قربان


المقدمة
من المفترض ان يكون زواجنا على الورق فقط.. من المفترض انني لااحبه وفعلت هذا كي ننهي الدم والثأر بين الأسرتين فقط…فما بالي كلما ذكر اسم فتاة امامي غضبت؟
انا من طلبت أن يتزوج بواحدة أخرى….فلما هناك نيران داخل صدري ستدفعني للبكاء والصراخ وانا اراه يبحث عن هذه الزوجة؟ ألا يجب أن أكون سعيدة لأنه سيرحل؟ ألا يفترض أن اكرهه؟فلما قلبي ينبض بهذا الجنون كلما التقت ابصارنا؟! هل من الممكن أن نقع في يوم بغرام أعدائنا؟هل سيدفعنا الحب لنغفر لهم خطاياهم؟!…



الفصل الأول

في كل ليلة اوي الي فراشي مبعثرة ومتناثرة... احاول بقوة ان اتشبث بتالبيب النوم لعله يسحبني الى 
احالم تحمل لي طيفك.. ولكن الشيء حولي سوى اشباح ذكراك المؤلمة حتى وان كانت سعيدة.. بل 
وباالخص ان كانت سعيدة!..فسعادتي معك تثبت لي كم ايامي مؤلمة االن من دونك.!
ال زلت اذكر تلك الليلة قبل ثالث سنوات وكأنها حصلت قبل لحظات... ال ازال اشعر بلزوجة دمائك فوق 
يدي ورائحتها تحتل انفاسي... ال زلت اتذكر عيونك الذابلة وهي تتعانق مع عيوني الجاحظة بخوف.. وال 
ازال استشعر انفاسك االخيرة وانت تلفظها بين يداي..!
لا البكاء سيعيدك لي ولا حتى انكار حقيقة رحيلك.. حاولت النسيان ولكن وجهك المنعكس في مرآتي 
يمنعني من ذلك.. ثالث سنوات مضت ونيراني في سعير متزايد.. ثالث سنوات مضت وانا لا ازال اترقب 
ايجاد ذلك المتستر بالظالم بعيداً عني..... ذلك المفزوع من صرختي...المتلذذ بضعفي ليهرب.....ولكني 

اتسائل... من سيجد الآخر أولا!


الفصل الثاني

"هزيم؟!..اخي؟!....فقط استمر بالتنفس..فقط انظر الى عيناي اتوسل اليك..اياك ان ترحل...استمر 
بالتنفس وكل شيء سيكون بخير انا اعدك...فقط تنفس معي" ..!
توسللات كثيرة تبعتها صرخة قوية مع انسدال عينيه ثم صرخة اخرى في الواقع هزت لها جسدها 
وايقظتها من سباتها العميق وكوابيسها المتكررة...او بصورة اكثر صحة "كابوسها المتكرر.."
ارتفع جسدها بتلقائية من فوق سريرها وارتعشت انفاسها كأرتعاشة اطرافها.. ادارت حدقتيها المشوشة 
بفعل الدموع من حولها لتتأكد انها بين جدران غرفتها.. وان المطر توقف بل ولم يهطل من الاساس.. 
وان الصباح حل منذ فترة طويلة.. كان مجرد كابوس مخيف من الماضي لا اكثر.. كابوس حقيقي يكرر 
نفسه عليها وكأنه يمنعها من نسيان ما ترفض التخلي عنه من الاساس..!
تطلعت ريم بيديها المرتجفة ومسحتهما بهستيريا اقرب الى الجنون وكأن الدماء لا تزال عالقة بهما ثم 
رفعتهما بأنفعال اتجاه وجهها لتعيد بعض الشعيرات الملتصقة بجبينها المتعرق وعنقها نحو 
الخلف..لملمت جسدها بعضه الى بعض..الصقت ركبتيها بصدرها واحاطتهما بيديها لتعانق جسدها بقوة 
وهي تدفن رأسها بين فخذيها وتبكي بمرارة..هذه هي المراسيم المعتادة عليها في كل يوم ريم ذات ال25
ربيعاً..ام يجب ان نقول خريفاً...فهي لم تعد تلك الفتاة المشرقة التي تتشابه مع الزهور بعنفوانها بقدر تشابهها مع اوراق الخريف المنتهي اجلها!...من يرى شكل ريم الأن للمرة الأولى يجدها فتاة ذات مظهر 
مزري وغير جذابة على الإطلاق..عينيها ذابلة طوال الوقت من كثرة البكاء...بشرتها شاحبة..لها هالات 
سوداء تحيط عينيها الزرقاء كان الكحل سبباً كي يزيد من اسودادها.. فالكحل هو الشيء الوحيد الذي
كانت تضعه داخل عينيها...او بعبارة اخرى الكحل هو الشيء الوحيد الذي لايزال يربطها بعالم 
الفتيات...لقد تناست امر الموضة منذ سنين..تناست امر مساحيق التجميل.. شعرها دائماً غير مصفف
وتربطه بأهمال....ولكن رغم هذا كان بها شيء مميز يجعلها جملية بكل مظهر كانت به... ستحدق بها 
مطولًا ولكنك لن تعرف اين يكمن سر جمالها بالضبط..!!
قامت من سريرها بخطوات غير متوازنة وجسد لايزال اثر الإرتعاش يكتنف اطرافه..اتجهت نحو علبة
دواء قد تركتها على طاولة تزيينها باالمس..فتحتها بيديها المرتجفتين وهي تتنفس بصعوبة ودموعها 
تنزل من غير رحمة وكأنها تستعجل اخراج هذه الحبوب وإلا لن تبقى حية لدقيقة اخرى...!
وضعت حبتين في راحة يدها وابتلعتهما فوراً ثم دفعتهما نحو بلعومها بجرعة ماء قليلة..!
تنفست بأرتياح وهي تشعر بالحبوب قد دخلت الى جسدها ثم عادت بعدها نحو سريرها لتغط بسبات 
عميق بعد ان اخذت حبوب المهدئ تلك...عميق لدرجة يمنعها من تلك الكوابيس..من تلك التسجيالت
القديمة التي يصر عقلها على الاحتفاظ بهن...!
وهكذا هو حال كل يوم...تستيقظ مرعوبة من كابوس يحمل عبق الماضي فتأخذ تلك المهدئات التي ادمنت 
عليها وتعود لسبات يسحبها من واقعها الذي ترفض تصديقه...واقع لا يحوي اخيها ورفيق طفولتها 
وتوأمها هزيم...هزيم الذي لفظ انفاسه الاخيرة بين يديها..!!
