا تشكره فلها فضل كبير عليه . أصبحت حياته جميلة منذ أن سكنت فيها ،وأصبح ينام دون أن تبتلعه دوامة الأفكار والتفكير في الماضي والهموم والأحزان . عندما يضع رأسه ليلا على الوسادة لا يفكر إلا بالمستقبل وهي بجانبه . ضحك وأردف :
    - أتخيل نفسي أنام على سرير وأنتِ بقربي وبعد دقائق يبكي أحد أطفالنا ..وأحيانا أتخيل نفسي عائدا من الشركة وأنتِ في استقبالي.
    أغمضت عينيها للحظة وفتحتهما عندما أودع يديها بين يديه ورجف قلبها وهو يضغط عليها ، وسألها بابتسامة وهو يلثم يديها بشفتيه :
    - كم طفلا ستنجبين لي؟
    أخرجت يديها من بين يديه بلطف ،وقالت له بأنها تتمنى أن تنجب ثلاثة صبية وجميعهم يشبهونه ولهم عينيه السوداويين وشعره الفاحم الحريري ، وشخصيته الجذابة ولطفه ولباقته . ابتسم ومرر أصابعه في شعره وقال:
    - أنا أريدهم فتيات ليشبهنكِ.. ولهن عينيك الذابحتين ورقتك .وسأكون أسعد رجل في الدنيا إذا استيقظت من النوم ورأيتك مباشرة والصغيرات يلعبن هنا وهناك.
    ضحكت وسألته :
    - والحل ؟.. بنات أم صبيان .
    - ثلاث بنات وثلاث صبيان لنتعادل.
    ضحكت وهي تقول له بأن هذا مستحيل . كان مفتونا بها وهي تضحك أمامه وتتحدث ولم تشعر بالوقت وهو يمر بسرعة . وعندما اتصلت بها أختها تعلمها بضرورة عودتها إلى المنزل ، استأذنته . خرجا سويا من المطعم وكأنهما زوجين أو خطبين أمام الناس ، وخارج المجمع افترقا . ركبت سيارتها وذهبت، وركب سيارته ومشى خلفها إلى أن وصلت إلى بيتها بسلام.

    *****
    ظلت ذكريات اللقاء الأول بكل لحظاته الجميلة في ذاكرة كاميليا ولا تريد لها مفارقة خيالها . صورة عماد وعينيه ويده القوية وكلماته وحبه . بعد ليلتين أحضر لها الخاتم مصحوب بالورود البيضاء وعطر " ألور " وضعت الخاتم في خنصر يدها واتصلت به تشكره فهذا الخاتم هو أثمن هدية تلقتها في حياتها . استلقت على السرير وهي تحدثه والسعادة تغمرها . أغمضت عينيها وقلبها يخفق بقوة وهي تستمع لصوته وهو يقول لها بأنه يحبها حتى الموت . فتحت عينيها ووجدته بجانبها وعلى سريرها في غرفتها الزهرية والشموع المضاءة في كل زاوية .ظلت ساكتة بذهول ويده تلثم وجهها . كانت يده ففي أصبعه خاتمه الياقوتي ، وعينيه السوداويين هما نفسهما .أرادت أن تسأله كيف دخل إليها وهي في منزل والديها ولم تستطع . ظلت ساكتة ولم تنبس ببنت شفة وعماد يقترب منها أكثر.أصبح قريبا ، وتشعر بدفء أنفاسه ، وتستنشق عطره ورجولته ولطفه . مد يده أسفل وسادتها وأخرج منها تفاحة . ظلت ساكتة بذهول وهو يقربها لشفتيها ويدعوها لتأكل منها . عندما نطقت وحذرته بأنهما سيطردان من الجنة . لم يبالي ودعاها مجددا لتأكل منها ، فرضخت لطلبه .قضمت التفاحة وهو يقضمها من جانبها الأخر ، وفجأة أحست بأنها تهوي من السماء السابعة . صرخت بقوة واستيقظت فزعة . لم تجد عماد بجانبها ولم تجد الشموع في غرفتها فلقد كان حلم .

    ردحذف
  26. الفصل 11

    سنتين من الصدفة والوعد انقضتا وأواصر الحب تقوى وتكبر بين كاميليا وعماد ، الآن هو يحبها أكثر ومتعلق بها أكثر ويريدها قريبة منه على الدوام . يريد أن يلقاها باستمرار ليبثها حبه وشوقه ، لكنها ترفض وتطلب منه الاكتفاء بوصل الهاتف بعد اللقاءات المعدودة لهما في مطعم المجمع التجاري على فترات متباعدة .
    لم يلتقيا منذ ما يزيد على شهرين عندما لمحت كاميليا إحدى زميلاتها تدخل المطعم الذي كانت فيه مع عماد وخافت بأن تكون قد رأتها معه فهي تخشى على حبها أن تشوبه شائبة ،أو تنالها تهمة أو شائعة في شخصها أو سمعتها . تخاف أن تلوكها أفواه القطيفيين المعتادة على مضغ الفتيات وبصق شرفهن ، فالمجتمع بمجمله مهما اختلف تياراته وثقافته مجتمع فضائحي وهذه القصص لها نصيب كبير في أحاديثهم ومناقشاتهم واجتماعاتهم فليس لديهم ما يتحدثون عنه سوى الحديث عن الناس والفتيات خاصة .
    طلب منها ملاقاته ليقدم لها هدية بمناسبة عيد ميلادها ، ورفضت فاضطر لوضع الهدية في كيس ورقي أنيق ووضعه أمام باب منزلها عصر ذلك اليوم وتسللت هي وأخذتها دون أن يلحظها أحد . كانت الهدية عبارة عن زجاجة عطر"ألور"وقرطين ماسيين رائعين ، جعلاها تعيد التفكير بلقائه في أي مكان عام من جديد.
    عرض عليها اللقاء في القلعة الترفيهية فرفضت ، فلقد سمعت الكثير من القصص التي تحدث هناك ، اتفقا على الذهاب إلى المطعم التجاري . استمتعت بشرب العصير وهو يحدثها عن البيت ، وأخرج لها كتالوج جلبة من محل الأدوات الصحية لتختار السيراميك وأطقم الحمام والمغاسل . اختارت ما أعجبها وقالت له:
    - سيصبح البيت تحفة فنية فخمة .
    هز رأسه وقال بثقة :
    - هذا ما يقوله المهندس أيضا .. لقد عرض عليّ فكرة استقدام رسام إيطالي ليرسم لوحات جميلة في أسقف المنزل بالكامل .. ما رأيكِ بالفكرة ؟
    - مدهشة .. ولكنها مكلفة بالتأكيد .
    - أنا عماد الغانم .
    - بدأت تتفاخر بعائلتك !
    ضحك وقال:
    - من حقي أن أعيش بسعادة مع قطعة السكر التي أحبها في بيت يليق بها ويرضيها .
    ضحكت وهو يخبرها بأنه سيشتري جميع أجهزة المنزل من محلات والدها المنتشرة في المنطقة الشرقية . ثم أخبرها بنيته شراء مزرعة فلطالما أحب الطبيعة والهدوء , والمزرعة ستصبح مكانا جيدا للاستجمام والضيافة . تلفتت لساعتها فقد اتفقت مع أمها أن لا تتأخر فهي استأذنتها بالخروج إلى القرطاسية لنسخ محاضرة هامة للامتحان .
    عادت لبيتها وأضاءت الشمعة المعطرة وأدخلت شريط نجوى كرم في المسجل ، وبدأت نجوى تصدح بصوتها ..
    " يا عيون قلبي كيف بدي نام
    لمحة بصر هالعمر واللي بحب ما بينلام
    هالكون صار صغير حملني حبيبي وطير
    على عالم تاني يكون كلو غرام "

    ظلت تفكر بعماد وهي ممسكة بالمحاضرة وتعرف بأنها ستحصل على علامة منخفضة فهي ساهمة طوال محاضرات الكيمياء الحيوية وخصوصا عندما تلقي المحاضرة الدكتورة منى بهدوئها الغريب فتنام أحيانا ، وإذا ظلت مستيقظة فيكون عقلها وتفكيرها معه.

    *****
    أشترى عماد مزرعة في "الجيش" إحدى قرى القطيف الجميلة . كانت مزرعة ببعض أنواع النخيل كالخلاص والخنيزي والغرى ، وعدد من شجر الكنّار واللوز وأشجار الليمون والكثير من أشجار الزينة . بها استراحة مجهزة بغرفتين نوم وحمامين ومطبخ صغير ومجلس كبير به جلسة عربية أنيقة وغرفتين للحارس والعاملين . بها إسطبل صغير للخيول كان صاحب المزرعة الأول يربي فيه ثلاثة خيول عربية أصلية اشتراهم مع المزرعة وقرر الإشراف على تربيتهم والعناية بهم واكتساب هواية جديدة. أصبح يقضي وقت فراغه في المزرعة بهدوء وبعيدا عن الناس والعمل ، وينام هناك نهاية الأسبوع ويتمتع بامتطاء الخيل والعناية بهم رغم كونه لم يفعل ذلك قبلا ، وكثيرا ما يزوره ماجد ويتسلى معه . تغيرت حياته الرتيبة ، أصبح فيها امرأة يفكر بها على الدوام ، يحبها ويرى فيها زوجته وشريكه في مشوار الحياة ، وعمله وهذه المزرعة التي يستريح فيها نهاية الأسبوع .

    ردحذف
  27. ذات نهار ربيعي مشمس جلس في استراحة مزرعته يراقب الحقول عبر النافذة والعمال يقومون بري الأشجار والمزروعات في الصباح الباكر من يوم الجمعة ، وتناول فطوره الذي أعده بنفسه ، فاصوليا حمراء مع الفلفل الأسود وعصير الليمون والخبز وعددا من حبات الرطب التي قطفها بنفسه . شعر بالهدوء وقمة التصالح مع نفسه وأصوات الطيور هي وحدها المسموعة في هذا المكان البعيد عن ضوضاء المدينة . خرج يتمشى بين أشجار الليمون وهو يفكر في السنتين اللتين انقضتا سريعا ، سنتين من الإنجازات على الصعيدين العاطفي والعملي .ظل يفكر بكاميليا التي كانت منذ البداية حافزا مهما له في كل جوانب حياته ، جعلته متفائلا وسعيدا ولا يهدأ ليلا ونهارا من العمل والتخطيط والتفكير بالمستقبل ، وكما يقول الجميع بأنه رجع لسابق عهده ولكنهم لا يعرفون السبب.

    أحس بشوق كبير لصاحبة الصوت الرقيق . ظل ينتظر الوقت ليتقدم أكثر ويتصل بها ، وعندما أشارت الساعة إلى العاشرة أتصل بها ليقول لها عما يشعر به في تلك اللحظة . رن الهاتف الرنة الأولى والثانية والثالثة والرابعة وبعد الخامسة استيقظت من نومها وأجابته . قال لها بشوق :
    - أحبك كثيرا .. ولا أعتقد بوجود رجل على الأرض يحب امرأة كما أحبك أنا .
    ضحكت بسعادة وقالت وهي تتثاءب:
    - صباح الخير دودي.
    - صباح النور يا قطعة السكر ..أنا جالس وحدي في المزرعة وليس لدي ما أفعله غير التفكير بك.
    عاتبته بدلال لأنها تعرف بأن عائلته ستذهب لزيارته في المزرعة ولم يدعوها ، وأغلقت السماعة بعد أن طلبت منه أن ينتظر قدوم نسرين فستجلب له رسالة منها . ظل ينتظر والديه وأخته في المزرعة على أحر من الجمر ويحصل على رسالتها . أراد أن يتحايل على الوقت ليمر بسرعة فأشرف على العمال وهم يضعون ثمار الليمون والرطب الناضجة في صناديق فلينية ليأخذها معه مساءا ويوزعها على عائلته ، ثم ذهب لإسطبل الخيول وامتطى أحب هذه الخيول إلى نفسه ، الخيل الأصلية السمراء اللون بشعر وذيل أشقر وراح يتمشى في أرجاء المزرعة .

    في الواحدة ظهرا لمح سيارة والده العائلية تدخل من بوابة المزرعة ويقودها السائق فاتجه نحوها . حيا والديه الذين نزلا من السيارة ولمح كاميليا جاءت بصحبة نسرين وأمل ولم يكن مصدقا بأنها فعلا أمام عينيه فهي لم تخبره بقدومها عندما اتصل بها صباحا .
    ارتسمت الابتسامة على وجهه وهو يحاول أن يخفي أثر المفاجأة السارة ، وبسرعة نزلت كاميليا وهي تخفي عينيها بنظارتها الشمسية ومرت بجواره دون أن تلتفت إليه . لم يكن مستغربا من قدومها مع عائلته فهي صديقة مقربة لأخته ولابنة عمه ولكنها تعمدت عدم إخباره.اقتربت منه أمل ونسرين تتحدثان معه وتطلبان منه أن يساعدهما على امتطاء الخيل لاحقا ، واقتربت منهم كاميليا وهي مازالت تتحاشى النظر لعينيه دخلن الاستراحة بينما هو يتحدث مع أحد العمال ، وأمه مع الخادمة تستعدان لتجهيز الطعام .

    جلسوا سويا على الأرض حول السفرة لتناول الطعام كبسة اللحم ، ونسرين توزع صحون السلطة ، وعماد يقطع البطيخ وكاميليا تسترق النظر إليه . لم تأكل كثيرا واكتفت بعدد قليل من ملاعق الأرز ، ومن ثم أكلت السلطة والبطيخ .أعد عماد الشاي وسكب للجميع . شرب وهو يتحدث مع والده الذي أحتسى كوبه ونام مباشرة . أستند عماد على أحد المساند ممدا رجليه على الأرض ، وممسكا بالجريدة وعينيه على كاميليا الجالسة بين أمه وأخته وابنة عمه يتحدثون بصوت منخفض ، فظنهن يتحدثن بأمور نسائية لا يجب أن يسمعها ،أو حشّ (نميمة) من الوزن الثقيل على أحد . نهض وخرج من الاستراحة وعينيّ كاميليا وراءه ، فلحقت به أمل تطلب منه أن يحضر الفرس ويساعدهن في ركوبها

    خرجت كاميليا مع نسرين وأمل خارج الاستراحة ينتظرن قدوم عماد، لكنها أحست بالغيرة من أمل لقربها من عماد وهي تمازحه وتحدثه عن الفارسية . ولا تعرف كيف طرأ ببالها لحظة بأن أمل تحمل في قلبها عاطفة ما نحوه ، وربما تحبه أيضا وتتمنى الزواج به . اقترحت على صديقتيها المشي بين أشجار الليمون المتقاربة .أرادت الابتعاد عنه حتى لا يرى وجهها وآثار الغيرة واضحة عليه .غطت عينيها بنظارتها الشمسية عندما أحست بدمعه تتأرجح على رمشيها ، وعندما سمعن صهيل الخيل خرجن من بين الأشجار ووقفن عند نخلة متوسطة الطول وجاء عماد . امتطت نسرين الفرس بمساعدة عماد ، وابتعدا تاركين كاميليا تتحدث مع أمل ، وبعد دقائق عادا لنقطة الانطلاق حيث نزلت نسرين واقتربت أمل من الفرس وركبت وسار عماد معها .

    ردحذف
  28. ابتعد تاركا كاميليا تغلي غيرة لا تستطيع الإفصاح عنها ، فهي لا تريد احد أن يقترب منه .أخذت نفسا عميقا وهي تقول في سرها ( هذا الرجل لي ولا أسمح لأحد أن يقترب منه) ، وبعد دقائق عادات أمل وعماد خلفها ممسكا بلجام الفرس . دعتها لركوب الفرس فأجابت بنبرة غاضبة بأنها لا تحب الحيوانات . قالت جملتها واستدارت لنسرين وأمل وطلبت منهما المشي بين الأشجار، وذهبن مبتعدين عن عماد الذي امتطى الفرس واتجه للإسطبل ثم عاد إلى الاستراحة ليجلس بصحبةأمه .وعندما بدأت الشمس تستعد للغروب استأذنها للخروج لرؤية الشمس وهي تذوب بين أحضان السماء ، كان يعشق غروب الشمس ومنظر شروقها ويرى فيهما إعجازا إلهيا كبيرا . خرج يتمشى ببطء ويراقب الشمس الغاربة وتفكيره محصور بكاميليا . أحس بأن حبه لها ليس عاديا وبأن قلبه الصغير يحمل
    حبا كبيرا ولهفة يشعر بها للمرة الأولى في حياته . تمنى لو يصرخ باسمها ويسمعه الجميع ويعرفون بحبه، تمنى لو يذهب إليها ويضمها بين ذراعيه لتذوب بين أحضانه كما تذوب الشمس بين أحضان السماء أمام أعين الناس جميعا بدون خجل .

    عاد لمنزله بعد يوم ممتع قضاه في مزرعته وما أسعده أكثر هو المفاجأة السارة التي أعدتها له كاميليا عندما جاءت مع عائلته . تناول عشاءه مع والديه وصعد لغرفته وبدأ يستعد للنوم ، وقبل أن ينام أمسك بالهاتف ليحادث كاميليا ، كان يريد إخبارها بأنه غارق في حبها حتى أذنيه ، لكن لهجتها في الحديث بدت متغيرة . لم تكن قادرة على منع نفسها من الشعور بالغيرة رغم اقتناعها بأن عماد وأمل كالأشقاء تماما . أخبرته بذلك وطمأنها وأكد لها بأن أمل مثل نسرين وندى تماما وأستسلم للنوم بعد حديث طويل . أستيقظ خائفا قبل شروق الشمس بلحظات عندما رأى كاميليا في المنام تتمشى على شاطئ البحر والأمواج تفصلها عنه وهي تهرب من رجل بشع المنظر ،كانت تناديه وتطلب مساعدته وهي تبكي بحرقة وهو لا يستطيع مساعدتها وبعدها سقطت الحجارة من فوقه . بلع ريقه وتعوذ من الشيطان ونهض من السرير وشرب كوبا من الماء وعاد إلى سريره مجددا وهو يفكر بهذا الحلم الذي يراه للمرة الثالثة ويتكرر بنفس تفاصيله .

    ردحذف
  29. الفصل 12

    استيقظت كاميليا من نومها قرابة الخامسة عصرا ، غسلت وجهها بالماء البارد ووضعت الكريم المرطب برفق. كانت تنتظر اتصال عماد بعد ما ينتهي من زيارة المهندس المشرف على التصميم المنزل داخليا . أخرجت من حقيبتها محاضرة مادة الأحياء الدقيقة وبدأت تقرأها وهي تتذكر صورة الدكتور عبد الرحمن وهالة الرعب التي يحيط بها نفسه . كان يخيفهن ويهددهن بأنهن لن يتمكن من الإجابة على أسئلته في الامتحان ، وحالما رن هاتفها وعماد هو المتصل ألقت المحاضرة جانبا وأجابته . أخبرها باتفاقه مع المهندس في تأثيث المنزل بطابع إيطالي كلاسيكي بفخامة فوافقته . حدثا ككل يوم وطلب منها ملاقاته فاعتذرت برصانة وذكرته بأنهما يعيشان في القطيف وليسا في باريس . سألها عن الفرق بين الحب في القطيف وباريس ، فأخبرته بأن الفرنسيين هم أكثر شعوب الأرض حرية في التعبير عن مشاعرهم ، والسعوديين أقلهم . لم يقتنع بكلامها فالحب بالنسبة له لا يتأثر بالجنسية . قالت له بعفوية:
    - لقد زرت باريس مرة وأنا في المرحلة المتوسطة وذهلت عندما رأيت عاشقان يتطارحان الغرام تحت ظل شجرة في إحدى الحدائق وودت لو طلبت لهما الشرطة .
    لم يكن عماد يحب السفر كثيرا . زار القاهرة وسوريا وبيروت مع عائلته ، وقبرص وأثينا في طفولته .أصبح السفر مع عائلته هو الأفضل بالنسبة إليه ، فسمعة الرجال السعوديين الذين يسافرون لوحدهم بالخارج سيئة ويعتبرها تهمة لا يريد أن تلتصق به ، كان يذهب إلى دبي للمشاركة في الاستثمارات العقارية والمالية بين وقت وآخر.سكت للحظات وتذكر الموضوع الذي كانا يتحدثان به قبل الحديث عن السفر ، فسألها:
    - ولماذا لا تودين لقائي ؟
    بلعت ريقها وقالت:
    - هربا من عيون المتلصصين ..فهم .. يعتقلون الحب .. وربما يغتالونه أيضا .
    سكت للحظة وهو يفكر بما قالته وأحس بأن عبارتها قاسية ، وأكملت :
    -إنها الحقيقة ولذا أريد أن أجعل حبنا سرا .. يقولون بأن أصعب حب هو الذي لا تستطيع البوح به .. في مدينتنا هو عيب وقلة أدب وعلينا أن نخفيه .

    فلحت هذه المرة في التملص من لقاءه برغم اشتياقها إليه . تريد من هذا الحب أن يكبر أكثر ويبقى حرا وطاهرا ونقيا . لا تريده كالحب الذي تسمع عنه . شاب مراهق يلقي برقم هاتفه في ورقة على مجموعة فتيات وأي واحدة تلتقطه وتحادثه تكون حبيبته .أو حب فتاة تعجب بشاب يدرس معها كما يحصل لزميلاتها وتختاره حبيبا وتبدأ قصة حب بائسة تحسدها عليها طالبات الأقسام النظرية وكليات البنات اللاتي ضاعت من بين أيديهن فرصة التعرف بشاب قد يصبح زوج المستقبل . حبها لعماد مختلف فلقد التقت عيونهما وأرواحهما في نقطة واحدة ، كنقطة التقاء السماء بالبحر .

    كان عماد في طريق عودته إلى المنزل عندما أتصل بكاميليا مباشرة وأخبرته بأنها ستذهب مع شذى إلى المكتبة لشراء جهازيّ كمبيوتر محمول لكل منهما . عرض عليها فكرة الذهاب إلى هناك ليراها فرفضت لأنها ستمر بنسرين وستذهب معها . تنهد واكتفى ببعض التوصيات بشأن مواصفات الجهاز المناسبة وأنهى المكالمة وفكرة الذهاب لرؤيتها هناك تداعب تفكيره . سيذهب وإذا رأته نسرين وسألته سيلفق لها أي إجابة . حسم أمره وذهب إلى المكتبة الواقعة في كورنيش الدمام .أوقف سيارته في الموقف ودخل متجها بسرعة لقسم الكمبيوتر.
    بحث عنها بعينيه وهو يصطنع النظر باهتمام لبعض الأجهزة المعروضة وينتقل من جهاز لآخر حتى وجدها وهي تتحدث مع أحد الموظفين الفلبينيين وبصحبتها نسرين وشذى . أقترب منهن أكثر وراح يسأل أحد الموظفين عن برنامج حماية جيد للكمبيوتر . التفتت كل من نسرين وكاميليا له في اللحظة ذاتها ابتسم وهو يتصنع المفاجأة . سأل أخته إذا ما كانت بحاجة لشيء ما فأخبرته بأنها جاءت من أجل كاميليا التي أشاحت بوجهها عنه وذهبت مع أخته لقسم المحاسبة . اشترى البرنامج الذي سأل عنه ودفع ثمنه وخرج دون أن يحظى بكلمة أو نظرة.
    عاد لمنزله وجلس على مكتبه وهو ينتظر اتصالها . لم ينم كالمعتاد ولم يقرأ جريدته وظل ينتظرها . اتصلت به في التاسعة ووبخته للحاقه بها فهو لم يجد فرصة مناسبة ليكلمها وسرعان ما هربت منه عندما رأته . أعتذر منها فهو لم يتمكن من لجم عنان نفسه عن الذهاب إلى المكان الذي توجد فيه ليراها ولو للحظة .أخبرها بأنه يحبها ومستعد لرؤيتها حتى لو كانت ثانية واحدة . ظل يتحدث معها حتى نام دون أن يتناول غذاءه وعشاءه .

    ردحذف
  30. الفصل 13

    تمددت كاميليا على سريرها في غرفتها المظلمة ، ونور الشمعة المعطرة برائحة الخزامى تبعث بضوء خافت ورائحة عطرة تركت أثرها في أرجاء الغرفة . كانت تفكر بعماد وكيف ستسافر عنه وتتركه لأسبوعين . تمنت لو أن هذا السفر يلغى لأي سبب. تمنت لو يتأخروا عن موعد الطائرة وتقلع عنهم لتبقى هنا ولا تبتعد عنه أبدا ، حتى ولم تراه فيكفي بأن تحسه قريبا منها وتجمعهما مدينة واحدة . لم تتخيل أنها ستسافر خارج البلاد بعيدة عنها وتفصلها عنه آلاف الأميال ، وكيف ستقضي أربعة عشر يوما في مدينة العشق والرومانسية وحبيبها بعيد عنها . ستحسد باريس بالتأكيد وعشاقها يأتوها من كل مكان وهي وحيدة ومن تحبه سيبقى بعيدا عنها . أحست تلك الليلة بأنها لا تحبه فالحب قليل ، وهي تعشقه ومجنونه بهواه لدرجة لا تصدقها .

    تلك الليلة بالذات أقرت واعترفت بخشوع وطمأنينة أمام نفسها وأمام شمعة التي تراقص لهيبها بسبب لفحات هواء المكيف بأنها تحب عماد بشكل يخرق حدود الطبيعة . حب هي لم تتوقعه ولم تفكر به . حب خارج عن المألوف كمن تحبه تماما فهو رجل غير عادي في كل شيء ، بتفكيره وبأخلاقه ونبله . ظلت تنتظر اتصاله وهي تعد الساعات المتبقية لها قبل أن تقلع الطائرة في التاسعة صباحا . ظلت تنتظر اتصاله والوقت يتقدم والشمس توشك أن تشرق . نهضت من سريرها ورفعت ستارة نافذتها لتنظر إلى الشمس وهي تبعث نورها تدريجيا على كل الدنيا.وعندما فقدت الأمل في اتصاله بها أمسكت بهاتفها واتصلت به عدة مرات ولم يجبها . تساءلت إذا ما كان نائما ، ولكن كيف يستطيع النوم بدون سماع صوتها وخصوصا أنها مسافرة للخارج .

    رجعت إلى فرشفها وظلت تتقلب وهي تراقب الشمعة التي بدأت تذوب تدريجيا . أحست بقبلها يذوب مثلها والقلق بدأ يزداد في نفسها .. تتساءل عن سبب عياب عماد وعدم اتصاله وهو الذي لم يفعلها يوما . ثلاث سنوات وهو يتصل بها صباحا ، وبين المحاضرات ، وبعد عودتها من الجامعة وقبل أن تنام .

    ظلت يقظة حتى استيقظ الجميع فرحين بالسفر لقضاء إجازة الصيف في باريس بعد انقطاع السفر منذ خمس سنوات . جاءتها الصغيرة هديل تدعوها لتناول الفطور معهم . لم تكن كاميليا قادرة على التفكير بالأكل وهي لا تعرف عن عماد منذ الأمس . ذهبت إلى غرفة شذى بقلقها ، وقالت لها والدموع مترددة في الخروج من عينيها المتعبتين من السهر :
    - هذه المرة الأولى التي يتصرف معي بهذه الطريقة ..أنا خائفة ولا أعرف ما الذي حدث له ؟..أخشى أن مكروها قد أصابه.

    اقترحت شذى عليها الاتصال بنسرين فإذا كان عماد مصابا بأذى لا سمح الله ستخبرها ،واتصلت بها وردت عليها بمرحها المعتاد وأخبرتها بأنها في المنزل تشاهد فيلما مع أمل . تمنت لو تسألها عن عماد لتطمأن عليه ولكنها لا تستطيع فهي لا تعلم شيئا عن علاقتها به . مضت الساعة الأخيرة بسرعة وبدأت تستعد للخروج وهي تنتظر لهاتفها كل حين لتتأكد من عدم وجود مكالمات لم يرد عليها ، فربما أتصل بها عماد وهي لم تنتبه . ركبت السيارة وتوجهوا إلى مطار الدمام وبدأ والدها بإجراءات السفر وهي وأمها وأختيها جالسات على المقاعد ، وفجأة رن هاتفها فأخرجته بسرعة من حقيبتها إلا أن المتصلة كانت أمل . تحدثت معها ومع نسرين وبدأت تنتظر اتصال عماد فقد كان آخر حديث بينهما عصر الأمس .

    ذهبت مع عائلتها إلى صالة المسافرين وجلسوا ينتظرون موعد ركوب الطائرة ، وهي مازلت مشغولة الفكر فأخرجت هاتفها ولتصلت بعماد لم يرد أيضا . ركبت الطائرة وجلست بجانب شذى في الجانب ايمن من الطائرة ، والديها وهديل في المقاعد الوسطى ، وبدأ المضيف بطلب من الركاب ربط أحزمة الأمان وإغلاق جميع أجهزة الجوال ، فأغلقت هاتفها مرغمة بعد أن يئست من اتصال عماد

    مضت ساعة على إقلاع الطائرة وكاميليا مازالت قلقة وتفكر بعماد وتحاول إيجاد مبرر لتصرفه الغريب معها ، وبعد قليل جاء المضيف يوزع عليهم سماعات الأذن والصحف فأخذت منه نسخة من جريدة اليوم علها تمنع نفسها من التفكير ولو قليلا . قرأت الصفحة الأولى فقط ووضعتها في جيب الكرسي الذي أمامها . وضعت سماعة الأذن وراحت تتسلى بسماع الأغاني ، وعندما بثت أغنية السيدة فيروز ، تذكرت عماد الذي فاجأها بهذا الجفاء . دعت ربها أن يكون بخير ونذرت بالاستغفار ألف مرة إن كان عماد يخير ولم يهجرها .
    " بعدك على بالي يا قمر الحلوين
    يا سهر بتشرين يا ذهب الغالي
    بعدك على بالي يا حلو يا مغرور
    يا حبق ومنتور على سطح العالي"

    ردحذف
  31. الفصل 14

    مياه السين هادئة في هذا النهار المشمس والقوارب تحمل السائحين في نزهات نهرية لرؤية معالم المدينة بشكل واسع ، والمنظر خلاب من على جسر "ألكسندر الثالث" المذهب ، أو جسر العشاق كما يسميه الباريسيون . وقفت كاميليا تراقب القوارب والناس وهي تلمح عماد واقف على مسافة بعيدة منها حتى لا يلحظه والدها ، يراقبها من بعيد ويتحين الفرصة للاقتراب منها . وأثناء التقاطها لبعض الصور التذكارية تعمدت أن تلتقط له عددا من الصور وهو واقف ينظر إلى النهر من على الجسر وبعيدا عنها .
    جلست مع عائلتها على أحد مقاهي الجسر المنتشرة تشرب القهوة الفرنسية وقلبها مع عماد القريب والبعيد في الوقت نفسه ، كانت تتمنى لو تمسك بيده وتتمشي على هذا الجسر كبقية العشاق الذين يظهرون حبهم أمام جميع الناس بالقبلات والعناق والورود . تريد أن يكونا قريبين من بعضهما أكثر ويتقاسمان كل شيء حتى نسمات الهواء التي تدخل لرئتيهما . تريد أن تكون معه في رحلة بحريه واحدة بدلا أن تقضي ساعة من الوقت وهي في قارب وهو قارب آخر يراقبها ويحرسها بقلبه المتلهف . تمنت أن تجلس معه في طاولة واحدة في جادة الشانزلزيه تشرب القهوة بدلا من أن تجلس في طاولة وهو في طاولة أخرى ويتواصلا بالنظرات . تمنت لو تستمع لحديثه وغزله وهو يجلس معها بين الأزهار الزاهية والتماثيل التي تخلد شخصيات تاريخية بارزة في حدائق "اللوكسمبورغ"

    كانت تتمنى أن تصعد معه لقمة برج إيفل في ساعة الغروب كما فعلت ذلك اليوم ، وتستمع له وهو يصرخ بأنه يحبها . لكنها كانت في قمة البرج وهو بعيد لا يستطيع الاقتراب منها وعائلتها تحيط بها كحراس يحرسون ملكتهم . تمنت لو كان بصحبتها وهي تتسوق في أسواق الزينة والعطور والأزياء والأناقة . أرادت أن تكون في باريس معه فقط. ولكن لا فائدة فها هو الأسبوع سينقضي ولم يستطيع عماد أن يكلمها وجهه لوجه سوى تلك الليلة التي قبّلها لأول مرة ولم تتكرر رغم طلبه منها . كانت خائفة وتريد لحبها أن يبقى بعيدا عن الفعل لكي تكون مرتاحة البال .
    كان يتحدث معها يوميا ويتغزل بها من بعيد ، ويعشق عينيها العسليتين المزينتين بالكحل الأسود دائما ، وحبة الخال الصغيرة بجوار زاوية فمها لها مكانة خاصة في قلبه . كان معها بعيدا وقريبا ، يراها ولا يستطيع أن يقترب منها كثيرا كما يتمنى . يود أن يقول لها بأنه معجب بجمالها وأناقتها أكثر في باريس وبأنه سيفقد عقله كلما رأى خصرها يتمايل أمامه ولكنه يؤجل الحديث لحين عودته إلى الفندق.كل ليلة يطلب منها ملاقاته أمام باب جناحهم الخاص وهي ترفض فلا تريد لما حدث في تلك الليلة أن يتكرر . ومضى الأسبوع وحان موعد عودته ، ووافقت على لقاءه في بهو الفندق في ليلته الأخيرة .

    خرجت للقائه وحجابها المزركش على رأسها بعد أن تعمدت جعله ينتظرها لأكثر من نصف ساعة . وجدته مستندا على الجدار وما أن رآها حتى اقترب منها . أمسك يدها وهي تتلفت وراءها كل دقيقة . حاول أن يضمها إليه فقاومته بادئ الأمر وسرعان ما استسلمت له وهو يحيطها بذراعه ويشمها . همس في أذنها بأنه يحبها وينتظرها في القطيف . طلبت منه أن يتصل بها حالما تحط طائرته في أرض المطار لتطمأن عليه أخرجت نفسها من بين ذراعيه وودعته ودعتّ أن يصل بالسلامة .

    ******
    "بكتب اسمك يا حبيبي ع الحور العتيق
    تكتب اسمي يا حبيبي ع رمل الطريق
    ولما بيدور السهر تحت قناديل المسا
    يبقى اسمك يا حبيبي واسمي بينمحى "

    قاد سيارته التي تركها في المطار عائدا إلى منزل والديه الذي وجده خاليا كالعادة . دخل لغرفته واستحم واتصل بأخته نسرين وأخبرته بوجودها مع والديها في منزل ندى لتناول الغذاء فذهب إليهم هناك . نهضت أمه بسرعة تعانقه وكأنه غلب عنها لأشهر وعانقه والده وأختيه وابن عمه وابنتيّ أخته الصغيرتين فهم لم يتعودوا على غيابهم عنهم . تناول غذاءه وهو يتحدث معهم عن رحلته القصيرة وكيف أفادته في تجديد نشاطه وكيف استمتع في باريس التي يزورها للمرة الأولى وبالطبع حذف اسم كاميليا من حديثه ، ولكن نسرين أخبرته بأنها سافرت مع عائلتها في اليوم ذاته . قالت ندى مخاطبة زوجها :
    - سأخطط لرحلة طويلة في الصيف القادم ..أريد أن أذهب لإيران ومن ثم أعرج بيروت وأختم الرحلة في جنيف أو مدريد فأنا لم أسافر منذ سنوات .
    - لا أستطيع ترك العمل .
    وقالت الأم لابنتها :
    - الناس يحسدونا على الفاضي .. سنسافر إلى شرم الشيخ لمدة أسبوع وهذا أضعف الإيمان .. سافري معنا ودعي عماد يحجز لكِ مع الطفلتين .
    وأكملت وهي تضحك :
    - ماذا نفعل بأزواجنا إذا كانوا لا يحبون السفر ويفضلون العمل .. علينا أن نتركهم ونسافر مع أولادنا.

    ردحذف
  32. أستمر الحديث الودي بين عماد وعائلته حتى غادر الجميع منزل ندى قبل غروب الشمس وعادوا إلى المنزل وأخرج لهم عماد الهدايا التي أشتراها للجميع . أخرج معها اللوحات الزيتية والتحف التي اشتراها من باريس ليضعها في منزله ومنها مجسم نحاسي لبرج إيفل يبلغ ارتفاعه متر اشتراه ليكون ذكرى للأسبوع جمعه بكاميليا في باريس ، وقرر أن يضعه في صالة منزله في ركن فرنسي خاص يمثل هذه الذكرى.

    ***
    أستيقظ عماد من النوم في الساعة التاسعة والنصف على صوت رسالة نصية وردت في هاتفه ، وبعثت بها كاميليا ( بونجور دودي .. اشتاق لك كثيرا وتمنيتك معي وأنا أزور متحف اللوفر .. تجولنا في المتاحف الانتيكا والخزف والمجوهرات .. صدقني بأن باريس بانتعاشها وحيويتها وسحرها بدت كئيبة بعد سفرك ) ، وجاءت الرسالة الثانية لتكمل حديثها وقرأها والابتسامة تعلو شفتيه ( والدي يفكر في تمديد إقامتنا لأسبوع ثالث وأمي تشجعه وأنا لا أريد .. وغدا سنذهب إلى دزني لاند الباريسية وسنقضي ثلاثة أيام هناك ومن ثم سنعود لقلب باريس ) . نهض من فراشه وغسل وجهه وحلق ذقنه وارتدى ملابس صيفية مريحة بعيدا عن الملابس الرسمية التي يلبسها في العمل ، قرر عدم الذهاب إلى الشركة ذهب لمنزله ليطمأن على سير العمل وخصوصا أنه سافر إبان قدوم الرسام الإيطالي ومعاونيه الذين أتى بهم لرسم اللوحات الخاصة بسقف المنزل . كان المنزل في المرحلة الأخيرة وبقي إنهاء عمل اللوحات في السقف ومن ثم صبغ المنزل من الداخل وإكمال تثبيت الواجهة الحجرية للمنزل من الجهة الخلفية والسور . وبعدها تبدأ مرحلة التأثيث .

    ردحذف
  33. الفصل 15

    رتبت كاميليا ملابسها الجديدة التي أشترتها من باريس في الدولاب وهي تشعر بفرح لعودتها بعد ثلاثة أسابيع من السفر . شعرت بحنين إلى الوطن وحنين لعماد بشكل خاص . أحست بالشوق يدغدغها وبالحاجة الماسة للإتصال به والتحدث معه مطولا . اتصلت به وتحدثت معه لمدة جاوزت الساعة ، وأخبرته بشوقها الذي بدأ يكوي أضلعها فحاول أن يطفئ حرارة لهيب الشوق بإخبارها بحبه وشوقه لها ولليوم الذي يجتمع فيه شملهما . اخبرها بأن الحب قي قلبه يزداد يوما عن يوم وبدأ يخشى تأثيره على روحه . طلب منها اللقاء في أي مكان عام ، قال لها برقة :
    - أنا مشتاق إليكِ وأريد رؤيتك ..أرجوكِ لا تعتذري لأي سبب .
    أرادت أن تكون رزينة فاعتذرت منه وأردفت :
    - قريبا نتزوج ونصبح لبعضا وأرجوك لا تلح عليّ كثيرا .
    رضخ لرغبتها وإنتهى الحديث ومن ثم أخرجت دفترها الخاص بكتاباتها وأشعارها وخواطرها وأشواقها ورسائلها وأمسكت بالقلم وبدأت تكتب ..
    "أحبك في كل الأحوال
    في الحل والترحال
    في الليل والنهار
    وعندما تشرق الشمس وعندما تغرب
    أنا أحبك دائما .."

    ثم كتبتها في جوالها وأرسلتها له في رسالة نصية وخبأت الدفتر في درج مكتبها ونزلت إلى المطبخ لترى أمها إذا كانت بحاجة إلى المساعدة أم لا فعمها عبد العزيز سيأتي لتناول الغذاء معهم . كان كل شيء جاهزا وبقيت السلطة فتطوعت شذى بإعدادها بسرعة قبل أن يأتي والدها ويغضب إذا وجد الغذاء لم يجهز بعد . جاء الأب وبصحبته العم عبد العزيز وابنه ناصر وكان لهذا الخبر وقعا قاسيا ومفاجئا عليها . بلعت ريقها وهي تفكر وتتساءل بينها وبين نفسها ( متى عاد ناصر من أمريكا ؟.. لابد انه عاد أثناء سفرنا إلى باريس .. عاد ليجثم كابوسا على قلبي .. ولكن لا يستطيعون إجباري على القبول به مهما فعلوا .. فلدي من أحارب من أجله ) . بدأت تساعد والدتها وأختها في ترتيب طاولة الغذاء بلا رغبة وهي تشعر بالقلق ، وراحت تأكل ببطء وبلا شهية وهي تلاحظ ناصر وهو يرمقها بنظراته المزعجة . شعرت بالغثيان وهي تجبر نفسها على البقاء على المائدة كي لا يغضب والدها العصبي المزاج والذي يغضب لأي سبب . وما أن إنتهوا من الغذاء حتى صعدت لغرفتها وبدأت تستعد لاستقبال صديقتها نسرين وأمل اللتين ستأتيان لزيارتها .

    ارتدت بنطلون أسود وقميص حريري شفاف باللون ذات وتزينه دوائر بيضاء ، وربطت حول عنقها إيشاربا حريريا أبيض ورشت القليل من عطر "ألور" حول معصمها وخلف أذنيها ، والياقوت الأحمر يزين إصبعها وبقيت في غرفتها تنتظر صديقتيها اللتين جاءتا في الساعة الرابعة . عانقتهما ،وبدأت تخبرهما عن رحلتها وكيف وجدت باريس تلك المدينة الرومانسية الحالمة بليلها الساحر ونهارها المفعم بالحركة والنشاط . راحت تحكي لهما عن الرحلة وكيف كانوا يشعرون بالسعادة لدرجة أن والدها مدد الرحلة أسبوعا ثالثا ، وأعطتهما الحقائب التي اشترتها لهما من متجر شانيل في باريس . انتقل مجرى الحديث إلى أهم الأحداث أثناء غيابها ، ومن أهم ما حصل هو خطبة نسرين إلا أن أمها رفضت العريس لأنه من قرى القطيف . وبرغم من رفض نسرين فكرة الزواج قبل الثلاثين ، إلا أنها حمدت ربها لأن العريس لم يكن بالمستوى المطلوب ، فلو كان طبيبا متخرج من أمريكا ، أو أحد أبناء كبار العائلات لزوجتها به رغم عنها ولن يمنعها أحد

    *****

    ردحذف
  34. عادت نسرين إلى منزلها بعد أن قضت وقتا طويلا مع صديقاتها وجلست في الصالة بصحبة أمها وشقيقها يشاهدون التلفزيون بصوت منخفض وهم يأكلون الفاكهة وبعد دقائق جاءت ندى وحدها ، وقالت لهم بابتسامة :
    - لدي خبر طازج .
    سألتها أمها بفضول كبير عن فحوى الخبر ، فأخبرتهم بأن عصام يريد الزواج بأمل وتكلم مع فيصل وغدا ستذهب العمة نورة وزوجها من أجل خطبتها . بلعت الأم ريقها وأخذت نفسا عميقا واستدارت نسرين قائلة :
    - جيد ..أمل تستحق الزواج بابن عائلة .. الحمد الله بأنني لم أوافق على النخلاوي (القروي ) الذي تقدم لخطبتك .
    بلعت ريقها وأردفت تقول لابنها:
    - لقد كانت سلوى تلمح دائما برغبتها ورغبة زوجها بزواجك من ابنتها ..ولكن سرعان ما وافقت على عصام فهو عريس لقطة .
    تبادلت نسرين النظرات مع عماد وهما يبتسمان بصمت ، لكن الأم قالت لنسرين :
    - وهل يعقل بأنكِِِِِِِِِِِِِِِ لا تعرفين بهذا الأمر ؟
    ضحكت وأخبرتهم بالجزء الذي لا يعرفونه من الخبر وهو أن عصام تحدث مع أمل وأخذ منها الضوء الأخضر . استدارت سميرة وجهها متجهم وقالت لابنها :
    - عصام يصغرك بخمسة أعوام وهاهو سيتزوج .. أما أنت فتريد أن تكون من جماعة العوانس من الرجال .
    تدخلت ندى عندما استشعرت غضب شقيقها وقالت:
    - ما هذا الكلام ياأمي .. عماد سيتزوج قريبا بكل تأكيد .
    تأفف عماد منزعجا فقالت له ندى بابتسامة :
    - ما رأيك يا أخي لو نبدأ بالبحث عن العروس .. وفي الحقيقة هناك واحدة تعجبني وهي زميلة لي في المدرسة وهي جميلة وراقية ومن عائلة محترمة و تناسبك .
    صرخت أمها فيها بصوت مرتفع ونفاذ صبر :
    - ولماذا نبحث بين الفتيات والعروس المناسبة موجودة ؟.. حسب ونسب وجمال ودلال وذوق وأدب ..ومنذ أن عادت من كندا وأنا أدعوا الله أن تكون من نصيب عماد .
    وأكملت بنبرة أقل حدة تخاطب ابنها الساكت :
    - صدقني يا ولدي .. ريم عروس مناسبة .. هي طبيبة وتعمل في مستشفى القطيف المركزي وستخصص في النساء والولادة ولن تتعامل مع الرجال المرضى .. هي جميلة ورزينة ولن تجد أفضل منها أبدا .. كما أن عمتك أخبرتني بأن عادل ابن عم ريم قد تقدم لخطبتها للمرة الثانية ورفضته .
    تأفف وقال لها بأنه لايريد الزواج حاليا ، وإذا غير رأيه مستقبلا فهو سيختار المرأة التي يريدها وحتى ذلك الوقت سيبقى عانسا . قال جملته الأخيرة وصعد لغرفته تاركا أنه تتذمر ، فلحقت به ندى مسرعة وبقيت نسرين تستمع لكلام أمها فهي لا تجرؤ على الذهاب لأي مكان وهي غاضبة .
    جلست ندى بجانب عماد والضيق باد على ملامح وجهه الهادئة وقالت له بتفهم وهدوء كبيرين :
    - لا تنزعج من كلام أمي فهي لا تقصد إغضابك ولكن هذا هو أسلوبها .. هي تريد أن تراك متزوجا وسعيدا كبقية الشبان الذين في مثل سنك .. ماذا تنتظر يا أخي فالعمر يجري .
    تنهد وقال بغضب وحدة :
    - أمي باتت تزعجني ..أخبرتها مرارا بأني سأتزوج عندما أريد أنا ذلك ولكنها لا تفهم .. وتظل تتكلم وتعيد وتزيد في الموضوع وبأسلوب ساخر أيضا ..إذا أردت أن أتزوج بفتاة ما فلا يهمني عائلتها وعملها أو تخصصها حتى ولو كانت طبيبة ذكورة .
    ابتسمت وغمزته بعينيها وسألته :
    - وهل هناك فتاة ما في بالك وتريد الزواج بها ؟..أخبرني .
    ابتسمت عينيه السوداويين عندمالاحت صورة كاميليا أمامهما وأراد أن يخبرها وأصبح أسم كاميليا على طرف لسانه ،لكنه تذكر وعده لها بكتمان الأمر فتراجع وقال لأخته المنتظرة لجوابه بأن الوقت لم يحن بعد .وتفاجأ عندما قالت بأنها تذكرت علاء الذي كان يقول بأنه سيتزوج أمل عندما يكبر . ترحم على أخيه وهو ينظر لخاتمه الياقوت وقال :
    - قالها لي أكثر من مرة .
    أمسكت بيده وطلبت منه وعدا بالزواج بعد أن ينتهي من تأثيث منزله مباشرة . قال لها مبتسما :
    - أعدك .. وعد رجل لرجل .
    ضحكت وطلبت منه أن يحجز لها ولابنتيها معهم إلى شرم الشيخ وأصرت على أن يسافر معهن ، ولم تخرج من غرفته قبل أن تأخذ منه وعد آخر .

    ردحذف
  35. الفصل 16



    علموني هنّّ علموني
    على حبك فتحولي عيوني
    والتقينا وأنحكى علينا
    علموني حبك ولاموني ..
    قاد سيارته متجها إلى "المجيدية "وهو يستمع لفيروز ، بعد أسبوع قضاه مع أمه وشقيقتيه في مدينة شرم الشيخ الساحرة . قضاه في مياه البحر يسبح ويحمل طفلتي أخته على ظهره ويلهو معهما ، ويركض مع نسرين على الشاطئ ، وندى وأمه منشغلات بمراقبة النساء بملابس السباحة . وذهلتا عندما وجدتا عدد من السعوديات اللاتي يسبحن بالبيكيني ومن ثم يجففن أجسادهن ويرتدين عباءاتهن . كم كان الشاطئ ساحرا وكأنه في مكان آخر من هذا الكوكب . تمنى لو كانت كاميليا معه في شرم . يسبحان سويا ويركضان على رمال الشاطئ ، وتغمرها أمواج البحر الأبيض المتوسطة الرائعة . قرر أن يلف معها العالم كله عندما يتزوجان ، ليتركا أثرا منهما في كل أرجاء المعمورة .
    صعد لغرفته وأتصل بكاميليا لكنها لم ترد عليه ، فأرسل لها رسالة نصية يطلب منها الاتصال به للضرورة . يريد أن يقول لها بأنه يحبها ويشتاق إليها كثيرا وهذا أمر طارئ بالنسبة له . أستحم وأتصل بماجد يخبره بعودته من شرم ودعاه لزيارته . نزل ليشرب الشاي مع والديه وأمه، وبسرعة استأذن والديه وصعد لغرفته وأمسك بجريدة " اليوم " وبدأ يقرأه وهو ينتظر اتصالها ، وعندما وصل إلى الصفحة الثقافية ، لفت نظره عنوان إحدى الزوايا (همسات من قلبي )..