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
دقت الساعة الرابعة عصراً...فتحت ريم عينيها بتثاقل متمنية النوم اكثر ولكن جسدها تشبع بمافيه 
الكفاية!...قامت لتأخذ حبتين اخرتين ولكن صوت ضحكات صغيرة جذب انتباهها فجذبت يدها من العلبة 
وقررت النزول....فلايمكنها تجاهل هذه الضحكات ابداً..!!
ارتدت مئزرها البيتي الأبيض فوق منامتها ولملمت خصالت شعرها الحريرية بشكل عبثي فتساقطت 
بعض الخصالت على جانبي رقبتها لتصبح هيئتها مهملة اكثر لاسيما مع تلك العيون الحزينة التي لم 
تخلو يوماً من اثار دموع متراكمة دائماً ورموش غالباً ماتجدها مبللة....حزينة بشكل ملفت للأنظار 
تجعلك تعلق ابصارك بها دون ان تعرف سر هذه الجاذبية..مثل ابتسامة الموناليزا الغريبة.... معقدة رغم
بساطتها...وعميقة رغم وضوحها...!!
نزلت من السلم واتجهت نحو المطبخ وحاجبيها يرفضان ان يبتعدا عن بعضهما ويفتحا جبينها 
المقتضب..
كانت نسرين الاخت الأكبر ذات الـ33 عاماً تجلس هناك..
نسرين كانت شبه مقيمة في منزل اسرتها هي وابنتها هيلين ذات الـ3 سنوات بسبب سفر زوجها الدائم 
من اجل عمله وكرهها للبقاء وحيدة في منزلها..
قالت نسرين بسخرية وهي ترتشف كوب قهوتها المعتاد وتحدق بأتجاه اختها:
ـ هل نقول صباح الخير ام مساء الخير؟..!
اجابت ريم ببرود وهي تتجه نحو الثالجة:
ـ اغلقي فم ِك ولاتقولي شيئاً..
زفرت الأخرى بضيق من دون تعليق فالجميع قد اصبح معتاد على اسلوب ريم الجاف وبرودها في 
السنوات الأخيرة..عكس ماكانت عليه في الماضي تماماً..!!
اخرجت كوب ماء بارد ارتشفته كله دفعة واحدة ثم اغلقت الثلاجة غير مبالية بأصناف الطعام الشهية 
المعروض امامها...
اقتربت تلك الضحكات الصغيرة اكثر منها أعقبه ركض بخطوات متراقبة ثم تشبث ايادي ناعمة 
بساقيها...التفت بلهفة ورفعت ذلك الصغير سامي عن الارض وهي تدور به بضع دورات حول نفسها 
واخيراً تبسم وجهها العبوس وتزين ثغرها بأبتسامة تمنحها له فقط..
ختمت هذا الاستقبال بقبلة طويلة وعميقة فوق خده الوردي وبعدها عناق اطول وكأنها لم تراه منذ 
اسبوع رغم انها هي من وضعته في فراشه بالأمس بعد ان غلبه النعاس في سريرها...!!
كان يحمل عينا ابيه..رائحة ابيه..ضحكة..ابيه.. ببساطة كان سامي ذو الثلاث سنوات نسخة مطابقة عن 
ابيه هزيم..!!
احاط وجهها بكفيه الصغيرتين وقال بأبتسامة عريضة:
ـ اين سنذهب اليوم عمتي؟..!
داعبت انفه الصغير بأنفها وهي تقول:
ـ الى اي مكان تأمر به يااميري الصغير..!!
لوى شفتيه الكرزيتين وضيق مابين عينيه بتفكير ثم هتف بسرعة:
ـ اهاا...سنذهب الى المركز التجاري أولا كي تشتري من اجلي البوضة ثم ستأخذيني الى الحديقة..!!
فأخترق المسامع فوراً صوت رقيق وهادئ:
ـ يالك من طماع صغير..!!
التفتت ريم بأبتسامة لطيفة نحو زوجة اخيها ميسم ذات الـ23 عاماً والتي فضلت البقاء معهم في المنزل 
بعد وفاة هزيم كي تربي ابنها وسط اسرة ابيه ولاتبعده عنهم لاسيما وهي تعرف مدى تعلقهم به وانه 
الشيء الوحيد المتبقي من ذكرى ابنهم الميت..!!
قالت ريم وقد عادت لتنظر بوجه صغيرها المدلل:
ـ فليكن طماعاً كمايشاء...فكم سامي لدي انا كي لاأنفذ اوامره؟..!
قالت ميسم ممازحة:
ـ تعلمين انه يستغل ِك بشدة..!
فعانقته ريم بقوة وهي تقول:
ـ ان كان كل استغلال جميل هكذا فيا لي من محظوظة حقاً..!!
ثم انزلته من بين يديها ودفعته من كتفيه برفق تحثه على الركض بأتجاه امه وهي تقول:
ـ هيا بسرعة تذهب نحو الماما لتغير لك ملابسك كي نخرج..!
اطاع سامي امرها بفرحة ورافق ميسم نحو جناحهما الخاص كي يغير ملابسه..ماان غاب عن مالمحها 
حتى غابت ابتسامتها معه وكأنهم فصلو سلكها عن الكهرباء لتعود نحو عالمها المظلم...
كان المطبخ ذو تصميم امريكي..هناك نصف سور رخامي مغطى بالمرمر على شكل نصف دائرة يتوسط 
المطبخ يقع خلفه الطباخ الثلاجة واشياء اخرى وامامه عدة كراسي يجلس عليها احدهم ليتناول وجبة 
خفيفة او يحتسي مشروب ما..
وهناك تجلس نسرين..فجاورتها ريم على الكرسي الآخر وهي تفرك صدغها بأصبعيها لتزيل 
عنه صداعها..قالت نسرين بعطف:
ـ هل اعد ل ِك وجبة ما؟
ـ لا شكراً..
ـ لكن ِك..
ـ لم افطر ولم اتغدى ولم اتناول عشائي بالأمس....اعرف تكملة الجملة..
ـ جيد ان ِك تعرفيها...وهل تعرفين الحال المزرية ايضاً التي اصبحتي عليها؟ ووزنك الذي يقل بشكل 
ملحوظ بين يوم واخر؟..والهالات السوداء التي تحيط عيني ِك بسبب تلك المهدئات اللعينة التي 
تشربيها؟..!
نظرت ريم نحوها ببرود وملل وقالت بعدم مبالاة:هل انتهيتي؟..!
ثم سحبت كوب القهوة من امام نسرين واكملت:
ـ قومي لتجهيز هيلين كي ترافقني..