    ((أحبك في كل الأحوال
    في الحل والترحال
    أحبك في الليل والنهار
    وعندما تشرق الشمس وعندما تغرب
    أنا أحبك دائما ..

    أحبك في وطني
    أحبك يا عزتي ويا أهلي ويا سندي
    أحبك كلما ابتعدت عنك
    وكلما اقتربت منك ..
    أحبك في الغربة وفي الوطن
    أنا أحبك دائما ..

    أحبك وعبير الورد يفوح
    وخيالك في قلب باريس يلوح
    أحبك بالقلب والعين وبالروح
    أنا أحبك دائما ..))
    كاميليا الناصر

    راح يتأمل السم وتذكر مطلع هذه الكلمات فقد أرسلتها كاميليا له كرسالة نصية على جواله بعد عودتها من باريس . تأكد من ذلك واتصل بها لم ترد عليه وبعد مدة وجيزة اتصلت به ، قالت له برقة :
    - لم أكن منتبهة لهاتفي عندما إتصلت .. حمد الله على السلامة .
    ضحك وسألها :
    - ومتى بدأتِ بالكتابة في جريدة "اليوم"؟.. سافرت لأسبوع فقط وحدثت كثير من التغيرات .
    - ساعدتني ناهد في نشر إحدى همساتي التي كتبتها لك .
    وعدته بأن تكتب له همسة أخرى بين وقت وآخر ، وطلبت منه أن يتابع الصفحة الثقافية بإهتمام . كان معجبا بما كتبته ومشتاق إليها فدعاها للقائه واعتذرت فقال لها بنبرة مختلفة :
    - أصبحتِ ترفضين لقائي باستمرار .
    - وماذا أفعل؟.. عليك أن تتفهم وضعي .. بت أخاف أن يراني أحد معك.. هل ترضى لي ذلك ؟
    وأخبرته بأن إحدى زميلاتها رأتها معه آخر مرة وتعرفت عليها رغم النقاب وراحت تسألها عنه . تنهد بقوة وطمأنها بأنه لا يريد أن يسيء لها أحد وإن كان ذلك على حسابه . أحست برغبته للقائها وبأنها قست عليه قليلا فأخبرته بأنها ستحاول أن تنسق للقاء سريع في مطعم المجمع نهاية الأسبوع .

    ظل ينتظر نهاية الأسبوع بفارغ الصبر ليراها . انتظرها في سيارته أمام المجمع وما أن لمح سيارتها تتوقف حتى نزل ووقف قرب البوابة ورآها تنزل من سيارتها وهي تضع النقاب على وجهها وطلبت من سائقها أن يذهب إلى الصيدلية ليشتري لها بعض الحاجيات ومن ثم يعود لاصطحابها إلى البيت . اقتربت من البوابة وهي تمسك بحقيبتها ودخلا إلى المطعم سويا .أزاحت نقابها أمامه فأنبهر بجمال عينيها وفهما البراق . أخبرها عن حبه وأشواقه فمنذ عودتها من باريس وهو لم يراها . طلب لها الكولا المثلجة وتفاجأت عندما أحضر لها كعكة التراميسو من محل الحلويات . ظل يراقبها وهي تأكل بلذة وضحكت وهو يقول لها بأنه يتمنى أن يكون مكان الشوكة التي تدخل فمها وتلامس شفتيها . أخرجت من حقيبتها ميدالية زجاجية أنيقة محفور عليها آية الكرسي وتتدلى منها خرزة زرقاء صغيرة وطلبت منه تعليقها على مرآة سيارته لتحفظه من الشر والحسد . شكرها وقبل يدها . نهضت عندما أتصل بها سائقها يخبرها بأنه ينتظرها في الخارج . إتصل بها مجددا . طلب منها ملاقاته الأسبوع القادم ولو لدقائق قليلة لكنها اعتذرت منه ، ففي الخميس المقبل سيعقد قرآن أمل بعصام وستحضر الحفلة لتحتفل مع صديقتها .

    ردحذف
  36. الفصل 17

    غطت جسدها وعماد مستلقي بجانبها على العشب الأخضر ويده تتسلل بين وقت وآخر ليتحسس مكان ما تحت عباءتها . ضربته على يده موبخة فامسك بيدها وطبع قبلة رقيقة في باطنها . مدت له اليد الأخرى وهي ممسكة بتفاحة حمراء . قضمتها ويده تداعب كتفيها ، ثم سقطت في الماء وغاصت ولم تر عماد بقربها . استيقظت فزعة وإستعاذت من الشيطان ومن هذا الهوى الذي غير مجرى أحلامها . كانت أحلامها رموزا غير مفهومة لا تجد لها تفسيرا ، ومنذ أن عرفت عماد وأحلامها حميمة .

    عادت للنوم واستيقظت في الواحدة وبدأت تستعد للخروج مع صديقاتها إلى "الخبر " لتناول الغذاء . وبعد ساعة كن في السيارة يعبرن شارع الهدلة وهن يستمعن إلى موجة الإف أم . تناولن الغذاء ثم ذهبن إلى المقهى في كورنيش الخبر. أحضر لهن العامل الفلبيني قهوتهن المفضلة وهن جالسات في القسم العائلي حيث يجلس الرجال والنساء سويا دون عوازل . استغربن وجود إحدى زميلاتهن في الجامعة بصحبة شاب يتلاطفان علنا رغم أنها غير مرتبطة .
    - دعونا نحلل شخصية كل فتاة موجودة بناء على مظهرها .
    قالت أمل ذلك تدعوهن لفتح باب النقاش في قضية الفتيات ، وابتدأن بامرأة مغطية بالسواد كليا وترتدي قفازات وجوارب سوداء سميكة وتجلس مع زوجها وطفلها . قالت كاميليا تعليقا عليها :
    - مسكينة .. لو كنت مكانها لانتحرت ..الدين يسر .
    ضحكت نسرين وقالت :
    - ليس بالضرورة تدين .. ربما ترتدي هذه الأشياء رغما عنها أو للتستتر ..

    ناقشن بالخصوص أوجه المرأة القطيفية من كل جوانبها . الفتاة التي تعرض نفسها في جميع المناسبات وحفل الزواج أمام الخاطبات . واللاتي يسجلن أسماءهن في الجمعيات الخيرية لدى الشيوخ . واللاتي يبحن عن وظيفة إلى أن أصبح ثلاثة أرباع بنات القطيف مصورات وخبيرات تجميل على غفلة ، فامتلأت المدينة بالاستيوهات النسائية ومراكز التجميل التي أصبحت تنبت مثل الفطر . صرخت نسرين فجأة بشكل لفت إليها الأنظار ، وبختها كاميليا عندما نظر لهن جميع الموجودين . قالت وعينيها ستخرجان من محجريهما :
    - آخر خبر .. ابنة جيراننا ( اللي نحطهم تاج وقلادة) سافرت مع أمها وأختها إلى البحرين لتجهض البيبي وبعدها ستتزوج من والده .. وزوجة عمها أخبرت أمي بذلك .
    - ولماذا يجهضونها مادامت ستتزوج به ؟
    زمت نسرين شفتيها وقالت :
    - والدها أصر على إجهاض الطفل الحرام .. وهنا حياة المرأة مرتبطة بولي أمرها ومالك هذا الجسد .. وهو سبب السعادة والنحس والشقاء والرفاهية .
    انفعلت كاميليا وقالت :
    - ولماذا تسكت النساء على هذا الحال ؟.. ويحاربن أي امرأة ترفع صوتها لتساعد بنات جنسها .
    أجابت نسرين وأمل تهز رأسها باقتناع :
    - لقد تعودن على التعاسة وعيشة الجارية التي تريد ملبسها ومأكلها وتنام مستورة .. لذا نحتاج ثورة ثقافية اجتماعية كبيرة .. أصبحنا نمجد القبيلة ونتحكم بشرائعها .. ونتمسك بالعادات والتقاليد على خلاف الدين .. العادات الجميلة تندثر والقبيحة تبقى .

    ردحذف
  37. الفصل 18

    استلقى عماد على سريره ، كيف ينام وهو يفكر بالغد وما سيحمله من أنباء سارة بكل تأكيد ، فغدا تظهر نتائج امتحانات كاميليا . النتائج التي انتظرها منذ أربع سنوات لتكون إشارة مرور لدخوله دنيا السعادة التي سيعيشها معها . تقلب على فراشه وهو يتذكر كيف كان يتقلب تلك الليلة قبل أربع سنوات خلت . سنوات طويلة وقصيرة في الوقت ذاته ، أحس بطولها عندما كان يعيشها يوما بيوم ، وأحسها قصيرة وهو يتذكرها الآن بعد أن مضت ، وبرغم من أن السنوات جعلت عمره واحد وثلاثون عاما إلا أنه فرح بمرورها . أغمض عينيه في ظلام غرفته وهو يبتسم ويحدث نفسه مسرورا ، فمنزله جاهز الآن وأنهى تأثيثه بالكامل بمعاونة كاميليا التي يأخذ رأيها ويستشيرها بكل شيء بقيت غرفة النوم فهو يريدها أن تكون من اختيار صاحبتها لذا سيشتريها بعد أن تتم خطوبتهما .

    منزله المميز بالذوق الإيطالي في الأثاث والديكور ، أعجب كل من رآه والجميع ينتظر أن يعرف هوية العروس التي تنعم بالعيش فيه . المنزل بناه على شكل بنائين جانبيين تتخللهما حديقة داخلية . في الجانب الأول الصالة الكبيرة المفتوحة على المطبخ الخشبي الأنيق ، وبأحد أركانها طاولة طعام صغيرة لأربعة أشخاص وأحد الجدران مغطى بالمرايا ، وركن فرنسي خاص وضع به مجسم برج إيفل وبعض التحف التي اشتراها من باريس ، ومجلس كبير يطل على مائدة طعام على قدر عال من الفخامة . وغرفة استقبال خاصة وحميمة أعدها بديكور تراثي القديم بدا واضحا في السقف الخشبي وصبغ الجدار والأثاث . كما أن سقف الصالة مرتفع والمزين بلوحات رسمها فنان إيطالي يضيف الفخامة على المنزل . وفي الجانب الأخير للصالة إطلالة جميلة على الحديقة الداخلية بواسطة بوابة زجاجية كبيرة مغطاة بستائر مخملية بيضاء مزينة . كانت الحديقة جميلة وبها بركة سباحة على جانبها أحواض سيملؤها لاحقا بالورد وطاولات خشبية مظللة ، وتغطي الحديقة قبة كبيرة مفرعة بشكل هندسي بديع لتدخل منها أشعة الشمس . على يسار الحديقة توجد البوابة الزجاجية ذاتها بستائر داكنة تطل على غرف النوم الخمس وغرفة المكتب في جهة القلب كما تقول كاميليا . في الخارج غرفة السائق والحارس وبوابة حديدية كبيرة.

    ذهب للشركة صباحا وظل يفكر بكاميليا أثناء عمله وهو ينتظر اتصالها ويطمأن قلبه . غمره الفرح عندما رن هاتفه وجاءه صوت كاميليا منتشيا وفرحا ، قالت له بدلال :
    - لقد عدت للتو إلى المنزل والحمد الله نجحت في كل المواد .. تخرجت ولم يبقى سوى..
    وقبل أن تكمل قاطعها والابتسامة تزين وجهه :
    - ولم يبقى سوى الزواج يا بعد روحي .
    ضحكت وقالت بأنها تقصد سنة الامتياز الباقية لها قبل نيلها وثيقة التخرج ، وستقضي هذه السنة في مجمع الملك فهد العسكري . هنأها ودعا الله أن يوفقها ، وسكت للحظة ثم أردف منتشيا :
    - اليوم سأخبر أمي بأني مستعد للزواج .. فهي تلح علي كثيرا .
    تظاهرت بالغيرة وسألته :
    - وبمن تريد تزويجك ؟
    - لاحظت تلمحيها نحو ابنة عمتي ريم .. لكني أخبرتها بأني من سيختار العروس وأنت اختياري .
    طلبت منه أن لا يخبر أمه بأمر علاقتها فهي لا تريدها أن تسيء التفكير بها حتى بعد زواجهما . مرر أصابعه في شعره ووافقها على ما طلبت أرادت أن تنهي المكالمة لأنها ستنام قليلا وبعدها ستذهب إلى الخبر لشراء قماش فستان الذي ستخيطه لحفل زفاف أمل. قالت له ممازحة :
    - يجب أن أبدو بغاية الجمال فربما تراني إحداهن وتعجب بي وتخطبني لابنها .

    عاد عماد إلى المنزل مبكرا ووجد والديه جالسان في الصالة يتحدثان وهما يشربان الشاي . جلس بقربهما ووجهه يشع بالسعادة ، والحب والرضا يسكنان سواد عينيه ، قالت له أمه بابتسامة :
    - نجحت نسرين في جميع المواد وستبدأ سنة الامتياز بعد شهر .. حتى ولو كان تخصصها مختبرات طبية إلا إني سعيدة بتخرجها وسأقيم لها حفلة .
    ضحك الوالد وقال لابنه :
    - الحمد الله .. تقبلت أمك الأمر أخيرا .
    لوت سميرة فمها وطلبت من زوجها أن يسكت فهي مازالت تحمله مسئولية عدم التحاق نسرين بكلية الطب . ضحك عماد وطلب منهما أن لا يتشاجرا فهو يحمل لهما خبر سعيدا . سألته أمه بلهفة عن الخبر فأجابها بابتسامة ووجهه بدأ يحمر :
    - سأتزوج .
    صرخت سميرة بقوة :
    - قلّ لي بأنك جاد .. أنا لست مصدقة .. الحمد الله الذي هدّاك واستجاب لدعواتي .
    أبتسم الأب وقال لابنه مشجعا :
    - الحمد الله وقرارك صائب .. لكن أنا لدي ما أقوله أيضا .
    سكت عماد لكن أمه سألت زوجها بلا مبالاة :
    - وماذا تريد ؟
    زم الأب شفتيه وطلب من ابنه أن يسافر إلى دبي للمشاركة في مشروع استثماري كبير . سأل عماد والده عن موعد السفر فأخبره بأنه حجز له في الطائرة المسافرة في التاسعة مساء اليوم .
    نهض حسن ودعا ابنه للذهاب معه إلى المكتب ليشرح له بقية الأمور وقال لزوجته مبتسما :
    -لا تخافي سنتحدث في أمر زواجه بعد عودته .

    ردحذف
  38. جهزت سميرة حقيبة ابنها ، وبعد صلاة المغرب ودعته وهي تدعو له بالتوفيق والسعادة تغمرها لأنه جاء من بنفسه ليخبرها برغبته بالزواج . وبسرعة أمسكت بسماعة واتصلت بندى لتخبرها بالأمر ، وما أن وصل عماد إلى مطار دبي حتى عرف جميع العائلة بالأمر .

    وصل إلى بهو الفندق برج العرب الشامخ بكبرياء في مياه الخليج ، وحجز له غرفة مريحة خاصة برجال الأعمال تطل على البحر بمنظر خلاب للغاية . شرب كوبا من الماء البارد وعاود الاتصال بكاميليا التي اتصل بها قبل إقلاع الطائرة ولم تجبه فأرسل لها رسالة نصية يخبرها بضرورة الاتصال به . تناول عشاءه في مطعم الأكلات البحرية في الطابق الثاني من البرج ، وعاد بسرعة لغرفته . استلقى على سريره ينتظر اتصال كاميليا بشوق وعندما انتصف الليل اتصلت به وأخبرته بأنها ذهبت إلى السوق مع أخته وابنة عمه ومن ثم ذهبن لمنزل والديه وتناولت العشاء مع أمه وعادت لتوها إلى منزلها . فرح فعلاقة كاميليا بأمه جيدة منذ الآن وستكون مميزة جدا بعد أن يتزوجها . أخبرها بأنه سيبقى في دبي لثلاثة أيام ، وهو يشتاق لها كثيرا . ظلت تتحدث معه حتى أخبرها بضرورة نومه ليستيقظ مبكرا ويذهب إلى مقر الشركة .

    استلقت على سريرها واطفأت الأنوار وأغمضت عينيها . تهيأ لها بأنها تسمع عماد يقول لها ( حبيبتي .. بعد أن أعود من دبي سأتقدم لخطبتك مباشرة وسنتزوج بأسرع وقت ممكن .. سنكون معا لمدى الحياة ) . لم تكن تعرف إذا ما كانت صاحية وتسمع صوته حقا أو نائمة تحلم به . نامت أكثر كلماته الرقيقة المفعمة بشوق مشتعل في قلبه منذ أربع سنوات ، نامت والأحلام الوردية تحاصرها وتأخذ معه إلى دنيا السعادة والحب والفرح . استيقظت عصرا وعلامات الراحة على وجهها . نظرت لنفسها في المرآه ووجدت الابتسامة مرسومة على شفتيها والحب يظهر في عينيها العسليتين وتخشى أن يفضحا أمرها أمام والديها . نزلت لتناول الطعام وجلست في المطبخ . سكبت المكرونة بالدجاج والسلطة الخضراء في صحنها مع شذى همسا ، وجاءتهما هديل مقاطعة تطلب أوراق النعناع للعم عبد العزيز الذي يريد إضافتها إلى الشاي . تأففت كاميليا وقالت :
    - أرى أن زياراته كثيرة وأوامره كثيرة أيضا .

    أعطتها شذى صحنا به أوراق النعناع الطازجة ، وأكملت كاميليا طعامها وقلبها يخفق بطريقة غربية لم تعرف سببها . بعد مدة جاءت هديل مرة أخرى تطلب منها الذهاب لوالدها في المجلس ، تعجبت وتساءلت ماذا يريد منها الآن استيقظت من النوم لتوها . حذرتها شذى من التأخر عن والدها وإلا سيغضب وسيحدث لهن مشكلة هن في غنى عنها . ذهبت تطرق الباب وهي تقدم رجل وتأخر أخرى ودخلت عندما أذن لها والدها .سلمت على عمها وقبلت رأسه وجلست بجانب والدها الذي قال لها مبتسما بأن عمها يريد تهنئتها بنجاحها . أحست براحة وأخذت نفسا عميقا ولكنها شعرت بقلبها سيتوقف ووالدها ينهي حديثه :
    - وجاء اليوم يطلبك زوجة لناصر وأنا موافق واتفقنا على عقد القرآن بعد أسبوع وموعد الزواج بعد ثلاثة أشهر .
    ظلت كاميليا ساكتة لا تقوى على فعل شيء ، لا الكلام أو الرفض أو الاعتراض أو الانتفاض إذا لزم الأمر . لم تكن قادرة على التنفس ووالدها يتكلم وكأن كل شيء قد انتهى . بدا نفسها سريعا ومضطربا والدم ينسحب تدريجيا من وجهها ووالدها يسألها والابتسامة لا تفارق وجهه :
    - هل لكِ شروط ؟.. أو شيء تودين قوله .
    بلعت ريقها وهي تنظر لأبيها متجاهلة نظرات عمها ، قالت بصوت خرج من حنجرتها بصعوبة :
    - لست موافقة على الزواج من ناصر .
    خرجت عينين والدها من محجرهما وتغيرت سحنة وجهه لدرجة أنها توقعت أن يقف ويصفعها ويهفو عليها باللكمات والضربات لكنه ظل صامتا ومندهشا ، بينما قال العم بلهجة ساخرة :
    - ولماذا ترفضين ؟
    ردت وصورة عماد في عينيها بأن ناصر يكبرها بخمسة عشر عاما وسبق له الزواج مرتين كم أنها لا تشعر بأي توافق بينهما . شعرت بقلبها ينقبض بقوة فأطرقت رأسها ساكتة والدها يقول لعمها متجاهلا إياها :
    -لا عليك منها يا أخي .. كاميليا صغيرة ولا تفقه شيئا في هذه الحياة . بدأت الدموع تتجمع في عينيها وكررت لوالدها بأنها غير موافقة .
    فما كان منه إلا أن مسك بيدها بقوة وصرخ بها :
    - ستتزوجين من ناصر وانتهى الأمر .. لقد دللتك كثيرا ولكن الزواج ليس مزحة .. تزوجي من رجل كناصر ..أم أنك تريدين الزواج من يحف حواجبه ويصبغ شفتيه بالحمرة ..وأبن عمك أولى وأحق بك.

    توجهت كاميليا لغرفتها وتبعتها شذى ، راحت تبكي وتصرخ بقوة رافضة الزواج من ناصر ، وجاءت أمها على أثر صوتها .أخبرتها والدموع تغرق عينيها وجهها بما حصل فطلبت منها أن تهدأ وذهبت لزوجها . دخلت المجلس وجهها خال من أي تعبير ، وقالت لزوجها بهدوء :
    - أخبرتني كاميليا بأنك تريد تزوجها من ناصر .
    عبس وجهه وقال لها بحدة :
    - نعم .. وسنعقد القران بعد أسبوع .. والزواج بعد ثلاثة أشهر لأن ناصر أشترى منزلا جاهزا وسيبدأ بتأثيثه وبعدها يتزوجان مباشرة ..أنا لا أحب فترة الخطوبة طويلة .

    ردحذف
  39. أخرج من جيبه مظروفا به مهر ابنته وأعطاها إياه وطلب منها أن تذهب مع كاميليا إلى الأسواق لشراء ما تحتاجه . بلعت ريقها وهي ترى عزمه على إتمام الزواج خرجت من المجلس وظلت تنتظر خروج العم عبد العزيز لتتكلم مع زوجها الذي أجتمع بها مع ابنته التي جاءت وأثار البكاء على وجهها وهي تلهث بقوة . جلست بالقرب من والدتها بصمت ، فطلب منها والدها الاستعداد للزواج بعد ثلاثة أشهر . أحست بأن جرعة من الشجاعة والجرأة دخلت إلى قلبها وقالت لوالدها بأنها لا تريد المهر ولن تتزوج رغما عنها . صرخ الأب بقوة وقال :
    - من قال بأني لن أرغمك ..أنا مستعد لذبحك إن لزم الأمر لتوافقي على الزواج من ناصر .
    تدخلت الأم وقالت لزوجها :
    - ما نفع الزواج إذا لم يحصل قبول بين الطرفين .. لا تكن عنيدا يا أحمد .
    طلب منها أن تسكت ولا تتدخل بينه وبين ابنته ، فقالت :
    - هي ابنتي أيضا ولن أسمح لأحد بتزويجها رغما عنها .. لسنا في الجاهلية .
    أمسك أحمد بشعر زوجته وشده بقوة وقال لها وأوداجه منتفخة :
    - كلمة أخرى في هذا الموضوع وأطلقك ..لن أسمح لأحد أن يخرب علاقتي بأخي الذي رباني بعد وفاة والدي .. أدخلني شريكا معه في المؤسسة التي كونها هو ولم أكن أملك فلسا .. ومن أجله أنا قادر على نحركما كما تنحر الخراف .

    ظلت كاميليا صاحية حتى الفجر تبكي في غرفتها ولا تملك حلا غير البكاء والنحيب وهي تفكر بقرار تزويجها الإجباري بناصر ، كانت تبكي بنحيب موجع وحرقة كلما أتصل بها عماد ولم تجبه . لم تكن تعرف ماذا تقول له وهي تسترجع كلماته البارحة ، كم كان متشوقا لليوم الذي يجتمع فيه شملهما ويتزوجان . أقفلت هاتفها وعينيها تحرقها من البكاء وهي تفكر بطريقة تقنع فيها والدها ، وعندما لم تهتدِ لحل ظلت تبكي حتى نامت من التعب . نامت وعماد في دبي قلق عليها وشعور غريب يراوده ، أحس بالضيق كلما أتصل بها ولم تجبه . تعب من التفكير والأفكار تأخذه إلى كل الاتجاهات ، تمنى لو كان قريبا منها فربما يشعر بها وبما يزعجها ، كان بعيدا بناره المشتعلة في صدره والقلق والخوف وصورة كاميليا في ذلك الحلم الذي يتكرر في منامه جاءت أمام عينيه لتقلقه أكثر.

    ردحذف
  40. الفصل 19

    ثلاثة أيام مرت ببطء شديد وصعوبة حاول عماد خلالها إنهاء ما طلبه منه والده ليعود سريعا إلى القطيف . ركبت الطائرة وهو يفكر بكاميليا ، وعن السبب الذي يجعلها تتجاهل اتصالاته ولا تريد عليه وهي التي لم تفعلها خلال أربع سنوات . ما الذي يمنعها من الرد عليه ولو برسالة تشرح فيها ظروفها . ألا تشعر بالخوف والقلق الذي يعتمل في قلبه ويكويه وهو يشعر بأنه بعيد مكبل اليدين واللسان .لم يعهدها يوما جافية ،هو الذي لا يستطيع الذهاب إليها ولا يستطيع السؤال عنها عند أخته على الأقل . هي حنونة ورقيقة وعاطفية ولكن ما الذي يمنعها من الإجابة .

    مساء الثلاثاء هبطت الطائرة في مطار الدمام في الساعة السابعة أنهى بسرعة إجراءات الجوازات والجمرك وركب سيارته التي تركها في مواقف المطار الخاصة ، وأتجه بسرعة جنونية نحو منزل كاميليا في حي الخامسة ودقات قلبه تزيد من توتره . أوقف سيارته أمام البيت المقابل لبيتها وظل يراقب الحركة الساكنة في الحي الهادئ . أخرج هاتفه من جيبه وأتصل بها ولم تجبه ، فكتب لها رسالة نصية ( أنا واقف أمام البيت الآن وسأنتظرك لعشر دقائق .. وإذا لم تتصلي بي سأسأل عندك لدى أي شخص يفتح لي الباب وليحصل ما يحصل ) . ظل ينتظر في سيارته وعينيه على هاتفه حتى اتصلت به ، وسألته بنبرة حزينة :
    - متى عدت من دبي ؟
    بلع ريقه وأجابها :
    - لقد جئت من المطار لمنزلك مباشرة .
    وأكمل يعاتبها :
    - لماذا لا تجيبين عليّ ؟..أنا قلق عليك حبيبتي بطريقة لا يمكنك تصورها ولا الإحساس بها لأنك لو شعرت بما أشعر به لما تركتني هكذا .
    جاءه صوت بكائها حارا حزينا ويائسا ، قال لها :
    - تكلمي بحق الله يا كاميليا .. ما الذي حصل ولماذا تبكين ؟.. هل حصل مكروه لأحد أفراد عائلتك .
    ظلت تبكي للحظات ثم قالت له بصوت متقطع :
    - تقدم لخطبتي ابن عمي ناصر والدي سيجبرني على الزواج به .. ومنذ ثلاثة أيام وأنا حائرة ولا أعرف كيف أتصرف .. لم أعرف كيف أواجهك ولا أعرف ماذا أفعل .
    انخرطت في البكاء وعماد ساكت من أثر الصدمة فهذا ما لم يفكر به ولم يحسب حسابه أبدا . طلب منها أن تهدأ وقال لها :
    - دعيني أتقدم لخطبتك وأخبري والدك برغبتك بالزواج مني .
    ترجته أن لا يخبر والدها بأنه يعرفها أو رأها في حياته وألا يزيد الأمور تعقيدا . غضب من كلامها فكل ما يهمها أن لا يعلم أحد بعلاقتهما . قال لها بحدة :
    - لا تخافي فلن أخبره .. ولن أبقى مكتوف اليدين .. أنا الآن سأنزل من السيارة وأطلبك للزواج .
    ترجل من سيارته وهو يحس بألم يعتصر قلبه ، وأفكاره مشتتة ومشى بخطوات بطيئة وهو يفكر بكاميليا وبكائها الذي قطع نياط قلبه . دق جرس الباب وفتح له السائق وطلب أن يقابل سيده . وقف في الحديقة ينتظر وكاميليا تراقبه من نافذة غرفتها وبعد دقائق قليلة استقبله والدها بملامح وجهه القاسية . أدخله في مجلس الرجال وهو متوتر لا يعرف كيف يبدأ بالحديث ، لكن والد كاميليا استأذنه وعاد يجر عربة التقديم المحملة بالشاي والفاكهة وسكب له كوبا من الشاي وساد الصمت . بلع عماد ريقه والد كاميليا ينظر إليه بدهشة فقرر البدء بالحديث . قال وهو يضع كوب الشاي على الطاولة القريبة منه :
    - في البداية أود أن أعرفك بنفسي .. أنا عماد الغانم .. عمري واحد وثلاثين سنة وأعمل في إدارة شركة والدي الخاصة .
    أبتسم والد كاميليا وهو يهز رأسه وقال :
    - نعم .. عرفتك وعرفت والدك .. كما أن لعائلتي صداقة قوية بعائلتك .
    سكت عماد فعاد والد كاميليا بالترحيب به وسأله بم يستطيع مساعدته فتنفس يعمق وقال :
    - في الحقيقة أنا .. جئت طالبا الزواج من كريمتك .
    رفع والد كاميليا حاجبيه باستغراب وسأله :
    - ولماذا جئت وحدك ؟
    بلع ريقه واخذ نفسا عميقا وقال كاذبا :
    - والدي وعائلتي على علم بالموضوع وأنا جئت بنفسي لأطلب يدها وإن شاء الله سيأتي والدي وعائلتي كلها إذا سمحت بذلك وحددت لهم موعدا .
    حدق به وسأله عن أي واحدة من ابنتيه يتحدث ، فقال له بأنه يريد الزواج بكاميليا وأبدى استعداده لأي شيء . رطب شفتيه وهو ينتظر رد والدها الذي قال :
    - يؤسفني أن أخبرك بأن ابنتي كاميليا مخطوبة لابن عمها وستتزوج بعد مدة ..لقد جئت متأخرا .. سلم على والدك كثيرا .

    أحس عماد بأن الزيارة انتهت وعليه أن يذهب فوالدها لم يدع له فرصة . ركب سيارته متجها إلى منزل والديه الذي وجده خاليا . دخل غرفته والألم يعتصر قلبه واليأس هو ما يشعر به ، ظل يفكر مستنكرا ما حدث ولا يعرف ماذا يفعل .

    ردحذف
  41. أبهذه البساطة تتبخر الأحلام ويذهب الحب ، أبهذه السهولة تسرق كاميليا من بين يديه وهو لا يستطيع فعل شيء ؟، بعد أن انتظرها أربع سنوات . أين النصيب وفلسفته ، وأخرجه اتصال كاميليا من أفكاره وتشتته ، قال لها بألم :
    - والدك يقول بأني جئت متأخرا .. لماذا لم تدعيني أتقدم لخطبتك قبل أربع سنوات ؟
    قالت موضحة :
    - لأنه رفض خطبتي لناصر وقتها متعذرا بإنهاء دارستي الجامعية .
    أطلق آهة حزينة وقال بأسف :
    - ما كان يجب عليّ إطاعتك .. لو خطبتك منذ البداية لأختلف الأمر .
    وبسرعة أجابته:
    - حتى ولم تقدمت لخطبتي وقتها فسيرفض لأنه مقتنع بناصر .
    تنهد بعمق وقال :
    - أنت لا تشعرين بما يجول في قلبي .. أشعر بأني سأنهار .. المنزل الذي بنيته من أجلك جاهز .. حتى المجسم الذي اشتريته لبرج إيفل وضعته في صالة المنزل كما اتفقنا .
    سكت للحظة ثم طلب منها أن تقنع والدها بأي وسيلة . راحت تبكي وقالت له :
    - كيف أتصرف وهم سيعقدون قراننا في الأسبوع المقبل .. عليك أن تساعدني .
    ******
    ظل عماد في غرفته بلونها الأصفر الكئيب لم يبرح مكانه منذ أن انتهى الحديث بينه وبين كاميليا . بقي على نفس الوضع مستلقيا على سريره يحدق في سقف الغرفة وفكره محصور بها وبالحل المناسب الذي يبحث عنه . أحس بأن السعادة التي يشعر بها منذ تعرفه إليها اختفت فجأة . وللحظة طرأ سؤال غريب على تفكيره . لماذا أصرت كاميليا على منعه من التقدم لخطبتها قبل أربع سنوات ؟ وطلبت منه مرارا كتمان علاقتهما حتى على أخته وابنة عمه وهما صديقتيها المقربتين ؟.

    فكر بعمق في الموضوع ، وتساءل في نفسه .. هل كانت تتسلى معه ومن ثم تتزوج بابن عمها . ربما كانت لعوبا كغيرها وتعرف بأن علاقتهما ستنتهي يوما ما كبقية علاقات العبث في البلد . أغمض عينيه وقلبه ينفي أن تكون الفتاة التي أحبها عابثة ولعوب بهذه الطريقة وهو الذي أحبها بصدق ربما ينذر وجوده . تأرجح بين قلبه ومشاعره وبين عقله وأفكاره ، وكيف يخلص نفسه من هذا الوسواس الذي بدأ ينخر في عقله ؟.. حاول إبعاد الفكرة وخلع ملابسه وأستحم بالماء الفاتر وأطفأ أنوار غرفته واستلقى على سريره وذاكرته تبحث عن دليل يدين حبيبته . لأول مرة ومنذ توفي علاء شعر بأن قلبه يبكي وأن دموعا مخفية تريد أن تخرج من عينيه . وجاءت نسرين مع أمه إلى غرفته حالما رأتا سيارته خارجا وأخبرتهما الخادمة بقدومه . كلمته أمه بهدوء وهو ساكت يغطي وجهه بلحافه ويتظاهر بالنوم وسمعها وهي تقول بأنها ستتحدث معه صباحا .

    مرت ساعات الفجر الواحدة تلو الأخر وهو مازال على سريره ويفكر بكاميليا وبالمنزل الذي بناه من أجلها . الألوان ونوعية الأثاث ومخطط البيت وموديلات الستائر ولون الرخام والخشب المستخدم . كلها ساهمت في اختيارها أحس بأنه سيختنق وهو يفكر بحلمه الذي يحتضر ويديه مكبلتين وحبيبته لا تجد حلا غير البكاء إن كانت صادقة أصلا .

    ردحذف
  42. طرأت بباله فكرة تساعده في كشف حقيقة عاطفتها ، سيخبرها ويرى كيف تكون ردة فعلها وكيف تتصرف . جاءت أمه من جديد واقتربت منه تدعوه للنهوض والذهاب للشركة فالساعة تشير إلى السادسة صباحا . نهض وهو يشعر بصداع في رأسه لأنه قضى الليل يفكر ويتذكر . ارتدى ملابسه ودلالات المزاج السيئ واضحة على وجهه . جلس مع والديه وهو يضع يده على جبينه من شدة الألم ، وطلب من والدته دواء مسكنا فأحضرت له قرصين مسكنين ابتلعهما بسرعة وتناول قطعة كعك بصمت . سألته أمه :
    - هل أنهيت ما طلبه منك والدك في دبي .
    أومأ إيجابا بوجهه المتجهم وأخرج الأوراق الخاصة بالمشروع من حقيبته وأعطاهم لأبيه الذي شكره ونهض مستعدا للخروج فسألته أمه بقلق :
    - ألم تنم جيدا .. تبدو وكأنك مريض .
    - لا داع للقلق .. مجرد صداع.

    ودع والديه وخرج متجها إلى الشركة وبدأ العمل رغم أفكاره المشوشة والقلق من المجهول يعصر قلبه بيدين قويتين . ظل يعمل حتى أخرجه اتصال كاميليا به من دائرة العمل ، ولأول مرة شعر بأنه لا يريد الإجابة عليها ولا يريد أن يسمع صوتها المخادع لكنه أجاب . سمع صوتها المحبب إلى نفسه ، الصوت الذي جذبه إليها وكأنه مسحور وشعر بأنه أسير ضعيف لها ولصوتها . قال لها بحزن بدا في نبرة صوته :
    - لم أنم البارحة .. أشعر بأني سأفقدك .
    فاجأها كلامه فقالت له :
    - هل استسلمت بهذه السرعة وأنا المقتنعة بأنك ستحارب من أجلي ؟.. لا تخيب ظني بك .
    قال بغضب :
    - ماذا أستطيع أن أفعل ؟.. هل تريدني أن أقتل ابن عمك لنتخلص منه ونرتاح ؟..أعطني أمرا بذلك وسأفعل ..المهم أن تثبتي لي بأنك صادقة ولم تتلاعبي بي طيلة هذه السنوات .
    أجابته باستنكار :
    - وكيف تفكر بأنني أتلاعب بك .. لا بد أنك فقدت عقلك لتفكر بهذا الأمر ..أنا أحبك يا مجنون وأنت ..
    سكتت ولم تتم عبارتها ، فسادت لحظات الصمت قطعه عماد عندما طلب منها دليلا يثبت له بأنها صادقة وما أن أنهى كلامه حتى قالت له وهي تبكي :
    - ماذا تريد مني أن أفعل ؟..أنا لم أغادر غرفتي منذ ثلاثة أيام .. ولم أتحدث مع والدي ولا أكل شيئا .. حتى نسرين وأمل جاءتا لزيارتي البارحة ولم تصدقان بأنني بهذه الهيئة .. أبدو كمريضة .
    سألها بسخرية :
    - هل عرفت نسرين وأمل بنبأ زواجك السعيد ؟
    تنهدت وقالت له :
    - عماد أنا مستعدة للموت على ألا تشك بي ولو للحظة فأنت تظلمني .
    بدأت تبكي بحرقة فقال لها بغصة :
    - صارحي والدك بأمر علاقتنا واخبريه بما بيننا وبأنك تعلمين بأنني تقدمت لخطبتك وتريدين الزواج بي وأنا مستعد لمقابلته مرة ثانية وثالثة .
    رفضت وفضلت الموت على أن تخبر والدها بأنها تعرف شابا وتحبه وتريد الزواج به فلن يتسامح بهذا الأمر وقد يقتلها . تنهد عماد وقال بألم حاول إخفاءه بالتظاهر بالقوة :
    - لن أتمسك بك وأنتِ لا تريدين المجازفة أبدا .. لقد سلمت أمري للبعد والفراق وأنتِ لا تعذبي نفسك تزوجي بابن عمك وحاولي أن تكوني سعيدة .
    قالت له وهي تشعر بخيبة من انسحابه :
    - لا تكن متخاذلا ..أنا لا أستطيع أن أنساك وأعيش سعيدة مع غيرك .
    تنهد بقوة وأحس وكأن روحه ستخرج من جسمه وقال لها :
    - أنا إنسان متصالح مع نفسي وقلبي بريء كأحلامي .. ومتأكد بأن الدنيا ستقف بصفي يوما ما وستمنحني السعادة التي أبحث عنها .. وأطلب منك عدم الاتصال بي ..أتمنى لك السعادة في حياتك وبعيدا عني .
    بكت بألم وتمنت أن يكون ما تمر به حلم مزعج وستستيقظ منه قالت له بيأس :
    - هل ستتخلى عني ؟..أين وعودك ..أين كلامك ؟
    صرخ فيها بصوت مرتفع :
    - وماذا أفعل لك ؟.. كوني شجاعة وأخبري والدك بعلاقتنا .
    تأففت وقالت له محذرة :
    - لا ترفع صوتك في وجهي .. والدي لن يقبل بالأمر وسيؤذيني وربما يؤذيك أيضا ..أنا أعرفه جيدا وهو متشدد في هذه الأمور..و..
    قاطعها بنفاذ صبر :
    - أنا مشغول الآن .. إذا أخبرت والدك بالأمر أتصلي بي ..إلى اللقاء .

    أغلق الهاتف وأسند رأسه إلى المكتب وهو يشعر بمرارة ما بعدها مرارة ، أحس بالضعف والدمعة الكئيبة ترقص بألم في زوايا قلبه . أحس بأن الدنيا تدور وتضحك عليه وهو لا يستطيع إيقافها ، وبأن قلبه لا يتحمل صدها هي التي تنكرت له قبلا . كان دائما يفكر بأن الدنيا تسرق منه السعادة وكأن ثأرا بينهما ، وها هي اليوم تسرق منه السعادة التي شعر بها منذ تعرفه إلى كاميليا .

    ردحذف
  43. الفصل 20


    غسلت كاميليا وجهها وهي تفكر بعماد الذي لم يتصل بها منذ خمسة أيام وهي لم تتصل به أيضا فهي لا تريد أن تذل نفسها أمام من تحب .
    بدأت تجفف وجهها المتعب وعينيها المرهقتين من السهر والبكاء .وضعت كريما رقيقا على جفنيها ، ولبست خاتمها الياقوتي بيدها وهي تتذكره يوم جاء ووضعه على باب منزلها فجرا مع باقة ورود بيضاء . خلعت الخاتم من أصبعها وقبلته بحب وأعادته إلى مكانه في خنصرها .سألته عن عماد ، ماذا يفعل وكيف يعيش خمسة أيام دون أن يسمع صوتها ،لكن الياقوت بقي صامتا . ظلت تتأمل وجهها في المرآة وهي تتذكر كلام عماد وغزله بها ، كان مفتونا بها والآن يهجرها .
    جاءت شذى ممسكة بصينية بها طبق من السلطة وكوبا من اللبن، ووضعتهما على المكتب وقالت لأختها :
    -أرجوك يا أختي .. لا تعاقبي نفسك بهذه الطريقة.. تناولي طعامك فأنت منذ أسبوع تعيشين على الماء والتفاح وهذا لا يجوز .
    جلست على سريرها وتنهدت قائلة :
    -لا أشعر بالرغبة في الأكل ..أكلت قهر.
    - أف .. قطع الحب وسنينه.
    قالت لأختها وهي تشرب اللبن :
    -لست مصدقة بأن خمسة أيام مرت ولم أسمع فيها صوت عماد .. عمادي الذي أحببته تخلى عني بسهولة وتركني .
    اقتربت منها شذى وطلبت منها أن تنساه وتخفف على نفسها ، فتنهدت بغصة وهي تشعر بأنها هشة و ضعيفة بعدما تخلى عنها . مازال حبه يوجع قلبها بعدما أدار ظهره لها ولم يترك سوى عينيه السوداويين لتزيد من عذابها . هبت بسرعة لهاتفها الجوال عندما رن فربما يكون عماد هو المتصل ، ولكنها شعرت بالخيبة سريعا لأن نسرين هي المتصلة تدعوها للخروج والذهاب إلى السوق ومن ثم تناول العشاء في أحد المطاعم . اعتذرت منها ودعتها بدلا من ذلك إلى زيارتها بصحبة أمل ، وقامت لتغير ملابسها وتستعد لقدوم صديقتها .

    جاءت نسرين لوحدها لأن أمل ذهبت إلى السوق مع أمها ، ولم تستطيعا إبعاد مجرى الحديث عن الموضوع المهم وهو زواج كاميليا التي قالت :
    -والدي يجبرني على الزواج بالزفت ناصر بلا أي احترام لي أو لرأيي....والمشكلة بأني أمقته .. أنا الآن أنتظر حكم الإعدام .. ولا أعرف متى سيصدره القاضي .
    كانت نسرين جادة عندما قالت:
    -تبا لهذا الوضع وهذا التخلف الذي نعيشه .. كيف تتزوج فتاة رغما عنها .. أين حقوق الإنسان وحقوق المرأة الضائعة.
    طرأت ببال نسرين فكرة فاقترحت على كاميليا أن توسط أحد أقاربها للتفاهم معه لكنها قالت لها بأن أخوالها يكنون الجبيل ماعدا سعيد وهو على خلاف معه.
    ابتسمت نسرين وسألت صديقتها هل يوجد حبيب من حيرتها ويعزز رفضها لابن عمها ، وحاصرتها قائلة :
    -أنت تبدين عاشقة وترفضين الاعتراف . إلى متى ستنكرين وعينيك تقول ذلك ؟.. اعترفي وبلا نحاسة.
    تنهدت كاميليا بألم اثبت لنسرين شكها ، وقالت وهي تغالب دموعها:
    -لا وجود لهذا الحبيب .. يوجد فارس أحلامي الذي أحبه منذ ولادتي وشعوري بأني أنثى تبحث عن نصفها الأخر في هذه الحياة .. وهو ليس ناصر بالتأكيد.

    قضت نسرين وقتا مع صديقتها واستطاعت أن تخفف عنها قليلا ، ثم عادت إلى منزلها كانت أمها جالسة مع عماد يتحدثان بصوت منخفض في أحد أركان الصالة الواسعة . اقتربت منهما وتنبهت لوجه أخيها العابس وأمه تتحدث معه عن ريم ، فقاطعتها بمرح وسألتهما عم يتحدثان .
    سكت عماد بينما أجابت أمها بتذمر :
    -عن القضية الأزلية ذاتها .. زواج عماد .. أنا أفكر برفعها إلى الأمم المتحدة فربما يساعدني "كوفي عنان "
    ضغط عماد على شفتيه وهو يستشعر سخرية أمه التي عرضت عليه أن تتحدث مع عمته بشأن ريم، فتأفف ونهض متجها لغرفته تاركا أمه تتذمر من تصرفاته، وتقول لابنتها:
    -منذ أن عاد من دبي وهو بمزاج سيء ولا يتجمل الحديث معي .. في اليوم الذي سافر فيه أخبرني وسعادة الدنيا كلها تشع من عينيه بأنه يريد الزواج .. لا أعرف ما به وهو يقلقني كثيرا .. سأقوم لأبخره باللبان والحرمل .

    ردحذف
  44. أومأت نسرين موافقة وقالت :
    - بات يحيرني أيضا ..أمس جاء ماجد لزيارته وتهرب من لقاءه وطلب مني أن أقول له بأنه نائم.
    تنهدت الأم وسألت ابنتها عن كاميليا إذا ما سيزوجها والدها من ابن عمها رغما عنها . هزت نسرين برأسها وقالت :
    -سيعقد قرانها خلال أيام .. المسكينة بدت متعبة وشاحبة فهي تحبس نفسها في غرفتها لا تخرج ولا تأكل وبدون فائدة.
    -يؤسفني زواجها بهذه الطريقة .. ولكن لا شيء بيدنا وربما تسعد مع ابن عمها .
    وأكملت مستدركة تخبر ابنتها بأنهم سيذهبون إلى البحرين من أجل التسوق قبل زفاف أما وسيبيتون هناك ليلة واحدة .
    صعدت نسرين لغرفتها وبدلت ملابسها ثم ذهبت لتتحدث مع عماد علها تخفف من توتره . وجدته على سريره يشاهد برنامجا في التلفزيون لكنه أغلقه حالما دخلت أخته وجلست بجانبه.
    سألته بابتسامة :
    -ألا تستمع لفيروز ؟
    لم ينطق بحرف فأردفت تخبره بأنهم سيذهبون إلى البحرين ودعته للذهاب معهم ، لكنه لوى فمه وقال لها بأنه لا يريد الذهاب لأي مكان.يريد البقاء وحده لمراجعة حساباته وإعادة النظر في مسار حياته . سألته:
    -هل أنت منزعج من أمي ؟
    هز رأسه نافيا فقد تعود على كلامها وعلى سخريتها . تنهد بقوة وأحست بأن وراء تنهيدته هم كبيرة ، فأمسكت بيده بعطف وطلبت منه أن يفتح لها قلبه فهما أصدقاء برغم الفارق في السن . كانت تنظر إلى وجهه وهي تتحدث ورأته وهو يغمض عينيه السوداويين للحظات وعندما فتحهما رأت الدموع الحارة تغلفهما . أخرج من صدره آهات حزينة . عانقته وهو يقول بأنه عاجز عن فتح قلبه لها . قالت له بتفهم كبير :
    -عندما تشعر بأنك بحاجة للحديث والبوح عما تخفيه في قلبك .. لا تتردد فقلبي يتسع دائما.
    شكرها وتنهد بحيرة فهو غارق في بحر لا يعرف فيه شاطئ ولا مرسى ولا يعرف بدايته أو نهايته . خرجت نسرين تاركة أخاها لوحدته ولتفكيره المحصور بكاميليا ، تارة يتذكارها وهي في السيارة وعينيه تسترقان النظر لها عبر المرآة . يتذكر أحاديثها وضحكاتها وعينيها والكحل الأسود وحجابها الملون وهي تمشي في شوارع باريس بملابسها الأنيقة تذكر تلك القبلة الوحيدة في منتصف ليل باريس عندما أهداها ورورد الكاميليا وكم أحبها
    ****

    ظلت كاميليا جالسة في غرفتها وتتحدث مع شذى في جو هادئ نسبيا حتى جاءت أمها بابتسامة مصطنعه ، تخبرها بأن قرانها سيعقد غدا. هزت رأسها والدموع تتدفق من عينيها :
    -لا أريده .. ساعديني يا أمي .
    بلغت الأم ريقها والدموع تنحدر من عينيها فزوجها هددها بالطلاق لو تدخلت . قالت لابنتها بانكسار :
    -أرى رضوخك أمرا لا مفر منه .
    بكت كاميليا بحرقة كبيرة على صدر أمها وهي ترى كل أحلامها تتكسر أمام رغبات والدها وعناده وتسلطه وجوره . بكت أكثر وهي تفكر بحياتها مستقبلا وحب عماد يغفي في قلبها بكل هناء وراحة . ظلت تبكي وهي تفكر بالاستسلام تارة وبالتمرد على والدها والرفض تارة أخرى . بكت بنجيب وهي تتذكر كلمات عماد الأخيرة عندما طلب منها الاتصال به فقط عندما تخبر والدها بأمر علاقتهما . ومن بين الدموع والبكاء ورياح اليأس التي تعصف بها طرأت ببالها فكرة قد تنقدها من هذا الزواج الإجباري ، ولكن عواقب هذه الفكرة وخيمة ونتيجتها غير مضمونة.أسرعت تقفل باب غرفتها بالمفتاح وأمسكت بهاتفها الجوال للتحدث مع عماد الذي لم يرد على اتصالاتها المتكررة ، وبسرعة كتبت له رسالة نصية وأرسلتها ، تخبره بأنها تريد الحديث معه لأمر هام . ظلت حتى شروق الشمس وهي تترجى اتصاله بدون جدوى . نامت على مخدتها المبللة بالدموع واستيقظت ظهرا وشذى تطرق بابها المغلق وقد جلبت معها وجبة خفيفة لتأكلها . فتحت لها الباب وعينيها متورمين من البكاء، وبسرعة طلبت منها الدخول . رن هاتفها الجوال فهبت له مسرعة فربما حن عماد عليها وقرر الاتصال ، إلا أن ظنونها خابت مجددا كانت نسرين هي المتصلة تخبرها بذهابها مع والديها إلى البحرين عصرا وتسألها إذا ما كانت تريد أن تشتري لها شيئا من هناك ، شكرتها فلا مزاج لها لأي شيء ، ونهضت لقفل الباب بالمفتاح وقالت لأختها :
    - منذ البارح وأنا أفكر بطريقة ما لمنع هذا الزواج البائس .. ولأني أحتاج مساعدة عماد اتصلت به مرارا ولم يرد علي .. سأذهب إليه في منزله وأتحدث معه .
    عضت شذى شفتها وقالت :
    - لابد أنك جننت .. لقد فقدت عقلك بكل تأكيد لتفكيرك بالذهاب لمنزله .
    أخبرت أختها بأن نسرين ووالديها سيذهبون إلى البحرين بعد ساعة وعماد سيعود في الخامسة إلى المنزل كالمعتاد وستذهب لتعرض فكرتها عليه .
    حذرتها شذى وطلبت منها أن تتعقل فلو عرف والدهما سيذبحهما معا كدجاجتين وينتف ريشها ، ولكن كاميليا مستعدة لكل شيء فقالت لأختها :
    - كيف سيعرف ؟ ..أنا سأتحدث مع عماد وأنت أبقي في السيارة لانتظاري.

    ردحذف
  45. ترددت شذى لكنها لم تشأ أن تدع أختها تذهب له وحدها . بسرعة استأذنت كاميليا وشذى أمهما في الخروج لزيارة أمل لبعض الوقت للترفية عن نفسيهما . ركبت كاميليا السيارة وطلبت من السائق التوجه إلى منزل نسرين واتصلت بها لتتأكد من ذهابها إلى البحرين مع والديها ، واطمأنت لسير خطتها بالطريقة الصحيحة . أحست برعشة وكأنها تتركب جريمة وخائفة أن يراها أحد وقلبها ينبض بقوة ظنت أن جميع سكان القطيف يسمعونه . كانت خائفة وهي تفكر بعماد وكيف سيستقبلها ، وهل سيوافق على فكرتها الرهيبة . أوقف السائق السيارة أمام المدخل الرئيسي . بقيت شذى تنتظر أختها بخوف ووجل وترجلت كاميليا وهي تحس برجليها ستتجمدان ودقات قلبها العنيفة تزعجها . بيد مرتعشة ضغطت على جرس الباب والأفكار تزيد من توترها . ظلت تنتظر للحظات ولم يجبها أحد ، فضربت الجرس مرة أخرى وقلبها يكاد أن يتوقف ، وبعد لحظات فتح الباب ورأت عماد أمامها . نزعت نظارتها الشمسية والتقت عينيها بعينيه المندهشتين والمشتاقتين لها ، كان الحب والشوق ظاهر في سواد عينيه ولا يستطيع إخفاءه مهما فعل . بلع ريقه وقال لها برقة وكأن شيئا لم يكدر صفوهما أبدا :
    - لماذا أنت هنا يا كميليا .. نسرين غير موجودة .
    هزت رأسها وهي تتلفت خلفها وقالت له :
    - أعلم بأن عائلتك في البحرين .. ولكني أريد التحدث معك بأمر هام ولهذا اتصلت بك ..ولأنك لم تجبني اضطررت للقدوم .
    وأكملت تعاتبه :
    - لماذا تعاقبني بهذه القسوة وكأنني مذنبة ؟.. أنا لا أستطيع فعل شيء وعليك أن تصدقني .. وجئت لأبرهن ذلك.
    دخلت كاميليا داخل المنزل ووقفت قرب الباب المفتوح على مصراعيه وقالت له بأن قرانها سيعقد غدا ولديها حل مناسب ووحيد لمنع إتمام هذا الزواج ، وطلبت مساعدته ، سكتت للحظة وهي تراقب عينيه السوداويين وهما تتفحصان وجهها بشوق ، وقالت لها :
    - أنا متعبة وأشعر بأني على حافة الجنون.
    بلع ريقه وسألها عن الحل الذي جاءت من أجله ، فأغمضت عينيها للحظات وقالت له :
    - سأذهب إلى منزل خالي سعيد وسأبقى لثلاثة أيام حيث والدي لا يستطيع أن يفكر بوجدي هناك فهما على خلاف كما تعلم .. بينما أخبره لاحقا بأنني كنت معك في أي مكان .. سأوهمه بأني هربت معك وبعدها سنتزوج رغما عنه .
    ظل عماد ساكتا للحظات وعينيه ستخرجان من محجرهما من شدة اندهاشه من فكرة كاميليا الجهنمية ، قال لها بهدوء :
    - كيف تفكرين بهذا الحل ؟ .. نهرب معا لثلاثة أيام .. تخيلي الفضيحة وما سيحصل .
    حاولت إقناعه بفكرتها :
    - نحن سنوهمهم بذلك والله شاهد علينا .. وبعد الزواج نخبرهم بالحقيقة .
    ارتفع صوته قليلا :
    - لن يصدقنا أحد وقتها .. والدك سيقتلك حتما .. كما أن أمي سترفض زواجي بك.
    قال جملته وبتعد عنها . جلس على أول مقعد صادفه وأسند رأسه على يديه . شعر بالحيرة ويريدها فهو يحبها ويريدها زوجة له ولكن ليس بهذه الطريقة ، قال لها :
    - إن الأمر ليس سهلا كما تتصورين ونحن لا نستطيع تقدير عواقب
    شعرت كاميليا بالخيبة مجددا وقالت له والدموع تنحدر من عينيها :
    - أنا فتاة من أسرة محترمة وسأضحي بسمعتي ومستعدة لكل ما سيحدث .. وأنت رجل وتخاف من الفضيحة !؟
    سكت لثوان قليلة وأردفت :
    - غدا يعقد قراني .. كيف يطاوعك قلبك على التخلي عني ؟ .. وعدتني بأن نكون معا
    أقترب منها كثيرا وعينيه تتفحصان وجهها الجميل رغم التعب . تذكرت ما حدث في باريس والسعادة التي كانت تشعر بها ، وتنهدت وهو يمد يده ويضعها على جانب رأسها . أحس برغبة كبيرة في تقبيلها ولم يفعل ، قال لها :
    - أرغب بأن نكون معا .. ولكن ليس بهذه الطريقة.
    بكت أكثر وابتعدت عنه ، فقال لها بنبرة حادة وعينيه السوداويين تصوب سهماها نحوها :
    - لا تبك أمامي فموافقتي مستحيلة .
    استدار وهو يفرك جبينه وقال :
    - أرجوك أذهبي إلى منزلك .ز لو كنت تريدني حقا لسمحتي لي بالتقدم لخطبتك قبل أن يصبح الأمر بهذا السوء .. لو تقدمت لخطبتك قبل أربع سنوات مرة واثنتين وثلاث لوافق والدك وكان كل شيء مختلفا .

    ردحذف
  46. مسحت دموعها بغضب وطلبت منه أن يفكر في الأمر مرة أخرى ، لكنه هز رأسه بالنفي رافضا ذلك وقال:
    - أنا أرفض هذه الحلول ولا أقبل بها .. لست نذلا .

    أرادت أن تسأله عن القسوة التي ظهرت في عينيه فجأة ، ممن أخذها وكيف يستطيع أن يعاملها بهذه الطريقة . لم تستطيع أن تقول له ذلك فأبعدت شفتيها عن بعضها وتنهدت بسكوت ، فصرخ فيها بقوة :
    - أخرجي .. لا أريد أن أراك مرة أخرى ..أرفض أن أكون لعبة تسليتي بها أربع سنوات وترين الاستمرار بالحفاظ عليها لتتسلي أكثر .
    أحست بأنها ستختنق بدموعها وتمنت لو أن الأرض تنشق وتبتلعها على أن تعيش هذا الموقف . قالت له بنظرة أسى :
    - عماد ..أنت تخطئ في حقي .. أنت تكسر قلبي وتهينني .
    بلع ريقه وقال لها بغضب :
    - سألتك إذا كنت مخطوبة أو مرتبطة منذ البداية .. لكنك لعبت معي دور الفتاة الصافية والطيبة وأنت تعرفين بأنك ستتزوجين بابن عمك بعد تخرجك .. طلبت التقدم لخطبتك ورفضت .. أكملت معك وانتظرتك .. أحببتك حبا كبيرا لا أستطيع أن اعرف نهايته .. حبا كنت أخشى على نفسي منه فهو اجتاحني كإعصار مدمر .
    سكت للحظات تمنى فيها لو لم يقابلها يوما ولم يعرفها ولم يعشق صوتها . بلع ريقه وقال لها :
    - كنت قديسة في نظري وكنت مؤمنا بك .
    نظرت له بعينين ضيقتين غارقتين في الدموع وهو يقول بأنه كافر وملحد لا يؤمن بها ولا بالقديسات . شعرت بأن قلبها سيتوقف وهي تسمع كلامه فهزت رأسها وهي تمسح دموعها الغزيرة وقالت :
    -لست عماد الذي أحببته .. من أعطاك كل هذه القسوة ؟
    حدق بعينيها وقال لها بانفعال وغضب تراه فيه لأول مرة :
    - أنت تكذبين علي وتمكنت من إيهامي وتملكي بالحب الزائف .. حلمت بالسعادة معك والعيش في جنتك الموعودة وها أنا أعيش في نار جحيمك المحرقة .. أنا السبب في ما يحصل لي لقد فتحت أبواب قلبي لك متجاهلا عقلي وعاداتنا التي تحيل كل علاقة حب إلى القبر
    .. لا يوجد حب صادق هنا .. لا يوجد غير العبث واللهو وقلة الأدب .
    شهقت ووجهها غارق بالدموع وقالت :
    - ما الذي حدث لك وكيف تفكر بهذه الطريقة ؟
    بلعت ريقها وقالت وهي تهز رأسها غير مصدقة :
    - برغم حبي الكبير لك .. لكني لست مضطرة لتحمل تجريحك وكلامك .
    أجابها والغضب يزيد ناره استعارا :
    - أخرجي من المنزل ولا تذلي نفسك أكثر.. لا أريد أن أراك مرة أخرى .. وأنسي لعبتك التي تسليتي بها لأربع سنوات فلقد ضاعت اللعبة من بين يديك .
    قالت له وهي تمسح دموعها بيديها وتهم بالخروج :
    - تذكر بأني أتيت ومددت لك يدي .. تذكر وقوفي أمامك وأنت تذلني وتهنني وتطردني .. لست الرجل الذي سحرني باهتمامه وعاطفته وحبه .. أنت لم تحبني أبدا .. أنت جبان ومنحط ونذل كالبقية .

    خرجت بدموعها وانكسارها وهي موقنة بأن نضالها وحربها وتضحيتها دون معنى وليس أمامها سوى الاستسلام . ركبت السيارة وانطلقت بسرعة أمام عيني عماد الذي أغلق الباب وصعد غرفته واستلقى على سريره ودموعه تتدفق من عينيه رغما عنه . بكى وهو يتذكر وجهها والدموع تغرقه قبل أن تخرج ، بكى بشدة وهو يلوم نفسه على تصرفه معها وكيف سمح لنفسه بأن يهينها بهذه الطريقة لتخرج وقلبها مكسور ومصدومة به . كيف يستطيع النوم هذه الليلة بعد الذي فعله بحبيبته التي جاءته لتبرهن له على حبها ؟ بكت بانكسار قلب بسبب قسوته وشكه ووساوسه ، تذكر كلامها الأخير وهو يشعر بالذنب وظل يبكي طوال الليل بعد أن ضيعها من يده وهي التي جاءت بنفسها مضحية بكل شيء من أجله.

    ردحذف
  47. الفصل 21

    خرجت كاميليا مع صديقتها من مركز التجميل بعد أن انتهت من تسريح شعرها ، ووضع لمسات الماكياج الذي أظهرها جميلة رغم مسحة الحزن الظاهرة في عينيها العسليتين . توجهت معهما للقاعة التي سيقام فيها زواج أمل في كورنيش الخبر المليء بالحركة والناس ككل خميس . نظرت لنفسها في المرآة بفستانها الأزرق التي وصفته نسرين بالمثير لإظهاره للكثير من مفاتنها . مهما كان جمالها فستقدمه قربانا لناصر حتى يرضى والدها وعمها ، وعندما أحست بتسلل الدموع إليها ذهبت لأمل الجالسة في الجناح المخصص للعروس وبجانبها أمها وعمتها وأم عماد أيضا ، وقالت لها بابتسامة :
    - سيفقد عصام صوابه بكل تأكيد فأنت جميلة .. هو محظوظ .
    وجاءها صوت ريم بتعال :
    -أخي وسيم أيضا ولا يحتاج لشهادة أحد .
    تضايقت كاميليا من لهجتها ولآثرت تجاهلها من أجل صديقتها . لم تكن قادرة على مجاملتها أيضا فما يعتريها من حزن وضيق يكيفها . خرجت مع نسرين وجلستا على أحد الطاولات . قالت لنسرين بامتعاض :
    - ابنة عمتك مغرورة ومتعجرفة .. ولم استسغ أسلوبها في الكلام معي .. من تظن نفسها .
    - لا عليك منها فهي تظن نفسها أفضل وأرقى من الجميع رغم جرفلتها .
    تنهدت كاميليا وهي تنظر لخاتم الخطوبة الذي وضعه ناصر في أصبعها في يوم عقد قرانها . بكت بشدة ليلتها وهي تنظر إليه وهو بجانب خاتم الياقوت ، وبقدر ما تحبه تكره خاتم خطوبتها . فسألتها نسرين بابتسامة :
    - هل اشتقت لناصر .. وبدأ الحب السعودي الخرافي .
    تمنت أن تكون لها سلطة على قلبها ليحب من تريد ويكره من تريد ، شعرت بالأسف فقلبها يحب رجلا وتتزوج بآخر . فتحت نسرين عينيها بذهول وظلت ساكتة وهي تستمع لاعتراف صديقتها التي شكت بعلاقتها بأحدهم لكنها ظلت تداري وتنفي معرفتها بأي شاب :
    - من أحبه تركني .. يظن بأني تسليت معه طيلة السنوات الفائتة والآن أتزوج بابن عمي .
    جديتها ومسحة الحزن التي ظهرت أكثر على وجهها جعلت نسرين تصدقها بلا تردد . سألتها عن علاقتها بهذا الشاب المجهول وأجابتها وهي تغمض عينيها لتمنعهما من البكاء :
    - منذ أربع سنوات وأنا على علاقة به .. علاقة حب رائعة ومميزة ربطت بين قلبينا .. وعلى ما يبدو كنت مخطئة لأن تصرفه الأخير أثبت بأنه لم يحبني يوما .. ليته لم يعدني بشيء فأنا أتجرع الآن مرارة وعوده التي لم يفي بها ..لم احسب حساب هذه اللحظة ولا اعرف ما الذي يحصل لقلبي المسكين فالعذاب يسكنه ولا يريد البوح بذلك .

    تنهدت بقوة وهي تغالب دموعها فمازالت غير مصدقة بأنه تخلى عنها وصدمها بكل ما قاله ذلك اليوم .كيف سمح له قلبه بأن يتركها وينام .
    - كيف تعرفت عليه؟.. هل يعمل في المستشفى ؟ .. من يكون ؟
    شعرت دموعها تتسلل تدريجيا وهي مستمرة في البوح :
    - جعلني أحبه رغما عني والآن تركني لأواجه حياتي .. لك يكن في دائرة أفكاري ولكنه أقتحم قلبي وحياتي بدون إرادتي ولم يكن لي يد في ذلك ..أحاطني بحبه وعاطفته واهتمامه .
    أغمضت عينيها وقالت وكأنها تتذكر شيئا بعيدا :
    - مازالت نظراته مختبئة في قلبي وكلماته الحنونة ترن في أذني .

    ردحذف
  48. نظرت لخاتمها وأكملت :
    - هذا الخاتم الذي أضعه في أصبعي هدية منه يزيد من ألمي وعذابي ويذكرني به .. عاهدت نفسي وأقسمت أن يكون هذا الرجل لي .
    وتنهدت بقوة وهي مستمرة في البوح بما كانت تخفيه عن صديقتها :
    - كان يتمنى العيش بجانبي مدى الحياة .. وعدني بأن ينتظرني لنهي دراستي ونتزوج كما يريد والدي .. خدعني بقوة عينيه الساحرتين .أخشى أن يبقى حبه وجع مزروع في قلبي يتغّّّدى بالذكريات والحرمان .. كان لدي إيمان واعتقاد عميقين بأنه سيكون لي ولكن نبوءتي لم تصدق .
    أمسكت بيدها وسألتها بتعاطف عن هويته :
    - من هو الذي أوقعك بحبه ؟..فأنت غارقة لأذنيك
    نظرت كاميليا لعيني نسرين المندهشتين وهي تسأل عن هويته رغم أنه أقرب ما يكون إليها . تهربت من الإجابة فلقد انتهى كل شيء بينهما وعليها أن تبدا بالنسيان ، أيدتها نسرين وطلبت منها ان تبذل بعض الجهد للتأقلم مع ناصر وتنسى حبيبها المجهول . ابتسمت وهي تقول لصديقتها عن مميزة ناصر الوحيدة وهي غيابه عن المنزل ، فهو يغيب منذ الفجر السبت ويعود ليل الثلاثاء أيام ويذهب إلى رأس تنورة مجددا . ضحكت نسرين وهي تقول :
    - أنا مندهشة فلقد كنت أشك بأنك عاشقة فعينيك ترقصان من الحب .. بدوت متغيرة كثيرا وسألتك مرارا وكنت تكذبين شكوكي أنا وأمل كانت صحيحة .. وحتى الآن لا اصدق أنك اخفيت الأمر عنا يا شلاخة .
    وبمرارة قالت لصديقتها :
    - جرحني في صميم قلبي وهو يعلم بان قلبي بيته وهو يغفو فيه بهناء وراحة ..أشعر بأني سأموت .
    ابتسمت وطمأنتها :
    - لا احد يموت من الحب .
    - هواه أسعدني في الماضي والآن أدفع الثمن .. ساتزوج من ناصر بعد ثلاثة أشهر على ابعد تقدير .

    تنبهت إلى امتلاء القاعة بالمدعوات ، فتوقفتا عن الحديث وبدات المغنية تغني وعلا صوت الموسيقى وسط التصفيق والرقص والزغاريد . بعد ساعتين جاءت امل من جناحها الخاص تنزل السلم بتأني ودلال على إيقاع الموسيقى الكلاسيكية وكاميليا ونسرين وريم وندى ينثرون عليها اوراق الورد . رقصت كاميليا متناسية حزنها وجروحها ومن يراها يظن أنها سعيدة ولا يكدر حياتها شيء.

    ردحذف
  49. الفصل 22

    جلس عماد مع والدته وأخته في إحدى زوايا صالة منزلهم الكبير يتحدثون وهم يشربون الشاي في أمسية رائقة من ليالي الأربعاء ، تنبه لنسرين وهي تقول لأمها بأنها ستذهب مع أمل إلى السوق لشراء فستان لزواج كاميليا.
    أحس بأن خنجرا أخترق قلبه فحبيبته ستتزوج والكل سيستعد لزفافها . اضطربت أنفاسه ونسرين تكمل كلامها :
    - ستقيم حفلا عائليا في منزلهم .. فهي ما زالت غير مقتنعة بزوجها ولم تكن تود إقامة الحفلة لكن والديها يريدان ذلك .. حتى أنها لن تسافر ولن تتغيب عن المستشفى .. ستتزوج الأربعاء وستعمل السبت .
    بلع ريقه والألم يأكل من روحه المتعبة ، فهو لم يرتاح منذ ذلك اليوم الذي جعله تخرج حزينة ومنكسرة . أخذ نفسا عميقا وسألها عن موعد زواج كاميليا وهو يحاول أن يكون طبيعيا برغم الشحوب الذي كسا وجهه أخبرته بأنها ستتزوج بعد شهرين في الأربعاء الثالثة من شهر شعبان .

    مشى في شارع الخليج متجها إلى الدمام للقاء صاحبه في منزله . جلسا يشربان القهوة مع المكسرات . جلس مع صاحبه وتفكيره مع كاميليا وقلبه يؤنبه على تصرفه معها . تذكر دموعها وهي تذكره بمبادرتها لإنقاذ حبهما ، كانت قوية وشجاعة أكثر منه ، ومستعدة لإغضاب عائلتها والمخاطرة بردة فعلهم من أجله ، وهو لم يرد أن يخسر شيئا وخاف من الفضيحة وموقف عائلته . أخرجه صاحبه من دائرة أفكاره عندما قال وهو يلوح بيده أمامه :
    - ما بك يا عماد .. لي ساعة أتكلم وأنت صامت ولم تنطق بحرف ..إلى أين وصلت ؟
    تنهد بحسرة وقال :
    - أنا بائس .. وجبان .. وحمار أيضا .
    ضحك ساخرا وسأله :
    - ومنذ متى ؟
    عض على شفته وأخرج من صدره تنهيدة كئيبة فوبخه صاحبه :
    - أنا لا أعرف لماذا تجبر نفسك على العيش بتعاسة .. أنت شاب لديك كل شيء فما الذي يجعلك بائسا ؟!..أنت تريد العيش بهذه الطريقة .. لا تريد الزواج ولا تسافر لتتنزه ولا تذهب لأي مكان .. ليس لديك سوى منزلك والشركة وأنا .
    وارتفعت نبرة ماجد وهو يطلب منه أن يتزوج لينشغل بزوجته وعائلته وحياته الجديدة وأكمل وهو يتفحصه :
    - أرى بعض الشعيرات البيض على جانبي رأسك يا مقرود .
    قال عماد وهو يتحسس جبينه :
    - هذا شيب الكرام .
    - الشيب هو الشيب .. بلا كلام فاضي .
    بلع ريقه وقال باستسلام بأنه طلب من أمه أن تجد له عروسا وسيتزوج بالطريقة التقليدية وكما تزوج جده من جدته . لا يريد فتاة يعرفها أو يحبها ويكفي ما جاءه من الحب . واستطاع ماجد أن ينتزع منه ابتسامة عندما أعلن له عن استعداده ليكون الخطابة . وجاء فيصل وقضى مع صاحبه بعض الوقت ثم توجهوا إلى المطعم وقبل أن ينتصف الليل اتصلت زوجة كل واحد منهم تسأل عن زوجها ، ما عدا عماد الذي أحزنه عدم وجود من يسأل عنه ويقلق عليه ويطلب منه العودة إلى البيت مبكرا

    ********

    ردحذف
  50. استيقظ عماد من نومه قرابة الحادية عشر عندما أتصل به ماجد يدعوه للذهاب معه لحضور حفل زفاف أحد أقرباءه الليلة فوافقه . خرج بسرعة من غرفته ليرى والديه ويخبرهما بقراره الذي أمضى طوال الليل وهو يفكر به . وجد والديه جالسان في إحدى زوايا الصالة ، فجلس بجوار والده وقال لأمه بلهجة هادئة لم تخلو من الحزن :
    - ابحثي عن عروس مناسبة ..أريد الزواج بسرعة .
    وسألته بحزم :
    - هل أنت جاد هذه المرة ؟
    وضع يده على خده وهز رأسه إيجابا .سأله والده عن مواصفات العروس فالتفتت إليه زوجته قائلة :
    - وماذا يريد ؟ .. بنت حلال .. جمال ودلال وأصل وفصل .
    تأفف الأب وقال :
    - أنت لا تريديني أن أتكلم أبدا .. مابك يا امرأة ؟ .. هذا ولدي الوحيد ورأيي مهم في زواجه .
    قبل عماد يد والده مؤكدا على أهمية رأيه ، وبدوره شكره ورشح له ريم فهو يراها مناسبة . لوت سميرة فمها وقالت لزوجها بسخرية :
    - لم تأت بجديد .. منذ مدة وأنا أقول بأن ريم هي العروس المناسبة ولن يجد أفضل منها .
    ابتسم عماد وأعلن موافقته ، لكن أمه سألته لتتأكد من رغبته :
    -هل أنت واثق من اختيارك هذه المرة ؟.. عصر اليوم سأذهب إلى عمتك وأكلمها بالموضوع ولا أريد إي إخراج معها .. لا تفشلني .
    ******

    وقف عمادأمام المرآة ليمشط شعره ويستعد للذهاب لزفاف قريب ماجد ، وهو ينتظر قدوم أمه التي ذهبت لتخطب له ريم . فكر بكاميليا التي ستتزوج وستعيش مع رجل غيره في بيت واحد ، أحس بضيق وهو يفكر بتفاصيل حياتها مع زوجها . تألم وهو يفكر بالفرصة التي أضاعها من بين يديه ، لو أنه نفذ خطتها لكانا الآن متزوجين ولو بعد فضيحة ، ولن يكونا أول شخصين يتزوجان بهذه الطريقة .أغمض عينيه بندم لم يستطيع منع نفسه من الشعور به . تذكرها فهي لا تفارق باله وتحل كفراشة بين ذكرياته وأيامه وأحلامه ، ونسيانها صعب وحياته مع امرأة أخرى هي السبيل الوحيد لنسيان الندم .
    طرقت أمه باب غرفته ، دخلت وجلست على حافة السرير وقالت له بتذمر :
    - عمتك أخبرتني بأن عادل تقدم لخطبة ريم من جديد .. رفضته أكثر من مرة ولم يستسلم .
    وسألها باهتمام :
    - وهل وافقت عليه ؟
    لم تحسم ريم أمرها بسهولة . كانت حائرة بين عماد الذي تراه رجلا مناسبا بكل المقاييس ، فهو وسيم وناجح وليس له ماض مشين وسفر متكرر ، هو لا يحب السفر ولا مخالطة الكثرين ويقضي وقته بين العمل والمنزل ، وابن عمها عادل الذي يحبها منذ صغره ولم يتوانى عن التقدم لخطبتها رغم صدها ورفضها له ، وبرغم انتقادها الدائم لتهوره وتصرفاته الصبيانية إلا أنها لم تشك بحبه لها وبأنه سيفعل المستحيل دائما لإسعادها . ترددت وهي تستعرض الاثنين أمامها وخصوصا والديها تركا لها حرية الاختيار رغم ميل أمها ناحية عماد أكثر .
    أنهت حيرتها وترددها بعد عدة أيام باختيار عماد ، وكان لخبر الخطوبة أثرا سعيدا على الجميغ أفراد العائلة والمقربين ، باستثناء عادل الذي أحس بمدى الصفعة القوية التي وجهتها له ابنة عمه بعد طول الانتظار ، كما أن كاميليا استقبلت الخبر بدموع حاولت منعها فهي مرتبطة وعلاقتها بعمادانتهت وليس من حقها الاعتراض على زواجه . سيتزوج من المتعجرفة ريم متناسيا وعوده وكلامه لها . متناسيا كلامه بأنه يراها زوجته المستقبلية وشريكة حياته وأم أولاده ، والمرأة التي أندفع نحوها بطريقة لا يفهمها ، وتأثيرها عليه مثل السحر الذي لا يستطيع فكه .

    ردحذف
  51. الفصل 23




    شعر عماد بألم في بطنه وهو يعقد ربطة العنق ، ويمشط شعره الأسود ويضع العطر في يده ويربت على وجهه وعنقه استعداد للذهاب إلى منزل عمته . نزل الدرج ببطء وأخته تستعجله . ركب سيارته بصحبة نسرين صامتا ، ورغما عنه تذكر كاميليا وعينيه تقع على خاتمه . أوصى قلبه أن يكتم دقاته وحنينه وأشواقه لها ، وكفى تفكيرا بها فالليلة سيتغير كل شيء . قالت له نسرين لتكسر الصمت بينهما :
    - تبدو رائعا يا أخي .. وأوصيك بعدم الارتباك عندما تضع خاتم الخطوبة في أصبع ريم.
    ابتسم وهو يتمنى أن يكون الحفل صغيرا ومقتصرا على العائلة ، فضحكت وطمأنته :
    - العائلة وبعض الصديقات فقط .. لا تقلق .
    تأفف فهو لا يرى داعيا لإقامة حفلة للخطوبة فزواجه قريب . كان يريد الزواج قبل شهر رمضان فطلبت منه أخته أن يختار تاريخا مختلفا عن موعد زواج كاميليا المقرر في الأربعاء الثالثة من الشهر . تنهد بأسى وعينيه على الميدالية الزجاجية المعلقة في مرآة سيارته وقال :
    - ليكن الأسبوع الذي يلي زواجها إذن .
    توقف إمام محل الزهور بناء على طلب أخته التي نزلت معه لاختيار باقة ورد جميلة يقدمها لخطيبته ، لم يرد أن يختار ورودا مشابهة للورود التي كان يشتريها لكاميليا فاشترى ورودا زهرية اللون وابتسم وأخته تقول له ضاحكة :
    - يجب أن تكون رومانسيا لتملك قلبها .

    انطلقا إلى منزل العمة نورة ، دخل هو إلى المجلس الرجال وسلم على الجميع وأتخذ مكانه بجانب صديقه ماجد ، وبدأ بمراسيم عقد القرآن وأصبحت ريم زوجته أمام الله والناس ، وبقيت كاميليا ذكرى في القلب فقط لا يعرف بها أحد سواه . أحس بأنه سيختنق وهو يتذكر ما قالته له يوم خروجها من منزلهم وأنقده اتصال ندى تدعوه للدخول فالجميع بانتظاره . دخل الصالة وأختيه باستقباله ونهضت أمه بسرعة لتعانقه وكذلك فعلت عمته ، وجلس بجوار ريم التي بدت بغاية الجمال ، وترتدي فستانا أسود تملؤه ورود حمراء ، ووردة حمراء على جانب شعرها الكثيف الذي غطى كتفها العاريين ، وبدأ الجميع يوف لهما التهاني . وضع الخاتم الخطوبة الماسي في يد ريم ، والتقطا عددا من الصور ثم خرج معها لتناول العشاء خارجا . ركبت بجواره في السيارة وسألها عن المطعم الذي تفضله ، فأجابته بابتسامة :
    - المطعم اللبناني .
    وصلا إلى مطعم في الخبر وبدءا يأكلان بصمت قطعته ريم عندما سألته :
    - أخبرتني أمي بأنك تريد الزواج بسرعة .
    أجابها بابتسامة :
    - منزلي جاهز ومؤنث بالكامل ولم يبقى غير أثاث غرفة النوم .. لقد جلبت رسام إيطاليا ليرسم اللوحات في أسقف المنزل كلها .
    عرض عليها فكرة الزواج في نهاية شهر شعبان فوافقت ، وقالت له مستدركه :
    - أود أن أسافر لشهر العسل .
    - بما أن شهر رمضان سيكون على الأبواب فدعينا نؤجل السفر قليلا .
    انتهت سهرته مع ريم في الواحدة عندما أوصلها لمنزلها وعاد إلى المنزل ووجد والديه وأخته في الصالة ينتظرونه ليستمعوا لردة فعله وانطباعه عن أحداث هذه الليلة ، لكنه فاجأهم عندما صعد لغرفته وسط اندهاش أمه تأففت وهي تقول لزوجها :
    - ابنك هذا سيجنني وبسببه سأموت قبل أواني .. لقد احترت معه فلا قبل الخطوبة ولا بعدها .. حالته لا تتغير وعليه أن يستثير طبيبا نفسيا لأني تعبت منه .
    تنهد حسن بصمت كعادته ، فغضبت سميرة وقالت له :
    ولماذا أنت ساكت ؟.. أنا أعطيك الفرصة الآن .. غرد وسمعني .
    بلغ ريقه ووعدها بأن يتحدث معه فهو الآن متزوج من ابنة أخته وعليه أن يكون لطيفا معها .

    لم يستطيع عماد النوم بسهولة وهو يفكر بكاميليا رغما عنه . هي متزوجة ولا تقربه بأي صلة ولا تربطه بها أي علاقة ، لا حب ولا صداقة ولا أي شيء آخر . أحس بالشوق لرؤيتها ولسماع صوتها ، وتمنى لو يراها من بعيد بدون أن تعلم به ..ولكن كيف ؟ فلم تعد تزور أخته في البيت كما مضى فالعمل التدريبي يشغلها . نام وهو يفكر بها ويحاول تشتيت ذهنه عنها .
    خرجت نسرين من المنزل ومرت بكاميليا وتوجهتا سويا لزيارة أمل في منزل العمة نورة ، استقبلتهما في غرفة الاستقبال العلوية . جلسن يتحدثن وهن يشربن الكولا المثلجة مع رقائق البطاطس ، وتحدثن كثيرا في أمور شتى بدأت بعلاقة كاميليا بناصر وانتهت بالحبيب المجهول ، قالت أمل وهي تضحك :
    - وكيف استطعت إخفاء الأمر عنا .. لا بد أنه سحرك .
    تنهدت وهي تعبث بشعرها ، وقالت بأسى :
    - كنت مستعدة لفعل أي شيء لينتهي بنا الأمر سويا .. كنت سأضحي بأشياء كثيرة .. لكنه رفض فكرتي .
    سألتها نسرين بخوف بان واضحا من نبرة صوتها :
    - ألم تتورطي معه ؟
    بلعت ريقها وأغمضت عينيها للحظة وكأنها تبتلع علقما ، ثم قالت مدافعة عن حبها :
    - كنا نلتقي في مطعم المجمع وبرغم من تواضعه الشديد كان أجمل مطعم في الدنيا بالنسبة لي .. لقد عرضت عليه فكرة إيهام عائلتي بهروبي معه لنتزوج بعدها ولكنه رفض .

    ردحذف
  52. - ستحدث فضيحة كبيرة .. وستذهبين في ستين داهية .
    لوت فمها وقالت مدافعة عن نفسها وعن حبها :
    - يقول هتلر (لا كرامة في الحب ولا في الحرب )
    تنهدت نسرين وقالت :
    - بلا هبل .. وحاولي أن تنسي .
    وقالت لها أمل موبخة :
    - حبك له وصل إلى مرحلة مؤذية وكنت سترتكيبين حماقة ستدفعين ثمنها طوال حياتك .. ودعي هتلر عنك فهو انتحر في النهاية.
    - لن أكون أول فتاة تتزوج بهذه الطريقة .
    - تذكري بأن الحب يجب أن يرفع من شأن الإنسان لا أن يفضحه .. عليك أن تعطي ناصر فرصة .. أفتحي قلبك له .
    شربت كاميليا رشفة من الكولا وقالت بغضب :
    - لا أستطيع أن أفتح له قلبي .. لا أستطيع أن أتخيل بأني سأعيش مع نذل ومنحط وسافل في بيت واحد يشاركني سريري وطعامي وحياتي .. أنا أرغم نفسي على الجلوس معه لساعة واحدة وأشعر خلالها بالغثيان ..أكرهه وأشعر بالنفور منه .. منذ خطوبتنا وأحاديثه مقتصرة على ما يعرفه من فساد أخلاقي وانحطاط على وجه الأرض.. لا يوجد فاجر في البلد لا يعرفه .. ولا مدمن أو سكير إلا والصدف جمعته به .. ولا امرأة لم تتحرش به ولم تغازله .. والفتيات يحمن حوله وهو يصدهن كما يقول .
    وشربت بقية كولا دفعة واحدة وقالت بقرف:
    - يقول بأن أصحابه في أمريكا كانوا يدعوه إلى ملاهي القاذورات والدعارة وذهب معهم على مضض .. لقد تجرأ وقال لي بأنه شرب حتى السكر في أحد الملاهي الليلة احتفالا بحصوله على شهادة الماجستير .. وعندما أخبرت والدي بذلك .. قال لي بكل بساطة بأنه طيش الشباب أثناء الغربة والسفر وليس من حقي محاسبة خطيبي أو زوجي على الماضي .. لماذا يسامحون السفلة الذين يسافرون إلى الخارج والله وحده يعلم بأفعالهم هناك ولا يسامحون على سبيل المثال امرأة مطلقة اختارت العيش بكرامة بعيدا عن رجل يسبب لها معاناة فتحيط بها الشبهات والأقاويل .
    ذرفت كاميليا مزيج من دموع الظلم والقهر والانكسار ، نشجت بالبكاء وهي تشعر بأن الدنيا تظلمها ، وكلما أرادت أن تبدأ حياتها بعيدا عن حبيبها المجهول تصدها . وما أخبرها به ناصر عن ماضيه جعل نظرتها سوداوية للحياة التي تنتظرها معه ، ولذا طلبت من خالها أن يسأل ويتحرى عنه لتستعد للحياة التي ستعيشها معه . بقدر ما كانت سعيدة مع عماد ، هي الآن تعيسة دونه . قالت لها نسرين :
    - هوني عليك فلا يوجد رجل يستحق الأسف .
    صبت لها مزيدا من الكولا وقالت لصديقتها بأن حبيبها المجهول كان مختلفا عن البقية والآن أصبح في نظرهم مثلهم ، كاذب ومخادع وحقير .بدأ عماد بالخروج بصحبة خطيبته للتجول في أرقى محلات الأثاث لاختيار غرفة النوم ، وقع اختيار ريم على غرفة خشبية راقية بلون الخشب المعتق ، وأريكة مناسبة ومرآة كبيرة ، ومن ثم ذهبا لمحلات أقمشة المفروشات من أجل تفصيل ستائر مناسبة لها . وبعد ذلك عادا لاصطحاب العمة نوره معهما لرؤية المنزل الذي كان لكاميليا والآن أصبح لريم ، بانقلاب عاطفي من الدنيا التي أبت جمعهما معا . أعجب المنزل بديكوراته وأثاثه وألوانه ريم وشعرت براحة كبيرة لأن عماد أثثه بالكامل فهي ليست متفرغة للتأثيث ولا تعلم بأن هناك من أسهم في تأثيثه وكان دافعا لخطيبها ليقوم بكل شيء بسرعة .

    كانت ريم سعيدة بزواجها من عماد فهو شاب مثالي بنظرها ، لكنها تنزعج من بروده معها وصمته الدائم . هو سارح ولا يحب الخروج كثيرا ويقضي وقته في العمل وقراءة الجرائد ومشاهدة التلفزيون وأحيانا يلبي دعوات رجال الأعمال . كانت تقول لأمها دائما بأنه جاف معها وكأنه مرغم على الزواج بها ، وأمها تطمئنها بأنه شاب خجول وفترة الخطوبة قصيرة والحب يأتي بعد الزواج ، وستعرف معنى المشاركة عندما يضمهما بيت واحد .

    ردحذف
  53. الفصل 24



    ( الليلة ستتزوج وسيفرح أهلها وعائلتها بزفافها حتى لو كانت مجبرة .. هل هي سعيدة بهذا الزواج ؟.. وهل ستتذكر الليلة رجلا أحبها بصدق .. هل ستفكر بي وستتذكرني وأنا هنا والألم يمزقني .. هل ستسمح له بالإمساك بيدها وبتقبيلها ومداعبتها .. كيف ستكون لغيري ؟ .. متناسية كل عواطفي والحب الذي وهبته لها ) . شعر بأنه السبب فيما يحصل له لو أنه نفذ ما طلبته منه ، لو أنه هرب معها واختفيا لعدة أيام ، لو أنه قتل ابن عمها وتخلص منه ، لو أنه أمسك بيدها ورحلا في ذلك اليوم لكانت له وحده وأصبحت حبيبته وزوجته وحياته كلها . كان يجب أن تكون له فقلبه بيتها ومكانها . يجب أن تكون له ليحبها ويعانقها ويقبلها ويسعدها بمشاعره وأشواقه ويقول لها ما لم يقوله قبلا . هو نادم على رفضه وغروره وغبائه ، ويتجرع كأس الألم والهزيمة والجراح ، ويرقص على أنغام الكرامة والرجولة ، والليلة سيدفع الثمن بالكامل .

    استلقى عماد على سريره وهو يتذكر بكاء كاميليا عندما طردها وأهانها . تذكر عينيها العسليتين غارقتين في الدموع وهي تطلب منه التفكير مجددا قبل أن ينتهي كل شيء وتضيع من بين يديه . شعر بضعف وانكسار ..الوقت يمر والألم يزداد والدموع البخيلة تخرج بصعوبة من عينيه وكأنهما ترفضان غسل ذنوبه . شعر بالندم والسعادة التي حلم بها في الماضي تنتحر أمام عينيه ولا يستطيع منعها . أشرقت شمس الخميس غير آبهة به وبألمه وندمه ، أشرقت تبث الضياء إلى جميع البشر وهو الوحيد يعيش في ظلمة لا يعرف متى تنتهي . جاءت أمه ظهرا لتوقظه ووجدته على سريره ، نائم ووجهه أصفر وعينيه نصف مغمضتين والعرق يضيء جبينه ويتأوه من التعب ، قالت له بقلق أحست به عندما رأته :
    - أستيقظ يا ولدي .. الساعة تجاوزت الواحدة .
    فتح عينيه بصعوبة وحرك شفتيه الجافتين متمتما بكلام لم تفهمه ، فاقتربت منه أكثر ووضعت يدها على وجهه وجبينه ولمست حرارة جسمه المرتفعة ، وقالت :
    - حرارتك مرتفعة جدا ..أنت مريض.
    أسرعت تنادي نسرين وطلبت منها إحضار الماء البارد ، وجاءت بسرعة وبيدها قارورة ماء ، وقالت لأمها :
    - هو نائم بملابسه منذ البارحة .. يبدو مريض جدا .
    وضعت أمه منشفة صغيرة مبللة على رأسه وفتحت أزرار قميصه وبللت صدره ، واتصلت بسرعة بزوجها لينقله إلى المستشفى
    في قسم الطوارئ في المستشفى الخاص والديه بجانبه والممرضات حوله ، واحدة تغرز إبرة في وريده وتمده بالمحلول السائل ، وأخرى تضع الكمادات الباردة على رأسه وتبلل وجهه وصدره ، وتقيس درجة حرارته بين حين وأخر ، جاء الطبيب وألقى عليه نظرة وذهب . قالت سميرة لزوجها بقلق :
    - بقي أسبوع على زواجه وهو مريض .
    تنهد الأب وحمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه وزوجته تقول :
    - لا بد أنه محسود فمنذ صغره والعين تؤثر فيه بقوة ولا يتحمل النظر .
    وبعد لحظات جاءت ريم إلى المستشفى حالما سمعت بخبر نقل خطيبها ورأته وهو نائم على السرير الأبيض وأنينه يوجع قلب أمه الجالسة بجواره تترقب وتنذر بالصدقة وقالت لريم :
    - لا أعرف ما الذي أصابه ؟..بالأمس كان متضايقا ولم يأكل ولم يخرج من غرفته .. واليوم وجدته مريضا ويهذي من الحرارة .. لكن الطبيب اخبرنا بأنه سيتحسن حالما يستجيب جسمه للدواء .
    عاد عماد لغرفته يتهادى من التعب والده ممسك به من وجهة وأمه من الجهة الأخرى وتلحق بهم نسرين وريم . استلقى على السرير وهو يتأوه .أسندت أمه رأسه على وسادتين وغطته باللحاف وخرجت ولحق بها زوجها وابنتها . بقيت ريم معه ، جلست بجانبه على سرير وأمسكت بيده . قالت له بابتسامة :
    - الحمد الله بأنك بخير الآن .. كنت خائفة عندما وصلت حرارة جسمك إلى الأربعين ولم تنخفض بسهولة .. كنت تهذي وتحرك رأسك ورجليك لا إراديا من شدة الحرارة .
    سألته :
    - هل تعرضت لهواء المكيف البارد بعد الحمام مباشرة ..أو أنك ..
    تنهد وقاطعها :
    - لا تكوني طبيبة معي يا ريم .. فما فيّ يكفيني .
    اعتذرت فلم تقصد مضايقته . كانت قلقة فلم يبقى على زواجهما غير أسبوع وتريده أن يشفى . جاءت أمه وبيدها صينيه بها طبقا من شوربة الخضار الدافئة وآخر من السلطة وعصير البرتقال الطازج ، وطلبت من ريم مساعدته ، فأمسكت بالملعقة لتحثه على الشرب :
    - هيا اشرب فالسوائل الدافئة ستساعدك على التعافي بسرعة .
    - لا أريد شيئا .
    أصرت ريم على تناوله الطعام فلم يشأ مجادلتها . أطعمته وأعطته دواءه وتركته مستلقيا بهدوء ، وعادت أمه بعد قليل لتبخره باللبان والحرمل وتقرأ عليه المعوذتين وآية الكرسي . ظل مستلقيا على سريره ولم يستطيع إبعاد أفكاره عن المرأة التي يهيم حبا بها أصبحت زوجة لغيره الآن ، تذكرها بغصة رغما عنه ، وأغمض عينيه بألم وصورتها تمر بسرعة أمامه في مشاهد سريعة بدأت بلقائه الأول بها في منزل عمه عندما كان مشدودا لها ويحاول تفحصها بالكامل وكأنه يريد حفظها عن ظهر قلب ، وانتهى بلقائهما العاصف في منزلهم وهي تطلب منه مساعدتها في منع إتمام الزواج .

    ردحذف
  54. الفصل 25



    استيقظت كاميليا من نومها ولم ترى ناصر في الغرفة . غسلت وجهها وبدلت ملابسها ونزلت الدرج ببطء متوجهة إلى المطبخ ، وهناك وجدته يجلس على الطاولة ويأكل فطوره ، قال لها :
    - تعالي لتأكلي معي .. لقد طلبت من الخادمة أن تعد لنا الفطور .
    عبست وجهها وقالت :
    - لا أريد .. سأشرب الكولا فقط .
    كان يراقبها بعينيه وهي تسكب لها الكولا وتجلس بعيدة عنه ، فأقترب منها وأمسك بكتفها وقال :
    - مرت ثلاثة أيام على زواجنا وأنت لم تسمحين لي بالاقتراب منك وممارسة حقي الزوجي ..لماذا هذا الدلال يا حلوتي ؟
    استمرت بشرب الكولا وكأنها لم تسمعه ، فاقترب منها أكثر وقبل وجنتها ، وعندما انزعجت منه وقالت له :
    - لا تتكلم معي بهذه الطريقة الرخيصة .. وابتعد عني فأنا متعبة .
    ضحك بقوة وقال :
    - اعلمي بأني سأذبح القطة الليلة .
    وعاد للضحك وهو يبتعد عنها .أحست بالقرف منه وآلمتها معدتها ، ورغما عنها جاءت صورة عماد أمامها برقته ولباقته وسحره . حاولت تفادي التفكير به فبدأت تشغل نفسها بالاستعداد لاستقبال صديقاتها عصر اليوم وإعداد الضيافة بمساعدة الخادمة .