تنهدت نسرين مرة اخرى بضيق فهي لاتملك شيئاً اخر لتفعله مع هذه العنيدة التي تقتل نفسها ببطئ منذ 
وفاة اخيها...قامت بقلة حيلة واكملت ريم احتساء قهوتها التي اخذتها لتبعد عنها صداع معتاد في كل يوم
لدى استيقاظها واذا كان راحماً لها قد ينتهي بعد ساعة اذ لم يستمر لعدة ساعات اخرى...
رفعت الكوب الى فمها لتدفع بعض ذلك الشراب الدافئ نحو بلعومها فأستنشق انفها عبق القهوة المميزة 
وسحبتها الذكريات بقوة نحو سنين طويلة..
هزيم يقف في المطبخ يعد قهوة الصباح المعتادة التي يفضل اعدادها بنفسه فلا احد يجيد صنعها 
بمهارته...تنزل ريم راكضة من السلم وتجلس على الكرسي امام الطاولة الرخامية ذاتها واستنشقت عبق 
القهوة التي مألت ارجاء المنزل حتى وصل نفسها ألخره ثم طرحته بصوت مرتفع جعل هزيم يلتفت 
نحوها بأبتسامة ويقول:
ـ هذا يعني ان ِك تريدين كوباً..
ـ وهل يحتاج الأمر الى سؤال؟..!
ضحك وملأ كوبين قد ح ّضرهما مسبقاً بجانبه فهو يعلم بتوأمه المشاكسة التي لن تستغني عن قهوته 
الصباحية حتى في ايام العطل...وضع كوبها امامها وارتشف من كوبه وهو يقف على الجانب الآخر 
امامها يرتكز بمرفقيه على الرخام الذي يفصل بينهما..ارتشفت رشفة سريعة ولكن ابتلعت اكبر قدر ممكن 
منها ثم زفرت بأرتياح وهي تستلذ بهذا الطعم الرائع وقالت:
ـ سأدفع اي شيء مقابل تعلم وصفتها..!!
سحبها من انفها بشقاوة كما اعتاد دائماً منذ طفولتهما وقال ممازحاً:
ـ السر في الإعداد وليس في الوصفة ايتها الحمقاء..
ـ ومع ذلك..علمني اياها علني استطيع فعلها بمثل مهارتك...نحن توأمين قد نتشابه بهذا ايضاً..!!
تبسم بأستفزاز وقال:
ـ لن افعل..
هتفت به بحنق طفولي:
ـ يالك من شرير متمرد..لماذا ترفض ذلك؟..!
سحبها من انفها مرة اخرى وقال:  لأن قهوتي هي من تدفعك ان تستيقظي مبكراً كل صباح كي تنظمي الي ونشربها معاً وان علمت ِك اياها 
قد لانجلس معاً في الصباح ككل يوم...وايضاً..
صمت قليلا وهو يعلم تأثير الجملة الثانية عليها وبعدها اكمل:
ـ اريد ان اخطر على بالك كلما شربتي قهوة غير قهوتي بعد ان اسافر وانتي تستشعرين الفرق بين الطعم 
وتفتقدين روعة قهوتي..انا متأكد انك ستتذكريني كلما ارتشفتي القهوة..
انزلت الكوب من يدها وهي تنزل ابصارها معه وقد استبدلت مالمحها بأخرى
كئيبة وقالت بحزن:
ـ ألم تغير رأيك؟
ارتشف من كوبه قليالً ثم قال:
ـ هذا رأي ابي وليس رأي..
رفعت رأسها نحوه بقوة دفعة واحدة وقالت:
ـ اذاً ارفض..
تبسم بعطف وقال ـ انها مجرد سنتين ياعزيزتي..ادرس في معهد الأعمال هناك كي انضم الى عمل ابي في الشركة بمهارة 
عالية..هذا من اجل مصلحتي ومصلحة العائلة..
زفرت بضيق وقالت:
ـ اذاً خذني معك..
ضحك بقوة وهو يقول:
ـ ماما لن تتأخر ياصغيرة..مجرد سنتين واعود ل ِك..
ـ انا جادة ياهزيم...انت تعلم اني قليلة الاختلاط بالآخرين وانت رفيقي الوحيد..انا لاأحب ان اجلس او 
اتحدث مع احد سواك..وان رحلت...سأبقى وحدي..
مسح على شعرها بعطف وقال:
ـ لذلك انا وافقت على قرار ابي لاحقا عندما رفض طلبي بأخذك معي..
ـ ماذا تعني؟..!
 صغيرتي..علي ِك التخلص من هذه العادة...انتي ستصبحين فتاة جامعية وانا لن اكون مع ِك هناك..الى 
متى ستظلين ملتصقة بي كظلي؟...علي ِك التعرف على صديقات وأال سيعتبرو ِك غريبة االطوار وقد 
يسخرون من ِك او يعزلو ِك عنهم وتبقين وحيدة....
ثم هتف بها بمزاح:
ـ والصراحة انتي عليك تصادقي فتاة ما فأنا قد مللت مرافقتك لمراكز التبضع كي تشتري الملابس 
واضطر للتجوال مع ِك لساعات..اي مصيبة وابتلاء هذا الذي جعل ِك اختي..
تبسمت من بين دموعها وهي تقول:
ـ انت لست مضحك..
ـ أحقاً؟!..أنا متأكدة اني رأيت اسنانك الأن...والدليل هناك بقعة قهوة بنية عالقة بين نابك االيسر..
مسحت اسنانها وقد صدقت خدعته التي لم تكتشفها إلابعد ان قهقه عالياً..ضربته برفق فوق كتفه وهي 
تقول:
ـ وتستطيع ان تضحك ايها القاسي بارد المشاعر..
سحبها من رأسها وقبلها فوق شعرها بحنان وهو يقول:
سأتصل ب ِك كل يوم لأزعج ِك..
سكتت راضخة بعدم رضا لقرار غير عادل حسب ماترى...عندما لمح بعض اثار الحزن 
لاتزال متشبثة بقوة داخل عيونها الزرقاء اكمل ممازحاً في محاولة لإنتشالها من هذا:
ـ ومن يعلم..قد اتعرف على فتى وسيم هناك واخبره ان لدي اخت جميلة جداً وقد يتقدم لخطبتك 
وتتزوجين ونرتاح من مشاكلك وطلباتك..
قالت وهي تبادله مزاحه:
ـ أذ كان الأمر كذلك فسافر غداً بدالً من تتأخر اكثر ياعزيزي وأذ لم تتعرف على فتى وسيم فأبقى هناك 
لتكمل الكلية ايضاً عل ِك تتعرف على واحد..