    جلست في صالة المنزل ترحب بأمل ونسرين ، وأخذت راحتها معهما عندما خرج ناصر . أخبرتهما بكل ما حدث ، وبموضوع القطة التي سيذبحها الليلة . قالت لها أمل :
    - حاولي أن تكسبيه لتعيشي بلا مشاكل .
    بلغت ريقها وقالت بامتعاض :
    - أنا أكرهه ولا أطيق النظر لوجهه .. كلما أستيقظ من النوم وأراه يصيبني بالغثيان لذا أشرب فنجان القهوة أو كأسا من الكولا مباشرة .. يقول خالي سعيد بأنه يتردد على شقة مشبوهة في الخبر .
    تنهدت وأكملت :
    - لا يوجد من هو أتعس مني على هذه الأرض .. لكن أفضل ما في هذا الزواج أنني سأتمكن من استقبال وزيارة ناهد وقتما أشاء.
    قالت نسرين بجدية :
    - الأهل يغمضون عين ويفتحون أخرى على ابن العم وابن الخال .. ومن المهين أن تعيش المرأة مع رجل مكرهة .. تبا لهذه التقاليد العائلية وصلنا للقرن الواحد والعشرون ومازال أبائنا يجبروننا على الزواج بمن لا نريد .. ألا يوجد من ينقذنا من الأمراض الاجتماعية الوراثية .
    تنهدت كاميليا بحسرة وألم ، وذرفت دموعا صادقة لتؤكد على كلامها ، فمسحت دموعها بصمت ، وأمل تهدئها :
    - حاولي أن تتأقلمي مع وضعك الجديد .. وإلا ستصابين باكتئاب إن ظللت بالتفكير بزوجك ومساؤه وبالتنقيب عن ماضيه وأخطاءه .. حاولي العيش بأقل قدر من المشاكل ولا تزيدي التراكمات في نفسك .. ناصر قد يتغير ..أكثر الرجال لهم تجاربهم السوداء قبل الزواج .
    أغمضت عينيها وقالت بمرارة :
    - لو كان سيتغير لتغير مع زوجتيه السابقتين .. ذيل الكلب يبقى أعوجا ولا يعتدل .. وإذا كان عليّ فنهايتي هي الجنون.. تعاسة وتفكير متواصل .
    وطلبت منها نسرين الامتناع عن التفكير بحبيبها المجهول ، فحاولت منع نفسها من الإجهاش في البكاء وهي تقول :
    - مازلت أفكر به .. مازلت أحبه برغم كل الذي فعله بي .. لقد كتبت له قصيدة عبر جريدة "اليوم " وأتمنى أن يقرأها ويشعر بالقليل من الكآبة التي أعيشها .
    ووبختها نسرين قائلة :
    - ولماذا لا تتركيه في حاله وتتعقلي ..أنت امرأة متزوجة الآن .
    زمت شفتيها وقالت بإصرار وهي تمسح دموعها :
    - سأرسل له الرسائل لأنغص عليه حياته .
    أرادت نسرين تغير مجرى الحديث فراحت تخبرهما :
    - التقت أمي البارحة بسماح وأمها في حفل زفاف ابن جيراننا ..عادت من أمريكا ولم تتصل بنا .
    لم تكن أمل مكترثة بسماح الناقمة على الدنيا والمجتمع الذي بسببه اضطرت لإلغاء حفل زواجها وقالت :
    - لقد تغيرت منذ سفرها ولست حزينة عليها . وسنبقى نحن ثلاث منذ طفولتنا وحتى نصبح عجائز .
    لم تستطيع نسرين إخفاء تأثرها واندهاشها من تصرفات سماح وعدم اتصالها بهن عندما جاءت :
    - مازلت مندهشة من تصرفاتها وكأنها تريد أن تنسى حياتها الماضية وتعيش من أجل زوجها فقط .
    قالت كاميليا بتأثر :
    - مخبولة ..والوقت كشف حقيقة صداقتها المؤقتة .. الوقت قادر على كشف الحقائق دائما .

    *****

    دخل عماد غرفته مساءا ، نظر لوجهه في المرآة بسرعة . أحس بأن ملامح السعادة والرضا التي سكنت قسمات وجهه منذ تعرف بكاميليا قد زالت . بدل ملابسه وجلس على السرير وبدأ يقرأ الجريدة ، وعندما أتصل به ماجد رد عليه بملل وأعتذر عن الخروج معه ليلا لأي مكان . عاد إلى الجريدة وبدأ يقرأها إلى أن وصل إلى الصفحة الثقافية ، وزاوية (همسات من قلبي )

    "عيني لم تنساك بعد
    وقلبي لم ينساك بعد
    مازلت محفورا على عمري
    مازالت مزروعا على جفني
    تشبه الريحان والياسمين
    وأشجار العنب والتين
    جميل .. طاهر .. وشهي
    مازال أسمك مكتوب على جبيني
    ومرسوم بالوشم على كتفي
    وقلبك ينبض في قلبي
    ورائحتك تعطرني
    يا رجلا يسكن في قلبي "

    كاميليا الناصر
    هذه الرسالة

    ردحذف
  55. الأولى .. والبقية تأتي

    كاد قلبه أن يتوقف عندما رأى توقيع الكاتبة . تنهد بقوة وهو يقرأ هذا العتاب الموجه إليه في الجريدة ، وتساءل في نفسه ( إنها هي وهذا توقيعها ماذا تقصد كاميليا بهذا الكلام ؟ .. تريدني أن أتذكرها .. وهل تعتقد بأنني نسيتها ؟.. تريدني أن أتذكر بأني تخليت عنها وتحملني مسئولية فراقنا .. هذا ما تريده ) رن هاتفه الجوال ، وللحظة ظن بأنها المتصلة ، فأمسك بالهاتف بسرعة ورأى أسم ريم ظاهرا ، أجابها بملل وبرود:
    - أهلا ريم .
    - اتصلت لاطمأن عليك فأنت لم تتصل بي منذ الأمس .
    - كنت مشغولا .. هل تحتاجين إلى شيء ؟
    دعته إلى زيارتها ومساعدتها في نقل ما تبقى لها من أغراض إلى منزلهما الزوجي . المنزل الذي أرادته كاميليا وساعدته في اختيار أثاثه وفرضت ذوقها فيه . أنهى حديثه معها وألقى نظرة على الجريدة وخبأها في درج مكتبه . جاءت أمه تعرض عليه مساعدته في تجميع ثيابه وأغراضه استعداد لنقلها إلى منزله الجديد ، لكنه طلب منها أن تقوم بذلك بمساعدة الخدم . دخل الحمام ليستحم وهو يشعر بالضيق ، خلع ملابسه ووقف تحت رشاش الماء وهو يفكر بكاميليا ، لا بد أنه سعيدة مع زوجها وكتبت في الجريدة لتضايقه وتسخر منه . تبا لها ولليوم الذي سمع صوتها فيه وأحبها . خرج بسرعة وارتدى ملابسه ومشط شعره وتعطر ، وركب سيارته متجها لمنزل عمته ، وهو يستمع لفيروز ..

    يا قمر أنا وياك صحبة من صغرنا
    حبينا قمرنا وعشنا أنا وياك
    وياما أنا وياك .. لونا سمانا وزرعنا هوانا
    يا قمر أنا وياك ..

    جلس مع ريم وهي تتحدث معه ولم يسمع ما كانت تقول . كان شاردا ومشغولا ، يفكر برسالة كاميليا . وبعد مدة من سرحان والسكوت المطبق طلبت منه نقل أغراضها إلى المنزل الجديد ، فذهبا سويا وفي صالة المنزل الأنيقة قرب تمثال برج إيفل قالت له ممازحة :
    - أنت ديكتاتوري .
    تفاجأ من كلامها وظل ساكتا ، فأردفت:
    لأنك اخترت كل شيء في البيت وأثثته بالكامل ولم تترك لي شيئا . زم شفتيه ثم قال بفخر :
    - ألا يعجبك المنزل ؟.. تصميمه مميز جدا ومهندس مختص أشرف على الأثاث والديكور .
    رفع رأسه إلى السقف وقال :
    - لا يوجد منزل في القطيف كلها أسقفه مزينة بلوحات رسمها فنان إيطالي .. العيش في هذا المنزل يجلب السعادة .
    أومأت برأسها وقالت :
    - البيت جميل ومترف .. والأهم من ذلك هو السعادة يا ابن خالي .
    امتعض مما قالته وأكملت :
    - إذا لم أكن سعيدة من صميم قلبي فالبيت ولوحاته وديكوراته لا تعني لي شيئا ..وإذا كنت سعيدة فسأرى أسوأ البيوت قصرا جميلا .
    أراد أن يقول لها بأنه لم يبني ويؤثث المنزل من أجلها ، فلقد بناه من أجل امرأة أخرى لكنه تراجع فما سيقوله سيؤذيها بالتأكيد وهي لا ذنب لها .

    **********

    ردحذف
  56. جلست كاميليا تشرب الكولا أما شاشة التلفزيون تشاهد بعينين سارحتين وعقل مشغول وقلب وجل ، تفكر بعماد هل وصلته رسالتها في الجريدة . هل شعر بما تحسه وبعذابها ، قالت في سرها ( هو يقرأ الجريدة يوميا .. ولا بد أن الرسالة وصلت إليه وفهمها .. وربما لم يقرأها لانشغاله بموعد زفافه .. تبا له ولابنة عمته المتعجرفة التي سيتزوجها .. سأذهب لأراه وهو بجانبها .. سأرى عينيه السوداويين وهما ينظران إليها .. وربما يقبلها أمام الناس كما قبلني تلك الليلة في باريس .. وهل سيتذكرني ..أم ..
    وقطع دخول ناصر حبل أفكارها ، قال لها :
    - لقد أحضرت العشاء من المطعم الذي تحبينه .. هيا تعالي لنتعشى .
    سكتت عنه ، فاقترب منها وأمسك بيدها بقوة وطلب منها أن تنهض قبل أن يحملها بنفسه . ذهبت معه إلى المطبخ وبدأت تأكل بلا شهية ، وهي تنظر له وهو يأكل بشهية مفتوحة فلا شيء ينغص عليه حياته . سكبت لها كوبا من الكولا وعادت لشاشة التلفزيون ، قلبت المحطات بسرعة واستقرت إحدى المحطات الغنائية تشاهد بلا اهتمام . وبعد دقائق جاء وجلس بجانبها ، وقال لها وهي تتظاهر بالمتابعة :
    - جلبت فيلما جميلا لنشاهد سويا .. فيلم خاص بالمتزوجين حديثا .
    رشقته بنظرة حادة وقالت :
    - لا أريد أن أشاهد شيئا .. مزاجي معكر ورأسي يلومني وأحتاج إلى الراحة . قالت جملتها ونهضت متوجهة لغرفة نومها ، فنهض ولحق بها بسرعة وحاولت أن تغلق الباب وأخبرته بأنها تريد النوم بمفردها . دفع الباب بقوة وقال لها وهو يضحك :
    - تريدين التهرب مني يا صغيرة .
    بلغت ريقها وقالت بحدة :
    - أريد أن ارتاح بمفردي ولست مستعدة للشجار .. سأنام في الخارج ونم أنت هنا لوحدك .
    أخذت وسادتها وهمت بالخروج لكنه أقترب منها وأمسك بيديها بقوة وقال :
    - سئمت من تصرفاتك الغيبة .. أنت زوجتي وستنامين معي في هذه الغرفة .. وعلى هذا السرير .
    ضمها إليه عنوة وراح يلقي بقبلاته على وجهها رغما عنها وهي تصرخ طالبة منه الابتعاد عنها . شعرت بالقرف ورائحة فمه النتنة تدخل أنفها .واستمرت في الصراخ حتى تعبت واستسلمت ووجدت نفسها بين ذراعيه وهو يحملها ويضعها على السرير . صرخت فيه :
    - ابتعد عني .. ابتعد يا خايس .
    شعرت بالغثيان وهو يجثو عليها ويحاول خلع ملابسها . سكتت بخوف والدموع تنحدر من عينيها العسليتين ، لكنها تفاجأت عندما نهض فجأة وارتدى ملابسه وأخذ علبة السجائر وخرج . نهضت وراءه وأغلقت الباب براحة ونامت وهي تشكر ربها وهي تشكر ربها على ما حصل .

    ردحذف
  57. الفصل 26


    وقفت أمام المرآة تلقي على نفسها النظرة الأخيرة قبل أن تخرج من البيت متجهة إلى الفندق حيث يقام زفاف عماد . رشت المزيد من نفحات عطر " ألور" الذي استخدمته للمرة الأولى عندما أهداها إياه ، ومن يومها أصبح عطرها المفضل . وضعت اللمسات الأخيرة على شعرها وماكياجها وهي تشعر بألم يعتصر قلبها وتتخيله مع زوجته المتعجرفة . أحست بالألم يصل إلى رأسها وفكرت بالتراجع عن الذهاب فهي تخشى أن يغمى عليها إذا رأته ، ولكنها لا تستطيع فنسرين وأمل صديقتيها ولا تستطيع التخلف عن الذهاب . كانت على وشك البكاء عندما أحست بدوار فجلست على الأريكة المجاورة لسريرها وناصر يفتح عليها باب الغرفة ويقول لها بلهجة غير موزونة عرفت من خلالها بأنه أسرف في الشرب قليلا :
    - تتأنقين من أجل الزفاف وأنا تتجاهليني .
    تأففت وراحت ترتدي عباءتها بصمت ، فقال لها :
    - لا تخلعي عباءتك في الفندق ففستانك يكشف أكثر مما يستر .. ألم تجدي غيره .. سيصورونكِ في الفندق وعندها تكون الفضيحة فلقد رأيت بنفسي نصف فتيات البلد .
    نفذ صبرها فقالت له بغضب :
    - أولا الملابس المكشوفة والتي تظهرني مثيرة تعجبني وأحب ارتداءها .. وثانيا لا شأن لك بي فمن تظن نفسك ؟
    ضحك وهو يقترب منها وقال :
    - أنا زوجك ولي الحق بمنعك من لبس هذا الفستان العاري .
    صرخت به قائلة :
    - وأنت تعرف بأني تزوجتك رغما عني .. فعلت المستحيل لتلافي هذه المصيبة ولكن دون جدوى ..أنا أكرهك ولا أتحمل البقاء معك ..أنت لا تحترمني وأصبحت تأتي إلى المنزل والسكر أفقدك توازنك .. طلقني ودعني أعيش بهدوء .. عليك أن تفهم بأنك تعيش مع امرأة أجبرها أبوها على الزواج بك بالإكراه .
    غضب ناصر لكلامها واقترب منها وأمسك بذراعها بيد ، وجهها باليد الأخرى وقال لها وعينيه ستخرجان من محجرهما :
    - لا تحسبي فشلي في معاشرتك دليلا على ضعفي .. لن أطلقك يا غبية .. ولو علم أحد بما جرى بيننا سأقطع لسانك .
    وتغيرت نبرة صوته وهو يعيد على مسامعها بتهديد بأن ما يحدث في غرفة النوم يبقى فيها . شعرت بالخوف أكثر وهو يقول لها :
    - أذهبي مع أهلك إلى العرس وعودي معهم .. والليلة لنا موعد جديد .
    وطلب منها أن تعطي وجهها المزين عندما تخرج ، فردت عليه بحدة :
    - لا شأنك لك بي .
    جلست تنتظر أمها وأختيها لتذهب معهن إلى زفاف حبيبها ، شعرت بالحاجة ماسة للبكاء بقوة ، ولكن وصول أمها وأختها أنقذها.
    دخلت القاعة المزينة بالورود والشموع ، وصوت الموسيقى يصدح بفرح وطرب ، ورائحة البخور تعطر المكان . خلعت عباءتها ونظرت إلى نفسها في المرآة . بدت جميلة ومثيرة وتعيسة وتشعر بغصة تكتمها في قلبها رغما عنها ، فلقد أوصت قلبها بالصبر والتحمل . فهذا الحفل الذي تحضره ليس كباقي الحفلات ، هذا حفل زفاف عماد . سلمت وباركت على أمه وعمته ، وندى ونسرين وبقية أفراد العائلة واختارت لها مقعدا مع أمها وأختيها على إحدى الطاولات الأمامية . كان كل شيء يدل على الرفاهية والترف ، الطاولات مزينة بمفارش راقية وورود ملونة وشموع ، والمضيفات يوزعن الهدايا التذكارية والشوكلاتة الفاخرة على المدعوات .

    جلست تراقب نسرين وأمل وهما ترقصان ، وجاءت أم عماد تدعوها إلى الرقص معهما ، فاعتذرت منها بحجة كونها عروس جديدة أيضا . ظلت شاردة حتى جاءت من تحمل أسم حبيبها الآن ، جاءت من ستكون زوجته وستعيش معه تحت سقف واحد ابتداء من الليلة . ستسكن في البيت التي هي صممته وفرضت ذوقها في الأثاث والألوان . هي زوجته الآن وستعطيه كل شيء لتكسب حبه فهو يستحق . تنهدت بأسى والمتعجرفة ريم تقترب أكثر وتجلس على المنصة الفخمة ، والجميع يعانقها ويهنئها .

    رقص الجميع على أنغام الموسيقى والغناء ورقصت ريم بسرور مع صديقاتها وقريباتها . لم تتحرك كاميليا من مكانها وظلت تشرب العصير وتراقبهن بألم ، فهن يرقصون فرحا لزواج عماد وريم ، ونهاية سعادتها هي . يرقصن على جرحها وألمها وتعاستها . أحست بأن نار تعتمل في قلبها وكلما مر الوقت زاد الجمر اشتعالا . في الواحدة والنصف فجرا أعلن بأن عماد سيدخل القاعة .إرتعشت أوصالها ورجف قلبها .إرتدت عباءتها ولفت على رأسها حجابها وتنقبت ولم تظهر غير عينيها . لم تكن تريده أن يراها في حفل زواجه فيتجاهلها . وستكتفي برؤيته مع عروسه دون أن يراها أو يميزها . دقائق وعماد بكل وسامته وجاذبيته وثقته بنفسه يقف عند البوابة وأمه وأختيه وقريباته خلفه ، لم تصدق عينيها فهو يبدو أنيقا وهو يرتدي الثوب والغترة ويضع البشت الأسود على كتفيه . كان يمشي الهوينى وريم واقفة على المنصة تنتظره وعينيها عليه وابتسامة السعادة تعلو وجهها .

    ردحذف
  58. نحدرت الدموع من عيني كاميليا العسليتين ، ولم تستطيع التحمل أكثر وحبيبها يقترب من زوجته ويقبل رأسها أمام الناس ويجلس بجانبها . الرجل الذي كانت تحلم به والذي وعدت نفسها بأن يكون لها ، أصبح لغيرها الآن ناسيا كل شيء كان بينهما . كانت قريبه منه ، وبعيدة في نفس الوقت . لمحت خاتمه الفضي بفصه الياقوتي الجميل وتحسست خاتمها الذي أهداها إياه ليوصل مشاعرها به والدموع تتساقط من عينيها العسليتين بكل حسرة . كان الرقص دائر على أشده نهضت من مقعدها وطلبت من السائق الذي ينتظرهن بالخارج إعادتها إلى المنزل . لم تكن قادرة على الصمود أكثر وعينيها تدمع وقلبها يعتصر من الألم . وطوال الطريق من الخبر إلى حي الجزيرة كانت تبكي بحسرة وألم وتتذكر كلام عماد ووعوده ، وورود الكاميليا البيضاء وزجاجات عطر "ألور " المتراكمة في خزانتها . كيف تمكن من نسيان حبها بسهولة وكأنه لم يحبها ولم يعرفها يوما .

    دخلت المنزل بدموعها ، ارتمت على سريرها وبكت بحرقة بالغة ، وصورة عماد ووعوده وكلامه تمر في ذاكرتها وتعذبها . رائحة " ألور " والياقوت الأحمر جعلاها تبكي كما لم تبك قبلا في حياتها . أفرغت ما في قلبها من ألم ودموع وقهر . لابد أنه نسيها ليتمكن من الابتسام أمام زوجته بكل الفرح الظاهر عليه. هو لم يحبه أصلا لكي يتذكرها ، كان كاذبا ووغدا وسافلا كبقية الشباب . دخلت إلى الحمام وملأت المغطس بالماء الدافئ وسكبت فيه علبة الرغوة بكاملها . بقيت لبعض الوقت حتى هدأت نفسها قليلا وهي تحاول منع نفسها من التفكير بعماد وما يفعله الآن مع زوجته .

    شعرت بالقليل من الراحة وهي تمسح زيت الشاي الأخضر على بشرة جسمها . ارتدت ملابسها وجلست على الأريكة وهي مازالت تفكر به .كانت تشعر بيأس كبير لذا نهضت لتخرج علبة سجائر خاصة بناصر . كانت مستعدة لفعل أي شيء لترتاح وتنسى عماد . أشعلت سيجارة وبدأت تسحب نفسا قويا تلو الآخر وبالمقابل تسعل بقوة . كانت تفكر بعماد وكيف سيقضي ليلته مع زوجته . شعرت بأنها ستختنق فأطفأت السيجارة ونهضت إلى المطبخ . ابتلعت قرصين مسكنين وعادت لغرفتها استلقت على السرير لتفكير بعماد من جديد .

    ********

    ردحذف
  59. استيقظت ريم من نومها ظهرا بينما لا يزال عماد نائما . استحمت وهي تفكر بتصرفه معها البارحة ، لماذا تصرف معها بلا مبالاة ؟ . تجاهلها في ليلة زفافها ، لم يقترب منها ولم يبح لها بحبه وأشواقه ولهفته ولو كاذبا ، لم يجاملها ولم يداعبها ولم يقبلها كأي عروسين ، كانت ليلتهما باردة . إرتدت ثوبا قصيرا ومكشوفا ، واقتربت منه وأريج عطرها يسبقها . أيقظته من نومه ، فنهض بصمت واستحم بسرعة وارتدى ملابسه ، وعندما خرج من غرفة النوم وجدها جالسة في الحديقة الداخلية أمام بركة السباحة . جلس بقربها وسألها :
    - هل أنت جائعة ؟
    - ليس كثيرا .
    دعاها لتناول الغذاء في المطعم اللبناني وبعدها يذهبا لمنزل والديه فوافقته وطلبت منه أن تذهب لمنزل والديها أيضا . نهض ومد لها يده ، كانت سعيدة لأنه أمسك بيدها ومشى معها لغرفتهما وانتظرها حتى ترتدي عباءتها وتأخذ حقيبتها ، فهذه أول مرة يفعل ذلك منذ عقد قرانهما ، حتى عندما خرجا من الفندق بعد نهاية الزفاف لم يمسك بيدها كأي عروسين .
    وصلا إلى المطعم بعد ساعة من الصمت ، قضياها في السيارة من القطيف إلى الخبر . جلسا متقابلين واختار ما سيأكلان . وأثناء انتظارهما للطعام ، تذكر كاميليا وصوتها وضحكاتها وعينيها وحبة الخال في زاوية فمها . أحس بأنه يحبها أكثر من الماضي ، ربما لأنها بعيدة عنه ومتزوجة من أخر . تذكر ليلة البارحة بكل رفاهيتها وبهجتها بالنسبة للجميع سواه . تنبه على آهة حزينة أطلقتها ريم من قلبها ، قالت له :
    - ما بك ؟.. ولماذا هذا الضيق البادي على وجهك المتجهم .
    سكت للحظات وهو يستشعر غضبها منه وكأنها تقرأ بحدسها بأنه مشغول عنها ويفكر بامرأة أخرى في اليوم الثاني لزفافها ، قال لها :
    - أشعر بالإرهاق .
    وسكت للحظة ثم سألها :
    - متى ستعودين إلى العمل في المستشفى ؟
    تضايقت أكثر لسؤاله فقالت له :
    - ألم تجد ما تحدثني به غير العمل .. أنا في أجازة لمدة شهر .
    وقطع صوت النادل كلامها عندما جاء يطلب الأذن بوضع الطعام .

    ****************

    جلست ريم مع أمها في المطبخ بعيدا عن عماد الجالس في الصالة مع عصام وأمل ، واستشفت ضيق ابنتها ، فسألتها بقلق :
    - لم تبدين حزينة ؟.. هل ضايقك عماد بشيء ؟
    نزلت دموعها من عينيها وقالت :
    - تجاهلني البارحة .. أحسه حزينا وشاردا ومهموما .. لقد تعودت على قلة كلامه وجديته الزائدة منذ عقد قراننا .. ولكنه أزعجني بعدم اهتمامه بي .
    وسألته أمها :
    ألم يقترب منك ؟
    سكتت وهي تشعر بالإحراج ، فعاودت أمها الكلام :
    - لا تكوني محرجة ... هل أقترب منك البارحة أو اليوم كزوج ؟
    هزت رأسها نافية ، وقالت :
    - هو لم يبارك لي الزواج كحد أدنى .. ذهبت لغرفة الملابس لأخلع فستاني وعندما عدت للغرفة وجدته مستلقيا على السرير يتظاهر بالنوم .
    طلبت منها أن تنتظره ليومين ودعتها لشد انتباهه :
    - تدللي عليه وارتدي الملابس المثيرة وحاولي أن تكوني قريبه منه .
    وسكتت للحظة ثم قالت :
    - عصام كان منسجما مع أمل في فترة الخطوبة وأنهيا أمورهما منذ الليلة الأولى .

    أنهت ريم حديثها مع أمها وتوجهتا للصالة حيث يجلس عماد مع عصام وأمل ، واندهشت عندما رأت زوجها يضحك مع أمل بتلقائية وراحة دون تكلف كما يتحدث معها . جلست مع أمل تتحدثان في ترتيبات احتفال اليوم الثالث للزواج الذي ستقيمه سميرة ، وستقيم عشاءا دعت إليه النساء اللاتي لم تدعوهن في الفندق لأنهن لم يكن بالمستوى النخبوي المطلوب .

    ردحذف
  60. الفصل 27

    جلست سميرة تشرب الشاي مع زوجها بعد إفطارهما في ليلة الناصفة ( النصف من شهر رمضان ) وهما يأكلان السكسبال المحمص ( الفول السوداني ) ويشاهدان مسلسل طاش ما طاش . جاءت نورة لزيارتها ، جلست معها لبعض الوقت وبعد أن أصبحتا وحدهما ، سألت زوجة أخيها إذا ما تحدثت مع عماد عن علاقته بريم فقالت :
    - سألته عدة مرات فقال لي بأن كل شيء على ما يرام .. عماد متكتم. تنهدت نورة وقالت :
    - هذه ليست الحقيقة .. فأمورهما ليست جيدة .. عماد يتجاهل ريم وهي تشكو من قلة اهتمامه بها وكأننا أجبرناه على الزواج .. هو حتى الآن لم يدخل بها ولا شيء بينهما .
    شهقت سميرة وقالت :
    - لا أصدق .. لقد مر أسبوعين على زواجهما .. لماذا لم يدخل بها حتى الآن .. هل تشاجرا ؟
    - عماد بالكاد يتحدث معها .. فأي شجار سيحدث بينهما .
    سكتت سميرة للحظات مصدومة من ما سمعته ، ثم قالت :
    - سأتصل به الآن وسأتحدث معه بصراحة .. فما يفعله بالفتاة غير مقبول .. الليلة سيدخل بها وسيكون لطيفا معها رغما عنه .. بعض الرجال يتأخرون ليلة أو اثنتين.. ولكني لم أسمع بهذا أبدا .
    وبعد أن خرجت نورة، اتصلت سميرة بابنها تطلب منه أن يأتي لزيارتها . جاءها بعد ساعة وقد بدأ الأطفال يتجولون في الحي يحملون أكياسهم ويطرقون أبواب البيوت ليأخذوا نصيبهم من السكاكر والحلوى والألعاب والمكسرات وبالأخص السكسبال . طلبت منه الجلوس لوحدهما في المجلس وسألته بابتسامة مصطنعة:
    - ألم تحمل ريم بعد ؟.. أريد أن أرى حفيدا منك .
    رفع حاجبيه وقال مستنكرا :
    - تزوجنا منذ أسبوعين فقط وتسألين عن الحمل .
    زمت شفتيها وأخبرته بأن الكثيرات من النساء يحملن من الأيام الأولى ، ففرك جبينه بإصبعه وظل ساكتا فباغتته أمه بالسؤال :
    - كيف هي أموركما ؟
    بلع ريقه وتمتم لها بأنهما بخير ، فاخترقته وكشف كذبه بعينيها القويتين :
    - لكن ريم تقول كلاما مختلفا .. أنت لم تدخل بها حتى الآن !
    - هل أخبرتك ؟
    وبنبرة قوية قالت :
    - لماذا لم تدخل بها حتى الآن ؟..أتظن بأن الفتاة تركت منزل والديها وتزوجتك لتتجاهلها ولا تسأل عنها فشلتنا .
    تنهد وسكت لأنه لا يجد ما يقوله فغيرت أمه نبرة صوتها وقالت له آمرة :
    - الليلة كل الأمور ستتغير وغدا صباحا سأتصل بريم لأطمأن .
    تأفف وطلب منها أن لا تتدخل في أموره الخاصة . غضبت منه وقالت :
    - ما تفعله مهزله .. ما الذي يحدث لك ولماذا لا تصارحني ؟ .. كن لطيفا مع زوجتك والحب سيأتي تدريجيا .
    - أنا لا أشعر بأي شيء تجاهها .
    - لم يكن والدك يذوب تحت قدمي عندما تزوجنا ولكن الأمور تغيرت مع الوقت .. أذهب لزوجتك الآن وعاملها بلطف ولا تكن جلفا وغليظا .
    سكت للحظات ثم قال :
    - لا أستطيع فعل شيء لا أشعر به.
    وبصرامة قالت :
    - معظم الرجال يفعلون ولا يشعرون .
    سكتت للحظات وعينيها السوداويين تحدق بعينيه :
    - لا أريد لقصتك مع سوسن أن تتكرر .. تلك كانت قبل الزواج أمام الناس والأمر مختلف .
    وأكملت بحدة :
    - إذا أخبرتني ريم غدا بأنك لم تدخل بها فسأخبر والدك وعندها ستصبح مهزلة أمام الجميع وربما تخبر ريم والديها .. فماذا سيقولون عنك .. هل فهمتني ؟

    خرج عماد من منزل والديه عائدا لمنزله . لم يكن يريد الذهاب مباشرة فأخذ جولة سريعة في شارع القدس المليء بالمحلات ومراكز التجميل واستوديوهات التصوير النسائية. مر بالمجمع التجاري وتذكر لقاءاته بكاميليا . أنعطف يسارا وعبر شارع الملك عبد العزيز المزدحم والمعروف بشارع المطاعم وأمضى بعض الوقت وهو يفكر في ريم . كان عابسا ولكنه ضحك رغما عنه عندما التقى بالفتى الأبله الذي طلب منه ريالا فأعطاه عشرة ولم يقبلها فهو لا يريد إلا ريالا واحد . مشى عنه وذهب لمنزله وجد ريم جالسة في الصالة تشاهد التلفزيون . أراد أن يوبخها لحديثها مع أمه ولكنه تراجع ، ولأول مرة أحس بأنه يظلمها فهي لا ذنب لها بهاجسه بامرأة يحبها ولم تكن له . جلس بالقرب منها وقال لها بابتسامة :
    - ما رأيك لو نذهب إلى السوق الآن .. وبعدها نتسحر في أحد المطاعم .

    ردحذف
  61. ابتسمت وقالت بلطف :
    - لا مانع لدي ..أود الخروج معك .
    أمسك بيدها وقربها لشفتيه وطبع عليها قبلة وطلب منها أن تستعد . ظلت في مكانها غير مصدقة فسألته :
    - هل أنت متأكد ؟.. فهذه المرة الأولى التي تدعوني فيها إلى الخروج .
    اقترب منها أكثر ونفذت لأنفه رائحة عطرها وقال لها :
    - طبعا متأكد .. قد أكون قليل الكلام ولا أعبر عن مشاعري ولكني لست سيئا .. أصبري علي قليلا .
    نهضت وهي تمسك بيده ، وبدت له جميلة ومثيرة فأحاطها بذراعه وطبع قبلة أخرى على خدها ، لم يشعر بنفسه إلا وشفتيه تبحثان عن شفتيها . قبلها وهي مازالت تحت تأثير الصدمة من تغيره المفاجئ فلقد كانت بين يديه لأسبوعين ولم يفكر بالاقتراب منها برغم كل الذي بذلته في إغراءه . أمسك بيدها وذهبا سويا لغرفة نومهما ولم يذهبا إلى السوق .

    *****

    عادت كاميليا من منزل خالها ليلا بعد أن قضت مع ناهد وقتا طويلا في الحديث وأعطتها الهمسة الثانية التي سترسلها لعماد . ذهبت إلى المطبخ مباشرة وأخذت كأسا كبيرا وضعت فيه عددا من مكعبات الثلج وملأته بالكولا ، وعندما همت بالخروج جاءتها الخادمة وهي مرتبكة وخائفة ، أخبرتها بأن ناصر جاءها في غرفتها وأراد الجلوس والحديث معها . تذكرت أن اليوم الثلاثاء وهو موعد عودة ناصر من عمله . سألت الخادمة عنه فأخبرتها بأنه خرج من المنزل . توجهت لغرفتها وألقت عباءتها جانبا . جلست على السرير تشرب الكولا وأفكارها المتطايرة تقلقها . فكرت فيما قالته الخادمة عن ناصر ، وبسرعة أنتقل تفكيرها لعماد وكأن المقارنة تفرض نفسها عليها . شهرين مضيا منذ أخر مرة رآته فيها في ليلة زواجه . شغلت نفسها بقراءة المجلات وقطع دخول ناصر خلوتها ، أقترب منها وقال بابتسامة أرعبتها :
    - لدي حبوب جيدة وسأبتلع واحدة الآن لكي ...
    ابتعدت عنه وراقبته وهو يخرج من جيبه حبة زرقاء صغيرة ابتلعها وقال لها :
    - سيبدأ مفعولها بعد نصف ساعة وس...
    قاطعته قائلة :
    - أدلف عن وجهي .. لقد أتعبتني بمحاولاتك الفاشلة .
    - لن أبتعد فأنتِ من حقي ..أنتِ زوجتي .
    وشدها من يدها وراح يرعبها من جديد وقاومت كالعادة وما لبثت أن استسلمت بعد مدة وجيزة . بكت وهي تراه ينهض من السرير ويخرج بعد أن تكررت هزائمه أمامها ولم تنفعه الحبة التي جلبها .

    ردحذف
  62. الفصل 28

    أمطرت سماء عينيها العسليتين وهي مستلقية على سريرها وناصر بجانبها . نام بعد أن أرهبها بصراخه واتهاماته بأنها السبب في فشله ، وتجرأ وضربها هذه المرة . بكت بمرارة وتذكرت عماد وقسوته عليها يوم ذهبت لزيارته . ليتها لم تذهب ولم تذل نفسها أمامه .أحست بالندم والألم وهو يأكل روحها ويتعبها وأثر الضربة القوية التي وجهها ناصر تؤلم كتفها تمنت لو تخنقه وهو نائم وتتخلص منه لكنها لم ترد ارتباك حماقة فخرجت من الغرفة بدموعها وبكائها . جلست على إحدى الكنبات تعبث بجهاز الكمبيوتر المحمول الذي تستخدمه نادرا وهي تفكر بترك المنزل بعدما حدث والذهاب لمنزل والديها ولكنها أيقنت بأن والدها سيعيدها رغما عنها . لم تكن تذهب لمنزل والدها كثيرا لإحساسها بأنه خرجت منه بإذلال وذهبت لتعيش مع ناصر رغما عنها . شعرت بكآبة وحزن عميقين ، وفكرت بزيارة طبيب نفسي أو استخدام أي دواء قد يريحها مما تعانيه وأخيرا غفت على الكنبة بعد أن قضت ليلة حزينة واستيقظت وهي تفكر به .

    *********

    كان عماد يقود سيارته متوجها لمزرعته بعد عودته من الشركة مباشرة فزوجته ستبقى في المستشفى مناوبة لأربع وعشرون ساعة ، كان يسير بسيارته بمحاذاة شاطئ الخليج في سيهات يستمع لفيروز تغني ...

    " ع هدير البوسطة الكانت ناقلتنا
    من ضيعة حملايا على ضيعة تنورين
    تذكرتك يا عليا وتذكرت عيونك
    يخرب بيت عيونك يا عليا شو حلوين "

    وصل إلى القطيف وسلك الطريق المؤدية إلى المزرعة بسمائها الصافية التي تزينها الطيور البرية . دخل إلى الاستراحة بدل ملابسه ووضع القبعة على رأسه واتجه مباشرة إلى إسطبل الخيول . سرج خيله وركبها وراح يمشي ببطء ونسمات الهواء الجافة تداعبه والشمس توشك على الغروب لتأذن بحلول الظلام . صلى المغرب واستلقى على الأرض وهو يشعر بالراحة لوجوده وحده ، لا يعكر صفوه أحد وهو في حالة هدوء وتصالح مع نفسه ، وعندما اتصلت به ريم لم يجبها رغم اتصالها المتكرر .

    *******

    عادت ريم من المستشفى صباح اليوم التالي منهكة بعد انتهاء مناوبتها الحافلة بالكثير من العمل وعدد كبير من الولادات في الليل . لم تجد عماد في البيت ولا نائما في سريره ، فاستحمت واتصلت به عدة مرات لم يرد عليها . شعرت بالغضب فهي لا تعرف عنه شيئا منذ الأمس وإحساسها يخبرها بأنه يتعمد تجاهلها . ارتدت عباءتها وأمرت السائق بالتوجه لمنزل والديها . ذهبت بدموعها وغضبها واستياءها من زوجها الذي لا يهتم بها وهم في الأشهر الأولى لزواجهما ، كم هي بداية تنبئها بحياة باردة وتعيسة وخالية من الحب والعاطفة . تمنت لو تعرف ما الذي يشغله عنها ولماذا يتجاهلها . لم تعلم بأنه يعيش بأفكاره وذكرياته مع امرأة أخرى . لم تتمنى شيئا كما تمنت أن تفتح قلبه وترى ما فيه فربما تفهم أسباب بعده وبروده . لو فتحت قلبه لوجدت كاميليا مستلقية بأريحية وهدوء . وكما هي تعيش في عذاب من جراء تجاهل زوجها فحبيبته تعيش عذاب أيضا . هم الثلاثة يشتركون في عذاب واحد . وجدت أمها في المطبخ ، وسرعان ما هبت لها عندما رأتها تدخل بدموعها . بكت على كتف أمها بحرقة وهي تقول :
    - لا أعرف عنه شيئا منذ الأمس .. هو لا يهتم لأمري ولا يحبني .. اتصلت به عدة مرات ولم يكلف نفسه عناء الإجابة علي كما أنه نام خارج المنزل .
    - ألم تتحسن طريقته في التعامل معك .
    - هو لا يعرف عني شيئا .. نحن نعيش كغرباء في بيت واحد .. ولا يتذكرني إلا في غرفة النوم .
    رن هاتفها الجوال كان المتصل عماد فآثرت عدم الرد عليه لكن أمها طلبت منها إجابته ، فردت على مضض :
    - آلو .. أين كنت منذ الأمس .. ولماذا لا ترد على اتصالاتي ؟
    - أنا في المزرعة وسأعود بعد آذان المغرب .. هل عدت من المستشفى ؟
    - عدت قبل قليل وأنا في منزل والدي .. وعندما تعود من المزرعة تعال هنا لنتفاهم .
    أغلقت الهاتف وراحت تمسح دموعها وهي تقول لأمها :
    - لماذا تزوجني إذا كان لا يريدني ؟ .. أنا السبب رفضت الذي يحبني وتزوجت من لا يحبني .
    اقترحت عليها أمها الذهاب لامرأة مكشوف عنها الحجاب لتعرف سبب جفاء زوجها ، فقالت لها :
    - لن أذاهب لأي مكان فهذا ما كان ينقصني .. أذهب للمشعوذين ليحلوا مشاكلي الزوجية .
    - أم يوسف ليست مشعوذة .. هي ستقرأ القرآن الكريم وستقول لنا عن السبب الذي يجعل عماد بعيدا عنها .
    شعورها باليأس جعلها تردد فقالت :
    - أنا الدكتورة ريم أذهب للمشعوذات وأرى لماذا زوجي لا يحبني .

    ردحذف
  63. وافقت ريم بعد أن أقنعتها أمها بأنها لن تخسر شيئا ولن يتعرف عليها أحد ، وذهبت معها بالسيارة إلى المنزل تلك المرأة الكائن في أحد أحياء " حلة محيش " القديمة والمتهالكة . توقفت السيارة في بداية الشارع الضيق ومشيا بسرعة متجهين لمنزل أم يوسف . كانت ريم خائفة وهي تنظر إلى البيت القديم الذي توقفت أمها عند بابه ، بدا مخيفا ورائحة كريهة تنبعث منه . رفضت الدخول وأرادت العودة إلى السيارة لكن أمها أمسكت يدها بقوة ودخلت بصحبتها . جلسا في الصالة حيث تجلس عدد من النسوة المنقبات ، وكل واحدة تدخل لغرفة أم يوسف حسب دورها . تفاجئت ريم من وجود عدد من الفتيات الصغيرات يخرجن من غرفة أم يوسف . وجاء دور ريم فدخلت مع أمها إلى الغرفة ووجدت أم يوسف مختلفة عن الصورة التي رسمتها لها . وجدتها امرأة تبدو في الأربعين من العمر ، وتجلس على مكتب وأمامها مصحف كبير وعدد من الأوراق البيضاء ودفتر صغير وجهاز كمبيوتر . قالت أم يوسف :
    - أنا لا أستقبل سوى الحالات الطارئة يومي الخميس والجمعة .. من منكما بحاجة للمساعدة .
    أجابت أم عصام :
    - ابنتي .. تزوجت من قريبها منذ عدة أشهر لكنه لا يهتم بها ويتجاهلها .. هو بعيد عنها ويعيشان كغريبين في بيت واحد .
    - ما هو أسم ابنتك ؟.
    - ريم بنت نورة .. وزوجها عماد ابن سميرة .
    كتبت المرأة الأسماء على الورقة وفتحت القرآن الكريم وقالت :
    - سورة الطور . وسكتت للحظات ومن ثم سألت ريم :
    - هل كنت تريدين الزواج بآخر ؟.. أو مترددة بينه وبين آخر .
    سكتت ريم مندهشة من الكلام المرآة وأجابت أمها نيابة عنها :
    - تقدم لها عماد وشخص آخر في الوقت ذاته .. وابنتي ترددت ومن ثم اختارت عماد .. وهي تشكو من تجاهله لها من خطوبتها وحتى الآن وهو لم يتغير .
    - يبدو لي بأن فتاة من عائلة زوجك تريد الزواج به ولذا عملت له عملا ليصده عنك ، وأسمها من أربعة أحرف.
    أجابت أم عصام :
    - من أين جاءت هذه الفتاة .. في عائلته لا توجد بها فتاة غير متزوجة سوى أخته .
    أطرقت المرآة مفكرة ثم قالت :
    - إذا عماد يعرف امرأة من خارج البلاد وهي من عملت له العمل .. ولدي علاج مناسب لمثل هذه الحالة .. والعلاج يبدأ بألف وخمسمائة ريال .
    أخرجت نورة من حقيبتها ثلاثمائة ريال وأعطتهم للمرأة وعادتا إلى المنزل جلستا في الصالة وقالت ريم لأمها :
    - إنها كاذبة .. وغير موضوع ترددي بين عماد وعادل لم تنطق بكلمة صحيحة .. وأي فتاة هذه التي تريد الزواج بعماد؟. كما أنه لا يسافر إلى الخارج وحده .. هذه المرأة محتالة .. كيف وافقتك على الذهاب لها .
    بقيت ريم مع أمها تنتظر عودة عماد لترى ما ستفعله معه . أقنعتها أمها أن لا تتحدث معه إلا في بيتهما ، وعندما جاء أصطحبها إلى المنزل وهو يعرف بأن شجارا ينتظره . جلسا في الزاوية الفرنسية . ظلت ريم صامتة ومستاءة وهو لا يعرف كيف يبدأ بالحديث معها ، فقال لها بأنه قضى وقتا ممتعا في المزرعة ودعاها للذهاب عصر الغد ، فردت عليه بحدة بأنها لا تريد الذهاب معه لأي مكان . وسألها ببرود :
    - ولماذا أنت غاضبة ؟
    اقتربت نحوه وأجابته وقد أغاظتها لا مبالاته :
    - لأنك ذهبت إلى المزرعة ونمت هناك ولم تكلف نفسك عناء إخباري .. كنت أتصل بك ولا تجيبني . تأفف وقال لها بضيق :
    - لديك مناوبة في المستشفى فماذا تريد مني ؟
    فاجأته بسؤالها والدموع أندت عينيها :
    - لماذا تزوجتني يا عماد ؟
    كررت عليه السؤال مرة أخرى وسكت وهو يتأمل وجهها وهو يحمر . بلع ريقه وقال لها بهدوء محاولا التملص من الإجابة :
    - ولماذا يتزوج الناس ؟!
    كانت على وشك البكاء عندما صرخت :
    - يتزوجون ليحبوا بعضهم ويعيشوا بهناء واستقرار ويكونوا عائلة جديدة .. لا ليتجاهل الزوج زوجته ويدير لها ظهره .. لم أتخيل بأني سأعيش معك حياة زوجية تعيسة كحياتي هذه .
    كان مصدوما من كلامها فسألها :
    - وهل أنت تعيسة معي ؟
    - نعم .. وهذا البيت الكبير ولوحات الرسام الإيطالي الذي أعطيته الآلاف لا تعنيني .. أنا أحب الرفاهية لكني أفضل السعادة عليها .. منذ خطوبتنا وأنا لأشعر بغير الغم والكآبة .
    وبكت بقوة وهي تقول له :
    - لماذا تتجاهلني .. ولماذا تزوجتني إذا كنت لا تريدني ؟.. لو تزوجت بابن عمي عادل الذي يحبني بصدق لحاول أن يسعدني بأي ثمن .
    نهض من مقعده وقال لها بدهشة :
    - وهل أنت نادمة على زواجك بي ؟
    - الناس يحسدوني على زواجي بك وهم لا يعرفون طبيعة الحياة التي أعيشها معك .
    فرك جبينه بأصبعه وقال :
    - كلامك قاس جدا .
    - وأنا تعبت منك يا عماد .. أنا لا أفهمك أبدا ..أنت دائما ..
    أرادت أن تكمل فأشار لها بيده وطلب منها أن تتوقف عن الكلام فيكفيه ما سمعه . صرخت في وجهه مجددا مستنكرة رفضه للحوار معها ، فهو لا يريد مواجهتها أو مصارحتها .. أخذ مفاتيح سيارته وخرج .. تركها تبكي وتندب حظها الذي جعلها تترك عادل الذي تعرف بأنه يحبها منذ سنوات وتحمل رفضها وطلبها للزواج عدة مرات .

    ردحذف
  64. عادت كاميليا إلى منزلها بعد نهار قضته مع صديقتها في التسوق والعشاء خارجا عن منزلها ومشاكله . أمضت وقتا ممتعا معهما خاصة بعد أن أخبرها ناصر بأن سيسهر مع أصحابه ولن يعود مبكرا . كانت تعرف بأنه لن يعود قبل شروق الشمس كعادته كل ليلة جمعة فهو يجتمع مع أصدقاءه في الخبر كما يخبرها ، وفي الشقة المشبوهة كما أخبرتها ناهد . يقضي وقته معهم في لعب الورق والشرب الذي يصل إلى السكر أحيانا .توجهت مباشرة إلى المطبخ وأخرجت من حقيبتها الدواء العشبي الذي أشترته لمعالجة الكآبة وابتلعت حبة وشربت رشفة من الماء .سكبت لها كأسا من الكولا ووضعت به عدد من مكعبات الثلج وهمت بالخروج عندما سمعت صوت ناصر وهو يضحك بصوت مرتفع وغرفة الخادمة هي مصدر الصوت . شعرت بقلبها ينقبض بقوة فخرجت من المطبخ بخفة وأطلت من النافذة لتتحقق من وجود سيارته ، فوجدتها قابعة تحت المظلة فهي لم تنتبه لوجودها عندما دخلت .عادت إلى المطبخ مرة أخرى ووضعت يدها على مقبض الباب بتردد ، وعندما فتحته وجدت ناصر مستلقي على بطنه والخادمة تدلك ظهره العاري . شهقت ونهض هو أمامها ، ظلت ساكتة للحظات ..ثم بصقت في وجهه وخرجت ودموعها تسيل بحرارة على خديها . لحق بها وهي تستعد للخروج ، أمسك بيدها وقال :
    - دعيني أشرح لك ما حدث
    صرخت فيه :
    - وماذا تشرح ؟ .. رأيتك بعيني ولم يخبرني أحد ..أيها السافل ..أنت لا تتوب ولا يمكن أن تتغير .. لن أبقى في هذا المنزل دقيقة واحدة .. وستطلقني رغما عنك يا نذل يا منحط .
    ضحك وقال :
    - قبل أن تخرجي عليك أن تعرفي بأني رجل .. وفشلت معك أنت فقط لأنك باردة وحتى العلاج لا ينفع معك .. لكني نجحت مع الخادمة عدة مرات .
    بصقت في وجهه وخرجت من المنزل . كانت تبكي وتنتحب بقوة والسائق يتوجه إلى منزل والديها في منتصف الليل . طرقت الباب ودخلت ببكائها ودموعها وصدمتها . ألقت بنفسها بين ذراعي أمها أمام استغراب والدها وأختيها . بكت كما لم تبك من قبل ، كانت تحس بالذل والمهانة رغم كرهها لزوجها الذي تزوجته رغما عنها ، إلا أ الخيانة جارحة . سقطت أرضا وغابت عن الوعي بدون أن يعرف والديها سبب حالتها المريعة .

    استفاقت وهي على سرير الطوارئ بالمستشفى . كانت شاحبة ومتعبة والمحلول السائل مغروز في وريدها ، تشعر بالألم من وخز الإبر المهدئة . وجدت والديها حولها يسألانها عما حصل وخصوصا أن ناصر لم يجب عندما حاول والدها الاتصال به . بكت بمرارة أحرقت قلب أمها ، وقالت بألم وانكسار وعينيها تائهتين لا تنظران لشيء :
    - هذا من أرغمتني على الزواج به يا أبي .. وجدته عاريا في غرفة الخادمة وهي تدلك ظهره .. وأخبرني بنفسه بأنه أقام علاقة معها عدة مرات .
    وانتحبت مجددا وأمها تشاركها دموعها ، فقبلت جبينها وطلبت منها أن تهدأ حتى يجدوا حلا مع ناصر . قالت لوالدها بصوت متهدج معاتبة :
    - هذا الذي سيصونني وسيحافظ علي .. لن أرجع إليه وأريده أن يطلقني .
    - لا تتعبي نفسك .. فوراءك رجال ليأخذوا حقك .. كوني هادئة وأنا سأتفاهم معه .
    عادت كاميليا بصحبة والديها من المستشفى فجرا واستلقت على سريرها الخالي في غرفتها الزهرية ، وأحسته مشتاقا لها ولأحلامها ولذكرياتها . ظلت تبكي بصمت وذكريات الأيام الحزينة التي قضتها في هذه الغرفة تطفو على سطح ذاكرتها . تذكرت كيف اعتصمت عدة أيام لا تخرج ولا تأكل لتعبر عن موقفها من هذا الزواج ، وكيف طرأت فكرة الهروب والاختفاء لثلاثة أيام على بالها وذهبت لعماد وأخبرته ، وكيف أهانها وأذلها وطردها من بيته . تنهدت بحرقة وألم وهي تفكر به .

    ردحذف
  65. استيقظت ظهر الجمعة وهي تشعر بوهن وألم في رأسها وعينيها من كثرة البكاء . طلبت من أختها كوبا من الشاي ، فأحضرته لها مع ساندويتشا وطلبت منها أن تأكله . قضمت قضمة صغيرة بلا شهية وشربت الشاي ، جاءت أمها وضمتها إليها وقالت له بحنان بالغ :
    - جاء ناصر قبل قليل وهو في المجلس يتحدث مع والدك .. عليك إخباري بكل شيء لأذهب وأواجهه أمام والدك .
    التفتت كاميليا لأختها شذى ، فطلبت منها أمها الخروج وبقيتا لوحدهما وقالت بألم ودموعها تسبقها :
    - أخبرتني الخادمة مرة أنه طلب الجلوس معها للحديث وهي رفضت .. والبارحة سمعت صوت ضحكاته وفاجأته في غرفتها .. بعدها قال لي بأنه أقام معها علاقة عدة مرات وكان ناجحا .. كما أنني السبب فشله معي واتهمني بالبرود .
    - ولماذا يتهمك بالبرود .. ألم يدخل بك منذ زواجكما ؟
    هزت رأسها بخجل وقالت :
    - لا .. كان يفشل دائما في ..

    كانت محرجة فهي لم تتكلم مع أمها في هذه الموضوعات يوما وسكتت للحظات ثم قالت :
    - كان يوبخني ويسخر مني كل مرة .. وهددني بأن يقطع لساني إذا تكلمت لأحد .. كنت فرحة بهذا واشكر ربي فأنا أبغضه بشدة .. وفي الآونة الأخير صار يغضب ويعنفني بقسوة وتجرأ وضربني في آخر مرة .. وأنا أتحمل لأني لا أريده أن يمسني .
    طرق الباب وكان والدها هو الآتي . دخل وأقفل الباب وقال لزوجته بأن ناصر خرج فسألته بحدة :
    - وماذا يريد ؟
    - يشرح سوء الفهم الذي حصل بينه وبين كاميليا .. وهو يقول أن الأمر لم يتجاوز تدليك الظهر .. وأنه حاول إغاظة كاميليا فقط بكلامه .
    قالت كاميليا لوالدها ودموعها تتدفق بغزارة من عينيها وتغرق وجهها :
    - لا أريده وعليه أن يطلقني ... يكفي ما عانيته معه خلال الأشهر الماضية .
    أنتفض الأب وقال :
    - الطلاق أبغض الحلال وهو ليس حلا أبدا .. أتريدين أن تصبحي مثل ابنة خالك التي تطلقت وها هي تدور على حلّ شعرها .
    تهدج صوتها وهي تقول :
    - لن أرجع إليه بعد الذي فعله .. أم أنك ترى ما فعله قليل بحقي ؟
    - هو لم يرتكب كبيرة ... وبالنسبة للخادمة طلبت منه أن يسفرها .. وعليك أن تسامحي زوجك إذا أخطأ .
    ترجته أن لا يجبرها على العودة إليه وأن لا يظلمها مرة أخرى . فخفف من حدة كلامه وقال :
    - وهل تعتقدين بأني أقبل بظلمك .. سأجعل ناصر يعتذر منك أمامي وأمام أبوه أيضا .
    أجهشت بالبكاء وخبأت رأسها بين ذراعي أمها وهي تقول :
    - أريد الطلاق .. لن أرجع إلى ذلك البيت المشئوم .
    غضب والدها من تكرارها طلب الطلاق فقال لها بصوت مرتفع :
    - الطلاق طعن لنا ولشرفنا ولسمعتنا .. هل ترضين لنا ذلك ؟.. كوني عاقلة وأنا سآخذ منه تعهدا بعدم إغضابك والحياة الزوجية تحتاج إلى الكثير من الصبر .
    وتدخلت الأم قائلة :
    - وأي علاقة زوجية هذه التي تتحدث عنها .. هو لم يتمكن من الدخول بها حتى الآن .. لا بد أنه مريض .. دعهما يطلقان بالمعروف وكفى ما حصل .
    - لا تحلمي بالطلاق مادمت حيا .. لقد قال لي بأنها دلكت ظهره فقط ولم يتطور الأمر .. وسأدعه يعتذر منك وانتهينا وكفى تضخيما للأمور .. وعلى المرأة أن تصبر على زوجها .

    ردحذف
  66. الفصل 29


    أقلعت الطائرة من مطار دبي مساء الأحد عائدة إلى الدمام . أطفأت الأنوار وأمسك عماد بيد ريم الجالسة بجوار النافذة ومسندة رأسها على كتفه ، قال لها بلطف وهي تتفحص وجهه :
    - أتمنى أن تكون هذه الرحلة القصيرة أسعدتك .
    ابتسمت وهمست له بأن اهتمامه بها هو ما يسعدها ، فابتسم ووعدها بأن يكرر الرحلة بين وقت وأخر ليشاهدا الأفلام ويتنزها ويتسوقا كما فعلا هذه المرة . وصلا إلى القطيف قبل أن ينتصف الليل . كانت ريم سعيدة لأنها قضت يومين كاملين بصحبة زوجها ، وسرعان ما بدلت ملابسها وارتدت قميص نوم جديد أشترته من دبي ونامت بين ذراعيه .

    ذهبت إلى مستشفى القطيف المركزي حيث تعمل وهي ممتلئة بالنشاط والحيوية وتوجهت مباشرة لغرفة الولادة فأخبرتها رئيسة الممرضات بعدم وجود أي مريضة بعد . تناولت إفطارها في الكافتيريا بسرعة ، ثم توجهت للمختبر لإجراء تحليلا لكشف الحمل . كانت متشوقة لتصبح حاملا بسرعة خاصة بعد أن انتظمت علاقتها بزوجها مؤخرا فأصبحت تجري التحليل دوريا . ربطت الممرضة الرباط المطاط حول يدها ومسحت المنطقة بمسحة طبية وغرزت أبرتها في وريدها وملأتها بالدم وطلبت من ريم العودة بعد نصف ساعة لمعرفة النتيجة . وعندما انتهى دوامها الذي أحسته طويلا عادت للبيت تنتظر زوجها على أحر من الجمر .
    بدل عماد ملابسه بعد عودته من الشركة وتوجه إلى الصالة مباشرة بناء على طلب ريم ، فهي تريد أن تخبره أمرا هاما . وجدها واقفة أمام الجدار المغطى بالمرايا تنظر لنفسها والابتسامة تعلو وجهها . وضعت يدها على بطنها وقالت والسعادة تغمرها :
    - أنا حامل .. لقد أجريت الاختبار اليوم والنتيجة إيجابية .. وسأحجز لي موعدا مع طبيبة مختصة تعمل في مستشفى خاص لأتابع معها .
    سكت مندهشا وأصابعه تفرك جبينه ، لم يكن متوقعا بأن اليوم الذي يصبح فيه أبا سيأتي . سيصبح أبا وكاميليا التي حلم بها أما لأولاده ليست أم هذا الطفل ، قال لها بجمود ضايقها :
    - مبروك .. لا تجهدي نفسك في العمل .
    جلس على أول كنبة صادفته وأمسك الجريدة ليغطي بها وجهه المرتسمة عليه ملامح الصدمة . كان مذهولا ومشتتا بسبب خبر قدوم طفله إلى الحياة . لم يكن مستوعبا للمرحلة القادمة ، فهو سيصبح أبا ومسئولا عن زوجة وطفل . قرأ عناوين الصفحة الرئيسية والسياسية والمحلية ، ووصل إلى الصفحة الثقافية . أحس بألم يعتصر قلبه عندما رأى زاوية همسات من قلبي موجودة هذا الأسبوع ..

    ردحذف
  67. " أتذكر ..
    أتذكر عندما كان الهوى في القلب سلطانا
    وأنا في قلبك الملكة ولا أرضى عن نبضك مكانا
    أتذكر . .عندما كنا نتقاسم الأحلام
    ووعدتني لن تفرق بيننا الأيام
    أتذكر عندما كانت أمواج عينيك تغرقني
    أتذكر عندما كنت بالهمس
    تحدثني .. تقبلني .. تعانقني
    أتذكر أننا يوما تعاهدنا
    فأين العهد ؟
    و توجتني على قلبك الملكة
    فأين التاج ؟.. وأين العرش ؟
    أين الحب والأحلام ؟!
    ووعود الهوى والكلام ؟
    أم أنك لم تعد تذكر ..


    كاميليا الناصر
    الرسالة الثانية .. والباقية تأتي

    ****
    وقفت كاميليا أمام زوجها والديها بجانبها وعمها جالس يراقب ما يحدث بصمت . كانت تبكي ورأسها منكسة بانكسار وذل . أرغمها والدها على العودة إليه كما أرغمها على الزواج به ، لم ينفعها بكاؤها ولا دموعها ولا اعتراضها . لم يشأ والدها أن تصبح مطلقة الآن وتسيء إلى شرف عائلته . فشرف العائلة بالنسبة له أهم بكثير من سعادة أو شقاء ابنته . اقترب منها ناصر وقبل رأسها واعتذر منها أمام الجميع . قال لها وهي واقفة والدموع تفيض من عينيها :
    - أنا آسف .. وأعدك بأن لا يبدر مني ما يزعجك .. دعينا نعود لمنزلنا .
    قالت بقهر :
    - سأذهب معك مجبرة كما كنت مجبرة على الزواج بك .
    خرجت معه وإحساس بالكراهية يعصر قلبها ، تكره نفسها وزوجها والدها الذي يجبرها على الرجوع إليه برغم ما بدر منه وبرغم ما أخبرته عن تصرفاته المشينة . شعورها بالكراهية لنفسها جعلها تعد نفسها أن لا تعود لمنزل والدها مهما حصل بينها وبين ناصر فلن تتحمل الإهانة المريرة كما تتحمل الآن ووالدها يعيدها لناصر ليفعل بها ما يشاء بدون أن يرحمها .

    ****

    خرج عماد من الشركة عائدا لمنزله ولكن اتصال والده جعله يغير مساره فذهب لرؤيته في مكتبه ، وتفاجأ عندما وجد عمه وفيصل موجودين أيضا فهم معتادين على التجمع ليلا . قال له عمه بأنهم يجتمعون من أجل مناقشة انتخابات المجلس البلدي التي ستتم للمرة الأولى في المملكة ، ووجود أحد أفراد عائلة الغانم في المجلس أمر مهم يخدم مصالح العائلة ويحمي وجاهتها . عرض أمر الترشيح على فيصل ورفضه في دورته الأولى وأبدى موافقته للترشيح في دورات قادمة تكون فيها مهام المجلس قد اتضحت قليلا . تفاجأ عماد كثيرا عندما أخبره عمه بأنهم يروه المرشح الأنسب لخوض غمار الانتخابات رغم عدم اختلاطه بالناس ، إلا إنهم سيدعمونه بجميع الوسائل ، فاسم العائلة كفيل بتسهيل نصف المهمة كما أنهم سيعدون له حملة دعائية كبيرة وبرنامج فعال يشرف عليه مسئول مختص .
    - لن أترشح في هذه الانتخابات الكوميدية .

    رفض عماد فكرة الانتخابات جملة وتفصيلا . لم يكن يريد دخول البيت السياسي رغم اقتناعه بأن مجلس البلدي عتبة خارجية فقط . فند لأبيه وعمه الأسباب التي تمنعه ، فهو لن يترشح مادام التصويت مقتصرا على الرجال ولا أحقية للنساء وكأنهن مواطنات من الدرجة الثانية فهذا به طعن لثقافته التي يفتخر بأنه أسسها ونسجها بطريقة الخاصة ، إضافة لأسباب أخرى بينها حصر صلاحيات المجلس ، الذي سيعين أعضائه والرجال وحدهم سينتخبون النصف الآخر .

    ردحذف
  68. الفصل 30



    عاد الشتاء من جديد ككل عام .. عاد مثلما كان قبل أن تحبه ويرغمها والدها على الزواج بغيره ، وقبل أن يتزوج هو ويصبح أبا لجنين لم يولد بعد . تقلبت على فراشها وهي تتذكر حديثه لها بأنه يراها شريكة حياته وأما لأولاده . أحست بألم يعتصر روحها وغصة في حلقها ودمعة أحرقت جفنيها وهي تفكر به .
    نهضت كاميليا من سريرها ابتلعت حبة من الدواء الخاص بالكآبة وبكت بحسرة وهو تحسب أيام الفراق منذ أن ذهبت إليه في بيته ذلك اليوم . كم كانت غبية ومتسرعة . كيف جاءت فكرت الهروب في بالها وكأنها تعيش أحداث فيلم هندي . تذكرت نظرات عماد لها وهو يطلب منها الخروج من المنزل . لم تصدق بأن تلك القسوة التي كانت في عينيه هو مصدرها ، لابد أنه كان رجلا آخر وليس الرجل الذي وعدت نفسها بأن يكون لها . تنهدت بقوة تعادل الثمانية الشهور الماضية ، سينتهي العام نفسه والعذاب نفسه والليل نفسه بهمومه وأفكاره ودموعه . فكرت به وتساءلت ، ماذا يفعل في هذا الوقت من الليل .

    كان عماد مستلقيا على سريره يفكر بطفله القادم إلى الحياة . طفل صغير من ريم وثمرة لعلاقة لا يعرف ماذا يطلق عليها . ليست علاقة حب ، وليست علاقة زوجية سوية ، كانت لحظات من المتعة . كان يشعر بأن هذا الطفل غير فيه شيئا ما في قلبه أو روحه . أصبح متضايقا أكثر ومنزعجا وشارد الفكر باستمرار . منذ أن أخبرته ريم بحملها وحتى الآن وهو حزين لأن طفله سيولد ويرى أبويه متباعدين لا يجمعهما شيء غير السكوت والتجاهل والجفاء . أبوين لا يحبان بعضهما ولا بد أنه يشعر بذلك ويسمع شجارهما وصراخهما فعمره الآن ستة أشهر . فكر بكاميليا وهل يستطيع أن يبعدها عن تفكيره ليلة واحدة ؟
    استلقت ريم بجانبه فلم يشعر بها ، كلمته ولم يسمعها ، فسكتت تراقبه وهو يدير لها ظهره . هزت كتفه بقوة وقالت له بنبرة غاضبة :
    - ألا تمل من السكوت ؟.. لماذا تدير لي ظهرك وأنا أكلمك ؟.. لماذا تعاملني بهذه الطريقة ؟ .. يكفي إني صابرة ومتحملة لتصرفاتك البغيضة .
    بلع ريقه وعينيه تركزان النظر في سقف الغرفة ، قال لها :
    - لم أنتبه لك فقد كنت أفكر بأمر ما .
    تأففت وسألته بحدة :
    - ما بك ؟.. و ما الذي يشغلك عني ؟.. أخبرني لأتفهمك وأعذرك .
    - ما أفكر به ليس من شأنك .. فلا تشغلي نفسك بي .
    غضبت منه وصرخت فيه :
    - لماذا أنت جاف هكذا ؟.. هل تعلم بأنني خدعت فيك .. فلطالما كنت بالنسبة لي الزوج المثالي ومنذ الأيام الأولى لزواجنا اكتشفت صورتك الحقيقة .
    تفاجأ مما قالته فلقد ذكرته بكاميليا عندما قالت له ذلك يوم جاءت تطلب منه الهرب . بلع ريقها وسألها :
    - ماذا تقصدين ؟
    - أنت جاف وقاسي حتى جدي لم يعامل جدتي بالطريقة التي تعاملني بها .. منذ زواجنا وأنت لم تجاملني وتقول لي بأنك تحبني مرة واحدة على الأقل .
    حدق بها وقال :
    - أنا لا أكرر هذه الكلمة بمناسبة وبدون مناسبة .. فالحب ليس كلمة رخيصة .
    غضبت من رده وقالت بانفعال :
    - لا أريدك أن ترددها على مسمعي ليلا ونهارا .. مرة واحدة تكفيني .
    تنهد وزم شفتيه وقال لها بحدة :
    - لا تطلبي من أحد أن يقول بأنه يحبك فهذه الكلمة إذا لم تخرج من قلب الإنسان ستكون كذبا ونفاقا تجدينها لدى السفلة واللعوبين والمراهقين .
    غطت نفسها باللحاف وراحت تقول :
    - لا فائدة منك وستبقى هكذا على الدوام .. لدي حل قد يناسبك .
    أنصت لها فأردفت بسخرية :
    - أعرف طبيبا في المستشفى الجامعي وهو مستشار نفسي كبير ربما تفيدك زياراته واستشاراته .
    رفع اللحاف عن وجهها وخاطبها بغضب :
    - أنت مسكينة وأنا لا أود الرد عليك حتى لا أجرح مشاعرك وأنت حامل .
    لم يود إخبارها بأنه يشعر بالندم وتسرعه وتورطه بهذا الزواج الفاشل . نادم بشدة فهما يعانيان وهناك طفل قادم ليعاني معهما . كم يكرهها ويكره هذا الطفل أيضا . نهض من السرير وخرج من الغرفة متوجها لغرفة مكتبه ، وهناك استلقى على الكنبة وأغمض عينيه وتذكر كاميليا عندما قالت له ريم متعجرفة وبغيضة وأخبرته عن الموقف الذي حدث بينهما في زواج أمل . وما أن فتح عينيه حتى وجد ريم أمامه تطلب منه النهوض لينام في غرفتهما . قالت له آمره :
    - هيا أنهض ونم في الغرفة .. لا يعجبني أن تنام هنا .
    صرخ فيها بقوة :
    - أدلفي عن وجهي .. وسأترك لك المنزل بأكمله لترتاحي مني .
    أمسكت يده وقالت بأسف :
    - لم أقصد ما أقوله .. أعذرني يا ابن خالي .
    كان غاضبا منها بعد ما قالته فأبعدها عنه ونهض متوجها لغرفته ولحقت به ، ورأته يبدل ملابسه . سألته باستغراب :
    - وإلى أين تذهب في هذا الوقت ؟
    نظر لها بازدراء وقال لها بأنه ليس مضطرا للإجابة ، فهددته :
    - إذا خرجت الآن فلن تراني حينما تعود .
    صرخ فيها بقوة :
    - أذهبي إلى أي مكان تريدينه .. أذهبي إلى جهنم الحمراء فأنت لا تعنيني .. لعن الله اليوم الذي فكرت بالزواج بك .
    لحقت به وهي تقول :
    - لا تجعل من الحبة قبة فأنا لم أكن أقصد .. أنت تتحين الفرصة لنتشاجر فقط .

    ردحذف
  69. خرج من المنزل وركب سيارته ، مشى لا يعرف إلى أين يذهب فالليل يوشك أن ينتصف . أحس بثورة الغضب تزداد في نفسه وهو يتذكر ما قالته ريم ، كان وحيدا وضائعا لا يعرف إلى أين يذهب . سار في الطريق المؤدية إلى المزرعة ليبتعد عن ريم وعن قلقه وتفكيره وحيرته وندمه . اتصلت به عدة مرات ولم يجبها وأطفأ هاتفه فلم يرد سماع صوتها . دخل الاستراحة وأشعل الأنوار ودخل أحد غرف النوم واستلقى على الفراش وتغطى . أغمض عينيه فهو يريد أن ينام بدون قلق وتفكير وهموم فمنذ سنوات وهو ينام والهموم تشاركه سريره . حاول أن يتذكر يوما واحد نام فيه هادئا . كان ذلك منذ زمن طويل ، قبل أن يرتكب خطأ الزواج بريم وقبل أن يتعرف على كاميليا ويحبها ، وقبل أن يفسخ خطوبته بسوسن ، وقبل أن يموت علاء وتصر والدته على القصاص من قاتله وعدم العفو عنه بالرغم من وساطة كبار رجال القطيف وشيوخها . نام براحة قبل أكثر من خمسة عشر عاما .

    *******

    أستيقظ ظهرا من نومه وهو يشعر بالتعب والضيق وبسرعة تذكر شعوره البارحة وهو يخرج من منزله بعد شجاره مع ريم . عاد إلى منزله ولم يجدها فقد نفذت وعدها، لا بد أنها ذهبت تشتكيه لوالديها وسيصل الأمر بسرعة لأمه وستتصل به وتستدعيه لتناقشه فيما حدث . أستحم بسرعة وارتدى ملابسه وهم بالخروج إلى المطعم لتناول طعام الغذاء . أتصل به ماجد ولم يجبه ، ركب سيارته وتوجه إلى المطعم المجمع التجاري ليتناول الطعام وحده ويستعيد بعضا من ذكرياته مع كاميليا ، فهو لا يريد أن يرى أحدا أو يتحدث مع أحد . يريد أن يبقى وحده ليفكر في حياته الرتيبة وأخطاءه وزوجته وطفله القادم والمرأة التي يحبها ورسائلها له في الجريدة . ترجل من سيارته ونظارته الشمسية تخفي عينيه الغاضبتين وهو يتذكر كلام ريم بشأن الطبيب النفسي . وما أن دخل من بوابة المطعم حتى رن هاتفه الجوال كانت أمه المتصلة تطلب منه زيارتها ، قال لها بأنه سيتناول غذاءه أولا لكنها أصرت على قدومه حالا فهي تريد الحديث معه بشأن هام . لم يشأ مجادلتها ورضخ بسرعة لطلبها ومن يستطيع معارضتها ؟
    عرف بأن ريم أثارت زوبعة بشأن شجارهما البارحة وأن أمه ستوبخه لخروجه من المنزل في وقت متأخر . دخل إلى البيت ووجدها في الصالة تتحدث عبر الهاتف . أنهت مكالمتها ورحبت به عندما جلس بجانبها . اسند رأسه على الأريكة وقال لها وهو مغمض العينين :
    - هل عرفت بأن ريم تركت المنزل ؟
    بلعت ريقها وقالت له وهي تحاول إخفاء استياءها منه:
    - عرفت بأنك تشاجرت معها وتركت المنزل في وقت متأخر من الليل. وأردفت :
    - لماذا تعامل زوجتك وأم طفلك القادم بقسوة ؟
    تنهد وقال :
    - تشاجرنا و..
    قاطعته :
    - ولماذا تركت المنزل ؟.. بعلمي أن المرأة تترك بيت زوجها لا الرجل .
    أجابها بغضب :
    - لم أتحمل تصرفاتها وكلامها البارحة .. لو لم أخرج من البيت لربما فقدت أعصابي وضربتها .. هي متعجرفة وبغيضة ومغرورة وتظن أنها قدمت تضحية لزواجها مني ورفضها لابن عمها .. ليتها تزوجته وتفاديت حدوث أكبر خطأ في حياتي .
    سكت للحظات وأكمل يقول لأمه بأنه لا يطيق ريم ولا يتحمل تصرفاتها البتة . كانت أمه تخشى أن يقدم على طلاق زوجته فأمسكت بيده وقالت :
    - ريم هي زوجة العمر وكلامك غير مقبول بالمرة وعليك أن تذهب لتصالحها حتى لو كانت هي المخطئة .
    رفض الذهاب لمصالحتها فهي خرجت من المنزل وحدها وعليها أن تعود وحدها لكنها حدقت به بعينيها القويتين وقالت له بحدة :
    - ريم ليست لعبة لتتركها في بيت والدها ولا تسأل عنها .. أذهب إلى محل المجوهرات وأشتري لها خاتما ماسيا أو ساعة وأذهب لتصالحها ولا تدع الموضوع يكبر .
    رن هاتفها الجوال وانزعاج عندما رأى اسم عمته نورة ، فلم يرد عليها وقال لأمه :
    - لقد اتصلت عمتي الآن .. وهذا ما كان ينقصني .
    طلب منه أن يرد عليها فقال لها بصراحة بأنه لن يذهب لمصالحة ريم وسيدعها تبقى لعدة أيام في منزل والديها ليرتاح منها وتهدأ نفسه ثم يذهب إليها ويتفاهمان . أعادت عمته الاتصال ولم يرد عليها ، وقال لأمه :
    - لابد أن ريم هي من تحثها على الاتصال بي وإزعاجي .
    أرغمته أمه على الرد فأجاب على مضض وتفاجأ بعمته تبكي وهي تخبره بأن ريم مصابة بآلام شديدة في بطنها وظهرها مشابهة لآلام الولادة وهم في طريقهم إلى المستشفى الخاص بالخبر لأنها تتابع حملها هناك . سكت بجمود وعينيه مفتوحتين وانسحب الدم من وجهه وقال لأمه :
    - سينقلونها إلى المستشفى .. كيف تلد الآن وقد أكملت الشهر السادس منذ أسبوع فقط ؟
    طمأنته أمه بأنها قد تكون آلام الولادة الكاذبة وأصابتها بسبب التوتر والإرهاق . قاد سيارته بسرعة وهو يفكر بريم وبالطفل وأمه تحاول تهدئته . أحس بالخوف عليهما ودعا الله أن لا يصيبها مكروه . وصل إلى المستشفى ودخل بسرعة من بوابة الطوارئ ووجد عمته وزوجها خارجا . سألهما عن ريم فرد زوج عمته بوجه عابس بأنها في غرفة الطوارئ والطبيبة تفحصها . سكت لا يعرف ماذا يقول ودعا الله أن ينجي ريم وطفله من أي أذى .

    ردحذف
  70. وبعد لحظات خرجت الممرضة وبيدها ورقة وتسأل :
    - من هو زوج ريم ؟
    أجاب عماد بقلق :
    - أنا .. هل ريم بخير ؟
    طلبت منه التوقيع بالموافقة على لإجراء عملية جراحية لزوجته في حال الحاجة فسألها بخوف :
    - ما الذي يحدث لها ؟ هل هي بخير ؟
    - لديها أعراض ولادة مبكرة .. وسنحاول قدر الإمكان تجنب ذلك فالجنين صغير جدا .
    أحس بقلبه ينقبض وهو يرى عمته تبكي ، وزوج عمته يتحسب على من كان السبب بصوت مرتفع ، وأمه تطلب منه التوقيع بسرعة . وقع على الورقة وهو في حالة الذهول ، فالطفل يخرج إلى الدنيا الآن وقبل أوانه وسيرى والديه متباعدين ومتخاصمين . في غصون لحظات خرجت الممرضات ريم من غرفة الطوارئ ووجها أصفر وهي تصرخ من الألم والمحلول السائل يجري في وريدها . أخذوها بسرعة إلى غرفة الولادة وخرجت الطبيبة وراءها بسرعة .
    لحقوا بها وجلسوا في المقاعد المقابلة لغرفة الولادة ينتظرون والجو يسوده التوتر والصمت . كانت نظرات عمته تبعث له برسائل نارية صامتة وهو ساكت ويدعو الله أن تكون ريم والطفل بخير . بقيا لساعة دون أن يخبرهما أحد عما يجري في الداخل . كان عماد على أعصابة وهو ينتظر فنهض من على كرسيه ودق جرس باب غرفة الولادة خرجت الممرضة وطلب منها الحديث مع الطبيبة التي جاءت وطلب منها شرحا لما يحدث . سألها بعينين ضيقتين من التوتر :
    - كيف تنقلونها لغرفة الولادة وهي لم تتم الحمل بعد ؟
    - ريم تعاني من أعرض الولادة المبكرة .. وهي الآن تحت المراقبة .. وسنحاول قدر الإمكان تجنب ولادتها برغم بدء اتساع عنق الرحم .. سنراقب وضعها وحالة الطفل وسنتدخل في الوقت الملائم .
    هز رأسه وسألها عن وضع الطفل في حال ولادته ، فأجابته بصراحة :
    - نحن خائفون على الطفل فلو ولدته الآن سيكون صغيرا وضعيفا وسيحتاج لوضعه في العناية المركزة الخاصة بالأطفال الخدج .

    عاد عماد إلى منزله قبل منتصف الليل وريم بقيت في غرفة الولادة تحت المراقبة .كان يشعر بالتعب والجوع فهو لم يأكل شيئا منذ استيقاظه من النوم . ذهب إلى المطبخ وشرب كوبا من اللبن وأكل تفاحة وتوجه لغرفته . بدل ملابسه ورمى نفسه على سريره وهو يفكر بالطفل القادم إلى الحياة ولأول مرة يشعر بعاطفة حياله . تذكر كلام الطبيبة بأنه سيكون صغيرا وضعيفا . أحس بالذنب لتفكيره به بشكل سيء منذ أن عرف بوجوده في أحشاء ريم . ونام على أفكاره واستيقظ على الساعة الثامنة على صوت رنين الهاتف . وما أن فتح عينيه حتى تذكر بأن ريم في المستشفى ، وتذكر بأن اليوم السبت وهو لم يذهب للشركة أيضا .
    رفع سماعة الهاتف وسمع صوت أمه في الطرف الآخر ، سألها عن ريم فأخبرته بأنها بصحة جيدة وقد ولدت قبل قليل طفلا ذكرا وهو في العناية المركزة للخدج . خرج بسرعة متوجها للمستشفى لرؤية ريم فمنذ خروجه من المنزل تلك الليلة وهو لم يقابلها ولم يتحدث معها ، وحتى عندما عرضت عليه الطبيبة رؤيتها في غرفة الولادة رفض ذلك ، فهو لم يكن يريد أن يراها تصرخ من الألم .
    صعد إلى الطابق الثاني في المستشفى وسأل عن غرفتها دلته عليها إحدى الممرضات . وقبل أن يطرق الباب تذكر بأنه لم يجلب لها ورودا أو شكولاتة . دخل إلى الغرفة الخاصة بهدوء وخوف وقلق ووجد ريم نائمة على السرير وهي شاحبة ومتعبة . فتحت عينيها الدامعتين وهو يقترب منها ببطء وابتسامه باهتة على وجهه . قال لها :
    - حمد الله على سلامتك .
    وبنبرة غضب قالت :
    - هل عرفت بأن الطفل في العناية المركزة .. أنت السبب في ولادتي المبكرة ولن أسامحك .
    أمسك بيدها وقال لها مطمئنا :
    - سيكون بخير .. فهو لا ذنب له بمشاكلنا وخلافتنا .
    بكت بحرقة وهي تكرر بأنه السبب في ما أصابها وضمها إليه محاولا التخفيف عنها فقالت له وهي بين ذراعيه :
    - لم أرى طفلي بجانبي .. أخذه طبيب الأطفال إلى غرفة العناية مباشرة عندما ولد وهو لا يبكي ولا يتنفس .. لم أستطع حتى أن أضعه على صدري وأقبله كأي أم ترى وليدها الذي تعبت بحمله وولادته .. لن أسامحك إذا أصابه مكروه .
    قالت كلمتها ونشجت بالبكاء وهي بين ذراعيه ، شعر بأن قلبه يتقطع وعليه أن يبدو متماسكا أمامها فهي نفساء ومتعبة . طبع قبلة على جبينها واستأذنها للخروج ومقابلة طبيب الأطفال ، فرفعت رأسها وقالت له :
    - سأذهب معك .. أريد أن أرى طفلي وأطمأن عليه .
    بلع ريقه وطلب منها أن ترتاح فهي ولدت منذ ساعات فقط . طرق الباب ودخلت الطبيبة ومعها الممرضة ، فطلبت منها وهي تبكي السماح لها بالذهاب لرؤية طفلها . اقتربت منها الطبيبة وقالت لها بلطف :
    - أفضل أن تذهبي في وقت لاحق فأنت مازلت متعبة وربما يصيبك دوار .. أذهبي ليلا بعد أن تأخذي قسطا من النوم والراحة فالممرضات سيسمحن لك ولزوجك بزيارته في أي وقت .
    ذهب عماد للعناية المركزة داخل الحضانة بعد أن وعد ريم أن يخبرها عن حالة الطفل بعد عودته وسيذهب معها مرة أخرى . ذهب ودق الجرس ، كان قلبه مقبوضا وخائفا وهو يفكر بالطفل ،

    ردحذف
  71. جاءت الممرضة وأخبرها بأنه يريد رؤية طفل ريم فهو والده ، طلبت منه أن يرتدي غطاء الرأس والحذاء ، ويرتدي اللباس الأزرق الخاص . ذهب برفقتها مرورا بالحضانة العادية والرضع فيها يصرخون ، وبعضهم نائمون . ومر بغرفة أخرى خاصة بالعناية المتوسطة ، ومن ثم العناية المركزة . وجد عددا متفرقا من الأسرة الصغيرة والحاضنات المغلقة والمرتبطة بشاشات مراقبة وجميع الأطفال صغار في الحجم ومربوطون بالكثير من الأسلاك ولم يكن يعرف أي واحد هو ابنه .
    أحس بأنه سيختنق والممرضة تشير له على الطفل الموضوع في سرير خاص مربع الشكل مكشوف من الأعلى تغطيه مدفأة خاصة . كان صغيرا جدا حتى أن حفاظه يغطي معظم جسمه المغطى بالوبر الكثيف . وسلك مدخل في سرته مرتبط بمحلول للتغذية الخاصة وسلك يراقب مستوى الأوكسجين في دمه ، وأسلاك أخرى في ظهره وصدره العاري تراقب العلامات الحيوية . وأنبوب آخر في فمه متصل بجهاز كبير بجانبه من أجل التنفس ، والممرضة المسئولة عنه جالسة بجانبه وأمامها الكثير من الأوراق ، وطلبت منه أن يغسل يديه جيدا قبل أن يلمسه . أقترب من الطفل ووجده مغمض العينين ونائم على ظهره ، وبطنه يرتفع ويهبط بسرعة . مد يده ولمس جلده الرقيق كانت أوردته ظاهرة وكأن جلده مجرد نسيج شفاف . قرب رأسه من أذن الطفل ونطق الآذان في أذنه اليمنى والإقامة في اليسرى . وسأل الممرضة عنه فأحالته إلى الطبيب الأطفال الذي قال له :
    - كونه ولد بعد خمسة وعشرون أسبوعا فرئتيه لا تعمل بالشكل المطلوب ولذا بدأنا التنفس الصناعي .. وجهازه الهضمي ليس مؤهلا بعد لذا نغذيه عن طريق السرة .. والطفل ولد قبل أوانه ونحن نحاول أن
    نساعده ولكن المشكلة الأساسية هي التنفس فمستوى الأكسجين ينخفض بحدة بين فترة وأخرى .
    أحس بالدموع تتجمع في عينيه ، وعاطفة غريبة يشعر بها للمرة الأولى نحو الطفل تنتابه ، فسأل الطبيب :
    - وهل سيعيش ؟
    كان الطبيب جادا ومتعاطفا معه وهو يقول :
    - أتمنى ذلك .. نحن سنقوم بواجبنا والباقي على الله .
    عقد حاجبيه وقال :
    - وكأنك تقول بأنه لن يعيش .
    - هو صغير جدا وجسمه لم ينضج بعد .
    وأمامه فتح حفاظ الطفل كاشفا عن أعضائه الصغيرة ، وقال :
    - أنت كإنسان عادي ولست طبيبا ربما لا تستطيع التفريق إذا كان هذا الطفل ذكرا أو أنثى .
    هز رأسه موافقا ونزلت دموعه من عينيه ومسحهما بيده وقال للطبيب بألم :
    - أرجوك يا دكتور أبذل ما في وسعك من أجله .
    - هذا واجبنا .. وأنت أدعو الله أن تستقر حالته وينجو .
    فرك جبينه وسأل الطبيب :
    - وماذا أقول لأمه ؟.. هي تريد أن تراه .
    طلب منه الطبيب أن يشرح لزوجته الأمر بشكل مبسط ، فتأفف وقال :
    - هي طبيبة وتعرف كل شيء وستطلب شرحا كاملا .
    دعاه للقدوم مع زوجته مساءا لرؤية الطفل فشكره وألقى نظرة سريعة على الطفل وخرج من الحضانة وصورة الطفل مازالت أمام عينيه . ذهب إلى غرفة ريم الخاصة وهو يقدم رجل ويؤخر أخرى لا يعرف كيف يواجهها وماذا يقول لها . اصطنع ابتسامه ودخل وجد عمته وزوجها جالسين . سلم عليهما واقترب من ريم وقال لها :
    - لقد رأيته .. هو صغير لكن الطبيب طمأنني بأن وضعه مستقر وسيبقى في الحضانة لعدة أيام حتى يكبر .
    وسألته بسرعة :
    - التنفس ؟
    بلع ريقه وقال :
    - اصطناعي .. يتنفس من أنبوبة في فمه .
    بكت وهي تقول :
    - طفلي المسكين مازال غير قادر على التنفس بعد .
    أسندت رأسها بيديها وخاطبته من بين دموعها :
    - أنت السبب في ولادتي المبكرة.
    دمت عيني عماد من جديد وهو يستمع لإتهامات ريم . أحس بأنها صادقة فيما قالته وأنه السبب في ذلك ، فلو لم يتشاجر معها تلك الليلة ، ولم يخرج من المنزل لما حدث ما حدث . نهض من كرسيه بصمت وأدار وجهه للحائط وهو يمسح دموعه وريم مازالت تبكي بحرقة وألم . طرق الباب من جديد ودخلت أمه وعانقت ريم وطمأنتها بان الطفل سيكون بخير وكثيرات ولدن قبل أوانهن وأصبح أطفالهن كبار الآن . بكت ريم مجددا وحاولت النهوض من السرير ومنعها والدها ، فصرخت :
    - أريد أن أرى طفلي الآن ولن أنتظر حتى الليل .. أنا بصحة جيدة .
    بقي عماد صامتا وريم تدق الجرس لاستدعاء الممرضة وتصرخ بصوت مرتفع . جاءت الطبيبة مع ممرضة أخرى على صوت صراخها القوي . قالت للطبيبة وهي تنتحب من البكاء :
    - أريد أن أرى طفلي الآن .
    أوصتها الطبيبة بالذهاب مع زوجها والعودة سريعا لترتاح . فأقترب عماد منها وأمسك بيدها وذهبا إلى الحضانة . طرقا الباب وأرتديا الملابس الخاصة وتوجها لغرفة العناية المركزة . أوصلتهما الممرضة إلى الطفل في سريره الخاص . وبسرعة أمسكت به ريم وقبلته وهي تبكي وجاء الطبيب بسرعة وشرح لها حالته . فسكنت قليلا وبقي الطفل بين ذراعيها لدقائق قبل أن يطلب منها الطبيب إعادته إلى سريره الخاص .

    ردحذف
  72. ودعت كاميليا صديقتيها أمام بوابة المجمع العسكري الطبي وركبت سيارتها وطلبت من السائق التوجه إلى المستشفى الخاص بالدمام . كانت تشعر بالضيق والإنزعاج عندما أخبرتها نسرين بشأن ولادة طفل عماد المبكرة . تضايقت وشعرت بألم في قلبها سرى بسرعة إلى جميع أطرافها . كانت تشعر بالتعب والإرهاق فهي لم تنم البارحة أبدا وظلت مستيقظة تفكر بعماد وبحياتها البائسة ومشاكلها مع زوجها . غطت عينيها ودموعها بنظراتها الشمسية وهي تفكر بالخطوة المقدمة عليها وهي زيارة الطبيبة النفسية . كانت تريد حلا لوجعها وقلقها وعدم قدرتها على النوم ، تريد أن ترتاح من التفكير والأرق فالدواء العشبي الذي استخدمته ضد الكآبة لم يفدها بشيء . دخلت على الدكتورة ليلى . سلمت عليها ونزعت النظارة وبانت عينيها العسليتين الغارقتين بالدموع ، فقالت لها الطبيبة بابتسامة رزينة :
    - خير يا كاميليا .. لماذا البكاء ؟.. على فكرة اسمك جميل .
    مسحت دموعها بمنديل وقالت :
    - أنا تعيسة ومتعبة .. منذ عدة أشهر وأنا أعاني من صعوبة في النوم وكآبة لم أستطع التخلص منها .
    حكت للطبيبة عن أحداث السنوات الأخيرة ، منذ لقائها بعماد وعلاقتها به لأربع سنوات مرورا بزواجها الإجباري بناصر وحتى الآن . أخبرتها عن تفاصيل علاقتها الزوجية وعن الفشل والبرودة وكل شيء ، واستمعت لها الطبيبة بإصغاء شديد . أحست براحة بمجرد تفريغ ما في قلبها لأحد يتفهمها وينصت لها بدون أن يلومها أو يعاتبها أو يحملها أدنى مسئولية .
    حكت لها عن عماد والحب الذي ينهش قلبها ، وعن ناصر وخيانته الأخيرة وعودتها إليه رغما عنها . طلبت منها الطبيبة قطع العلاج العشبي وأعطتها حبوبا مهدئة بنسبة قليلة جدا . وحبوبا أخرى لتساعدها على النوم ، وموعدا بعد أسبوعين من أجل تقييم وضعها من جديد . اشترت الدواء من الصيدلية وركبت سيارتها . كانت تفكر بعماد وبطفله الصغير وتتمنى أن يكون بخير ووصلت إلى بيتها وهي مازالت على أفكارها .

    ردحذف
  73. الفصل 31


    خرج عماد من المصنع ظهرا وتوجه للمستشفى حيث ترقد ريم فاليوم موعد خروجها . ستخرج لوحدها وسيبقى الطفل بين يدي الأطباء والممرضات . شعر بالضيق وهو يتذكر اتهامها بأنه السبب في ولادتها المبكرة ، وبأنها لن تسامحه لو أصاب الطفل مكروه . أوقف سيارته ودخل بأفكاره المضطربة . ذهب إلى مكتب شؤون المرضى ودفع فاتورة حساب الخاصة بريم والطفل حتى اليوم وصعد إلى الطابق الثاني وتوجه إلى الحضانة أولا ليرى الطفل . وجد على حاله ، نائم على ظهره ونفس الأسلاك والأنابيب وشاشة المراقبة متصلة به . شعر بالضيق والطبيب يخبره أن مستوى الأكسجين تناقص منذ الصباح . ذهب لغرفة ريم واقترب منها وقبل ما بين عينيها . قالت له وهي على وشك البكاء :
    - لا أتخيل نفسي بأني سأخرج من المستشفى وطفلي ليس معي .
    ضمها إليه وبكت بحرقة على كتفه . قال لها :
    - سيتحسن بمشيئة الله وسيكبر وسيخرج من المستشفى .
    خرجا من الغرفة ، ومرا بالحضانة في طريقهما وأخبرتهما الممرضة بأنهما يستطيعان رؤيته في أي وقت يشاءان .

    قاد عماد سيارته وريم بجانبه تبكي طوال الطريق من المستشفى إلى منزل والديها . طلبت من زوجها أن يصطحبها لزيارة الطفل مرتين يوميا فوافقها . تناول معها طعام الغذاء ثم جلس في الصالة بعد أن خلدت للراحة في الغرفة التي خصصتها أمها لها . أسند رأسه إلى الوراء وأغمض عينيه وهو يفكر بطفله الراقد في المستشفى . لم يختر له أسما بعد ولم يخطر بباله الأمر فقد كان مشغولا بسلامته وصحته ، لم يفكر كأي أب إذا كان طفله يشبهه أو يشبه أمه . تنبه على دخول أمل وعصام إلى البيت وهما في غاية الانسجام والابتسامة تزين وجهيهما . تنهد وهو يفكر بهما فلم تربطهما علاقة حب قبل زواجهما إلا أنهما سعيدين . جلس عصام بجانبه وسأله عن الطفل وأخبره بما قاله الطبيب اليوم ، وما هي إلا لحظة حتى رن هاتفه الجوال . رد على المتصل وأخبره بأنه الطبيب المشرف على علاج الطفل ويريد أن يراه الآن . شعر بالقلق والخوف فنهض ليذهب إلى المستشفى وذهب عصام معه .
    قاد سيارته بسرعة عالية ، وصل إلى المستشفى وقلبه ينبض بقوة .
    دخل بخطى سريعة ومر بحضانة الأطفال الأصحاء والعناية المتوسطة وأمام باب العناية المركزة استوقفه الطبيب قائلا :
    - أهلا يا سيد عماد .
    بلع ريقه وقال :
    - خيرا يا دكتور .. هل طفلي بخير ؟
    أعتذر منه الطبيب بأسف قبل أن يخبره بأن الطفل قد توفي قبل ساعة تقريبا ، وأحضرته الممرضة في مهد صغير . فغر فاه ونظر للطفل نظرة سريعة والعرق تجمع في جبينه وقال للطبيب :
    - لماذا ؟.. ما الذي حصل ؟
    - هبطت نسبة الأكسجين في دمه بشكل حاد ولم يستجيب للعلاج أو للإنعاش الرئوي .
    أقترب من الطفل ووجده ملفوف في قطعة قماش بيضاء مغمض العينين وهادئ في سلام تام ولم يكن بطنه يعلو ويهبط بسرعة .

    ردحذف
  74. أمسك عصام بكتفه وقال له مواسيا :
    - لا حول ولا قوة إلا بالله .. طفل صغير ومثواه الجنة .
    ظل عماد يمعن النظر في وجه طفله الساكن كملاك صغير ودموعه تبلل قماطه الأبيض . شعر بأنه يحبه بشكل كبير وكأنه عاش معه لفترة طويلة وليست ثلاثة أيام في المستشفى . مات طفله ولم يلاعبه ولم يسمع بكاؤه ، ولم يراه يشرب الحليب ولم يحمله بين يديه . رفع رأسه والطبيب يطلب منه إنهاء الإجراءات الخاصة باستلام جثة الطفل وكم كان لهذه الكلمة وقع قاسي على مسمعه . عزاه عصام وطلب منه أن يتماسك عندما أحس بأن الدم أنسحب من وجهه وهو يتلقى الخبر . انحنى نحو المهد وراح يحدث الطفل بعتب :
    - لماذا لا تريد البقاء معي ومع أمك يا حبيبي .. ألا أستحقك ألهذا رحلت عني .. أبقى معي وسأكون والدا صالحا .
    وألتفت لعصام وقال له وعينيه السوداويين غارقتين بالدموع :
    - ماذا أقول لريم الآن ؟.. فهي لن تسامحني .. ماذا أقول لها ؟
    - هذه مشيئة الله وأنت لا ذنب لك بما حدث .
    وأمام عينيه تم إرسال الطفل لثلاجة الموتى وعليه ن يستلمه بعد أن ينتهي الإجراءات الخاصة به ويدفع فاتورة العلاج . أسند ظهره على الجدار وأتصل بوالده وابن عمه وصديقه ليحضروا ويساعدوه في الدفن .
    أودع طفله تحت طبقات التراب بجانب قبر شقيقه . بكى على القبر بحرقة وذكريات موت علاء ودفنه تطوف بباله . تذكر كيف بكى بحرقة ذلك اليوم يشعر بالشعور ذاته . يدفن طفله البالغ من العمر ثلاثة أيام والألم يعتصر قلبه وروحه ويفكر بريم وكيف سينتقل لها الخبر . تركها نائمة لا تدري بما حصل ، وأصر أن يدفن الطفل دون أن تراه . دعاه والده للنهوض من القبر الصغير وطلب منه أن يتماسك . عانق والده وبكى على كتفه وهو يخبره بأنه يشعر بمرارة فقدان ابنه كما شعر هو عندما قتل علاء . أمسك به ماجد وأخذه إلى السيارة متوجهين إلى بيت عمته ليخبروا ريم بوفاة طفلها .
    لم يبك عماد كما بكى اليوم . بكى عندما مات علاء ، وليلة زفاف كاميليا واليوم ترك طفله تحت التراب ولا يعرف إذا كان جائعا أو مريضا أو يشعر بالبرد أو الحر ، أودعه لرحمة رب العالمين ورحل . أغمض عينيه وهو جالس بجانب عصام الذي قاد سيارته بدلا عنه منذ خروجهما من المستشفى . شعر بمرارة وأخفى وجهه بين كفيه وبكى وعصام يطلب منه أن يتماسك . دخل منزل عمته ورأسه منكس وجسمه منهار وروحه متعبه ووجهه أصفر وبياض عينيه أصبح داميا . دخل الصالة مع والده وفيصل وعصام ووجد أمه وأختيه جالسات مع زوجة عمه وابنتيها يشربن القهوة وريم مستلقية على إحدى الكنبات متدثرة بلحاف خفيف بعد أن رفضت الجلوس في الغرفة التي أعدتها لها أمها وسرعان ما هبت له ريم بذعر وسألته :
    - هل حدث لابني شيء .. ما بك ؟
    تنهد وهو يقترب منها فعرفت بغريزتها بأن مكروها أصابه فقالت له وهي تبكي :
    - لا تقل بأن طفلي مات .
    هز رأسه وقال بألم :
    - نعم .. توفي الطفل .
    وأمام الجميع جلست على الرخام الصالة وهي تنتحب بقوة وتقول بحرقة :
    - مات طفلي وأنت السبب .. لم أتمكن حتى من إرضاعه .
    أقترب منها وحاول أن يضمها إليه فرفضت وصرخت به طالبة أن لا يقترب منها ولا يلمسها فهو سبب موت الطفل . بلع ريقه وقال لها بانكسار :
    - لا ذنب لي فيما حصل يا ريم فهو طفلي أيضا .
    شعر بالمرارة والندم لما حدث بينهما تلك الليلة فليته لم يتشاجر معها ولم يترك المنزل . كان مستعدا لفعل أي شيء ليتجنب هذا الموقف الأليم . نهضت أمه وأختيه يواسونه وعمته تحتضن أبنتها وتشاركها دموعها .
    اقترب والده من ريم وقال لها :
    - الله أخذ أمانته يا ابنتي وتلك مشيئته وحده .. أصبري وسيعوضك الله بأطفال آخرين فأنت صغيرة وتتمتعين بصحة جيدة .
    كانت تبكي بشكل موجع وهي مكانها في وسط الصالة وعماد بعيد عنها لا يستطيع أن ينظر لها . تكلمت من بين دموعها وسألت خالها :
    - أين طفلي الآن ؟
    - لقد دفناه يا ابنتي هو حوري صغير ومثواه الجنة .. وسيكون هذا الطفل رحمة لك ولوالده يوم القيامة .