ـ هكذا اذاً؟..!
ـ هكذا واكثر..
ضحك بقوة على حماسها الذي اصطنعته فجأة ثم حدق فيها بأبتسامة هادئة يتأمل تلك المالمح الطفولية 
وبعدها قال:
ـ سأضرب زوج ِك بقوة في يوم زواجكما..

ولماذا؟..!
ـ كي احذره ان اليتجرأ ويمد يده علي ِك في يوماً ما وأال اني سأقتله..
فضربته على كتفه بضحكة وقالت:
ـ هكذا سيطلقني من قبل ان يتزوجني ايها الأحمق.. ارحمني يرحمك الله ولاتأتي ألى زفافي وإلا فسيعيدني 
معكم..
ـ أتعلمين...احياناً ارا ِك حقيرة حقاً..!!
ضحكت بقوة وفجأة انقطعت سلسلة ذكرياتها(...
قطعها سامي بدخوله المفاجئ تتبعه هلين وقد احدثو ضوضاء من ركضهم السريع فوق الأرضية 
بل والدغدغة...فمع هذين االثنين 
المرمر.. تبسمت ريم لقدومهما ثم حملتهما معاً تغدقهما بوابل من القُ
فقط تعود جزء من ريم القديمة التي دفنتها بداخلها ترفض خروجها لضوء الحياة...انزلتهما بعد مداعبة 
استمرت لبضع دقائق وقالت:
ـ انتظراني قرب السيارة ايها المشاغبين سأغير ملابسي وانزل...
صعدت السلم بخطوات سريعة وذهبت نحو غرفتها لتغير ملابسها..فتحت الخزانة وتجمدت عينيها فوق 
قطعتين من الملابس...بلوزتين متشابهتين تماماً وتختلفان في اللون فقط..احدهما بيضاء والأخرى
سوداء مرسوم على صدر كلتيهما وجه ضاحك..مدت يدها بتردد نحو السوداء وتلمستها بأطراف 
اصابعها وكأنها تخشى ان يعلق عطرها هي فيها وتختفي رائحة اخيها.. قربت انفها اكثر من البلوزة 
واستنشقت رائحتها العطرة ونزلت دموعها بقوة اكبر وهي تعتصر عينيها غير تاركة مجال ألي دمعة ان 
تبقى حبيسة جفونها...همست للبلوزة وكأنه امامها:
ـ ذكراك في كل شيء حولي..انت في كل مكان ولست في مكان....!!
التزال البلوزة رغم السنين تحمل رائحته الزكية..تلك الرائحة المميزة التي تعرف من خاللها ماان كان 
موجوداً حولها او ال...عادت ذكرى اخرى وصدى اخر ليصدح في عقلها من سنين غابرة..
ـ هل اعجباك؟
ـ ماهذه؟..!
ـ انهما بلوزتين متشابهتين سنرتديهما ونأخذ بهما صورة لأحتفظ بها..البيضاء لي لأنها تعكس شخصيتي 
الطيبة والمتسامحة والسوداء لك لأن شر العالم كله يكمن في قلبك..
امسكها من رقبتها من الخلف وامالها للأمام وهو يهتف بها ممازحاً:
ـ حسناً سأري ِك الشر كيف يكون ياانسة ريم..(
كفكفت دموعها شبه المستمرة وسحبت قميص بلون الكراميل ارتدته فوق بنطال جينز ازرق مع وشاح 
اسود تلفه حول عنقها..فتلك البلوزة البيضاء لم تضعها مجدداً فوق جسدها منذ وفاته واصطفت بجانب 
رفيقتها السوداء وكأن مالكيهما كالهما قد ماتا...فريم تعيش في جسد ميت..كل ماتشعر به هو دقات ما 
في جانبها الأيسر وارتفاع صدرها وانخفاضه بين ثانية واخرى...فقط!!.. لاشيء اخر...لاطعم 
...لاإحساس.. لاحياة....!!
نزلت بأسرع مايمكنها بعد ان رتبت شعرها بأهمال بالكاد قد جمعت خصلاته مع بعضها وخرجت تقلب
مفاتيح السيارة بين يديها لترى الصغيرين ينتظراها على احر من الجمر يتشاجران كالعادة فيمن سيجلس 
بالمقعد الامامي بالقرب من ريم وكالعادة ختمت هذا النقاش وهي تفتح الباب الخلفي وتقول:
ـ لاتكونا واثقين من نفسيكما كثيراً ايها المشاغبين.. كلاكما سيركبان في الخلف لايجوز لطفل ان يجلس 
في المقدمة...
بالطبع لم يرحماها هما من تذمرهما وبعض الكلمات المتمتمة التي لم تسمعها فهما يحرصان على ابقائها 
منخفضة كي لايتم حرمانهما من هذه النزهة.. اول مكان توجهو اليه كان المركز التجاري لتشتري لهما 
بعض البوضة ومن ثم الى الحديقة...اول مافتحت لهما الباب انطلقا راكضين قبلها ليحتل كل واحد منهما 
ارجوحة يسابقان فيها الرياح..جلست على مسطبة مقابلة لهما على بعد مسافة تراقبهما بأبتسامة...
ـ انا سأركب بهذه الأرجوحة ياهزيم انها ترتفع اعلى..
ـ بل انا من سأفعل..
ـ ولما تكون انت وليس انا؟..
ـ لأني اكبر من ِك..
ـ نحن توأمين يااحمق..
ـ اجل ولكني خرجت قبل ِك بدقيقة..
ـ وما ادراك؟ هل كنت حاضراً؟..
ـ ال،ماما من قالت هذا..
ـ كانت غائبة عن الوعي كيف لها ان تعرف..بالتأكيد هم خدعوها..انا من خرجت أولا..
ـ بل انا...
التعليق من ريم الصغيرة ذات السنوات السبع.. مجرد وجه مستاء على وشك البكاء فتبعتها زفرات 
متتالية من هزيم وهو يقول لها بتذمر:
ـ كفي عن النظر الي بهذه الطريقة....
ولكنها لم تبعد تلك النظرات مما جعله يرضخ لها فوراً بقلة حيلة ويجعلها تركب في الأرجوحة التي 
تختارها.. فهو لايمكنه مقاومة تلك العيون وهو يراها حزينة(..