    ردحذف
  75. الفصل 32




    دخل منزله الخالي ورمى بحقيبته الجلدية على إحدى الطاولات ، وطلب من الخادمة أن تجلب له العصير في الحديقة . توجه إلى مكتبه وتفحص بسرعة بريده الذي لم يفتحه منذ مرض ريم وولادتها أخذ جريدة اليوم وذهب للحديقة . جلس على الطاولة يشرب العصير واسترسل في القراءة إلى أن وصل إلى الصفحة الثقافية وهمسات من قلبي ..

    " أنت تشغل تفكيري وأفكر بك رغما عني
    وجهك أمامي وعينيك السوداويين تحاصرني
    لماذا تضيق بي الدنيا إذا مسك مكروه ؟
    لماذا أغضب إذا غضبت ؟
    ولماذا يبكيني ما يبكيك
    ويزعجني ما يزعجك ؟
    أنت تشغل تفكيري ولا أدري لماذا ؟
    لماذا أراك في كل مكان ؟
    وأفكر بك في جميع الأحوال
    وإذا وضعت رأسي ليلا على الوسادة
    أراك مستلقيا بجانبي .. هادئا ونائما
    وظل أراقبك وأنظر لجبينك المضي
    وأتمعن في عينيك وحاجبيك
    وأردد اسمك في قلبي
    لكنك لست هنا ..
    وهذا هو حالي وأنت لا تعلم
    أفكر بك دائما .. ولا أدري لماذا ؟


    كاميليا الناصر
    الرسالة الثالثة .. والبقية تأتي
    ...............................


    تنهد ووضع الجريدة جانبا وهو يشعر بأن شيئا ما يجثم فوق صدره ويمنعه من أخذ النفس وبراحة . خلع ملابسه وقفز في بركة السباحة . سبح فيها وهو يفكر في حياته وكاميليا وريم والطفل الذي لم يرد البقاء معه غطس في الماء وهو يفكر برسائل كاميليا الموجهة إليه في الجريدة ، هو الوحيد المعني بهذه الرسائل أو الهمسات كما تسميها . سأل نفسه كيف يطرأ على بالها عندما تفكر به ؟ . هل مازالت تحترمه وتقدره ، ولماذا تستمر بإرسال حتى الآن ؟ كانت تحبه وصدمت به كما صدمت به ريم عندما أصبحا زوجين يعيشان في بيت واحد .
    أخرج رأسه وأخذ نفسا عميقا وعاد للغطس وهو يفكر . ماذا يفعل مع هاجسه بكاميليا ، هذا الجرح الأصيل الذي لا يبتعد عنه ولا يفارقه ، والوجع المزروع في قلبه منذ ما يزيد على الأربعة أعوام حتى اليوم . قضى أسبوعان وحده في البيت ، يصحو ويذهب إلى الشركة ويعود ويقرأ الجريدة وينام . وليلا يستقبل ماجد وفيصل أو يبقى وحده . لم يكن يذهب إلى المزرعة ولا يسهر في المقهى ولا يستمع لفيروز . أسبوعان وهو دائم التفكير بكاميليا والطفل الذي فقده وبشقيقه الراحل . دائما يفقد من يحبهم ، وإذا لم يأخذهم الموت يضيعهم بعناده وغروره وغباءه . رفع رأسه من تحت الماء وتنفس بعمق وهو يتذكر حبه الجامح لكاميليا الذي دفعه إلى السفر وراءها إلى باريس قبل سنتين . كان مندفعا نحوها كمراهق صغير مبهور بامرأة .

    **********

    خرجت كاميليا من الحمام وهي تلف منشفة زهرية اللون على جسدها المبلل ، ووضعت قطرات العطر الزيتي في أنحاء متفرقة منه ، وارتدت ملابسها المكشوفة كما يسميها ناصر . كان يعنفها إذا ارتدت ملابس تظهر مفاتنها وخصوصا عند خروجها من البيت . رشت عطر : " ألور " خلف أذنيها وفي معصميها وأعلى صدرها وجففت شعرها ورسمت الكحل الأسود حول عينيها وبدأت تعد الضيافة قبل أن تأتي صديقتيها لزيارتها .
    جاءت أمل وحدها على أن تأتي نسرين لاحقا .
    وسألتها أمل :
    - وأختك شذى ألن تأتي ؟
    تنهدت وأجابت :
    - لديها امتحانات .. يبدو أن دراسة الحاسب الآلي صعبة في الكلية .
    بدت كاميليا متعبة فسألتها أمل عن السبب وأخبرتها بأن ناصر غادر صباح اليوم إلى رأس تنورة بعد أن قضى معها ثلاثة أيام أتعب فيها أعصابها . ابتسمت أمل وسألتها :
    - وكيف هي أموركما ؟
    رفعت حاجبها بلا مبالاة وهي تتحدث عنه :
    - أسوأ عما قبل .. فكرت بترك البيت ولكن والدي سيعيدني رغما عني لذا بقيت .
    - وهل مازال يستخدم العلاج ؟
    - لقد عرفت بالصدفة أنه مصاب بارتفاع ضغط الدم أيضا .. لقد نسي بعض الأوراق في ثوبه المتسخة ورأيت فيها وصفة طبية لأدوية ارتفاع ضغط الدم والكولسترول .
    اتصلت نسرين بكاميليا تعتذر عن القدوم فهي ستخرج مع عماد ، فاستغلت الفرصة وسألت صديقتها بمكر :
    - عماد سيخرج مع نسرين .. ولماذا لا يخرج مع زوجته ؟
    وبعفوية أجابتها :
    - ريم مازالت معنا في المنزل وتحمله مسؤولية ولادتها المبكرة .. وابن عمي حزين منذ وفاة الطفل .. يبقى في منزله وحده ولا يخرج إلا للعمل فقط .
    رجف قلبها وسألت أمل :
    - أليس سعيدا مع المتعجرفة ؟
    هزت رأسها نافية وقالت :
    - لا يبدو ذلك .
    سكتت للحظة ثم أردفت تكمل حديثها عن عماد :
    - شخصيته غريبة بها خليط من القوة والرصانة ويميل إلى الهدوء وكثرة التفكير وعدم البوح بشيء .. وعينيه السوداويين متكتمتين وقويتين .
    سألته بفضول عن علاقة بزوجته ، فهزت كتفيها وقالت :
    - لا أعرف .. فهو جاف معها وهي بدأت تمل من طباعه وبروده .. ربما لأنهما لم يعرفا بعضهما جيدا قبل الزواج فهي قضت سبع سنوات في كندا ولم تكن قريبة منه قبل زواجهما.

    ردحذف
  76. لوت كاميليا فمها وقالت بانزعاج :
    - لا أستسيغها أبدا منذ الموقف الذي حدث يوم زفافك .
    - هي تفكر بالسفر إلى لندن أو كندا من أجل التدريب لعدة أشهر .. وراسلت العديد من المستشفيات الجامعية وتنتظر الرد .
    ابتسمت عينيها العسليتين وسألتها :
    - وهل واقف عماد ؟
    - سيوافق .. أشعر وكأنه يريد الابتعاد عنها .ابتسمت كاميليا لما قالته أمل وشعرت بالقليل من السعادة لأن عماد ليس سعيدا مع زوجته وهو بالتأكيد مازال يفكر بها ويحبها ، وهمساتها تجد صدى لديه .

    ********
    عادت ريم إلى زوجها بعد شهر ونصف من ولادتها . وافقت بصعوبة فقد كانت تريد قضاء المزيد من الوقت مع والديها لكن أمها أقنعتها بضرورة العودة . عادت مع عماد الذي ضمها إليه دون رغبة سوى لتخفيف عنها لتتوقف عن ترديد أنه السبب في ولادتها المبكرة . كان يشعر بأن حواجز جلدية تراكمت بينهما أكثر مما مضى ، فبينهما طفل غائب ومشاعر بادرة وجمود ولا مبالاة . جلست في الركن الفرنسي صامتة ولم يستطيع أن يفتح معها أي موضوع ، وعندما ذهبت لغرفتها ذهب إلى غرفة المكتب وجلس يطالع الأوراق التي جلبها معه من الشركة . جاءته بعد مدة وجيزة وجلست قبالته وهي تلف الروب الأبيض على جسدها وقالت له :
    - لقد راسلت عددا من المستشفيات الجامعية في كندا ولندن من أجل قضاء فترة تدريبية هناك .. ومازالت أنتظر الرد .
    زم شفتيه وعينيه تتأملان جسدها الممشوق وسألها :
    - تريدين السفر لوحدك .. أنت لم تخبرني بهذا الأمر مسبقا .. وكم ستغيبين هناك ؟
    - بين الأربعة والستة أشهر .
    - وأنا ؟
    تنهدت وقالت بلهجة لم تخلو من السخرية :
    - أبقى هنا .. أعمل وأقرأ الجرائد وأذهب مع ماجد إلى المقهى ونهاية الأسبوع أقضي وقت فراغك في المزرعة .. لا أظن وجودي سيفرق معك .. عادي .
    أطال النظر إليها وسألها :
    - ولماذا تكلمني بهذه الطريقة ؟
    تغيرت نبرة صوتها وهي تقول :
    - وبأي طريقة تريدني أن أكلمك .. فأنت لا تهتم بي ولا بوجودي .
    سألها بلهفة :
    - ألا تريدين الإنجاب مجددا .. أبقي معي ودعينا ننجب طفلا .
    استغربت من طلبه فهي تتذكر ردة فعله وبروده عندما أخبرته بأنها حامل فهو لم يبالي وكان مصدوما ومتضايقا ، لكنه أعاد ما قال :
    - أتمنى أن يكون لي طفل .. وأفضل أن تبقي معي وتكتفي بالعمل والتدريب هنا .
    تنهدت وقالت له :
    - أحتاج إلى التفكير بعمق قيل خوض التجربة من جديد .. حملي وولادتي وموت طفلي تركوا في روحي جروحا عميقة .
    أنهت حديثها وعادت لغرفتها ، وضع أوراقه جانبا وتبعها . رمقته بنظرة باردة عندما دخل الغرفة ، ولم تكترث له وبسرعة اختبأت تحت لحافها . أقترب منها وأمسك يدها وطبع عليها قبلة وهي تنظر له بعينين لا ترمشان . اقترب منها وعنقها بشفتيه فقالت له بأنها متعبة ومزاجها سيء واستدارت للجانب الآخر . تضايق لرفضها فهذه المرة الأولى التي تفعلها منذ زواجهما ، كانت دائما تنتظره والآن تصده .

    *****

    خرج عماد من الشركة وتوجه إلى منزل والديه مباشرة لأن ريم لديها مناوبة في المستشفى وستعود صباح الغد . جلس مع أمه يشرب شاي النعناع حاولت أن تقنعه للمرة الأخيرة بخوض الانتخابات البلدية فوالده سيدعمه بقوة فأكد لها بأن الأمر لا يعنيه . تحدثا بشأن ريم وسفرها فقد وصلتها الموافقة من لندن لقضاء أربعة أشهر في أحد أهم وأكبر مستشفياتها وهي مصرة على السفر بعد شهر . قالت له أمه بحزم :
    - أنت زوجها وتستطيع منعها من السفر إذا أردت .
    قال باستخفاف :
    - هي مصرة على السفر .. سأدعها تسافر لأرتاح منها بعض الوقت .
    سكت للحظات وسألها عن نسرين فأجابته :
    - مع كاميليا وأمل .. تزوجتا ومازالتا تتصرفان كالسابق .. واحدة لا يمانع زوجها بخروجها والأخرى زوجها يعمل بعيدا .
    مازال يريد معرفة المزيد عن كاميليا وأخبارها ، واستغل الفرصة فسأل أمه :
    - ومن هي من يغيب عنها زوجها .. كاميليا أم سماح .
    - كاميليا طبعا فسماح ليست هنا .. هي في أمريكا .
    وسألها بلهفة :
    - وكاميليا ؟
    - زوجها يغيب أربعة أيام .. وخلالها تخرج وتفعل ما تريد .
    وسكتت للحظة ثم طلبت منه أن يحجز لها مع زوجة عمه تذاكر للسفر إلى إيران .
    رفع حاجبيه وهز رأسه موافقا وقال :
    - الليلة سأذهب لكتب السفريات وأحجز لكما.

    ردحذف
  77. الفصل 33

    أستيقظ عماد من نومه على صوت ريم في السابعة مساء . غسل وجهه وأخذ الجريدة بصمت وهم بالخروج فاستوقفته تطلب منه مرافقتها إلى السوق لشراء ملابس قبل السفر . هز رأسه موافقا وذهب للجلوس في الركن الفرنسي ، يطالع جهاز التلفزيون ليسمع الأخبار بصوت منخفض وهو يقرأ . أحس وكأن يدا تعصر قلبه عندما رأى زاوية همسات من قلبي موجودة . ماذا كتبت له كاميليا هذه المرة وأي رسالة توجهها إليه . همسات عتاب أم تعبير بالخيبة ، أم تذكير بالماضي أم ماذا ..

    " تسألني باريس عنك
    تسألني الجسور والعطور
    تسألني العشاق والزهور
    تسأل عنك مياه السين الهادئة
    والأمسيات الحالمة
    باريس تذكر حبنا
    وتذكر لمسة اليد الحنونة
    وتلك القبلة اللذيذة المجنونة
    وورود باريس وحدائقها
    ومياهها ومقاهيها وحلوياتها
    ولياليها وأحلامها ونسماتها ..
    " ألور " يسأل عنك
    و" الياقوت الأحمر " في يدي
    والكحل الأسود في عيني
    وحبة الخال في زاوية فمي ..
    يسألون عنك ..



    كاميليا الناصر
    الرسالة الرابعة .. والبقية تأتي .
    ..............................


    أعاد قراءة ما كتبته كاميليا مرة أخرى .. وتساءل لماذا تذكره بباريس وبكل ما يحبه فيها ؟ . لماذا هي مصره على تذكيره بالحب الذي جعله يتبعها إلى باريس عندما سافرت ، وتذكره بهداياه وقسوته عليها . ما الذي تريده من هذه الرسائل الخفية ؟. هذه الرسالة الرابعة وهي لم تتوقف ومازالت تعده بالمزيد . كم ستستمر بإرسال الرسائل والعتاب والهمسات المبطنة . وهو يفكر بها وبهمساتها وذكريات باريس تطوف بخياله . تنهد عندما لمح ريم تقترب منه ، جلست بجانبه وقالت :
    - أريد أن أشتري معطفا سميكا وبعض الملابس الدافئة فالجو في لندن بارد جدا .
    ظل ساكتا غير مهتم بما تقوله وعطر الماضي يثير فيه المزيد من الذكريات ، فأكملت ريم حديثها :
    - أتصدق أن أعلى درجة تصل إليها الحرارة في لندن على مدار السنة هي ثلاث وعشرون درجة مئوية .
    تأفف وطلب منها أن تلغي سفرها فهو لا يحبذه ، فقالت له بانفعال :
    - تقول هذا بعد أن حصلت على التأشير وحجزت تذكره السفر .. وحصلت على الموافقة من وزارة الصحة وسأسافر بعد أسبوع .
    زم شفتيه وقال بنبرة حادة :
    - تستطيعين إلغاء السفر لو أردت .
    أجابته بأنها لن تفعل ذلك فهي ليست مضطرة لتحمل تردده وتقلب آرائه . شعرت بالغثيان وهي تطلب منه أن يستخرج لها تصريحا بالسفر ، فهذا أمر مذل . هي امرأة راشد لا تستطيع أن تسافر بدون أن يأذن لها ولي أمرها ، كم تكره هذه الكلمة البائسة فعلى زوجها أن يعطيها موافقته الرسمية وإلا لن تسافر .
    - سأذهب غدا للجوازات واستخرج التصريح .
    قال جملته وأخذ الجريدة وتوجه لغرفته فلحقت به وسألته :
    - متى سنذهب إلى السوق ؟
    طلب منها أن تذهب لوحدها فهو سيخرج للقاء أصحابه وأمامها خلع بيجامته وارتدى ملابس الخروج ووقف أمام المرآة يمشط شعره . وقفت أمامه عبر المرآة وصرخت به :
    - لماذا تعاديني ؟
    استدار لها وطلب أن تتكلم بهدوء فأجابته بصوت مرتفع :
    - أنت وعدتني .
    أطال النظر إليها وطلب منها الكف عن الصراخ والذهاب مع السائق .
    - أي أصدقاء تتحدث عنهم .. ليس لديك غير ماجد وفيصل .
    سكتت للحظة ثم قالت بسخرية :
    - لو رشحت نفسك في مجلس البلدي .. سيصوت لك ماجد فقط من خارج العائلة .
    لم يجبها فضحكت باستهزاء وقالت :
    - تخيل ستكون أقوى الخاسرين !
    استدار نحوها وقال بازدراء :
    - أترفع عن الإجابة على غبية مثلك .. وهذه الانتخابات لا تعنيني ولن أعطي صوتي لأحد .
    بروده زاد غضبها فصرخت به :
    - لن أدعك تخرج معهم وستذهب معي إلى المجمع التجاري رغما عنك .
    سكت وأخذ مفاتيحه ومحفظته وهاتفه وهم بالخروج من الغرفة لكن جملتها الأخيرة استوقفته عندما قالت له بتهديد :
    - إذا خرجت فلن تجدني عندما تعود .
    أغمض عينيه ولأول مرة يتمنى أن يسكتها بأي وسيلة حتى وإن اضطر لضرب رأسها بالحائط ، لكنه كتم غيظه وقال لها :
    - أذهبي إلى جهنم .. والحمد الله لست حاملا هذه المرة لأكون سبب ولادتك المبكرة .
    صعقها رده فقالت :
    - ألا تهتم بي لهذه الدرجة .. كم أنت مستهتر .
    صفق باب الغرفة وخرج وهي تصرخ وتتوعده بدفع الثمن ، وبتلقينه درسا ليحسب لها ألف حساب عندما تكلمه أو تطلب منه شيئا . ركب سيارته وأنطلق مبتعدا عن البيت . نظر لوجهه المتجهم في مرآة السيارة وحاول أن يخفي علامات الانزعاج الجلية على ملامحه وهو ينظر للميدالية الزجاجية التي أهدته أيها كاميليا وطلبت منه أن يعلقها في مرآة سيارته . ظل يفكر بها وبما كتبته اليوم في الجريدة . سطورها القليلة لم تمر عليه وعلى قلبه مرور الكرام . دفع باسطوانة فيروز الذي هجرها منذ مدة في مشغل الأسطوانات وبدأ يستمع ..

    " شايف البحر شو كبير .. كبر البحر بحبك
    شايف السما شو بعيد .. بعد السما بحبك
    كبر البحر وبعد السما بحبك يا حبيبي
    يا حبيب بحبك "

    ردحذف
  78. جال شارع الكورنيش من أوله إلى آخره عدة مرات دون أن يشعر . كان يمشي مرافقا البحر وبمحاذاته بلا هدف ، ولا يعرف إلى أين يتجه وإلى أين يذهب . مشى وهو يستمع لفيروز وكلما انتهت الأغنية أعادها مرة أخرى . رن هاتفه الجوال ورأى اسم صاحبه فأغلق الهاتف ووضعه في الدرج السيارة . أراد أن يبقى مع فيروز ، وكاميليا التي يفكر بها ماذا تفعل الآن وبم تفكر . ما هو هدفها من الرسائل وإلى متى ستستمر بالكتابة . ألم تكتفي بالجروح التي خلفها حبه فيه .ألم تكتفي بالهزائم التي يعانيها وبالخسائر التي تكبدها من عمره وأعصابه وقلبه . ماذا تريد منه صاحبة الصوت الرقيق ؟
    هذا ما كان يفكر به وهو يمشي بلا هدف في الطريق البحري . أوقف سيارته بمحاذاة كورنيش القطيف وترجل منها يفكر بما قالته ريم قبل خروجه وتهديدها بترك المنزل للمرة الثانية في فترة وجيزة . تمشي ببطء وهو يتأمل العشب الأخضر والأولاد يلعبون بالكره ، وبعضهم يسيرون بدراجاتهم، وبعض النسوة يمشين ، وبعض العائلات تفترش العشب . اقترب من البحر وملأ رئتيه بهواءه الرطب . تمشى قليلا وهو يفكر بالقطيف ، مدينة النفاق والعشق والخيبة . فيها أحب كاميليا وعشقها ، وفيها تركته . خيبت أمله القطيف القاسية ولم تعطه حقا مباحا في كل مكان . عاد بسيارته ليمنع ريم من ترك المنزل ليتلافى حدوث مشكلة كبيرة مع العائلة لو حدث لها شيء وأتهمته . ركب سيارته وأعاد تشغيل فيروز مرة أخرى وعاد بذاكرته وأفكاره لكاميليا . وصل إلى منزله ولم يجد ريم فقد تركت المنزل كما هددته قبل خروجه .

    *******

    عاد في اليوم التالي من الشركة لمحه واقف أمام باب البيت الحديدي الكبير ودخل بسرعة وراءه . كانت علاقته به سطحيه جدا ولم تتعدى لقاءات قليلة في مناسبات عامة ومتباعدة كيوم زفافه ويوم زفاف عصام ولم يتوقع أن يزوره عادل في بيته يوما ما . حمد ربه بأن ريم غير موجودة لكان أساء الظن بها ، لكن ذلك لم يمنعه في التفكير بعلاقة ريم بزيارته في اليوم التالي لخروجها من المنزل بعد شجارهما الأخير . تساءل عن سبب قدومه وقرر أن يطلب منه عدم الاقتراب من المنزل مرة أخرى مهما كان سبب زيارته الغير مستحبة . أقترب منه عادل بسرعة شديدة وقال له بغضب :
    - من تظن نفسك أيها الحقير لتعامل ابنة عمي بهذه الطريقة ؟
    التفت إليه وصرخ فيه :
    - أخرج من البيت ولا أريد أن أراك تتجول في هذا الحي بالمرة .
    أخرج عادل من جيبه سكينا وهم بطعنه ، لكنه تلافى الضربة بحركة رشيقة .
    تعاركا أمام نظر الحارس الذي ظل مكانه خائفا . كان عادل مصمم على طعن عماد الذي حاول تلافي الضربة فجاءت مرتين في الهواء ثم رمى بثقل جسمه عليه وأسقطه أرضا . أحس عماد بألم حاد والسكين تغرز في كتفه الأيسر . أمسك بيده مكان الطعنه في كتفه والدم يتدفق بغزارة والحارس الهندي واقف مكانه بخوف وعادل يغرز سكينه مرة أخرى في بطن عماد الذي سقط أرضا من أثر الطعنه والإعياء والنزيف .

    ********

    ردحذف
  79. كانت كاميليا على موعد مع نسرين لتناول العشاء في الخارج عندما اتصلت بها تعتذر عن الخروج معها لتعرض عماد لاعتداء وإصابته بعدة طعنات وهو يرقد في المستشفى . أحست بأن قلبها سيتوقف وهي تسمع الخبر ، لم تكن مستوعبه لما حدث لعمادها . أغلقت السماعة ودموعها تفيض من عينيها المتعبتين . بكت وهي تفكر كيف تراه ، فلابد أن تطمأن عليه بأي وسيلة ، تريد أن تراه بعينيها لترتاح ولا تستطيع الاكتفاء بما تقوله لها نسرين عن حالته . بسرعة ارتدت عباءتها ولفت حجابها الملون على رأسها وأخذت حقيبتها وأمسكت مقبض الباب الخارجي . وسرعان ما استدركت بأن ذهابها غير منطقي بالنسبة لعائلته . جلست على المقعد ووضعت رأسها بين يديها وراحت تنشج بالبكاء . كانت خائفة وتدعو الله أن ينجيه ، لا تريده أن يكون لها ولا تريده أن يحبها أو يتذكرها ولا تريد منه شيئا ، تريده أن يتعافى فقط .
    ظلت تبكي وفكرها محصور به . لم تأكل ولم تستطيع النوم . أخذت دواءها النفسي علها تهدأ ولو قليلا . وراحت تذرع غرفتها تنتظر اتصالا من نسرين لتطمئنها كما طلبت منها ذلك . كان الإنتظار يزيدها توترا وإنتصاف الليل جعلها أكثر قلقا خافت وهي تفكر بالرسالة الأخيرة التي أرسلتها له في الجريدة ، وذكريات باريس التي أرادت إثارتها في نفسه .لم تتحمل الانتظار أكثر فاتصلت بنسرين ، وسألتها بقلق :
    -ما هي أخبار شقيقك الآن ؟
    - نقلوه إلى العناية المركزة في الساعة الثامنة وسيبقونه تحت المراقبة لمدة عشر ساعات .. لم يسمحوا لنا برؤيته فعدنا إلى البيت وسنذهب لزيارته غدا صباحا .
    تنهدت وسألت صديقاتها :
    - هل ستذهبين إلى المستشفى ؟
    - لن أذهب فهذا الأسبوع التدريبي الأخير لي ولدي أيام اضطرارية مدخرة .
    تمنت لعماد الشفاء فقالت لها نسرين وهي تبكي :
    - أمي منهارة لقد انتحبت بحسرة وهم ينقلونه أمامنا إلى غرفة العناية المركزة .
    - ومن طعنه بالسكين ؟
    - طعنه الكلب عادل ابن عم المتعجرفة .. تركت المنزل بالأمس وفزع لها ابن عمها .. تخيلي لم تأت للمستشفى لرؤيته .
    أنهت حديثها مع نسرين وذهب إلى المطبخ لتجلب لها مشروبا باردا وذهبت لغرفتها . كانت تشرب وهي تنتظر بزوغ الشمس لتنتهي الساعات العشر وتطمئن على عمادها . دعت الله أن يمن عليه بالشفاء ، وقضت ليلتها بالتفكير والاتصال بالمستشفى والممرضات يرفضن إخبارها بحالته . أتصل بها ناصر عدة مرات ولم تجبه . بقيت تبكي وحدها في البيت تنتظر شروق الشمس . لم تذهب للمستشفى هي أيضا ، ظلت تنتظر الوقت الملائم لتذهب وترى عمادها وتطمأن عليه .
    انتظرت انتصاف النهار لتتمكن من الذهاب للمستشفى لرؤية عماد بعد أن أخبرتها نسرين بأنهم تركوه وسيعودون لزيارته عصرا . كانت خائفة وسيارتها تتوقف في مواقف السيارات الخاصة بالمستشفى . ترجلت بسرعة وهي تلف اللثام على وجهها لتخفي القسم السفلي منه والنظارة الشمسية تخفي عينيها ، ويدها تمسك بباقة ورود فاخرة اختارتها من ورود الكاميليا البيضاء . توجهت مباشرة لقسم الجراحة فقد أخبرتها نسرين بأن حالته مستقرة وتم أخرجه من العناية المركزة . لم تكن تفكر بردة فعله عندما يراها ولا بما ستقوله له ، ولماذا تأتي لزيارته في المستشفى بعد كل الذي حدث .
    لم تبال بشيء وهي تتذكر ناصر الغائب في عمله والذي لم يكف عن الاتصال بها منذ البارحة ولم تجبه . جل اهتمامها منصب على عماد وشفاءه فربما يعرف بأنها تحبه بإخلاص وتريد الاطمئنان عليه فقط . ربما يؤمن بأنها كانت ضحية لوالدها وتزوجت بأبن عمها مرغمة ، وكانت مستعدة لبذل الكثير في سبيل تلافي هذا الزواج وهو تخلى عنها عندما طلبت مساعدته . عله يصدق ذلك وينسى فكرة خداعه فمازال يهمها أن يعرف بأنها كانت صادقة معه .
    اقتربت من محطة التمريض وسألت إحدى الممرضات عن غرفته فدلتها عليها وطلبت منها عدم إطالة الزيارة فالطبيب يوصي بذلك .
    طرقت الباب بوجل وقلبها ينبض بقوة والدموع معلقة برموشها . قوت قلبها المرتبك ودخلت غرفته الخاصة ووجدته على السرير في حالة إعياء تام والمحاليل السائلة مغروزة في وريده وجهاز قياس الضغط متصل بذراعه ، وأنبوبة رفيعة تخرج من بطنه وتتصل بكيس بلاستيكي به سائل اصفر مختلط بالقليل من الدم .

    ردحذف
  80. بدا شاحبا وهو مغمض العينين ، وكتفه الأيسر مغطى بضمادات وجبينه يضيء بالعرق وجسده مغطى بغطاء خفيف . كان نائما وساكنا وعندما كلمته برفق لم يسمعها . وضعت الورود على الطاولة وجلست على الكرسي القريب منه وقالت له بهمس والدموع مختبئة بين رمشيها :
    - دودي .. حمد الله على سلامتك يا بعد عمري .
    كان يئن بصوت منخفض ، فقالت :
    - أرجوك .. أفتح عينيك أجبني .
    وعندما لم يستفيق سكتت تتأمل وجهه الشاحب . أحست بشوق عارم له أشهر طويلة مرت على لقاءها الأخير به كم بدا متغيرا ، بدا نحيلا والشعرات البيضاء ظهرت أكثر في جانبي رأسه . لم تتمكن من حبس دموعها ، وهي تكلمه بهمس لا يكاد يسمع :
    - تعافى وكن قويا كما عرفتك .. أنظر إلى بعينيك السوداويين فأنا لم أرى أجمل منهما في حياتي .. أنهض فأنا أحتاجك في هذه الحياة حتى لو لم تكن بجانبي يكفيني أن تكون موجودا ومتعافيا يا حب حياتي الكبير .. تعافى يا من وعدتني بالحب والسعادة فأنا مازلت أنتظر وعدك وما زلت أحبك رغم خذلانك لي .
    والتفتت لصوت جهاز قياس الضغط الالكتروني وهو يقيس ضغط دمه من جديد فسكتت وهي تلملم دموعها . بلعت ريقها والممرضة تدخل لتقيس حرارته . سألتها بقلق عن حالته ، فطمأنتها :
    - حالته مستقرة .. لكنه يعاني من ارتفاع في درجة الحرارة بين وقت وآخر .
    مسحت دموعها وسألتها :
    - ولماذا لا يرد علي ولا يفتح عينيه ؟
    طمأنتها بأنه مازال يشعر بإعياء ناتج عن إصابته ومن النزيف والعملية ، كما أنها أعطته حقنة مسكنة قبل ساعة لذا هو نائم الآن . مدت كاميليا يدها نحو عماد وأمسكت بيده الدافئة من ارتفاع حرارته وهمست له :
    - كن قويا وتعافى من أجلي .
    نهضت من الكرسي وأزاحت اللثام عن وجهها . اقتربت منه وطبعت على جبينه قبلة متجاهلة كل الأفكار القديمة وما قاله رجل الدين عن الحب المحرم . أعادت اللثام على وجهها وخرجت بدموعها التي أخفتها بالنظارة . أمسكت بمقبض الباب واستدارت تلقي عليه نظرة أخيرة قبل أن تخرج وشعرت برغبة للاقتراب منه مجددا واحتضانه لكنها منعت نفسها من ذلك خشية أن يأتي أحد من أفراد عائلته وهي لا تود أن يراها أحد هنا .

    *********
    فتح عماد عينيه مساءا وجد والديه وأختيه وفيصل وأمل وعصام حوله جالسون في غرفته الخاصة يحيطونه بباقات الورود والشوكلاتة الفاخرة . قالت له نسرين ممازحة وعينيها على ورود الكاميليا بجواره :
    - من أحضر لك الورود البيضاء .
    نظر للورود وتذكر كاميليا فقد كان يهديها ورود الكاميليا البيضاء دائما . هز رأسه وقال بأنه لا يعرف من أحضرها . فنهضت نسرين وأحضرت له البطاقة المرفقة وقرأت بصوت عالي :
    - مكتوب في البطاقة .. غلبتني دموعي عندما عرفت بما حصل .. ومن كل قلبي أتمنى لك الشفاء العاجل وموفور الصحة .. وتوقيع الرسل .. مع التحية والبقية تأتي .
    ضحكت ندى وقالت :
    - من هذا الزائر الغريب .. لم لا يذكر أسمه ؟
    أنقبض قلبه وهو يسمع ما قالته أخته ، وطلب من نسرين أن تعطيه البطاقة .

    ردحذف
  81. أمسك بها وقرأها بعينيه وذهنه يصوب أفكاره نحو كاميليا فهذا توقيعها في الجريدة وعبارة البقية تأتي تختم بها همساتها وتتوعده بها منذ زمن . تساءل في سره متى جاءت وكيف لم يشعر بوجودها ، ربما أرسلت الورود فقط ولم تأتي بنفسها . جلس مع عائلته وفكره مشغول بكاميليا وبالورود التي أرسلتها ، خرج من أفكاره وأمه تسأله :
    - ألم تأتي ريم لزيارتك ؟
    - ولماذا تأتي ؟.. هي مشغولة بسفرها .
    - أنت زوجها ولا تأت لزيارتك .. ربما هي من جلبت الورود .
    كان متأكد بأن الورود من كاميليا ولكنه سكت ، وأمه تتابع :
    - حتى وإن كنتما على خلاف يجب أن تأتي لتراك وتطمئن عليك .. هذا تقصير منها .
    سكت عماد وهو يشعر بألم انتابه مكان العملية ، فقال عصام لزوجة خاله :
    - هي متأثرة بما حصل بينها وبين عماد .. لقد طردها من المنزل .
    ظل عماد ساكتا وغير مبال بما قالته ريم عنه ، فقالت أمه مخاطبة عصام بحدة :
    - وابن عمك النذل .. لماذا يؤذي ابني ؟
    - عادل تصرف من نفسه فقد كان في منزلنا عندما جاءت ريم وهي تبكي .. أنفعل وصار يهدد ويتوعد أمامنا .. ظننا كلامه ناتج عن غضبه فقط لكنه فعلها .
    - لعنه الله لن نتنازل عن حبسه والشرطة تبحث عنه الآن وسيجدونه قريبا .. سينال جزاءه كالذي أحرق قلبي قبل سنوات .
    قالت كلمتها والشرر يتطاير من عينيها الدامعتين ، فاقتربت منها ندى وعانقتها وقالت لها :
    - كوني مطمئنة وهادئة ستسير الأمور على ما يرام .
    لم يجد عصام ما يقوله ، فكلهم أقارب والوضع أصبح شائكا بين أخته وزوجها وابن عمه . بعد قليل استأذن الجميع ونهض مع أمل وخرجا من المستشفى داعين لعماد بالشفاء العاجل . بقي والديه وأختيه معه لبعض الوقت وبعد آذان المغرب خرجوا وتركوه لأفكاره بكاميليا وبالورود التي أحظرتها له ، لا بد أن تكون هي . بعد دقائق طرق الباب وجاءت عمته وزوجها ومعهما ريم التي جلست في مقعد بعيد عنه وقالت له بحدة :
    - أنا أفضل منك .. أتيت لرؤيتك بعد الذي فعلته بي .
    طلبت منها أمها أن تكون أكثر لطفا مع زوجها وتنسى ما حصل ، ووجهت كلامها لعماد وقالت له :
    - ما الذي ستفعله مع عادل الآن ؟
    - سأبحث الأمر مع والدي .
    زمت ريم شفتيها ثم سألته :
    - ومتى ستخرج من المستشفى ؟
    - أشعر بتحسن بعد أن انخفضت الحرارة وأود الخروج في أقرب وقت .
    - يجب أن يطمئنوا من عدم وجود أي التهاب ناتج عن الإصابة .. إضافة لعدم تكرار النزيف والتئام جروح الطحال وشق العملية .. لذا عليك أن تبقى حتى تتعافى كليا .
    سكتت للحظة ثم أردفت :
    - أتمنى أن تخرج قبل سفري .. وإذا سافرت فسأتصل وأطمأن عليك .
    شكر اهتمامها البالغ به بتهكم ضايقها ، فلم يكن مهتما ببقائها أو سفرها فهو يعرف بأنه لا يعني لها شيئا وهي لاتهمه ولا روابط تربطهما كزوجين . ربما سفرها وابتعادها يجعله أكثر هدوءا وراحة . ربما ينام براحة دون أن يفكر فيها وفي مشاكلها ولا بكاميليا وبورودها ورسائلها .


    ردحذف
  82. الفصل 34




    جففت جسدها بالمنشفة ورطبته بمرطب له رائحة الشاي الأخضر ، وارتدت ملابس نومها ونظرت إلى الشارع من النافذة . مازلت الدنيا مظلمة ولم تشرق الشمس بعد . دست جسدها تحت لحافها المثقل بالدموع والأفكار ومسحت دموعها وهي تبتلع حبة الدواء التي تعودت عليها وصوت الدكتورة ليلى يرن في أذنها ( تحتاجين لثورة .. ثوري على نفسك وأفكارك ومشاكلك .. انتصري عليها ولا تدعيها تهزمكِ ) . مسحت دموعها وهي تسمع صوت ناصر عائدا من الخارج كعادته في نهاية الأسبوع . جلس على الأريكة المقابلة للسرير وقال لها :
    - لم تنامي بعد ؟ .. بعدك صغيرة على السهر .. ليش سهرانة ..
    ضحك بقوة وهو يصفق بيديه ، فرفعت رأسها وسألته :
    - ما بك تترنح .. هل أنت سكران ؟
    أجابها بصوت مرتفع وقال :
    - كلا ولكني تناولت حبة سحرية أذابتها في شراب سحري جعلتني أطير .. أنا أحلق بين الغيوم .
    نهض من الأريكة وهو يضحك ويردد بأنه يحلق بين الغيوم وأقترب من السرير وألقى بنفسه وخلال دقيقة غط في نوم عميق .. شعرت بالقرف منه ومما قاله فنهضت من سريرها وأخذت الوسادة لتنام في غرفة أخرى وحدها . شغلت جهاز الكمبيوتر وهي تفكر بعماد الراقد في المستشفى . فكرت بإرسال رسالة على بريده لكنها تراجعت . تنهدت وهي تتذكره ينام بإعياء على السرير . كيف تجرأت وزارته في المستشفى وطبعت على جبينه قبلة متجاهلة كونها امرأة متزوجة ، تعيش في القطيف وليس في باريس كما كانت تقول له يبدو بأنها نسيت ذلك .

    ********

    خرج عماد من المستشفى بعد أن تعافى ونصحه الأطباء بالراحة في البيت لمدة أسبوعين . ذهب بصحبة والده وفيصل إلى مركز الشرطة ليخرجوا عادل من السجن ، فلقد سلم نفسه بناء على نصيحة عمه ، لكن أم عماد أصرت على حبسه وعدم التنازل غير آبهة بأحد ، فبقي لعدة أيام وبعدها وقع تعهدا بعدم الاقتراب من عماد وزوجته .

    عاد إلى منزله وهو يحمل الورود التي أحضرتها كاميليا ولا يعرف لماذا يحملها معه ويستلذ بالنظر إليها بعد أن ذبلت . وضعها على الطاولة الصغيرة في الركن الفرنسي وجلس يشرب العصير مع ويم التي تستعد للسفر في اليوم ذاته إذا ستقلع طائرتها ليلا . كانا صامتان كعادتهما ولا يجمعهما الكلام ولا المشاعر ولا الأفكار . ألمه سفر زوجته في هذا اليوم بالذات بدلا من أن تكون بجانبه لترعاه ، فلطالما حلم بزوجة حنونة تسبغ عليه عاطفتها ورعايتها .
    مساءا ودعته ريم متوجهة إلى مطار الدمام وهو يتخيل لو أن فيصل مثلا من أصابه الحادث فندى ستبقى بجانبه بكل تأكيد ولا يمكن أن تتركه وتسافر في يوم خروجه من المستشفى . رفض الذهاب لمنزل والديه فبقيت نسرين معه في البيت وتحدثا قليلا ثم نام وهو يفكر بأنه وحيد حتى بعد زواجه وليس لديه من يحدثه ويشكو له . فكر بكاميليا التي أحضرت له الورود في المستشفى وتأكد أنها أتت بنفسها كما أخبرته الممرضة بأن امرأة متلثمة الوجه جاءت لرؤيته عندما كان مصابا بارتفاع في حرارة جسمه في اليوم التالي لإصابته .

    **********

    " بيقولوا الحب بيقتل الوقت
    وبيقولوا الوقت بيقتل الحب
    يا حبيبي تعى نروح
    قبل الوقت وقبل الحب .."


    توجه إلى مكتبه وهو يمسك بحقيبته ويخفي عينيه بالنظارة الشمسية والجميع يرحب به . جلس على الكرسي وطلب من موظف الكافتيريا أن يحضر له فنجان من القهوة ليبدأ بها يومه ، وقبل أن تصل القهوة وصل فيصل . تحدثا قليلا ومن ثم باشر كل منهما عمله . كان يشعر بأن هناك شيء ما متغير قي قلبه وحياته ، فهو اليوم رجل متزوج ووحيد في الوقت ذاته . زوجته بعيدة والمرأة التي يحبها بعيدة أيضا . أنهى عمله وغادر مكتبه متوجها إلى المصنع وفي الظهيرة أتصل به ماجد يدعوه إلى تناول الغذاء في مطعم الأكلات البحرية . التقيا هناك أكلا الجمبري المشوي مع الصلصة الخاصة وشربا اللبن المالح . وبعدها قال له ماجد بأنه يود التقدم لطلب يد أخته لأخيه " نزار " . عاد إلى الشركة وقرر أن يخرج مبكرا ويذهب ليرى أمه ويحدثها ، فأخذ جميع الأوراق والملفات ووضعها في حقيبته ليقوم بالجزء المتبقي في منزله .

    ردحذف
  83. جلس مع أمه وأخته نسرين وأخبرهما بأمر نزار . كان معجبا به ويعرفه جيدا بحكم صداقته مع ماجد ، فهو شاب خلوق ومتدين . عائلته من الطبقة المتوسطة ولكنه يعيش بطريقة لائقة وأمه تعرف كل هذا وتحب ماجد كثيرا فظن بأن الأمر سيكون سهلا معها ، لكنها سألته :
    - كم عمره .. ومن أين متخرج ؟ .. وأين يعمل ؟
    أخبرها بأنه متخرج من كليلة الإدارة ، ويعمل محاسبا في إحدى البنوك ، فقالت بنبرة كبرياء :
    - لست موافقة .. أريد زوجا لابنتي متخرج من أمريكا مثلا .. ومن عائلة معروفة وثرية .. ولا بأس لو كان طبيبا .
    - نزار شاب جيد .
    - الله يخليه لأمه .
    أراد أن يتكلم فهزت رأسها وكررت بأنها غير موافقة فهي لا تريد أن تزوج ابنتها من حساوي ( أحسائي ) ولن تتنازل عن شاب من القطيف إلا إذا كان طبيبا ، فسأل أخته عن رأيها فسكتت للحظات ثم قالت :
    - لا .. لست موافقة .
    سألها عن السبب فقالت باستعلاء :
    - هو بمواصفاته المتواضعة لا يستحقني .. كما اني لا أريد الزواج الآن .. مازلت صغيرة ولم أرى من الدنيا شيئا بعد .

    عاد لمنزله وقضى وقته في مكتبه ، وأنهى عمله وراجع بريده المتراكم من دعوات وفواتير وكشوفات بنكية وعندما انتهى قرأ الجريدة ووضعها جانبا . استلقى على الأريكة وهو يفكر بكاميليا وماذا ستفعل بعد أنهت تدريبها لتبدأ مرحلة جديدة من حياتها . لابد أنها ستتقدم للعمل في نفس المستشفيات التي ستتقدم لها نسرين وأمل فهن دائما معا . أتصل بأخته ليحدثها بأمر نزار ويتأكد من عدم تدخل أمه . فوجدها مصرة على موقفها ولا تريد الزواج الآن وترى نفسها صغيرة بعد والحياة مازالت تنتظرها ، وليست مضطرة للزواج بأي كان .

    *************

    عادت كاميليا إلى بيتها في حي الجزيرة . وضعت حقيبتها وعباءتها جانبا وتوجهت للمطبخ . أخذت زجاجة كولا وكأس وتوجهت لغرفتها . جلست على سرير تشرب الكولا المثلجة وهي في حالة لا تعرفها ولكنها ليست غريبة عنها ، تفكر بحياتها وقلقها وبعماد فقد أخبرتها نسرين بأن زوجته سافرت وهو وحيد في بيته . تساءلت ، هل يفكر بها كما تفكر به . هل عرف بأنها زارته في المستشفى وجلبت له ورود الكاميليا البيضاء . هل يقيم اعتبارا لهمساتها التي ترسلها له في الجريدة بين وقت لآخر . تمنت لو تتحكم في عقلها ولا تفكر به فهي امرأة متزوجة وتفكر باستمرار في رجل آخر .

    بكت أكثر وهي تفكر بحالها فهي زوجة مهملة وتعيسة وكئيبة . نهضت من سريرها وأخذت علبة الدواء تناولت حبة وهي تشعر بمرارة كلما تذكرت بأنها مريضة نفسية الآن . أغمضت عينيها وهي تتذكر كلام طبيبتها ، قالت لها في آخر زيارة قبل أسبوع ( إذا عرفت ما الذي تريدينه في حياتك ، ستكونين في طريقك الصحيح للبحث عن الحل ) .
    مازالت تفكر بعماد وتتابع أخباره التي تصلها عن طريق أخته ، ولا تستطيع سوى التفكير به وتذكر ما كان بينهما . كان بينهما عهود وحب وكلام وأشياء كثيرة كلما اختفت وأصبحت أفكار وذكريات تقلقها فقط . تساءلت عما تريده في حياتها وما الذي تطمح إليه . تذكرت بكائها أمام الدكتورة عندما قالت لها ( لا أريد رجلا غيره .. أريده لي وهذا نذر عليّ إيفاءه )

    **********

    كان المطر يهطل وهي ترتجف بين يديه وهو يتفحصها بعينه السوداويين . كانت تشعر بالبرد فملابسها مبتلة . أزاح عماد شعرها المبلل إلى الوراء وشفتيه تقبل وجهها ويده تتجول برقة في أنحاء جسدها وهي ترتجف من البرد والخوف . كانت تريد أن تتكلم وتقوله له بأنها تحبه ولكنها لم تستطيع النطق . رمت بنفسها بين ذراعيه وكأنها تريد أن تختبئ من كل الناس ولا أحد يراها أو يعرف مكانها . رفع رأسها بيده وأخبرها بأنه يحبها وينتظرها فأومأت برأسها إليه وهي تمعن النظر لوجهه وهو ممسك برأسها بكلتا يديه . أقترب منها أكثر وبدأ يقبل شفتيها بنهم وأرادت أن تمنعه لم تستطيع وفجأة شعرت بنفسها تهوي من أعلى . صرخت بقوة واستيقظت من نومها فزعة والعرق يبلل جسمها كله . بلعت ريقها وهي تفكر في الحلم الذي رأت نفسها فيه مع عماد تحت المطر في مكان مرتفع لا تعرف أين . كانت الساعة تشير إلى الرابعة فجرا ، نهضت واستحمت وصلت الفجر وعادت إلى سريرها . حاولت أن تنام لم تستطيع فأخرجت دفترها الخاص وبدأت تكتب همسة جديدة لتبعثها إلى الجريدة .

    ردحذف
  84. الفصل 35






    أمسك بالجريدة يتصفحها وقطعت نسرين قراءته عندما اتصلت تطلب منه الخروج معها لتناول العشاء خارجا . أرادت أن تخرجه من العزلة التي عاد إليها بعد سفر ريم ، فمنذ أن سافرت وهو يقضي معظم وقته في المنزل . عاد لقراءة الجريدة ووصل إلى الصفحة الثقافية ، ووجد همسة جديدة بانتظاره . قرأها بلهفة وفضول كبيرين ، فهو يريد أن يعرف ماذا كتبت له كاميليا هذه المرة .


    " يدي ترتجفان من القلق
    وعيني ذابلتين من الأرق
    وقلبي من الشوق أحترق
    فبدونك لا معنى لايامي
    أحبك وأريد تمضية العمر معك ..

    صبرت كثيرا ولم اعد أقوى
    وسهرت ولم اعد أقوى
    أتعبني الشوق والسهر
    وأضعفني التفكير والضجر
    إلى متى يا حبيبي؟..

    فإذا لم ترتعش روحك لعذابي
    وإذا لم يقرا قلبك كلماتي
    وإذا لم تردك دموعي وآهاتي
    فلن أفكر بك أبدا
    ولن أكتب لك أبدا .."


    كاميليا الناصر
    الرسالة الأخيرة
    .................