لم تكن خاتمة الذكريات بمنظرهما وهما يلعبان في طفولتهما بل غزت عقلها لقطة اخرى لاتفارقها...يرفع 
بصره اليها غير قادر على التكلم...جسده يرتجف بين يديها مثل ارتجاف شفتيها وهي تجحظ بعينيها 
تحوط رأسه الذي فوق حجرها بيديها الملطختين بدمائه... شيئاً فشيئاً انفاسه تتباطئ وارتجافه 
يختفي....وجفونه تنسدلان بهدوء كمغيب شمس وهي تختفي داخل جوف الارض...ولكن هو لن يملك
القدرة على الإشراق في صباح اليوم التالي...بل هذا مغيبه الأخير...صرخة قوية بأسمه داخل ذكرياتها 
جعل جسدها يرتجف بالواقع وكأن احدهم قد صرخ بقربها وليست صرخة ذكريات....رنين هاتفها جعلها 
ترفع يديها المرتعشتين لتمسح دموعها التي تنزل ألي ذكرى حزينة او سعيدة بشأنه...اجابت بعد ان 
تماسكت قليلا:
ـ اجل ميسم؟..!
ـ عزيزتي...جد ِك هنا..
اقتضبت ملامح وجهها واغمضت عينيها وكأنها مشمئزة من ذكر هذا الإسم امامها...فكبير عائلة ياسين 
هذا هو من قرر بعدم اخذ الثأر او حتى الدية من عائلة مراد الذي كان احد افرادها هو من قتل اخيها دون 
ان تعلم هل كان من الأبناء او الأحفاد كل ماعرفته ان احداً منهم قد فعل...
ـ ماذا يريد؟..!
ـ ربما علي ِك القدوم..الأمر يتعلق بعائلة مراد... واظن ان هناك ثأر جديد...علينا وليس لنا..
"ثأر جديد"...كلمة قد جعلت العالم من حول ريم يتموج وتصبح كل الأصوات كالصدى...فهاتين العائلتين 
لم تكفان عن الثأر من بعضهما البعض واراقة دماء افرادها منذ اكثر مايزيد عن خمسة عشر عاماً
والوحيد الذي لم يتم اخذ ثأره هو هزيم لأسباب لايعرفها سوى بعض الأفراد في عائلة ياسين لم تكن هي 
من ضمنهم بالطبع...!
سيراق..عزيز اخر ستحتضن جثته تحت المطر.. طفل اخر سيبقى من دون اب..وزوجة 
هناك دم جديد ُ
اخرى ستترمل.....واخت اخرى ستُفجع........انتفض جسدها فوراً من مكانه وقالت بعصبية:
ـ انا قادمة..!
حملت سامي وقادت هيلين من يدها دون الاستماع الى تذمرهم وشكواهم في البقاء لفترة اطول مجرد
بل منحتهم قُبل سريعة واعدة اياهم بفسحة اخرى ...
لولا وجود الأطفال في السيارة معها لقادت كعادتها بسرعة جنونية ومتهورة عندما تغضب..وصلت الى 
منزلها وانزلت الأطفال بسرعة وتركتهم يلعبون في الحديقة كي لايسمعون البركان الذي سيثور بعد 
دقائق ودلفت مسرعة الى الداخل....
تباطأت خطواتها شيئاً فشيئاً وهي تقترب من اجتماعهم في الصالة..اجتماع كلما انعقد حمل معه مصيبة 
أذ كان من يترأسه جدها ياسين...تطلعت بعينيهم واحد تلو الآخر ابتداءاً من ابيها سيف الى امها بلقيس
الى اختها نسرين ومن ثم ميسم واخيراً في تلك العيون المطلية دائماً بالأحمر...عيني جدها الذي يرتكز
كعادته بيديه المجعدتين فوق عكازه الخشبي...
لم تفهم ريم سبب تلك النظرات المشفقة التي منحتها اياها نسرين وميسم وهي تجلس على الكرسي 
المقابل لجدها...جلوس علمو انه لن يطول قبل ان تقوم مرة اخرى 
منتفضة....لم يكن هناك عتاب من جدها لأنها لم تلقي عليه التحية فهي منذ ثالث سنوات على خالف معه 
بسبب ماحصل...قال بعد ان اتخذت موقعها:
ـ حفيدي رأفت قد قام بتصرف متهور من دون ان يستشير اسرته...حاول ان يقتل احد افراد مراد هو 
على خالف شديد معه ومع الأسف بعض ابنائي قد ساندوه في خطته هذه..ولكن من الجيد ان ابن مراد لم
يمت..
ضحكة خفيفة ساخرة اطلقتها ريم قطعت بها حديث جدها وهي تكتف يديها امام صدرها وتقول  من الجيد؟؟!!...احياناً اشك بكونك من اسرتنا... فدفاعك عن أسرة مراد لايعقل انك ضدهم..
ضرب بقاعدة عكازه مرة فوق الارض بغيظ وهو يقول بعصبية:
ـ لست بجانبهم ولكن موت اخر يعني ثأر اخر....يعني ضحية اخرى...
فأكملت بأستفزاز:
ـ يعني ضعف اخر وتخبئة رؤوسكم كالجبناء متغاضين عن ثأركم وواهبيهم مسامحة لن يهبوها لكم..
زفر بضيق وهو قد تعب من فتح ذات الموضوع معها دون ان يصلو لنتيجة في الحديث...اكمل وقد تعمد 
اضفاء بعض الهدوء لحديثه محاولًا الحفاظ على تماسك اعصابه حالياً...فالخبر الاعظم لم يطلقه بعد 
والذي سيضطر لأن يفقد اعصابه به:
ـ نتيجة الأغتيال ابنهم فعائلة مراد قررت اخذ دية.... ولكن ليس اموال..
رفع بصره فقط بأتجاهها من دون تحريك رأسه بنظرات صارمة وهو يكمل:
ـ الدية ستكون امرأة..!
قطبت حاجبيها بأستغراب وهي تحدق فيه تريده ان يكمل ما لا تستطيع استيعابه فلم يبخل عليها ببقية 
الحديث:

لقد قررنا ان نصل الى حل يقطع بيننا هذه الدماء... احدى نسائنا تتزوج احدى رجالهم كدية عما فعله 
رأفت بدل ان يثأرو بطريقة اخرى..
قطبت حاحبيها اكثر وهي تقول:
ـ كيف يعني كـدية؟..!
ـ اي من دون زفاف...من دون مهر..من دون اي حقوق قد تملكها اي زوجة اخرى..سنحدد اليوم الذي
ستنتقل به من بيت اهلها لبيت لزوجها....اليحق لها معارضة زوجها بأي قرار..لايمكنها ان تطالب بأي 
شيء لايريد منحه لها..لن يكون لها حفلة خطوبة ولاحفلة زفاف...وان لم يقرر بأرادته ان ينفصل عنها 
فليس من حقها ان تطالب بالطالق...فأنفصالها عنه يعني انسحاب الدية...ويعني وجوب اخذهم للثأر 
حينها...