    تنهد ودقات قلبه تتسارع بقوة . أغمض عينيه وهو يفكر في الرسالة . إنها الرسالة الأخيرة التي تكتبها إليه ولن توجه له همسة علنية في الجريدة تخصه بها من بين القراء. أعاد قراءتها عدة مرات . وجد نفسه حائرا لا يعرف ماذا يفعل وظل يفكر فيها وفي هذه الهمسة الأخيرة . تساءل لماذا ستتوقف عن إرسال الهمسات له . هل سئمت من الكتابة إليه ، هل سئمت من انتظار حبه ؟ تأكد بان كاميليا مازالت تفكر به وتقصد كل كلمة كتبتها اليوم وفي المرات السابقة ولم تكن تريد أن تزعجه ، أو تلومه وتذكره بأنه السبب في ما حصل لهما .

    ظل يفكر في كاميليا حتى حان موعد خروجه مع نسرين التي أصطحبها وذهبا سويا إلى الخبر لتناول العشاء في احد الفنادق . قضى وقتا ممتعا برغم انشغاله بما كتبته كاميليا في الجريدة وتمنى لو تحدثه نسرين عنها كعادتها ولكنها لم تفعل . عاد لبيته قبل أن ينتصف الليل بقليل وتوجه لغرفته وهو ممسك بالجريدة . أعاد قراءة ما كتبته كاميليا مرة أخرى وشعور غريب ينتابه الليلة وهذه الهمسة هي السبب . كل همسة كانت تكتبها له تثير في نفسه عاطفة مختلفة ، ولكن هذه الهمسة أثارت في نفسه اللهفة لسماع صوتها . اخرج الجرائد التي كتبت له فيها وراح يقرأها منذ الهمسة الأولى .
    بدل ملابسه وأطفأ الأنوار ودس جسده تحت لحافه وهو مازال يفكر بها . شعر برغبة عارمة تجتاحه لسماع صوتها ، مد يده وتناول هاتفه الجوال . تنهد وهو يتذكر كيف حصل على رقمها قبل خمس سنوات ، وكم كان مشدودا لها ويحاول كشف هويتها والتعرف عليها . الآن هي توجه له نداء علنيا في الجريدة وهو متردد . فكر بالاتصال بها وتراجع بسرعة . ماذا سيقول لها ، هل سيعاتبها أو يوبخها ، أو يقول لها بأنه لم يتوقف عن التفكير بها برغم من كل شيء . وبدون أن يشعر ضغط على رقم هاتفها الذي يحفظه عن ظهر قلب وراح يستمع لنغمة الهاتف وقلبه يخفق في صدره بقوة .. الرنة الأولى والثانية والثالثة .. والرابعة ثم أجابت .
    ظل ساكتا وهو لا يسمع أي صوت من الطرف الآخر .لم يتكلم وظلت هي ساكتة ولكنه عرفها من أنفاسها . كان متأكد من أنها هي من تجيب ولكنها آثرت الصمت . ربما تكون مندهشة من اتصاله ، وربما تهزأ منه . أبعد سماع الجوال عن أذنه ونظر لعداد الوقت قد تجاوز الخمس دقائق من الصمت . استجمع شجاعته وقال بصوت متردد :
    - آلو ..
    وجاءه صوتها الرقيق ، الصوت الذي عشقه منذ أن سمعه صدفه عبر الهاتف . قالت له برقة ممزوجة بالعتب :
    - ولماذا تسكت .. أليس لديك ما تقوله لي ؟
    تنهد وسكت لا يعرف ما يقول ، فسألته :
    - لماذا تتصل بي ؟
    بلع ريقه وقال :
    - لم أتحمل فكرة أن لا تكتبي لي من جديد .. لا أريد أن أكون خارج مدار حياتك .
    تنهدت وأخبرته بأنها كتبت همستها الأخيرة بإحساس كبير وهي صادقة في ذلك . تفاجأ مما قالته فسكت للحظات ثم قال لها :
    - أريد أن أراك .. ما رأيك لو نلتقي عصر الغد لنتحدث ؟
    - لا استطيع .. فعدا يعود ناصر من رأس تنورة .. و..
    قاطعها وسألها عن علاقتها به وحياتها معه ، فاغصبها سؤاله وهو يعرف ظروف زواجها كاملة فاعتذر منها وقال :
    - ضروري أن أراك .. سآتي لا اصطحابك الآن .. أين منزلك ؟
    لم تتوقع أن يطلب مقابلتها الآن بعد كل الذي حدث بينهما ، وبعد هذه القطيعة وهما متزوجان الآن ويريد أن يخرج معها بعد منتصف الليل ، قالت له باستنكار :
    - الساعة تشير إلى الثالثة فجرا .. هل أنت مجنون ؟
    - نعم .. وتجبني ما قد يفعله المجنون في هذا الوقت .
    حاولت أن تقنعه بأن يتفقا على اللقاء في وقت آخر فمازلت غير متأهبة نفسيا للقائه ، ولا تعرف كيف تواجهه وماذا تقول له ، لكنه أصر وقال لها بأنه يعرق الحي الذي تكسنه لكنه لا يعرف البيت بالتحديد وهو مستعد لفعل أي شيء لرؤيتها حتى لو اضطر للاتصال بنسرين وسؤالها .

    ردحذف
  85. بقيت كاميليا تحت تأثير الصدمة من اتصال عماد بها بعد سنة ، وكم كانت تنتظر اتصاله قبلها . ظلت تنتظر اعتذاره عما فعله بحقها . سيطرت عليها الحيرة وهي تفكر وتتساءل بم يفكر ولماذا اتصل بها الليلة بالذات . لماذا تذكرها وهل كان يقرأ رسائلها الموجهة إليه في الجريدة . رن هاتفها مرة أخرى وجاءها صوته من جديد . اخبرها بأنه في سيارته وبعد دقائق سيكون في الحي حيث تسكن . قالت له :
    - لا تكن متهورا ومجنونا .
    أجابها منفعلا :
    - وهل نفعني عقلي عندما خسرتك .. أين منزلك ؟.. سآتي وإذا لم تنزلي لي سأحدث فضيحة في الحي كله .
    بلعت ريقها وأخبرته بأن منزلها يقع أمام مدرسة البنات ، وبسرعة بدلت ملابسها وارتدت عباءتها وما أن انتهت حتى أتصل بها يعلمها بوصوله . خرجت مترددة وخائفة وهي تغطي وجهها خوفا من أن ينتبه لها أحد من الجيران ، وجدته واقف بجانب سيارته بكل وسامته وسحره وثقته بنفسه . فتح لها باب السيارة فاقتربت منه وركبت وركب بجانبها وابتعد بسرعة . نظر إليها وطلب منها برقة أن تزيح الغطاء عن وجهها . رفعت غطاءها وأظهرت له وجهها فرمقها بشوق بالغ وقال :
    - أنا مشتاق للكحل الأسود في عينيك .. لحبة الخال بجوار فمك .. ولم أنس ما حدث في باريس .
    أحست ببرودة تسري في جسدها وظلت ساكتة وهو يسير بسيارته بسرعة في شوارع القطيف الشبة خالية متجها إلى الدمام . كانا ساكتين وهو يتقاسم النظر إليها مع الطريق كل لحظة ، وهي تنظر للميدالية الزجاجية التي أهدتها إياه . أراد أن يكسر الصمت المطبق فأدخل اسطوانة موسيقية لفيروز وبدأت تصدح بصوتها الملائكي ..

    " يا أنا يا أنا .. أنا وياك
    صرنا القصص الغريبة
    يا أنا يا أنا .. أنا وياك
    وانسرقت ماكتبتي
    وعرفوا إنك حبيبي .."

    كانت عينيها مصوبة على آية الكرسي في الميدالية التي أهدتها إياه ، والمعلقة على مرآة سيارته . مازال يحتفظ بها لتحميه وتقيه من الشر والحسد كما قالت له . تنهدت وهي تفكر بنفسها وبالطريق الذي تمشيه الآن ، شعرت بيده تقترب من يدها وهو ينظر إلى الميدالية . ظلت صامتة وأصابعه تتحسس يدها برقة جعلتها تضغط على يده قليلا وقلبها يرجف وتتمنى لو تلقى بنفسها بين ذراعيه حتى لو قتلها . توقفت السيارة في كورنيش الدمام بعد ربع ساعة من الصمت وتبادل النظرات السريعة . وجدا المكان خال سوى من السيارات المارة وبعض الشباب الذين انتهت سهرتهم للتو .
    أسندت كاميليا رأسها إلى الوراء وهي تشيح وجهها عن عماد الذي فتح لها الباب ومد له يده ودعاها للنهوض . نزلت دون أن تمسك بيده وفرش البساط على الأرض ودعاها للجلوس . قالت له بعد تنهيدة عميقة :
    - ما الذي تريده مني ؟
    سكت وهو يتأمل عينيها العسليتين المغلفتين بالدموع وأجابها :
    - أنا أريدك ؟.. وأنت ما الذي تريدينه ؟
    نظرت إلى السماء وقالت :
    - لا أعرف ؟
    تفادت النظر لعينيه وهو يقول لها :
    - أنا أحبك .. ومشتاق لك كثيرا .
    تنهدت وارتسمت على وجهها ابتسامة سخرية والدموع تغرق عينيها وسألته :
    - وهل تحبني وأنا امرأة مريضة نفسيا .. ومتزوجة تخون زوجها بخروجها معك ؟!
    عقد حاجبيه وأمسك بيدها :
    - زواجك باطل ولا أعترف به .. أنت تحبيني ..و ..
    قاطعته ودموعها تسقط من عينيها :
    - ولماذا قلت بأني خدعتك وبأني لا أحبك وأهنتني وأنا في بيتك ذلك اليوم .
    اختنقت بدموعها فسكتت وهي تبكي . ضغط على يديها وهو يريد أن يضمها إليه ويهدئ من روعها ولكن وجوده أمام السماء والبحر والعشب الأخضر والشوارع في الدمام منعه من ذلك . قال لها :
    - أعرف بأني كنت قاسيا ولقد دفعت الثمن بالكامل من أعصابي وقلبي .. يوم زفافك شعرت بأني مستعد لفعل أي شيء لاستعادتك .. لم أتخيل أن تمسك يد رجل آخر .. تمنيت لو أنني أخذت بيدك وذهبنا لأي مكان وأصبحنا زوجين .. ندمت لتصرفي معك وندمت على زواجي ولا فائدة .. لم أتمنى أن يرجع الزمن إلى الوراء لأصحح أخطائي كما أتمنى الآن .
    أخرجت من حقيبتها منديلا وراحت تمسح دموعها وهي تقول له بحرقة عجزت عن إخفاءها :
    - لقد دمرت حياتي .. أنا امرأة محطمة وأنت السبب .. أعيش مأساة بدأها والدي وأنت أكملتها .
    ظل يتأملها وهي تمسح دموعها وقال :
    - تغيرت كثيرا .. من الذي غيرك ؟.. فقبل سنة كنت فتاة صغيرة ومدللة .
    تنهدت وأردف يقول وهو ينظر للبحر :
    - لو أستطيع أن أرجع الأيام والزمن إلى الوراء لمرة واحدة في عمري لما جعلتك تخرجين من البيت وأنت تبكين ذلك اليوم .
    استمرت في البكاء رغم كرهها لرؤيته لها تبكي فذلك يشعرها بضعفها أمامه ويذكرها بما أحسته عندما طردها . قالت له :
    - لقد تعبت كثيرا ولجأت إلى طبيبة نفسية لم تفلح هي مع أدويتها في ردم الجروح العميقة التي خلفتها في قلبي .. جرحتني وكتبت لك في الجريدة لأشعرك بتأنيب الضمير وأثير في نفسك الذكريات والوعود .

    ردحذف
  86. نظرت له بعمق وقالت له من بين دموعها :
    - كثرت الجروح في روحي .. أنا لست أنا .. وأفقد كاميليا السابقة .
    مسح دموعها بيده وطلب منها برقة بالغة أن تتوقف عن البكاء وعن أخذ الحبوب النفسية التعيسة ، فتنهدت وقالت :
    - لا أعرف لماذا أنا معك .. أحبك ولا أستطيع أن أنكر ذلك ولكن ..
    أقترب منها أكثر وحاول أن يضمها إليه فقالت له :
    - تعقل فنحن في الشارع .. ماذا لو رآنا أحد ؟.. الشرطة أو رجال الهيئة .
    سكتت للحظات ثم سألته :
    - ولماذا أتيت بي إلى هنا ؟
    لم يجبها ونهض ودعاها للنهوض وأمسك بيدها ومشيا ببطء نحو البحر . ملأت رئتيها بالهواء ودموعها مازالت تغرق وجهها وقالت :
    - ليت البحر قادر على غسل قلبي من كل أحزانه .
    نظر إليها وأجابها مبتسما :
    - لا يستطيع البحر ذلك .
    استغربت رده فأوضح لها :
    - أنا الوحيد القادر على ذلك .. أنا المسئول .
    رفعت رأسها للسماء وهي تلاحظ تغير لونها فقد بدأت الشمس بنشر نورها على أرجاء الدنيا . بلعت ريقها وطلبت منه أن يعيدها إلى المنزل ، فهز رأسه نافيا وقال :
    - لن أفعل .. سنعود إلى القطيف ونشتري إفطارا ونذهب إلى المزرعة لقضاء بعض الوقت .. وعندما تصبحين بخير أعيدك إلى المنزل .
    أرادت أن ترفض لكنها لم تتمكن ، أمسكت بيده عندما مدها إليها مشت بقربه وصعدت سيارته ، وقبل أن يتحرك نزعت خاتم الزواج من يدها ورمته من النافذة فهي لا تريد أن يذكرها خاتم من الذهب بأنها متزوجة . ذهبا إلى شارع المطاعم وكان خاليا اشترى عماد فطورا من إحدى محلات الفول والتميس . وصلا إلى المزرعة والشمس قد أشرقت و العصافير تطير في السماء الصافية تغازل الأشجار . دخلا الاستراحة وتوجهت كاميليا إلى الحمام ، توضأت وصلت صلاة الصبح خلف عماد . وبعد أن فرغت قال لها مبتسما :
    - هل دعيت لي في صلاتك ؟
    وبنظرة أسى أجابته :
    - أنا أعو لك دائما .. ولكن أخشى أن لا يقبل الله دعائي .

    جلست في أحد زوايا الاستراحة بجلستها العربية الأنيقة التي زارتها من قبل مع نسرين وأمل وفاجأت عماد يومها بقدومها . أغمضت عينيها وأسندت رأسها للوراء وهي تشعر بتعب بعد هذه الليلة المليئة بالأحداث ، وفتحتهما عندما جاء عماد . دعاها لتناول الفطور فشربت رشفة من الشاي وهي ساهمة وعماد ينظر إليها . سألها :
    - هل تشعرين بالنعاس ؟
    لم تنطق واكتفت بالإيماء له بالنفي ، فقطع بيده الخبز وأعطاها ودعاها للأكل . راحت تأكل وهي ساكتة فخاطبها بنبرة غيرة بدت واضحة في طريقة كلامه :
    - هل تودين العودة لمنزلك لتنتظري زوجك وتستعدي لاستقباله ؟
    رشقته بنظرة حادة وآثرت عدم الرد ، فسألها :
    - ولماذا لا تجيبين ؟
    ضغطت على كأس الشاي بقوة ورفعت حاجبها وقالت بغضب :
    - لست مضطرة للإجابة على هذا السؤال السخيف .
    سألها بطريقة أزعجتها أكثر :
    - هل تحبيه ؟.. هل تشتاقين لعودته وتتمنين أن يكون بقربك الآن بدلا مني ؟
    لم تتملك نفسها وعماد يزعجها بأسئلته فرمت بكأس الشاي وانكسر أمام اندهاشه من ردة فعلها . ظل ساكتا وهي تبكي وقالت له وهي تنتحب :
    - أنا أعيش في عذاب معه وأنت تسألني إذا كنت أحبه .. أنت تضعني في ضغط نفسي كبير لا أتحمله .
    بلعت ريقها وقالت له وهي تنظر لعينيه السوداويين :
    - ما الذي تريد أن تعرفه بالضبط ؟.. إن كنت تقصد علاقتنا الزوجية فلا شيء بيننا .. وأنا مازلت كما أنا .
    أكتفى بالنظر إليها وهي تبكي . نهضت غاضبة من مكانها ، ولحق بها وهي تحاول الخروج من الاستراحة . امسك بذراعها بقوة وقال :
    - أنا آسف .. فأنا احترق من الغيرة كلما فكرت بأنك معه طوال الوقت .. ولذا أتفوه بأي كلام .
    رفعت رأسها ودموعها تسقط من عينيها بغزارة وقالت له بغصة :
    - يبدو أنك مصمم على إيذائي .
    أمسكها من كتفها وعينيه مصوبتان على عينيها فأدارت وجهها الغرق بالدموع عنه فهي لا تحتمل عمق نظراته ، وقال لها بلهجة آمرة :
    - أطلبي منه الطلاق .. لا داعي لبقائك معه أكثر فأنت من حقي أنا .
    نظرت إليه وقالت بنهنهة :
    - طلبت الطلاق عدة مرات ورفض .. تركت المنزل بعد أن اكتشفت علاقته بالخادمة وأعادني والدي إليه رغما عني .. أنا محكوم علي بالسجن المؤبد معه .. لا تفديني المقاومة ولا الثورة ولا الانتفاضة .
    بكت بمرارة وهو يقول لها :
    - أنا أحبك ويجب أن تكون لي .. أنا مستعد لفعل أي شيء لننتهي معا .
    ضمها إليه بقوة وهي تبكي بيأس وحزن على صدره ، وتستشعر حبه وحنانه وعاطفته التي تمكن من دك حصونها بقوتها فقط . رفعت الرايات البيضاء على قلبها مستسلمة ولم تنفعها حراسها وجنودها . بكت كما لم تبك من قبل وهي بين يديه ومختبئة بين ذراعيه . ساعدها على الجلوس وجلب لها كأسا من الماء البارد . بلل يده ومسح وجهها ودعاها لشرب القليل لتهدأ . ضمها إليه مجددا ومسح دموعها وهو يطمئنها بأنه سيجد حلا مناسبا ليخلصها من ناصر حتى وإن اضطر لقتله

    ردحذف
  87. الفصل 36
    استيقظت من نومها في السابعة مساء وهي تشعر بتعب بعد ليلة قضتها سهرا بالحديث والبكاء والعتاب ، ومع من ؟ مع عماد الذي تركها تبكي قبل عام ولم يبالي بدموعها وانكسارها . تركها تواجه حياتها مع ناصر ، والآن عاد ليقول لها بأنه مازال يحبها ووعدها بأن يجد لها حلا . وعدها بالخلاص كما وعدها بالحب والسعادة وكانت النتيجة هلاكها .
    ثلاثة أيام مرت على تلك الليلة الطويلة مع عماد في كورنيش الدمام والمزرعة . ورغم رفضها لملاقاته أثناء وجود ناصر في القطيف عمد الاتصال بها بين وقت وآخر ليطمئن عليها . أراد أن يراها لكنها رفضت لقاءه ، واكتفت بالمكالمات الهاتفية . خشي أن ترفض لقاءه مرة أخرى بعد تلك الليلة لكنها أخبرته بأنها ستراه من جديد بعد أن يذهب ناصر لعمله مساء الجمعة . في الثامنة مساءا أتصل بها وأخبرها بأنه في طريقه إليها ليصطحبها إلى العشاء ، وبرقة طلب منها أن تضع الكحل الأسود في عينيها فهو مشتاق إليه ، ضحكت من قلبها وهو يأخذ عليها عهدا بذلك .

    تعطرت وتزينت ، ورسمت الكحل الأسود حول عينيها ووضعت أحمر الشفاه للامع ، ثم وضعت خاتم الياقوت في يدها والقرطين الماسيين في أذنيها وراحت تنتظر قدومه بشوق كبير .ظلت تفكر به وبهذا اللقاء . كم تحبه ، وكم هي ضعيفة أمامه ولا تستطيع أن ترفض له طلبا وتتلهف للقائه والخروج معه . رن هاتفها الجوال ولابد أن عماد هو المتصل بكل تأكيد ليخبرها بأنه ينتظرها أمام باب البيت ، لكن أمل هي المتصلة تذكرها بدعوة العشاء من إحدى زميلاتهن . اعتذرت عن عدم تمكنها من الذهاب ، وأخبرتها بأنها مدعوة على العشاء مع الحبيب المجهول الذي عاد إليها منذ البارحة . صعقت أمل من كلامها ، وحذرتها طالبة منها التعقل فهي متزوجة . ألقت عليها محاضرة طويلة حاولت من خلالها أن تثنيها عن لقاء حبيبها لكن كاميليا قالت لها بأنها ستخرج معه وستراه رغما عن الناس والمجتمع وأهلها والدنيا بأسرها . لم يعد يهمها الناس وأن لاكوها في أفواههم وأصبحت حديثهم في المجالس وعلى سماعات التليفون ورافقتها لعناتهم . لم ينفعها أحد عندما أرغمت على الزواج بناصر وعاشت معه سنة تعيسة أصبحت خلالها مريضة تراجع عيادة نفسية وتأخذ حبوبا عن الكآبة وحبوبا أخرى للنوم .

    ركبت سيارة عماد . أمسك بيدها وطبع عليها قبلة أثارتها وغمرتها بسعادة لم تشعر بها من قبل أن تعرفه . عندما أغرقها باهتمامه وعاطفته . سارا في الطريق المؤدية إلى الخبر لتناول العشاء وصوت فيروز يصدح برقة وعنفوان ..

    " تبقى ميل تبقى أسأل
    متل الأول ضل أسأل
    الله لا يشغلك بال
    وديلي منك مرسال
    أسأل .. أسأل .."

    جلسا على طاولة في القسم العائلي في المطعم الهندي ، وسترهما النادل عن بقية الطاولات بحاجز خشبي أنيق . أزاحت كاميليا اللثام عن وجهها وأرخت حجابها وعماد مبهور بجمالها أخذ يتأملها بصمت على صوت الموسيقى الهندية الرائقة . بدت فاتنة بالكحل الأسود ورموشها الطويلة وحبة الخال راقدة في زاوية فمها . ابتسم وأمسك بيديها وقال لها برقة :
    - أنت فاتنة .. أنت قطعة السكر التي أعشقها .
    ضحكت وقالت له بصراحة لم تحدثه بها من قبل بأنها تحبه وسعيدة لعودتها إليه ، وختمت حديثها عندما أخبرته بنعومة بأنه صاحب أجمل عينين سوداويين رأتهما في حياتها . ابتسم بسعادة وأردف يقول :
    - أحبك جدا ..

    ردحذف
  88. قطع النادل كلامه عندما جاء وسأله عما يريدان تناوله . اختارت كاميليا السلطة الخاصة وسلطة الخيار بالبن والكولا المثلجة . أختار عماد الطبق الرئيسي وهو الربيان المشوي مع البطاطس المقلية . أكلا وتحدثا كثيرا ، كانت تود أن تسأله عن حياته بعد سفر زوجته لكنها لم تفعل ، ظلت تتحدث معه مستمتعة بنظراته الشغوفة ، وكلماته وغزله ولهفته . لم تشعر بالسعادة كما أحست بها هذه الليلة . سعيدة مع عماد الذي أطلقت عليه الحبيب المجهول في أحاديثها مع أخته وابنة عمه .
    ذهبا ليكملا السهرة في أحد المقاهي . جلسا قريبين من بعضهما شربا القهوة ، وضحكت من قلبها ويده تبعثر بشعرها ، ونظراته تلثم وجهها وعينيها ويديها . في الواحدة طلبت كاميليا منه أن يأخذها لبيتها فوافقها على مضض رغم رغبته بقضاء الليل معها . وصل لمنزله واتصل بها مباشرة ، لم تكن كاميليا متأكدة أنها كانت مستيقظة أو نائمة وتحلم بصوته وهو يقول لها بأنه يحبها ويريدها ، ويتمنى أن يكون معها لوحدهما وحتى وإن كانا في سجن أو غابة أو في المريخ .

    نامت دون أن تأخذ حبوبها وهي تسمع صوت عماد يهمس في أذنيها ، واستيقظت أثر اتصاله بها صباحا . شعرت بالسعادة ونشوى وهو يخبرها بأنه فتح عينيه وأتصل بها مباشرة . غسلت وجهها ورطبته بالقليل من الكريم ومررت الكحل الأسود بحرفية على جفنيها . خرجت معه ولم تسأله عن وجهتهما وإلى أين سيأخذها . كانت سعيدة وهي تنتظره ومستعدة للذهاب معه لأي مكان . عرض عليها الذهاب للخبر وتناول الفطور في المجمع التجاري لكنها رفضت فهي تخاف أن يلحظها أحد . خرجا وهما لا يعرفان إلى أين يذهبان . يريدان مكانا لا يعرفهما أحد فيه ، عرض عليها الذهاب للمزرعة لقضاء النهار معا ، فقالت له وهي ترى حماسه :
    - ألن تذهب للشركة ؟.. اليوم السبت وهناك دوام .
    هز رأسه نافيا وضحك فهو مستعد لترك كل شيء وراء ظهره مادامت معه . ابتسمت فهي أيضا أخبرت صديقتيها بأنها عادت للحبيب المجهول واعتذرت عن لقائهما . ظنتها أمل تكذب لكن سعادتها الغامرة جعلت صديقتيها تصدقان وحذرتاها من التهور في علاقتها معه . سارا في شارع القدس متجهين نحو متجر واشتريا علبة لبنة وعلبة زيتون أخضر ، وكيس من الخبز الطازج وعددا من علب العصير والكولا . كانا سيعيدان وهما يضعان ما اشترياه في سلة التسوق وكأنهما زوجان يشتريان حاجياتهما ولا أحد يعرف بأن كل واحد منهما متزوج ولكن من شخص آخر . تذكر عماد وجبة الغذاء فذكر كاميليا وسألها بابتسامة عن الطبق الذي ستعده له . اندهشت وضحكت للفخ الذي أوقعها به فهي لا تجيد الطبخ ولا تحب غير تناول الطعام ، لكنه أصر فوافقته شريطة أن تطهو له شكشوكة . اشتريا ما يلزم وأكملا طريقهما إلى المزرعة وهما يستمعان لأغنية فيروز كان الزمان وكان التي تذكرهما بذكرى خاصة . دخلا الاستراحة سويا وضع عماد ما اشتراه في المطبخ وخرج ليجد كاميليا جالسة مستندة على أحد المساند وقد أرخت حجابها ونزعت النظارة الشمسية عن عينيها . جلس بجوارها ملاصقا فابتعدت عنه قليلا وضحك وهو يقول لها بأنه يحبها بعيدة أو قريبة . نهضت تعد الفطور بنفسها أمام عينيه التي تراقبها بسعادة وحب . وضعت حبات الزيتون في الطبق وفرشت اللبنة وسكبت عليها القليل من زيت الزيتون وحملته مع العصير في الصينية . تناولا فطورهما البسيط وضحك من قلبه عندما غنت له كاميليا أغنية الصبوحة ( عالبساطة البساطة يا عيني عالبساطة .. تغديني جبنة وزيتون وتعشيني بطاطا ) . كانا سعيدين وهما يتجهان لإسطبل الخيول ، وعماد يسرج خيله المفضلة ويساعدها على امتطائه . ركب خلفها وراحا يسيران في أرجاء المزرعة .
    - أنا في الجنة .
    هذا ما قالته كاميليا لعماد الذي نزع عنها حجابها ورمى بربطة شعرها على الأرض وبعثر شعرها بيده وهي مستندة على صدره . كانت فعلا تشعر بأنها في الجنة ، وكأنها حواء وعماد آدم ، فقال لها ممازحا :
    - وماذا عن التفاحة ؟
    ابتسمت وأجابته :
    - لن نقترب منها حتى لا نطرد من الجنة .

    تجولا في المزرعة بهدوء وهما يتحدثان ، وعندما اشتدت شمس الظهيرة عاد إلى الاستراحة . جلسا يشربان العصير وهما يتحدثا في أمور عديدة ، فاتحها عماد بمستقبل علاقتهما . طلب منها أن تعود لبيت والدها وتطلب الطلاق ، فرفضت لمعرفتها بأن والدها سيعيدها لناصر رغما عنها ، كانت تشعر بالقرف وهي تتذكر نفسها ووالدها يعيدها كالعنزة إلى حظيرة ناصر . قطع رنين هاتفه الجوال حديثهما عندما اتصل به فيصل يسأله عن سبب تغيبه عن الدوام فأخبره بأنه مشغول ولن يذهب اليوم للمصنع والشركة ، ومن ثم أقفل هاتفه فهو لا يريد أن يتصل به أحد وطلب من كاميليا أن تقفل هاتفها أيضا .

    ردحذف
  89. في الواحدة بعد الظهر توجهت كاميليا للمطبخ لإعداد الشكشوكة وعماد يساعدها وتناولاها مع الكولا وهو يمازحها ويشكرها فلقد تعبت في إعداد الغذاء الدسم . استند بأريحية على أحد المساند وكاميليا سعيدة بجانبه تشعر بقربها منه . أغمضت عينيها وهو يشم شعرها ، تذكرت ما قاله الشيخ عن الحب المحرم . ما قاله ينطبق عليها لكنها رفضت هذه الأفكار وأحلت حبها لعماد وشرعته ، وان كانت متزوجة برجل آخر لا تطيقه ورمت بخاتم زواجها به في كورنيش الدمام في الليلة التي عادت فيها لحبيبها . أسندت رأسها على كتفه بعفوية وذكرته بأحلامهما قبل سنوات .
    - مازلت أراك زوجتي وأم أولادي .. وأحلم بأن أعود من عملي يوما ما وأراك بانتظاري .
    قال ذلك برقة ففتحت عينيها وراحت تنظر له بصمت فتنهد بقوة وأردف :
    - ما هو الثمن الذي يتوجب علينا دفعه للحياة لكي تجمعنا سويا ؟
    سكت زاما شفتيه وهو يفكر بجديه في ثمن السعادة الذي سيدفعه مهما كان غاليا ، فرفعت كاميليا رأسها من كتفه وقالت له وهو تتأمل عينيه السوداويين الغامضتين .
    - أحبك .. وأريد أن أكون معك .. سآكل من التفاحة حتى لو طردت من الجنة .
    ابتسم وضمها إليه بقوة وظلا متعانقين في سكون وهما في عالم آخر لا أحد فيه غيرهما . كانا سعيدان دقات قلبيهما الخافقة وأنفاسهما المتلهفة . تذكرت كاميليا كلامها السابق لعماد عن الحب في السعودية عندما قالت له بأن الحب حرام هنا لذا يطاردونه ويعتقلونه أو يغتالونه . والآن هي بين ذراعي حبيبها رغما عن كل شيء وتعيش قصة حب لم تحلم بها يوما . ابتعدت عن عماد قليلا وراحت تنظر إليه وهو يتأمل عينيها العسليتين المحاطتين بالكحل الأسود ، فأمسك بجانب رأسها بيده اليسرى وسبابة يده اليمنى تتحسس حبة الخال في زاوية فمها . كان جادا عندما قال لها بثبات تشوبه الرقة :
    - أريد أن أقبلك ومستعد للموت بعد ذلك .
    فاجأها ما قاله فلم تستطيع أن تنطق . ظلت ساكتة تحدق بعينيه المتلهفتين وهو يقترب منها ، وشفتيه تلامس زاوية فمها بنعومة ، وقلبها ينبض بقوة وشفتيه تنتقل ببطء لتقطف القبلات من فمها . استسلمت لعناقه وقبلاته التي أشعلت وجهها وعنقها ، ويده تتجول برقة وانسيابية في جسدها المغطى بالعباءة .
    - هذا لا يجوز يا عماد .. أرجوك .
    قالت له ذلك وهي تشعر بأنها ستذوب بين يديه . حاولت أن تبتعد عنه لأنهما يتخطيا الخطوط الحمراء ، وأختلط الحلال بالحرام وهي لا تستطيع الإنكار فكل ما يشعران به ليس من حقهما . تماديا ويد عماد تمتد لعباءتها ويفك أزرارها العلوية . حدق بشغف وأذهلته ملابسها التي تظهر صدرها بشكله الطبيعي الجذاب . شعرت بأنها مشوشة بين عاطفتها التي لا تستطيع لجمها وبين تحذيرات صديقتيها . تذكرت كيف لامت سماح عندما أخبرتهن بأنها حامل من خطيبها بعد عقد قرانهما ، وكيف أجبرها والديها على إلغاء حفل الزفاف خوفا من الفضيحة عندما تظهر في الحفل وتغيرات الحمل ظاهرة في جسدها ويتداول الناس خبر العروس الحامل التي تحمل الطفل بين يديها بدلا من باقة الورد كما كانوا يتندرون من كل فتاة تتزوج وهي حامل . بلعت ريقها ووقفت بوجه مشاعرها التي طغت على عقلها واستجمعت شجاعتها ونهضت وقالت له :
    - هذا يكفي .. ليس من حقنا أن نحب بعضنا بهذه الطريقة .
    حاول إقناعها ، لكنها ارتدت عباءتها ووضعت حجابها على رأسها والدموع تندي عينيها وطلبت منه الخروج من المزرعة حالا فهي تريد أن تعود لمنزلها . ظل عماد ساكتا فصرخت فيه بانفعال ودموعها تتساقط ببطء على خديها :
    - أعدني لمنزلي حالا فلن أبقي هنا .
    أقترب منها وأمسك بيدها ودعاها للجلوس لكنها كانت مصرة على الذهاب قالت له صراحة بأنها عذراء وعليها أن تبقى كذلك . هز رأسه وجلب لها كأسا من الماء شربت منه وخرجا من المزرعة . كانت الشمس توشك على الغروب وهما يسيران بصمت مطبق عائدين إلى وسط المدينة .

    ردحذف
  90. ظل عماد يقود سيارته وهو ينظر لكاميليا التي أشاحت وجهها عنه وعينيها على الشارع من خلال النافذة . مد يده ليسمك يدها فأبعدتها ، فهي لا تريده أن يلمسها وتضعف من جديد أمام حبه . قال لها :
    - لا تعامليني بهذه الطريقة .
    لم تنظر إليه وظلت ساكتة فتنهد وقال لها :
    - أعملي بأن الإنسان لا يتحكم بقلبه ومشاعره .. والقلب الذي يحب كاميليا لا يستطيع أن يحب غيرها .

    وصلا إلى حي الجزيرة أوقف عماد السيارة أمام باب منزلها . همت بالخروج فأمسك بيدها رغما عنها وقال لها بأنه سيتصل بها حالما يصل إلى منزله . توجهت مباشرة لغرفتها ورمت نفسها على السرير . استعاذت من شيطان الهوى وراحت تبكي وهي تفكر بما حصل اليوم وتحمد ربها على أنها تصدت لطغيان حبها في الوقت المناسب . انتحبت بقوة وهي وحدها في هذا البيت الخالي ولا تستطيع أن تقول لأحد عما تشعر به . كانت تشعر بثقل كبير يجثو على صدرها ويمنعها من التنفس براحة ، فنهضت وأخذت منشفتها ودخلت الحمام لتستحم . فركت جسدها بقوة وكأنها تريد أن تغسل عنه قبلات عماد ولمساته . وقفت تحت رشاش الماء وهي تبكي بقوة وقد عقدت عزمها على قطع علاقتها بعماد ، فلن تعود للقائه أو الحديث معه بعد اليوم .

    خرجت من الحمام وارتدت ملابسها دون أن تضع كريماتها الخاصة أو الزيت العطري ، وفرشت سجادة الصلاة لتصلي المغرب . بكت وهي تفكر بمواجهة ربها بعد الذي حدث . بكت بحرقة وهي تدعو الله أن يغفر لها ويسامحها وأعلنت توبتها عن هذا الحب الذي طغى عليها . لن تسمح لنفسها بأن تفكر بعماد وستحكم عقلها ولن تسمح لقلبها بالنبض حبا له .ذهبت إلى المطبخ وجلبت لها قنينة كولا وعادت لغرفتها . شربت كأس الكولا وأخرجت هاتفها الجوال من حقيبتها الخاصة لتفتحه ، وما أن ضغطت على الزر وظهرت شاشة الترحيب حتى أتاها اتصال عماد . أجابت عليه بسرعة لتقول له عن عزمها على قطع علاقتهما فجاءها صوته الحنون :
    - لماذا لم تفتحي هاتفك يا قطعة السكر .. ظلت أتصل بك وجهازك مغلق .. هل أنت بخير ؟
    بلعت ريقها وهي تشعر بالضعف أمام صوته وعتابه وقلقه عليها . فتنهدت وقالت له :
    - ما بيننا انتهى .. لا تتصل بي .. مرة أخرى .
    تفاجأ من كلامها فلم يجادلها .. وطلب منها أن تهدا وترتاح وسيتصل بها في اليوم التالي ليطمأن عليها .. قالت له بحدة :
    - لا تتصل بي مرة أخرى .. لقد اتخذت قراري ولن أعدل عنه .. مع السلامة .

    أغلقت هاتفها ووضعته على الطاولة وبكت بشدة . بكت على التعاسة التي تشعر بها الآن فلقد ازداد أمرها سوءا . أرادت أن تتوقف عن التفكير فأخرجت حبوبها القديمة من الدرج وابتلعت ثلاث حبات من حبوب الكآبة والنوم ، واستلقت على سريرها لتنام وتتلافى التفكير بما حصل ، وبعد عشر دقائق كانت تغط في نوم عميق.

    ردحذف
  91. الفصل 37



    أربعة أيام بعد تلك الحادثة وبعد قرار قطع علاقتها بعماد نهائيا ، لم تسمع فيها صوته ولم تره بعد أن أصبح عاملا مهما في يومياتها منذ أن عاد لبعضهما . ظلت جالسة في البيت تفكر في حياتها واستقبلت أمها وأختها مرة ، وصديقتها مرة واعتذرت عن الخروج معهما عدة مرات . زارتها ناهد ولم تخبرها بما حصل ، ولأول مرة تخفي عنها وعن أختها شيئا يخص علاقتها بعماد . حتى صديقتيها حين سألتاها عن الحبيب المجهول قالت لهما بأنها قطعت علاقتها به وحكمت عقلها . ذهبت للمطبخ وشربت كأسا من الكولا أشعرها بألم في معدتها الخاوية فأخذت دواء الحموضة وذهبت ترد على هاتفها الثابت . كانت أختها شذى تدعوها إلى الخروج فاعتذرت فهي تفضل البقاء في البيت في اليوم الذي يعود فيه ناصر تجنبا للمشاكل ، واقترحت على أختها أن تأتي لتقضي معها بعض الوقت وتمر في طريقها بأحد مطاعم الوجبات السريعة وتجلب لهما الغداء.

    ظلت جالسة في غرفتها تنتظر أختها وهي تفكر بعماد ، لا بد أنه يتصل بها دائما ويجد هاتفها مقفلا . شعرت بألم في قلبها وهي تتجه بلا واعي نحو درجها وتخرج كتابها المصون الذي تكتب فيه أشعارها ورسائلها لعماد والتي نشرت بعضها في الجريدة . راحت تتذكر ما حصل بينهما في المزرعة . هي دائما ضعيفة أمامه ، واستسلمت له منذ أن غزا قلبها وحياتها بحبه واهتمامه وذوقه قبل سنوات . أصبحت أسيرة لعينيه السوداويين اللتين غيرتا مجرى حياتها فلم تعد كما كانت ، استطاع بحبه ولهفته أن يجعلها تخرج للقائه في المقاهي والمطاعم وتذهب معه للكورنيش فجرا وتقضي نهارا معه في مزرعته لوحدهما . تأففت وهي تنجرف في تيار الفكر بعماد وبالحب الذي تحمله له في قلبها . نظرت لساعتها كانت تشير إلى الرابعة والربع ولم تأت شذى بعد لتخرجها من أفكارها وتتسلى معها .

    اتصلت بها لتسألها عن سبب تأخيرها فطلبت منها أن تفتح لها الباب وتستعد لاستقبالها فهي تأخرت لأنها مرت بمحل الحلويات لشراء كعك التراميسو . نزلت بسرعة للصالة .. رن جرس الباب فأسرعت تفتح الباب لتساعد أختها في حمل الأغراض .. شهت بدهشة عندما رأت عماد أمامها وعينه السوداويين مصوبتين عليها بنظرات بهما خليط من الغضب والقلق والعتب . دفعها للداخل وأغلق باب المنزل الخارجي . بلع ريقه وسألها بحدة :
    - لماذا تقفلين هاتفك ولا تردين على اتصالاتي ؟.. أنا مشغول البال أفكر بك وأنت جالسة هنا مرتاحة .
    طلبت منه الخروج وقالت له:
    - كيف تسمح لنفسك بأن تأتي لبيتي .. أنسيت بأني امرأة متزوجة ؟
    أقترب منها وابتعدت عنه فقال لها :
    - أخبرتك بأني مجنون .. ولا على المجنون حرج .
    تأففت وقالت له بهدوء يشوبه الخوف :
    - أرجوك يا عماد .. أذهب ودعني وشأني وأختي شذى ستصل في أي لحظة ولا يجب أن تراك هنا .. كما أن ناصر سيعود اليوم من عمله .. لا تسبب لي مزيدا من المشاكل ولا تكن عبئا عليّ .
    أمسك بذراعها وراح يحدق بعينيها وكأنه يذكرها بلحظات الحب الذي جمعتهما في المزرعة قبل أيام . قال لها بحزم :
    - لا أريد أن أفقدك الآن .
    قال جملته وضمها لصدره فشعرت بالضعف وقلبها يطلب منها موافقة حبيبها ويزين لها حلاوة العودة إليه ، لكنها سرعان ما تذكرت ما حدث في المزرعة فأخرجت نفسها من بين ذراعيه وطلبت منه أن يخرج حالا . شعر بغضب لم يستطع كتمانه وطلب منها أن تذهب معه حالا . قال لها :
    - لن أسمح ببقائك هنا .. ستذهبين لمنزل والدك حالا لتطلبي الطلاق من زوجك النذل .. فلا يجب أن يعود الليلة ويراك .
    كان مصمما على أن يأخذها بنفسه لبيت والدها لكنها رفضت فهي تعرف بأن ذلك لن يعود عليها بالفائدة ، فلو عاد ناصر ووجدها في بيت والدها تطلب بالطلاق ستزداد الأمور سواء وسيعيدها والدها رغما عنها شاءت أم أبت فلا أحد يهتم برأيها . اشتد غضبه فأفلت ذراعها وقال لها وهو يهم بالخروج :
    - إذن لا تنتظري عودته اليوم .. أقسم بالله العظيم بأني سأكون بالمرصاد وسأقتله .
    خرج بسرعة مصطدما بشذى الذي استغربت وجوده فأخبرتها بما حدث بينهما منذ أن عادا لبعضهما . بكت وهي تخبر أختها بتهديد عماد بقتل ناصر المتكرر ، فلقد قال لها ذلك عدة مرات وفي مناسبات مختلفة . اقترحت عليها شذى أن تتصل به ليهدأ على أن تعود للقائه في أي مكان عام بعد ذهاب ناصر يوم الجمعة . اقتنعت بذلك واتصلت به ولم يجبها ظلت حائرة تفكر وهي خائفة أن يتهور ويورط نفسه . مر الوقت وهي جالسة مع أختها وعلا صوت أذان المغرب فصلت ودعت من الله أن يهدي عمادها ويبعده عن درب ناصر . أمضت وقتها في قلق والوقت يمر والساعة تجاوزت الثامنة وناصر لم يعد بعد . اتصلت بهاتفه فلم يرد عليها . كانت هذه المرة الأولى التي تتصل به منذ أن تزوجا ولكنها قلقة الآن عن سبب تأخير عودته فطالما كان وجوده خارجا مريحا لها .

    ردحذف
  92. أنتصف الليل في القطيف وناصر لم يعد بعد ولا يرد على اتصالاتها . زاد قلقلها فعماد لا يجيب أيضا . ظلت كاميليا حائرة وخائفة ، وقلقة تفكر فيهما معا . وفجأة رن الهاتف فأسرعت لتجيب فوجدت عمها عبد العزيز يتصل ليسألها عن ناصر . تذكرت قسم عماد بقتله فشعرت بقشعريرة في أطرافها وطلبت من أختها أن تبقى لتبيت معها الليلة . تناولت حبوبها ولم تستطيع أن تهدأ إلا بعد أن أخذت ثلاث حبات من كل دواء لتنام دون أن تفكر بشيء كما تعودت . نامت على سريرها وشذى بجانبها واستيقظت في التاسعة صباحا على صوت هاتفها الجوال فهبت له بسرعة فربما يكون ناصر هو المتصل ، ولأول مرة تنتظر اتصاله بفارغ الصبر . لكن المتصل كان والدها يخبرها بلهجة غريبة بأنه في طريقه إليها . شعرت بألم يجتاح صدرها فأيقظت شذى . جلستا تنتظران والدهما الذي نادرا ما يزورها ، حتى هي لم تكن تذهب إلى منزل والديها كثيرا منذ أن أخرجت منه بالقوة لمنزل ناصر . اتصلت بعماد ولم يجبها ، وبعد دقائق وصل والدها ففتحت له الباب والقلق والتوتر وصلا في نفسها إلى أقصى درجة .

    جلس والدها بوجهه المتجهم وابنتيه بجانبه وقال لهما بأن رجال الشرطة عثروا صباح اليوم على ناصر ميتا في سيارته على طريق الجبيل والتحقيقات قائمة لمعرفة ملابسات الحادث . شهقت كاميليا وهي تصفع على وجهها فهذا ما كانت تخشاه . فعلها عماد وقضى على نفسه ومستقبله وحياته وقضى عليها . شعرت بأنها منهارة وأغمضت عينيها وأسندت رأسها إلى الوراء فاقدة الوعي .


    *********************
    كان في طريقه إلى السعودية بعد أن قضى ليلة البارحة في البحرين . مازال متضايقا بعد ما حدث بالأمس ، ومستنكرا عدم قدرته على لجم مشاعره وانفعاله وغضبه . تنهد وهو يعبر بسهولة جمارك البحرين ويقف في طابور طويل من السيارات في الجمارك السعودية . تمنى لو يفصلون موظفي الجوازات عن بعضهم ويضعوا كل واحد منفرا لما تأخر أحد ، لكنهم يضيعون الوقت في الحديث وشرب الشاي . ضغط على زر تشغيل الموسيقى وجاءه صوت فيروز ..


    " يا مختار المخاتير بحكيلك الحكاية
    انا ما بحب الشرح كتير ولا في عندي غاية
    بدي تفللني بكير يا مختار المخاتير ..
    هني كانوا زعلانين أنا شو بدي فيهن
    قلت براضي العاشقين زعلوا أهاليهن
    حطوا الحق عليي وقالوا هالحشرية
    يصطفلوا شو ما صار يصير
    وخلي هالزير بهالبير
    يا مختار المختيار .."

    أخفض الصوت والموظف المسئول يطلب منه التوقف في أحد المواقف من اجل التفتيش . أطفأ محرك السيارة وترجل ليفسح المجال للموظف ليأخذ راحته ، ففتح أدارج السيارة الأمامية كلها ، وفتش الجيوب وأسفل المقاعد وصندوق السيارة وبعد أن انتهى . ختم له على الورقة وسمح له بالذهاب .

    دخل منزله الخالي فأستقبله رنين الهاتف . جلس في الركن الفرنسي ورفع السماعة وتحدث مع أمه القلقة عليه والتي لا تعرف عنه شيئا منذ الأمس . طمأنها واخبرها بأنه قضى ليلته في البحرين ودعته لتناول العشاء معها قبل أن تخرج لزيارة صديقاتها فوافق . توجه لمنزل والد مباشرة وجلس مع أمه يتحدثان ثم جاء والده وجلسوا حول المائدة لتناول العشاء . أكل معكرونة الدجاج بالجبن بشهية ثم شرب شاي النعناع وهو يفكر بكاميليا التي عادت وقطعت علاقتها به بعد أسبوع جميل قضاه معها ، وعندما أرادها أن تترك بيت زوجها رفضت . عادت إليه الشكوك من جديد فهاهي ترفض مدعية فشل محاولاتها السابقة ، وأن والدها سيعيدها لزوجها كما أعادها قبلا . دائما تحتج بأنها لا تستطيع أن تفعل شيئا أمام والدها . خرج من دائرة أفكاره وشكوكه حين دخلت نسرين وجلست بجانبه وقالت له :
    - اتصلت بك ألف مرة وجهازك مقفل .. خير ؟
    فرك جبينه بإصبعه وقال :
    - لا شيء مهم .

    ردحذف
  93. امتعضت أمه من أجابته المبهمة واستدارت لنسرين وسألتها عن كاميليا مما استدعى انتباهه . سألتها :
    - وكيف هي كاميليا الآن .. هل اخرجوا زوجها من المستشفى ؟
    هزت رأسها وقالت :
    - ليس بعد أن تنتهي التحقيقات .
    فتح عينيه بدهشة وهو يشعر بجفاف في حلقه وسال أخته عما حدث لزوجها فأخبرته بأن رجال الشرطة وجدوه صباح اليوم ميتا في سيارته . فرك جبينه وهو يتذكر تهديداته لكاميليا بان يقتل زوجها . كان يرى ذلك حلا مؤقتا فهو لم يجد بعد طريق مؤكد لتنتهي معاناتها ، ولم يفكر كونه متزوجا وزوجته في لندن منذ شهر أو أكثر . فكر أن يعترض طريقه أثناء عودته أو يستدرجه لأي جهة وينهي عليه ويرتاح من هذا الكابوس ، ولكن بمجرد ركوبه في سيارته أبعد الفكرة من رأسه واستعاذ من الشيطان وهو يتذكر كلام ماجد عن هوى النساء المؤذي .