صمتت..لاتعليق...لاحركة...لاتزيح عينيها من عينيه... تنتظره ان يكمل..فبالتأكيد ليس هذا فقط ما جاء
من اجله.. وبالفعل قد اكمل:
شروط الدية ان تكون المرأة ذات صلة قريبة بكبير العائلة..اي انا..ولايجب ان تكون ذات صلة بعيدة... 
اما ان تكون ابنة او حفيدة...وليس هناك احد غير متزوج سوى لمار وهذه لازالت صغيرة لم تكمل 
العاشرة بعد ..
ثم اكمل وهو ينظر اليها بصرامة اكبر:
ـ وانتي...!!
قطبت حاجبيها اكثر وقد اشتعل وجهها بتوهج احمر حبست نيرانه داخلها لم يحن الوقت بعد 
لتطلقها...قالت وهي تجحظ بعينيها:
ـ الى ما تحاول الوصول؟..!
قال بحزم ومن دون اي تردد:
ـ انتي ستكونين هذه الدية...!
ـ اوه حقاً؟!..ومن المفترض ان اقول الأن حاضر جدي ويحل الأمر بهذه البساطة؟!
ضربه بعكازه بغضب وهو يهتف:
ـ ريــم..
قامت وقد قررت ان الوقت قد حان ألطالق نيران بركانها..هتفت بأعلى ماتملكه من صوت:
ـ هـــذا يــــكفي!!...أتظنون اني سأرضخ لقراركم هذا ايضاً؟!..هل انت جاد في ماتطلبه مني؟...!
عائلة مراد؟؟!!..تريدني ان ارتبط بواحد من عائلة مراد؟!..انا ان رأيت واحد منهم سأقطعه بأسناني 
واقتله وانت الأن تريدني ان ارتبط بواحد منهم؟!..ممن قتلو اخي؟..!
ثم صرخت بهم جميعاً:
ـ هل فقدتم عقلكم؟!..ماهذا الهراء الذي يحصل؟..!
قام جدها بعصبية اعقبه قيام االخرين معه وقال:
ـ الخيار ليس عائد ل ِك..االمر قد تم مسبقاً..
ـ لم يتم ولن يتم...سأقتل نفسي قبل ان اتزوج واحد منهم..
ثم نظرت لهم بحدة وهي تكمل:
ـ وتعلمون اني قادرة على هذا...!!
ثم تركتهم وصعدت نحو غرفتها فمنح الجد والدتها بلقيس نظرة ذات معنى فهمت من خلالها مهمتها قبل 
ان يغادر المنزل..
طرقات خفيفة فوق باب غرفتها عرفت من خلفها فلم تجب وهي تعلم ان الطارق سيدخل المحالة..ثواني 
من الانتظار من دون اجابة حتى فتحت والدتها الباب ودخلت...
كان منظر ريم كـلبوة هائجة تنتظر فريستها لتكون ضحية انيابها الجائعة..تجوب الغرفة ذهاباً واياباً وهي 
تقضم اظافرها بتوتر او تعيد شعرها للخلف بعصبية بين لحظة واخرى..دخلت والدتها بهدوء وجلست 
على حافة سريرها بكل رصانة امام هذه النيران المتحركة وقالت بعد ثواني من الصمت:
ـ أيمكنك ان تهدأي قليلا لنتفاهم؟..!
فنظرت لها ريم دفعة واحدة وقالت بحدة:
ـ ايا ِك ان تطلبي مني ان اهدأ امي..!!
ثم اكملت بأنفعال وكأن والدتها طلبت منها ان تنفجر وليس ان تهدأ:
ـ كيف امكنكم ان تطلبو شيئاً كهذا مني؟..بل ولما انتي وابي كنتما صامتين ولم تعترضا؟..!
اجابت بلقيس بكل برود:
ـ لماذا سنعترض على شيء نحن موافقين عليه؟..!
سكون تام لا يقطعه سوى صوت انفاسها اللاهثة من الغضب..تمتمت بعدم استيعاب:ماذا؟..!
اشاحت بلقيس وجهها الناحية االخرى لثواني وهي تنظم طريقة تنفسها كي تحافظ على هدوئها ثم عادت 
تنظر في وجه ابنتها واكملت:
ـ حاولنا ايجاد حل اخر..ولكننا فشلنا..عائلة مراد مصرة على هذا القرار..ونحن ليس بيدنا شيء اخر 
لنفعله..
اجابت ريم بعدم تصديق وهي تحدق في امها بذهول:
ـ كيف أمكنك ان تقولي شيئاً كهذا؟!...أستقدميني ضحية هكذا ببساطة للعائلة التي قتلت ابنك؟..!
عند هذه الجملة قامت بلقيس بأنتفاضة وهي تعصر كفيها ببعضهما ولكن من دون ان تعلق فأكملت ريم 
بعصبية:
ـ أستفعلين امي؟!...ألا يكفي مافعلتموه بي منذ وفاة اخي والى اليوم؟!..ألا يكفيكم ماتعذبت بسببه؟...!
اقتربت اكثر من والدتها وقد برزت كل شرايين رقبتها من الغضب واحمر وجهها يكاد يبعث شرارات
تحرق ماحولها وهتفت بوجه امها بصوت اعلى:
ـ سنة كاملة بعد وفاته وانتي لاتنظرين في وجهي امي لأني احمل الشكل ذاته..سنة كاملة اهملتي ابنتك 
ونسيتي ان ل ِك ابنة...مات هزيم فأجبرتني ان اموت معه..لم تنظري في وجهي بعدها ولم تتصرفي وكأن لدي ِك ابنة التزال حية..موته كان كافياً ليجعلني افقد الرغبة في الحياة..وبسبب ِك انتي ازدادت لدي هذه
الرغبة..الرغبة بالموت..الرغبة بترك حياة ليس فيها هزيم..
ثم ضعف صوتها بالبكاء اكثر وهي تقول:
ـ تخليتي عني في الوقت الذي احتجتك فيه بشدة.. واالن عدتي مرة اخرى لتتخلي عني..!!
التفتت اليها والدتها وقالت بكل هدوء:
ـ انا لاأتخلى عنك ريم...انا احاول حماية ماتبقى لدي..
ـ انتي لاتحمين شيئاً امي..انتي تقدميني قربان فحسب..
احاطت بلقيس وجه ابنتها بقوة وقالت وقد سمحت لدموعها اخيراً بالهطول:
ـ اخي ِك لم ينجب فتاة يا ريم..اخي ِك انجب صبي... صبي سيغدو في يوماً ما رجلا ليضموه لدائرة الإنتقام.. 
لدائرة الثأر....للقتل...ألا تريدين ان تحافظي على حياته؟..ألا تريدين ان تتنهي هذه العداوة كي لايطالبو 
بالدم يوماً ما ويكون دم سامي هو القربان لثأرهم؟..!
هذا كل ماتبقى لدينا من هزيم...أتريدينا ان نفقده ايضاً؟..!
سامي!!..نقطة ضعفها..سبب حياتها..كيف لها ان التفكر به في هذه اللحظة؟..ألم تعاهد نفسها انها 
ستفعل اي شيء وستضحي بكل شيء فقط من اجل ان تحميه؟!..حان الوقت لتنفذ وعدها...حان الوقت 
لتلبس كفنها كي تمنحه الحياة قبل ان يسلبوه منها كما سلبو 
اخيها...
اما اسرتها ـ السيما والدتها ـ فهي قد اعتادت ان يتخلو عنها في الوقت الذي تحتاجهم فيه..لم يكن احد 
يساندها ويحميها سوى هزيم...وهزيم رحل...وحمايتها رحلت معه..ستغدو لعبة بين االسرتين اليوجد من 
يطالب بحقها ويساعدها...هذا واقعها وسترضخ له...
تركتها والدتها متصلبة في مكانها تجحظ بعينيها بقوة.. مصدومة...ومذبوحة ببطئ تحتاج الهواء ولن 
تجده هنا..قادت سيارتها بسرعة تطالب ببعض الهواء.. وهي تعلم اين ستجده....اول ماوصلت الى قبره 
اطلقت صرخة مكتومة في صدرها منذ وقت طويل...صرخة وبكاء ونحيب وهي تجلس على ركبتيها 
تحني جذعها العلوي فوق شاهد القبر وتتلمس بأصبعها حروف اسمه وكأنها تتلمس وجهه....انها 
منبوذة ومنفية والوطن لها سواه.... هزيم..!!
نوبة بكاء قوية لم تمكنها حتى من الكالم استمرت لمدة نصف ساعة ثم بعدها بدأ صراخها ينخفض تاركاً
خلفه دموع صامتة فحسب...جلست امام القبر تحتضن ركبتيها وتحدق فيه بدموع احرقت روحها..
قالت بأرتجاف وضعف:
 انا احتاجك هزيم...احتاجك بشدة...!!
ثم رفعت يديها نحو رأسها بهستريا ومررت اصابعها من بين خصالت شعرها وهي تقبض عليهن بغضب 
ثم قامت فجأة وقالت وهي تحدث القبر بعصبية وكأن هزيم جالس امامها:
ـ انت مثلهم...لقد تخليت عني ورحلت...وعدتني انك ستبقى...وعدتني انك ستظل بعيداً عن تلك العائلة 
كي اليسلبوك مني..ولكنك لم تلتزم بأياً من وعودك...لما فعلت هذا ايها االحمق؟!!.. لما تركتني
ورحلت؟!..انظر ماذا حصل لي..انظر ماذا تفعل اسرتنا بي؟...
ثم عادت لتضعفها دموعها وتقع مجدداً على ركبتيها وهي تحوط رأسها بيديها وتعود لبكائها القوي 
وتقول بنحيب وضعف:
ـ لم يعد اي شيء مثلما كان....ولن يكون اي شيء مثلما تخيلته!!..حياتي تصبح اسوأ واسوأ في كل يوم 
يمر علي من دونك..
ثم ضربت ارض القبر بقبضتيها بقوة وقالت:
ـ ياليتني مت معك في يومها..ياليتني ارتحت من كل هذه المعاناة...ولكن..الحياة لمن تنادي...فالموت 
اليعيد ما اخذ... وتراب القبر لن ينقشع ليعيد لها اخيها الذي يخفيه بين ذراته...

الفصل الثالث
في منزل اسرة مراد دخل النور بهدوء وحياء من بين ستائر غرفة الجدة رباب ليعكس اشراقه فوق 
وجهها المحبوب الذي يحمل كل معالم الهدوء والسكينة..تجعلك تشعر بالطمأنية والسعادة وانت تتحدث 
معها وتستمع ألحاديثها الشيقة.. اوقفت صوت دعواها واستكانت المسبحة بين احدى يديها من دون
حركة وهي تشير باالخرى مبتسمة نحو حفيدها الوسيم آدم ذو 28 عاماً ان يأتي اليها...تبسم آدم وسار 
نحوها واول مادخل غرفتها قال ممازحاً:
ـ صباح الخير يا اجمل روبي في العالم..!
ثم تقدم اليها وقبلها من رأسها فقرصته من كتفه بخفة وقالت:
ـ ما روبي هذه يا ولد؟..ألن تكف عن مشاكستك هذه؟..
جلس بالقرب منها وهو مستمر بمزاحه:
ـ كيف عساي ان ارى جمالًا كهذا واناديه "جدة"؟!.. انتي لازلتي في قمة شبابك يافتاة....!!
ضحكت وضربته مرة اخرى فوق كتفه بيديها الضعيفتين وقالت:يا ولد اسكت قليلا..قل لي..ماالذي احضرك من شقتك الى هنا منذ الصباح الباكر؟..
مد يديه في جيوب جلبابها وهو يبحث عن مبتغاه المعتاد فأخرج قطعتين من الحلوى فتح احداهما 
وتناوله ثم اراح جسده قليلا فوق الفراش وهو يرفع جذعه العلوي بمرفقيه وهو يقول:
ـ اليوم لدي عطلة وشعرت بالملل وحدي فقررت ان اتي ألتناول الفطار هنا معكم..وهي فرصة ايضاً لأرى 
امي فلم اراها طوال الأسبوع الماضي..
لوت شفتيها وقالت:
ـ امك فقط ياولد؟..
قرصها بخفة من خدها وهو يضع قطعة الحلوى الأخرى فيه فمه ويقول:
ـ ومن اجل حبيبتي روبي طبعاً فكم روبي لدي انا..!!
لكزته من مرفقه وقالت بهمس:
ـ دعنا من هذا الان واستمع الي..
ارهف سمعه اليها وهي تكمل هامسة:
ـ البارحة سمعتهم يتحدثون بخصوص عائلة ياسين..