    خرج من منزل والديه ومشى بسيارته في شارع الكورنيش وهو حائر ومشتت الأفكار . اتصل بكاميليا عدة مرات ولم تجبه فقرر الذهاب لمنزل والديها في حي الخامسة . أوقف سيارته قرب أحد البيوت المقابلة وظل يراقب الحركة . بعد دقائق لمح والدها يوقف سيارته ويدخل فعاود الاتصال بها ولم ترد عليه أرسل لها رسالة نصية يخبرها بأنه موجود أمام باب البيت ويعلم بأن والدها قد عاد لتوه وهددها بأنه سيدخل ويخبر والدها بكل شيء في حال استمرت بتجاهله . اتصلت به بعد دقيقة وبدا صوتها متغيرا وهي تقول :
    - ماذا تريد الآن ؟
    بلع ريقه وقال :
    - عرفت بما جرى .. الحمد الله فلو لم يمت لربما تهورت وقتلته .
    قالت له بسخرية :
    - وهل تكذب وتصدق الكذبة ؟

    ذكرته بما قاله لها عندما زارها عصر الأمس وطلب منها أن لا تنتظر عودة ناصر فهو سيترصد له ويقتله . برغم كراهيتها له وبغضه وكل الأذى الذي ذاقته وعاشته معه إلا أن بدنها يرتعد كلما فكرت بأنه أصبح في عالم الأموات وهي أرملته الآن . تفاجأ من كلامها ولهجتها المليئة بالاتهامات . وأوضح لها بأنه هددها بقتله ثم عاد لمنزله مباشرة وأخذ جواز سفره وتوجه إلى البحرين وقضى الليلة هناك وعاد اليوم . قالت له :
    - لو لم تأت لبيتي وتهددني وتتوعدني بقتله لما شككت بك .. لكنك ..
    قاطعها بعصبية :
    - لقد قلت ذلك ولكني لم أقتله .. يجب أن تصدقيني .. هل أحضر لك جواز سفري لتتأكدي بأني كنت في البحرين ؟
    ظلت ساكتة وهو يقول لها بأنه لا يصدق بأنها تشك بارتكابه جريمة قتل ، وسألها إذا ما تأكد بأنه مات مقتولا فقالت له :
    - نحن ننتظر تقرير المستشفى بفارغ الصبر .. أتمنى أن تكون بريئا من دمه .
    قالت ذلك ثم اعتذارات عن إكمال الحديث معه لأنها مشغولة . عاد لبيته وهو حزين لما وصلت إليه علاقته بكاميليا . أصبح يشوبها شكوك واتهامات وجرائم ، أحس بالضيق وهو يتذكر لهجتها القاسية في الكلام معه .

    **************

    ردحذف
  94. خرج من الشركة وهو لا يعرف إلى أين يذهب . مشى بمحاذاة البحر من الدمام ومرورا بسيهات وعنك حتى وصل إلى الكورنيش القطيف . فكر بالذهاب لأمه فاتصل بها وأخبرته بأنها تتسوق مع نسرين . أوقف سيارته وفتح النافذة واسند رأسه إلى الوراء وهو يفكر بكاميليا ، فهو ينتظر اتصالها منذ ثلاثة أيام . رن هاتفه مرة أخرى وكانت ريم هي المتصلة . عاتبته على عدم اتصاله بها فهو لم يتصل إلا مرة أو اثنتين بعد سفرها ليطمئن على وصولها إلى لندن ودائما هي من تتصل به .

    جلس في سيارته لبعض الوقت يتأمل البحر بنظرات تائهة ، ثم عاد لمنزله وتوجه لغرفة نومه . رمى بنفسه على السرير وهو يفكر ويتساءل . يا للمفارقة الغريبة يموت زوج كاميليا في اليوم التالي لتهديده بالقتل ، وإنها تشك فيه الآن . أغمض عينيه رغما عنه وراح يتذكر يوم قتل علاء وكيف كانت التحقيقات حيث بقيت جثته في المستشفى لعدة أيام .

    ************

    غسل رغوة الحلاقة عن وجهه وخرج من الحمام وتفكيره محصور بكاميليا التي لم تتصل به ، بالتأكيد وصلها خبر ما عن تقرير الطبيب الشرعي أو التحقيقات . قاد سيارته متجها للشركة وهو يشعر باستياء كبير . ركب المصعد وتفاجأ عندما رأى صورته على مرآة المصعد . كان وجهه عابسا وحزينا لدرجة ضايقته أكثر . دخل إلى مكتبه وطلب من موظف الكافتيريا فنجان من القهوة التركية . أمسك ببعض التقارير وسرعان ما وضعها جانبا عندما جاءت القهوة . شرب القليل منها وجاءه رنين هاتفه الجوال تتصل به من ينتظرها بلهفة . رد بسرعة وجاءه صوتها الرقيق الذي أحبه منذ سمعه بالصدفة . قالت له بلهجة يفوح منها الحزن والأسف :
    - أنا آسفة لشكوكي بك حبيبي .. صدقني كنت خائفة عليك .
    ظل ساكتا فتابعت حديثها تخبره بأن التقرير النهائي بين بأن سبب وفاة ناصر هو سكتة قلبية مفاجئة أدت إلى اصطدام سيارته بجانب الطريق ، ووجد أثر ضربة على عنقه مما جعل رجال الشرطة يشكو بأنه مقتول ، كما وجدوا نسبة الكحول في دمه مرتفعة . قال لها :
    - أريد أن أراك .
    - لا أستطيع .. سيدفن بعد قليل وعلي أن أحضر الفاتحة ومجالس العزاء فأنا أمام الناس أرملته وسأبقى أربعة أشهر وعشرة أيام في العدة .
    - لا يهم .. سنتزوج بعد إنتائها مباشرة .. أنا أحبك كاميليا وتعبت من الانتظار .

    قال ذلك وأضطر لإنهاء الحديث عندما دخل فيصل وجلس أمامه . تحدثا بشأن العمل . لبعض الوقت ودعاه لتناول العشاء في منزله .

    ذهب مساءا لمنزل أخته التي رحبت به وذكرته بعمق علاقتهما قبل زواجها . كما كانا قريبين من بعضهما وكم ابتعدا بعد زواجها وكأنهما لم يعيشا في بيت واحد . انشغلت ندى بزواجها ثم بإنجابها ، وكثيرا ما اتهمها بأنها نسيت عائلتها وعاشت لعائلتها الجديدة . وكثيرا ما يذكرها بأنه تحمل ضربة الحذاء أمه من أجلها في حادثة الطبلة . تناول عشاءه وأمضى الوقت في الحديث مع ابن عمه وأخته التي عرضت عليه أن يذهب لزيارة زوجته في لندن فرفض . لم يرد رؤيتها فهو لم يكن موافقا على سفرها لكنه سمح بذلك في الوقت الذي كانت كاميليا ترسل له رسائلها في الجريدة لتعذبه وتضغط على جرحه بقلمها وهمساتها .

    خرج من منزل أخته وعرج على ماجد وقضى معه بعض الوقت ثم عاد لبيته وتوجه لغرفة نومه وكاميليا تطوق أفكاره . هي في العدة الآن وعليه أن يتزوجها بعد ذلك . تذكر ريم وهي زوجته وابنة عمته أيضا . زواجه بها كان خطئا كبيرا وعليه أن يطلقها حالما تعود من لندن ويصحح الخطأ .
    بقي أربعة أشهر وعدة أيام كيف سيتحملها وهو الذي تعب من الانتظار ، ويريد الزواج بها بسرعة ويكفى انتظار خمس سنوات . أتصل بكاميليا وصبرته بأن الأيام تمر بسرعة وسينام ويصحو ويجد أن المدة قد مرت بسرعة دون أن يتنبه . تفاجأ عندما سألته عن زوجته المتعجرفة فوعدها أن يطلقها متى عادت من سفرها ، وأخذ منها وعدا أن لا يؤثر ذلك على زواجهما لو أن العدة انتهت قبل عودتها فلن يطلقها وهي مسافرة . أنهى حديثه المطول ونام وهو يدعو الله أن تمر الأيام بسرعة ويستيقظ من نومه ويجد العدة شارفت على النهاية .

    ردحذف
  95. الفصل 38





    أستحم وتعطر ، وارتدى بذلة أنيقة اختارها سواد بالكامل لتتناسب مع عينيه وشعره وتعزز شخصيته . قاد سيارته وقلبه يدق بقوة والسعادة ترقص أمام عينيه بإغراء . كان متلهفا لكاميليا وتذكر لقاءه الأول بوالدها وكيف خطبها منه ورد عليه بأنه جاء متأخرا فابنته مخطوبة لابن عمها . الآن مات ناصر وانزاحت العقبة وكاميليا ليست مرتبطة بأحد . انتهت العدة وهي مستعدة للزواج ، وحتى فحص قبل الزواج أجرته بسرية تامة استعدادا للزواج بعد انتهاء العدة مباشرة . حافظت على السرية وحتى صديقتيها لم تخبرهما بشيء وهما تظنان أن علاقتها بحبيبها المجهول مازالت مقطوعة .

    ترجل من سيارته وهو يتذكر الملاحظات التي أعطتها له . طلبت منه أن لا يخبر والدها بأنه يعرفها لا من بعيد ولا من قريب ، وغير أنها صديقة أخته لا يجب أن يقول . كما طلبت منه الموافقة على أي شروط يضعها . جلس في أحد زوايا المجلس فهو تذكره عندما جاء وتقدم لخطبتها قبل سنة . قدم له الشاي والفاكهة بنفس الطريقة السابقة عندما جاء يجر عربة التقديم . شرب عماد رشفة من الشاي ودخل في صلب الموضوع مباشرة وطلب يد كاميليا بثقة فهي أرملة ولا بد أنه سيسهل زواجها به . ابتسم والدها العابس دائما وقال له :
    - ولماذا تأتي لخطبتها وحدك للمرة الثانية ؟
    تنهد عماد وعلا وجهه ابتسامة المفاجأة فلم يتوقع أن يسأله هذا السؤال بالذات . توقع أن يسأله عن سبب تمسكه بها مثلا أو سبب زواجه للمرة الثانية . أجابه :
    - لم اعد شاب الذي لم يسبق له الزواج .. أنا رجل وأريد الزواج بأخرى .. وبما أني أطمع في مناسبتك جئت أطلب يد كريمتك مرة أخرى .
    سكت والدها للحظات بدت طويلة لعماد المتلهف لسماع رأيه وهو يراقب تعبير وجهه فربما تعطيه أشارة ما ليفهم ما سيقوله . هز رأسه وقال :
    - لقد انتهت عدة ابنتي قبل يومين وصعب جدا أن اعقد قرانها بهذه السرعة وذلك احتراما لأخي ولعائلة ناصر بأسرها .. ماذا سيقول عني الناس .. إضافة إلى أنك متزوج وهذا أمر آخر لم أتحدث عنه .
    بلع ريقه وأخبره بأنه وزوجته شبة منفصلان ، وسكت للحظة ثم أردف :
    - لا داعي لإقامة حفلة زفاف .. لنعقد قراننا ونسافر لأي مكان ..و..
    قاطع حديثه قائلا :
    - أنا آسف .. فتوقيتك غير صالح هذه المرة أيضا .. لن أزوج ابنتي الآن احتراما لذكرى ابن أخي .

    انتهت الزيارة وخرج من منزل حبيبته للمرة الثانية والرفض المسبق معه . تمنى لو يمهله والدها عدة أيام ثم يعطيه رده ، لكنه يرفضه وجهها لوجه وخلال دقائق . عاوده الإحساس بالخذلان من الدنيا ، هي تخذله وتسرق منه السعادة دائما . يخاف أن يبتسم أو يفرح أمامها ، فلم يشعر بالسعادة إلا وأنكسر ظهره بعدها . قاد سيارته بسرعة لا يعرف إلى أين يذهب . أراد أن يتصل بكاميليا ويخبرها لكنه لم يفعل ، فالكرة الآن في ملعبها وقد أدى دوره كاملا . جاء لخطبتها للمرة الثانية ووالدها رفضه من أجل ذكرى ناصر . كان يشعر بدمه يغلي ودقات قلبه تقرع كالطبل في أذنيه . أحس برغبة عارمة في تفريغ غضبه ، وما أن احتكت السيارة التي بجانبه بزاوية سيارته حتى فتح النافذة وانهال على السائق بالسباب ولو لم تفتح الإشارة لربما ترجل وضربه .

    ردحذف
  96. مشى في شارع القدس وأمام مفترق الطريق أنعطف يمينا واتجه نحو جزيرة تاروت . سار في شارع أحد لا يعرف إلى أين يذهب . تمنى لو يوجد شخص ما في هذه المدينة يستطيع أن يخبره أو يبوح له بما في قلبه . كان مستعدا لأن يدفع أي ثمن ليحصل على صديق يحمل فكرا لا ينتمي لهذا البلد ويستطيع أن يتكلم معه بحرية ويخبره بما يجول في خاطره . قبالة قلعة تاروت الأثرية رن هاتفه وكاميليا هي المتصلة . سألته عما جرى بينه وبين والدها ، فقال لها بغضب :
    - والدك رفضني احتراما لذكرى ناصر هذه المرة .. ليتني قتلته لأشفي غليلي منه .
    بدت له شجاعة وهي تقول :
    - اهدأ حبيبي .. سأحول أن أفتح معه الموضوع أو مع أمي فلن أبقى مكتوفة اليدين هذه المرة .. سأخبره بمعرفتي بالأمر وبأني أريدك .

    عادت وطلبت منه أن يهدأ وأن يعود لبيته وينتظر اتصالها وفعل . جلب له قنينة ماء وكأس وجلس في الركن الفرنسي وبدأ يستمع لفيروز فربما تستطيع أن تمتص غضبه بصوتها وعذوبته .

    *******************

    نزلت كاميليا الدرج لتوجه والدها بمعرفتها بأمر خطبة عماد لها ولن تدعه يخفي الأمر عنها كما أخفاه أول مرة . وجدت والديها وأختيها مجتمعين في الصالة يشاهدون التلفزيون بصمت تتخلله أحاديث بين شذى وهديل . جلست بقرب من شذى التي عاشت معها ولادة حبها لعماد واستأذنت والدها برغبتها في الحديث معه أمام الجميع . أذن لها وأحست بالخوف من والدها ينتظر كلامها بوجهه العابس ، ونظرات الاستغراب ترتسم على وجه أمها وأختيها . بلعت ريقها وقالت :
    - أبي .. لقد أرغمتني على الزواج من ناصر ودفعت الثمن من حسابي الخاص وهذا يكفي .
    سألها عن قصدها من وراء هذه المقدمة ، فقالت :
    - أعرف بأن عماد الغانم شقيق صديقتي نسرين جاء اليوم لخطبتي وأنت رفضته احتراما لذكرى ناصر .. أرجوك يا أبي لا تعلقني به حيا وميتا والعدة انتهت وأنا الآن حرة .
    ظل والدها للحظات وهي تنتظر ما سيقوله فاستجمعت شجاعتها وقالت له بصراحة أنها تريد الزواج بعماد ، فقال لها بحدة لم تخلو من الدهشة :
    - انتهت العدة قبل أيام .. ماذا أقول لأخي ؟وماذا أقول الناس ؟
    لم تنظر له وهي تقول :
    - ناصر مات والعدة الشريعة انتهت وأستطيع الزواج متى أريد ولا شأن لي ..و..
    قاطعها منهيا الأمر :
    - لست موافقا على زواجك الآن .. لا من عماد ولا من غيره .. وانتهى الأمر .
    تندت وعينيها بالدموع وشعرت بالقهر من رفض والدها الذي مازال يصر على ربطها بمبادئه العائلية الخاصة وهو يعلم بأنها دفعت ثمن فشل زواجها من أعصابها وحياتها . تغيرت كثيرا بعد زواجها بناصر وكان أول ردة فعل انتابتها هي الابتعاد عن والدها فلم تكن تزوره إلا نادرا .
    أغرقت عينيها بالدموع وقالت له بأنها تريد الزواج من عماد وتعرف بأنه تقدم لخطبتها قبل زواجها بناصر وبأنه رفضه بدون أن يسألها أو يعلمها على الأقل ، وسكتت عندما شعرت بغصة الدموع في حلقها فتدخلت أمها وطلبت من زوجها أن يفكر بالأمر وختمت :
    - عماد شاب جيد وابن عائلة .. ودع قرار الزواج هذه المرة لها فإذا كانت تريده دعها تتزوجه وتتحمل مسؤولية قرارها .
    غضب منها وقال لابنته بعصبية حاول السيطرة عليها طوال الوقت :
    - ولماذا أنت متلهفة على الزواج بعد خروجك من العدة بأيام .. أصبري فأنت مازلت ..
    لم يكمل كلامه وجاءه ردها المفاجئ الذي نزل عليه كالصاعقة عندما رفعت رأسها ونظرت له بعينيها الغارقتين بالدموع :
    - أنا أحب عماد وسأتزوج به رغما عن الجميع ويكفي ما حدث لي وأنت السبب .. ولن يقف ناصر في طريقي وهو في قبره .. ولن أضحي بشيء من أجل سمعة هذه العائلة البائسة التي أكرهها من كل قلبي .

    لم يكن والدها مستوعبا لما قالته وظل في مكانه صامتا فنهضت من مقعدها ووقفت أمامه وأخبرته بأنه تعرف عماد منذ خمس سنوات . وطلبت منه أن ينتظرها حتى تتخرج من الجامعة ليتزوجا وفعل ، وعندما حكم عليها بالموت مع ناصر جاء لخطبتها دون فائدة . راحت تصرخ بهستيريا أمام الجميع وهي تقترب من ساند الدرج :
    - لن أسمح لكم بالوقوف في وجه سعادتي هذه المرة .
    قالت جملتها وركضت نحو غرفتها وأقفلت الباب عليها . كانت تبكي بنحيب وحرقة وخوف .

    ردحذف
  97. حزينة لأنها وصلت لهذه المرحلة التي تقف فيها بوجه والدها وخائفة من ردة فعله التي لم تظهر حتى الآن . رمت بنفسها على سريرها وأغمضت عينيها وما لبثت أن فتحتهما بهلع ووالدها يضرب بقوة على باب غرفتها ويحاول فتحه وصوته المرتفع وصراخه يرهبها . بكت أكثر وهي تسمع تهديداته وتشعر بأنها تسرعت وتهورت بإخباره بحقيقة علاقتها بعماد . ظل يضرب الباب غرفتها وهو يسمعها التهديدات والشتائم والوعيد بدفنها بجانب ناصر . ظلت ساكتة وخائفة ومتيقنة بأنها لو فتحت الباب لوالدها فهي تعطيه رخصة ليرسلها إلى عالم الآخرة .
    جلست على سريرها وهي تسمع أمها تحاول لملمة غضب والدها وتحثه على الهدوء وحل الموضوع في وقت آخر ، فخف صراخه تدريجيا وقال لها قبل أن يذهب :
    - لن تتزوجي به ما دمت حيا يا ملعونة .. سأعيد تربيتك من جديد وسابقيك حبيسة في هذا البيت .. حتى العمل لن اسمح به وسأزوجك بأول من يطرق الباب سوى ابن الغانم .

    شعرت بالحيرة وهي تفكر بوالدها وغضبه وتهديداته فهو لن يغفر لها هذا الخطيئة ولو دفعت عمرها كله من اجل الحصول على صك الغفران . سيسامحها في أي شيء إلا علاقتها بأي رجل وهي تعرف ذلك جيدا . جاءت شذى تطرق بابها وتطلب منها أن تفتحه ورفضت ، وجاءت لها أيضا عدة مرات ولم تفتح لها . ظلت ساكتة ولا ترد ولا يسمعون سوى صوت بكائها . أمسكت بهاتفها واتصلت بعماد الذي ينتظرها وقالت له من بين دموعها :
    - وقفت في وجه والدي من أجلك .. فهل ستتخلى عني هذه المرة أيضا ؟
    سألها عما حدث فأخبرته باختصار بكل الذي جرى ، وان والدها صار يعرف بأنهما على علاقة لم تخبره بمداها أو حدودها .
    - أنا متمسك بك .. ومستعد للتفاوض مع والدك من جديد .
    قال لها ذلك وهو يحاول أن يمتص غضبها ، فقالت له بحزم :
    - هل أنت مستعد لكي نكون معا .. حتى لو بعد فضيحة .
    وطلبت منه أن يأتي لأخذها في الثالثة فجرا فهي لن تبقى في هذا المنزل ليلة أخرى بعد ما حدث .

    *******************

    انتصف الليل وهي مازلت في غرفتها والخوف يتملكها كلما جاءت شذى تطرق بابها بهدوء ، وفتحت لها عندما أقسمت لها بأن والديها في غرفتهما . صارحتها كاميليا بحقيقة نيتها بالهروب مع عماد لإجبار والدها على السماح بزواجهما . حاولت شذى أن تثنيها فوجدتها مصممة ومصرة على الذهاب معه والزواج به ولو بعد فضيحة فلم يعد يهمها شيء . ظلت تبكي والوقت يمر بسرعة ويركض نحو ساعة الهروب . شعرت بالخوف وهي تفكر بما سيحدث ، وكيف ستكون ردة فعل والديها . كيف ستكون ردة فعل عائلة عماد وبالخصوص نسرين وأمل . حاولت أن تبرر فعلتها فوالدها هو السبب لماذا لا يدعها تتزوج بمن تريد بعد كل الذي حصل وبعد ما قاسته من عذاب في السنة الفائتة .

    خرجت شذى من غرفة أختها في الساعة الثانية والنصف لتطمئن على وضع البيت ووجدته هادئا والأنوار مطفأة والكل نيام . عادت لأختها التي ارتدت عباءتها وجهزت لها حقيبة صغيرة وضعت بها القليل من الملابس وأدويتها وأوراقها الهامة وكل هدايا عماد وزجاجات العطر التي تحتفظ بها ، وورقة الفحص الطبي واتصلت به تخبره بأنها جاهزة . تأكدت من أنها وضعت خاتم الياقوت في خنصر يدها اليمنى ، وعانقت أختها وطلبت منها أن تذهب لسريرها وتنسى كل ما دار بينهما فلا يجب أن تكون على معرفة بخروجها ، وعليها أن تتفاجئ مع الجميع عندما لا يجدوها في غرفتها صباحا . شعرت بقلبها يضرب في جسدها بعنف والقشعريرة تسري في جميع أطرافها عندما أتصل بها عماد يخبرها بأنه واقف أمام باب المنزل . نزلت الدرج بخفة لص وفتحت الباب الخارجي وهي تشعر بأن والدها قد يفاجئها في أي لحظة وعندها سيذبحها بكل تأكيد . ركبت سيارة عماد ودموعها تغرق وجهها وطلبت منه الذهاب بعيدا .

    وصلا إلى المزرعة النائمة والمتدثرة بأغطية الليل والسوداء ودخلا الاستراحة الهادئة لدرجة الخوف . جلست كاميليا في احد الزوايا وهي تشعر بأنها بعيدة عن كل شيء في هذا العالم ولا احد يتصور بأنها مع عماد في مزرعته في الجش . غطت وجهها بكفيها وبدأت تبكي بحرقة على صدر عماد التي تنازلت عن كثير من الأمور المقدسة لأي فتاة من اجله . التصقت به معانقة ودموعها تبلل قميصه ، وطلبت منه أن لا يتخلى عنها الآن . هي بحاجته أكثر من أي وقت مضى بعد أن خرجت بكامل إرادتها من عباءة عائلتها وتخلت عن حمايتهم وأسمهم لتكون بجانبه . لم تأبه بوالدها ولا بسمعة العائلة عندما يستيقظوا بعد ساعات وهي غير موجودة والجملة التي ستشيع بأن ( كاميليا هربت ) . لا يهمها المجتمع ولا القطيف والناس ، وستضحي بكل شيء من اجله .

    مسح عماد دموعها وقبل ما بين عينيها ووعدها بأنه لن يتخلى عنها مهما حدث ، ولن يتركها إلا عندما تخرج روحه من جسده ، ضمها لصدره بقوة وهي تنتحب وتبكي وتفكر بموقف عائلتها .

    ردحذف
  98. سيتصلون بصديقاتها ليسألوا عنها وستفاجأ نسرين وأمل فهما لا تعرفان عن مجريات الأمور الأخيرة بينها وبين حبيبها المجهول الذي لا يعرفون هويته وهو اقرب الناس لهما . سيحققون مع شذى وستخبرهم بأنها لا تعرف شيئا عن الموضوع ويتصلوا بناهد وسيشيع الخبر .

    أقفل عماد هاتفه وطلب منها أن تقفل هاتفها وفعلت ، ثم أستأذنها وتوجه للمطبخ وجلب لها كاس من الماء فشربت رشفة ووضعت الكأس على الأرض وأخرجت من حقيبتها حبوبها المنومة . ابتلعت ثلاثة أقراص رغم ممانعة عماد فهي تريد أن تنام ولا تفكر بشيء . نهضت متوجهة إلى الحمام وتوضأت وصلت الفجر ودموعها مازلت تتدفق من عينيها بحرارة . أرادت أن تنام فأخذها عماد لغرفة النوم وطمأنها بأنه سينام في الغرفة المقابلة وسيبقى بابه مفتوحا في حال احتاجت لأي شيء . تمنى لها ليلة سعيدة ومد يده ليغلق الباب فقالت له من بين دموعها :
    - لا تغلق الباب فلو لم ائتمنك على نفسي لما جئت معك .
    اقترب منها وعينيه السوداويين تتفحص عينيها المتعبتين من البكاء . قبل جبينها وذهب للغرفة الأخرى وأطفأ الأنوار واستلقى على السرير . أغمض عينيه وهو غير مصدق لما يحدث فكاميليا معه الآن كما أرادت عندما جاءته قبل سنة . كانت خطتها إيهام عائلتها بالهروب معه بينما تكون في منزل خالها ، أما الآن فلقد فعلتها . هو الآن مسئول عنها وسيتحمل تبعات ما يحصل مع عائلته وعائلتها . هما الآن معا رغما عن الحياة والمجتمع والناس . لم يستطع النوم بسرعة رغم نعاسه وهو يفكر بردة فعل أهله عندما يعرفوا ، وماذا يجب عليه أن يفعل . هل يختفي عنهم أيضا أم يخبرهم بأنه في إجازة لعدة أيام ومسافر خارج البلاد حتى لا يسألوا عنه أو يجيبوا عائلة كاميليا التي سيسألون عنه بالتأكيد فهم على علم بعلاقتها به وسيعرفون بأنها معه . قطعت عليه كاميليا أفكاره عندما جاءته في غرفته وهي مازالت ترتدي عباءتها وحجابها ملفوف حول عنقها وشعرها مرفوع وعينيها حمراوين من البكاء . جلست على الأرض واستندت على الجدار وهي تحاول أن تمنع نفسها من الانخراط في نوبة بكاء جديد . قالت له :
    - أشرقت الشمس..أنا خائفة يا عماد.
    نهض من سريره واقترب منها . قال لها مطمئنا :
    - سيكون كل شيء بخير .
    انفعلت وهي تخبره عن مخاوفها وبما قد يفعله والدها وسألته عن الخطوة المقبلة . امسك بيدها وخرجا وجلسا في أحد زوايا الاستراحة مستندان على المساند الأنيقة . اخبرها بأنه سيتصل بوالدها ليلا وسيخبره بأنها معه في مكان ما خارج الشرقية وابنته لن تعود للبيت قبل أن يتزوجا ، وسيطلب منه أن يعقد قرانهما بأسرع وقت فنتائج التحليل الطبي قد أجرياها وهي ملائمة ولا داعي للمماطلة تجنبا للفضيحة وليقتصر الأمر على عائلتيهما . سألته إذا ما كان ينوي إخبار عائلته ، تنهد وهو يتذكر عيني أمه ويتخيل ردة فعلها . زم شفتيه وقال :
    - سأخبرهم بكل تأكيد .
    سكتت للحظات ثم سألته بخوف :
    - ماذا لو لم نتزوج بعد كل هذا ؟ ..ماذا لو عاند والدي ؟
    - الخوف من الفضيحة سيجعله يوافق .
    قال لها ذلك وحاول أن يخف من توترها ويخفي عنها توتره ومخاوفه . ضمها إليه بحنان فأغمضت عينيها وأحاطته بذراعيها ونامت بسرعة بأثر الحبوب التي تناولتها . استيقظت في الواحدة ظهرا ووجدت نفسها على السرير بعباءتها واللحاف يغطيها في مكان غريب لم تألفه قبلا . ليست غرفتها الزهرية ولا غرفة نومها التعيسة في بيت ناصر . لم تدرك أين هي فنهضت بسرعة وخرجت من الغرفة ورأت عماد أمامها فاسترجعت كل ما حدث البارحة وأدركت ما فعلته ، فلقد هربت من بيت والدها فجرا مع حبيبها وبكل تأكيد عائلتها تبحث عنها الآن .

    ابتسم وطلب منها أن تصلي لكي يخرجا لتناول الغداء فهو يشعر بالجوع . سارا في شارع الهدلة متجهين إلى الخبر وتناولا طعامهما بلا شهية وهما يفكران بما سيحدث لاحقا . تمشيا في كورنيش الخبر لبعض الوقت وذهبا لأحد المتاجر الغذائية واشتريا التفاح وبعض المعجنات والخبز ، والبسكويتات والعصير والكولا والماء . كما اشترى عماد عددا من الجرائد واشترى لكاميليا مجلة علها تتصفحها وتبعد تفكيرها المحصور في عائلتها وما يفعلونه الآن .

    ردحذف
  99. ما قبل الأخير
    الفصل 39







    تناولت كاميليا وعماد عشاء خفيفا وسكبت لها كأسا من الكولا وراحت تشرب بنهم وهي تراقب عماد الجالس بقربها وعينيه الغامضتين تعبر عن حيرة يعيشها . أغمضت عينيها للحظة وهي تسترجع ما حدث قبل خمس سنوات ، عندما رأته لأول مرة بنظرة مختلفة . ضايقها بنظراته التي غزت قلبها وجعلها تستلم لحبه . أستخدم لباقته ولطفه وأحاطها باهتمامه وسط استنكارها لهذا الحب الغريب . كثيرا ما كانت تتساءل عن توقيت حبهما ولماذا لم يحبها عماد قبلا وهي صديقة أخته ويعرفها منذ الطفولة . تنهدت وكلمة النصيب ترن في أذنها فمن كان يصدق بان يحدث لها ما حدث .
    - سأتصل بناهد لأجس النبض .
    قالت له ذلك فأومأ برأسه موافقا وأمسكت بهاتفه واتصلت بناهد التي أجابت بحذر على هذا الرقم الغريب . قالت لها والدموع تتجمع في عينيها :
    - أنا كاميليا .
    سألتها بخوف وقلق :
    - أين أنت كاميليا ؟.. هل هربت مع عماد فعلا ؟
    كاد قلبها يتوقف وناهد تخبرها بان والديها اكتشفا عدم وجودها في المنزل عندما استيقظا لصلاة الفجر وجاءا صباحا ليسألا عنها وأخبرتهما بأنها لا تعرف شيئا عنها ، ومن ثم اتصلت بشذى التي أخبرتها بالحقيقة . بكت وهي تشعر برعشة خوف تسري في جسدها وناهد تخبرها بما حصل باختصار :
    - أمك اتصلت بنسرين وأمل وهما لا تعرفان شيئا بعد .. ويبدو هروبك سيجعل والدك يتصالح مع والدي فهو معه منذ العصر ويتناقشان في حل المشكلة ومتيقنين بأنك مع عماد وسيتصلوا بعائلته .

    أنهت كاميليا حديثها مع ناهد واتصلت بأمل لترى ما حدث وكيف وصل لها الأمر . قالت لها أمل باستغراب حالما سمعت صوتها :
    - كيف تتصلين من هاتف ابن عمي ؟
    - هو الحبيب المجهول الذي لا تعرفون هويته الحقيقة .
    صعقت أمل فهذا ما لم تفكر به أبدا أن تكون صديقتها على علاقة بابن عمها المتزوج ، والذي حكت لها عنه ولقاءاتها به وقصة حبهما . أخبرتها أمل بأنها لم تسمع بان احد اتصل بعمها ليسال عن عماد ويعلمه عن هروبهما سويا والأوضاع في العائلة هادئة . بلعت كاميليا ريقها وقالت لصديقتها :
    - لقد خرجت من منزل والدي وأنا مع عماد .
    - ولماذا فعلت هذا ؟
    - هذه قصة طويلة ليس لدي وقت لشرحها الآن .
    شعرت كاميليا بالخوف فوالدها لم يتصل بعائلة عماد وهو يعرف بأنها معه . أخبرته بصراحة بأنها تحبه وتريد الزواج به وهربت في الليلة ذاتها ولا بد أنه يدبر أمرا ما . طلبت من عماد أن يتصل به ليتفاوض معه فهي تخشى أن يتصل بالشرطة ، واتصل رغم اقتناعه بان والدها لن يفعل ذلك فسيحمله الكثير من التبعات والفضائح . ضغط على زر مكبر الصوت وظل يستمع لنغمة الهاتف بتوتر وكاميليا تبكي وأجاب والدها بعد الرنة الثالثة . وما أن عرفه بنفسه حتى انهال عليه بالشتائم وسأله عن كاميليا . حاول عماد أن يكون ثابتا وهادئا في حديثه معه فاخبره بان كاميليا معه وهروبهما كان من أجل إجباره على الزواج ووضعه أمام الأمر الواقع ، وبين له بأن الحل الوحيد هو تسهيل الزواج وإلا سيواجه فضيحة كبيرة كلما ازدادت أيام اختفاء ابنته عن البيت . طلب منه أن يتحدث مع كاميليا ، فقالت له ودموعها تغرق وجهها وتقطع كلامها :
    - سامحني يا والدي ولكنك دفعتني لهذا الفعل .. زوجتني بابن أخيك رغما عني .. وعندما أصبحت حرة رفضت زواجي بعماد الذي طلبني للزواج بشرع الله .
    أكمل عماد الحديث مع والدها الذي فقد أعصابة وراح يشتمه بألفاظ نابية . طلب منه الموافقة على الزواج واخبره بأنه أجرى مع كاميليا تحاليل قبل الزواج ويستطيعان عقد قرانهما في أي وقت . واخذ الخال سيعد الهاتف وتحدث مع عماد بهدوء وطلب منه أن يأتي لحل الأمر معهم وان يحضر كاميليا معه قبل أن ينتصف الليل . لكن عماد قال له :
    - سآتي لمقابلتكم بشروطي .

    ردحذف
  100. اشترط عماد أن يجتمعوا في منزل هو سيحدده لاحقا وقد فكر بمنزل ماجد أو فيصل وسيتواجد الشيخ ليعقد قرانهما مباشرة ولن يروا كاميليا إلا عندما توقع في ورقة العقد . طلب منه الخال مهلة ليطرح الفكرة على والد كاميليا وسيعاود الاتصال به لاحقا . مر الوقت ببطء وهما جالسين وساكتين ينتظران أن يتصل والد كاميليا أو خالها ليخبراهما بموافقتهما على الزواج . بعد قليل رن هاتف عماد وأمه المتصلة وتسأله عن مكان وجوده فأم كاميليا اتصلت بها وأخبرتها بكل ما حدث . صرخت فيه بانفعال :
    - خمس سنوات وأنت تخفي عنا علاقتك بها .. كيف أمكنك أن تخدعنا بهذه الطريقة المخزية ؟.. وكيف تمكنت عديمة الحياء من ذلك وهي تتظاهر بأنها صديقة نسرين وتدخل بيتنا باستمرار .
    بلع ريقه وطلب من أمه التحلي بالهدوء وعدم الإساءة لكاميليا ، لكنها أكملت حديثها بغضب :
    - وكيف لا أسيئ لها وهي التي هربت من منزل والديها مع رجل متزوج .. والدك غير مصدق وأنا كذلك بأنك تهرب مع منحلة توفي زوجها قبل أربعة أشهر .
    أخبرها بأنهما سيتزوجان خلال أيام وما أن تعود ريم من سفرها سيطلقها ، فصرخت فيه وقالت له كلمتها الخيرة قبل أن تقفل :
    - صلي على محمد واعدها لعائلتها ولا داعي للفضائح .. هل جننت ؟ لا بد أنها سحرتك .. عد لرشدك وسنخلصك من هذه الساقطة مهما حدث بينكما .. حتى لو كانت حامل .
    تنهد واخبرها بأنه سيبقى مع كاميليا حتى النهاية ، فقاتل له بلهجة تهديد :
    - لو تزوجت منها فأنسى والديك وعائلتك .. لن اسمح لك بالزواج من (...) هربت معها ولن نلطخ اسم عائلتنا .. ومنذ الآن لا دخل لنا بك وتصرف مع عائلتها ولا تتصل بنا مهما حدث .

    انتهت المكالمة وجاءته مكالمة نسرين الغير مصدقة لما يحدث . لم يشأ الحديث معها وأعطى الهاتف لكاميليا فتحدثت معها ولامتها بكلمات قليلة على كل شيء . علاقتها السرية بعماد ، واستمرار لقاءاتها به وهي متزوجة ومن ثم هروبها معه ، وكررت بأنها ما تزال غير مستوعبة بان حبيب صديقتها المجهول يكون شقيقها . بكت كاميليا وهي تعيش لحظات صعبة جدا من حياتها . انتحبت بحرقة فلم تتخيل يوما بأنها ستعيش هذا الموقف وأنها ستهرب من بيت والدها مع الرجل الذي تحبه والدنيا كلها تلومها الآن . طلب منها عماد أن تهدأ فبكاءها يوتره لم تتمكن من السيطرة على أعصابها التي بدأت تخونها وهي تسمع عماد يتفاوض مع والدها وخالها عبر الهاتف ويطالبانه بعودتهما الليلة . تذكرت أحلامها وأفكارها بأن تجعل حبها لعماد مثلا لما يجب أن يكون عليه الحب هنا . الحب الطاهر الذي كانت تتباهى به صار تشوبه المحرمات وها هي تتوجه بفضيحة .

    ************

    الليلة الثانية وهي خارج البيت وفي مكان لا يعلم أحد بوجودها فيه مع حبيبها المجهول الذي لم يعد مجهولا فالكل يعرف هويته . ابتدءا بنسرين ونهاية بوالدها . نامت في غرفة وعماد في الغرفة المقابلة . نامت بجانب الحيرة والخوف والقلق ، وفتحت عينيها على صوت عماد وهو يقف بجانبها ويطلب منها بابتسامة أن تنهض فلقد اعد الفطور . أمسكت بيده عندما مدها لها وذهبت إلى الحمام ، ثم جلست لتناول الفطور في الخارج . أكلت الساندويتش الذي أعدها واستطاع أن ينتزع منها ابتسامة عندما قال :
    - عليك أن تدلليني بعد أن نتزوج .. فأنا أدللك كثيرا .
    سكت للحظة ثم أردف وهو يتأمل وجهها :
    - أنت جميلة والنوم يترك آثاره على وجهك وبشرتك المخملية .. تبدين كقطعة سكر فعلا .
    رشفت رشفة من الشاي وابتسمت عندما مازحها :
    - أنا وسيم أيضا حتى بدون أن احلق ذقني .

    ضحك وأكملا فطورهما ومن ثم استأذنها ليستحم فطلبت منه أن يدعها تستحم أولا وتفاجأت بأنها لم تجلب لها منشفة . أعطاها عماد منشفته وجلس ينتظر خروجها وهو يتصفح المجلة . لم تتأخر فخرجت بعد دقائق هي تلف المنشفة على جسدها وشعرها المبلل ودخلت الغرفة . وعندما أرادت أن تقفل الباب جاءها وهو يمعن النظر لها بصمت . طلبت منه أن يذهب ليستحم فقال بابتسامة :
    - أريد منشفتي لأستحم .
    اقترب منها بشوق فابتعدت عنه واستندت على الحائط وطلبت منه أن يخرج ويدعها ترتدي ملابسها . حاصرها بذراعيه ، وابتعد عنها ونظرة اعتذار تلوح في عينيه عندما قالت :
    - أنا في نظر عائلتي والناس ساقطة وأريد أن أبقى شريفة أمام الله .

    *************


    ردحذف
  101. اقتربت من عماد الذي اتصل بماجد يخبره بما جرى وطلب منه أن لا يوجه له أي لوم فالوقت غير مناسب . طلب منه أن يستعد لاستقبال عائلة كاميليا والشيخ لعقد قرانهما مساء اليوم وطلب منه أن يعلمه عندما يأتي والد كاميليا ويصبح كل شيء جاهزا . وافقه ماجد على مضض وأعلن له دعمه رغم استنكاره لتصرفه الغير مسؤول . اتصل بوالد كاميليا يخبره بان عقد القران سيكون الليلة في منزل صديقه وطلب منه أن يكون مستعدا وأن لا يصحب معه سوى خالها وسيخبره بمكان المنزل في الوقت المناسب .

    دخل عماد منزله بصحبة كاميليا التي ترى البيت الذي حلمت به وساعدت على تصميمه وتأثيثه لأول مرة . جلست في الركن الفرنسي ولم تستطيع أن تمنع نفسها من البكاء وهي ترى تمثال برج إيفل . كم كانت برئيه وقتها والآن هي مجرمة في نظر عائلتها ومجتمعها ومدينتها . تنهدت وقالت :
    - أنا خائفة .. أشعر قلبي سيتوقف .. ماذا لو اعد لنا والدي كمينا ؟
    - لا يستطيع .. ولهذا أنا جعلت الاجتماع في منزل ماجد وسأخبره بكل خطوة في حينها .

    بكت وعماد يتصل بماجد الذي ذهب ليحضر الشيخ لمنزله كما اتفقا وأتصل بوالد كاميليا وأعطاه وصف المنزل في " المحمدية " ليلتقوا هناك ، وأتصل بفيصل وطلب منه أن يذهب أيضا . وعندما دقت الساعة الثامنة والنصف كان عماد يوقف سيارته بحذر أمام منزل ماجد الذي وقف ينتظره خارجا ودعاها للدخول إلى الصالة وأخبره بأن الجميع ينتظرونه . جاءت زوجة ماجد واستقبلت كاميليا ودعتها للجلوس حتى يحين دورها في عقد القران ويسألها الشيخ عن موافقتها .

    ذهب عماد برفقة صديقه لمجلس الرجال وما أن رآه والد كاميليا حتى نهض من مكانه واقترب منه بسرعة وهو يشتمه . دفعه الغضب وانفعال وهو يصرخ غير مبال بوجود الشيخ :
    - كيف تمكنت من ذلك يا ملعون .. يا حيوان .. و ..
    ظل عماد ساكتا ولم يقم بأي حركة ووالد كاميليا يحاول خنقه ، وبسرعة تدخل ماجد وفيصل وطلبا منه أن يهدأ فما حصل قد حصل والشجار والانفعال غير مجد الآن . طلب ماجد من الشيخ الإسراع بإجراءات الزواج فبدأ الشيخ وسأل عماد عن المهر وهذا ما قد نسيه ، فاخرج من محفظته خمسمائة ريال . ومن ثم طلب الشيخ أن يرى العروس ويسألها رأيها فذهبوا جميعا إلى الصالة وهناك كانت كاميليا مع زوجة ماجد بالانتظار . أخذ الخال سعيد ورقة العقد لابنة أخته ووقعت ووقع هو مع ماجد كشاهدين وأكتمل عقد القران وخرج الشيخ مع فيصل من الصالة . بقيت كاميليا ووالدها وخالها وعماد . رمت نفسها على الأرض أمام قدمي والدها وبكت بشدة ووالدها يقول لها :
    - هل أنت سعيدة بعد أن تزوجت بهذه الطريقة المخزية ؟
    طلبت منه أن يسامحها فهز رأسه وقال بغضب :
    - أنا برئ منك حتى يوم القيامة .. حتى عندما أموت لا تحضري فاتحتي .. أمك منهارة وتبكي في المنزل بسببك .. لطخت شرف عائلتنا يا كلبه .. يا ملعونة .
    حاول سعيد أن يلين موقفه مذكرا إياه بأنها ستظل ابنته مهما حدث وعليه أن لا يتخلى عنها ، وطلب من كاميليا أن تعتذر منه وتقبل رأسه فاقتربت منه بتردد وقال لها :
    - لا تقتربي مني .. لا أريد أن اعرف عنك شيئا .

    ردحذف
  102. الأخير

    الفصل 40






    أخيرا أصبح عماد وكاميليا زوجين بعد قصة حب دامت أكثر من خمس سنوات . بذلت كاميليا جهدها لتحافظ على حبهما طاهرا وشريفا . قصة حب لم تحلم بها ووجدت نفسها تعيشها بجمالها وعذابها وسريتها وعواقبها . حكاية حب سعودية مكللة بالفضيحة كما قالت لها أمل ، ولو قرأتها أو سمعت عنها لما تخيلت نفسها مع عماد أبطالها الحقيقيين .
    ظلت علاقة عماد بعائلته مقطوعة فهم رافضين لزواجه من كاميليا . طرده والده من منزله ومن الشركة أيضا تحت تأثير أمه لترغمه على التخلي عن كاميليا فأصبح بلا عمل . وجاءته أخته ندى عدة مرات تطلب منه أن يعود لرشده ويكسب عائلته لكنه رفض ذلك فكاميليا هي المرأة التي يحب ولن يتخلى عنها بعد أن أصبحت زوجته . عادت ريم من لندن بعد أيام من زواج عماد الذي طلقها بسرعة ورفض أي مواجهة معها في ظل غضب وسخط العائلة كلها من تصرفاته .

    استقبلت كاميليا أمها وأختيها في منزلها الزوجي عدة مرات سرا عن والدها الذي فرض مقاطعتها . تسامحت من أمها وطلبت من عماد أن يفعل ذلك ففعل ، كما جاءت نسرين وأمل لزيارتها وبرغم ما حدث والتعقيدات الحاصلة لم تتأثر صداقتهما . عاتبتاها ولامتاها ومن ثم هنأتاها على زواجها بالحبيب المجهول وهنأتا عماد فهو يستحق السعادة . ظل عماد في عزلة عائلية لا يزوره غير فيصل ونسرين ، وقرار طرده من الشركة كان الصعب فهو لم يتعود أن يعمل في أي مكان غير شركة الغانم . شعر بضيق كبير ازداد عندما بدأت كاميليا عملها فأصبح يجلس في البيت وزوجته خارجا . فكر بمشروع يبدأ به فنصحه ماجد بشراء محفظة أسهم في احد البنوك وبالبدء بالاستثمار في سوق الأسهم المحلية والعالمية ووجده حلا مناسبا .

    ************

    " بأيام البرد وأيام الشتي
    والرصيف بحيرة والشارع غريق
    تحي هاك البنت من بيتنا العتيق
    ويقلا أنطريني ونتظر عالطريق
    ويروح وينساها وتدبل بالشتي
    حبيتك بالصيف حبيتك بالشتي
    نطرتك بالصيف نطرتك بالشتي
    وعيونك بالصيف وعيوني بالشتي
    ملقانا يا حبيبي
    خلف الصيف وخلف الشتي .. "

    أطفأ عماد صوت الموسيقى عندما اتصلت به كاميليا تسأله عن سبب تأخره في العودة للمنزل وأخبرها بأنه سيصل خلال دقائق . وصل ودخل بلهفة وشوق وهو يحمل لها ورود الكاميليا البيضاء التي تعود تقديمها لها منذ بداية حبهما . وجدها بانتظاره في الركن الفرنسي كما كان يحلم دائما بان يجدها تنتظره بعينيها الذابحتين والكحل السود وحبة الخال في زاوية فمها وأريج " الور " مستقر برقة على جلدها . نهضت من الأريكة وركضت نحوه تعانقه بلهفة فقبلها وجلس بجانبها ويده تبعثر شعرها بشقاوة ، وعينيه السوداويين تتأملان ملامح وجهها المبتهج . قدم لها الورود وبعثر قبلاته على وجهها وزاوية فمها . وعندما فاجأها بتذاكر السفر إلى باريس كاد أن يغمى عليها . شكرته بدلال وسعادة وهي تبتعد عنه وهو يلحق بها وعينيه على ساقيها وظهرها العاري :
    - أريد أن اجلس في الحديقة الداخلية .
    اومأ برأسه وامسك بيدها ومشيا سويا نحو الحديقة الداخلية . جلسا بالقرب من بعضهما وطلب منها أن تضع له طعام الغذاء فهو جائع ، وضحك من قلبه عندما قالت له بأنها أعدت له شكشوكة . حملها بين ذراعيه وهو يتوعد بمعاقبتها وهي تضحك لمعرفتها بالعقاب . ذهبا لغرفة نومهما في الجانب الأيسر من المنزل أو جهة القلب كما تقول هي . أغلقت الباب وعماد يحاصرها بعينيه وقبلاته وهمساته . اقترب منها وضمته إليها وقالت له بسعادة بأنها تريده قريب منها دائما ، لن يكون اقرب إلا وهو بين ذراعيها ، تشاركه نسمات الهواء الداخله لرئتيه وتسمع دقات قلبه النابض بحبها .



    النهاية

    ردحذف

طريقة التحميل من المدونة

طريقة تحميل ملفات pdf من media fire والمدونة