قطب حاجبيه بأستغراب واهتمام عندما استقبلت مسامعه اسم هذه العائلة فأكملت رباب:
ـ انها حول حادثة اغتيال عمك معتز...سمعت انهم سيأخذون دية..ولكنها ستكون امرأة..
ثم صمتت قليلا لتجذب انتباهه اكثر واكملت:
ـ انها الفتاة ذاتها..أتذكرها؟!..اخت ذلك الشاب الذي مات قبل ثلاث سنوات من عائلة ياسين...تلك التي 
تشاجرت مع جدك..
عندها استقام آدم بمجلسه فوراً وقال بلهفة فشل في اخفائها:
ـ ريم؟..!
ـ اجل..هي..!!
فأرتكز بمرفقيه فوق فخذيه مستمعاً بكامل
تركيزه لحديث جدته فأكملت رباب بنبرة عطف وهي تحضن كف حفيدها بين كفيها:
ـ اعلم انك ترفض الزواج بالوقت الحالي ياعزيزي.. ولكن افعل هذا من اجلي..
قطب ادم حاجبيه اكثر وهو يقول بأستغراب:
ـ افعل ماذا بالضبط؟..!فأكملت رباب بذات النبرة المتوسلة:
ـ انا رأيتها سابقاً عندما اتت لجدك قبل ثلاث سنوات وهي فتاة جميلة جداً..وقد عرفت عنها بعض الأشياء
البارحة من ريهام زوجة عمك..تعرف كم ريهام ثرثارة وفضولية لذلك قد سألت عمك بضعة اشياء واتت 
لتخبرني بها..عرفت ان الفتاة ذات شهادة جيدة ومثقفة..وهم قد علمو مسبقاً انك لا تريد الزواج الأن 
لذلك هم قد قررو تزويجها لأبن عمك الأصغر حمزة... وانت تعلم ياولدي ان حمزة لايمتلك ذلك الجمال 
الجيد وليس لديه شهادة..والكلام بيني وبينك هو احمق جداً.. انه مناقض تماماً لتلك المسكينة...هي 
تعتبرنا نحن من قتلنا اخيها لذلك امر تزويجها لواحد منا هو بحد ذاته ظلم بحقها واهانة فدعنا لانظلمها 
اكثر بتزويجها لحمزة...انت لديك شقة خاصة وذو شهادة جيدة ووسيم...قد تخفف هذه االمور من الجرح 
الذي ستتسبب به العائلتين بحقها..
اجاب معترضاً:
ـ ياجدتي..انتي تعرفين رأي بخصوص الزواج الأن وتعرفين كم انا صعب الاختيار في شخصية الفتاة التي 
ساتزوجها وتعلمين كم رفضت من واحدة ممن عرضتهن علي امي واختي سلوى..ثم تطلبين مني الأن ان 
اتزوج واحدة لاأعرف عنها شيء؟..
فنظرت رباب نحوه بأبتسامة ماكرة وهي تقول:
ـ لاتعرف؟؟..!!
فأكمل بأحراج:
ـ اعني..أ..أنا لم اتحدث اليها من قبل ولم نلتقي ولم نخض اي حديث..ماالذي قد اعرفه عنها؟!.. وفوق 
هذا كله هي بالتأكيد ستكرهني مادمت من اسرة مراد..
ـ ياعزيزي..انا لاأطلب منك ان تبقى معها الى الابد.. انا فقط اطلب منك انقاذها مما سيقحموها به..
ـ وكيف ذلك؟..!
ـ اسمع...انها دية..اي لن يطلبو منك مهر والتجهيز اي شيء اي لن تخسر ولا ورقة نقدية واحدة.. وانت 
قلت انها بالتأكيد ستكرهك وانا اقول ان هذا الامر من مصلحتنا..ان كرهتك فلن تغار عليك وسيسعدها ان
ترتبط بغيرها...لذلك متى وجدت الفتاة المناسبة والتي تعجبك تزوجها..
ـ وهي؟...!
ـ هي ستبقى في شقتك كزوجة لك..على االقل ستعيش في منزل واحد من آل مراد بدل ان يزوجوها من 
حمزة ويجعلوها تعيش هنا بين افراد عائلة مراد جميعهم....واما الزوجة الجديدة التي ستتزوجها فدعها 
تعش معنا هنا او استأجر لك شقة اخرى...اعتبر نفسك التمتلك شقة وعش بشقة ايجار...
مط آدم شفتيه لايعرف بالضبط بماذا يجيب فالأمر يبدو معقداً فقالت رباب بنبرة متوسلة اكثر:
ـ ارجوك ياعزيزي..تكلم مع جدك اليوم ألنهم في المساء سيجتمعون ويتخذون القرار النهائي بتزويجها 
لحمزة وسيعلمون حمزة بالأمر....ولكن بما انك الحفيد الأكبر فأن االفضلية ستكون لك وسيوافقون على 
اعطائها لك ان قلت لهم انك تريد الزواج منها..
مرر آدم اصابعه بحيرة من بين خصالت شعره القصيرة ثم نظر نحو جدته ولما رأى نظراتها المشفقة 
والمتوسلة تبسم وقبلها من قمة رأسها وقال:
ـ لاتشغلي بال ِك ياحبيبتي..لن يحصل سوى ماتريديه....
اغدقت عليه بوابل من الشكر والدعوات فهي تعرف قلب حفيدها الأبيض وتعلم انه سيشاركها شفقتها
وعطفها هذا بخصوص ريم ولن يخيب ظنها ابداً....
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
"موافقة"...نطقتها من بعده..كلمة سهل على لسانها ان يلفظها ولكن صعب على عقلها ان يتقبلها.. 
موافقة ولكنها ليست موافقة...تجلس على مقربة منه بهدوء ولكن كيانها متزلزل ورياح سوداء تعصف 
بروحها...
هو وسيم...هو متيسر الحال..هو انيق...هو مثالي.. ولكنها تكرهه بشدة...لايمكن لقلبها ان يحبه مهما بدا 
مثالياً...فبالنهاية..هو ينتمي ألسرة مراد...!!
انتهى المأذون من عقد قرانهما دون ان يكون هناك اياً من مالمح الفرحة على وجه العريسين او
اسرتيهما..!
طوقت اصبعها بخاتم يحمل اسمه مثل الخاتم الذي يحمل اسمها حول اصبعه..ولكنها لاتستشعره في 
اصبعها.. تشعر انه حبل الإعدام يحوط رقبتها بقسوة يكاد يسلب روحها منها..!
ما ان انتهى عقد قرانهما حتى خرج آدم من عندها دون حتى ان يمنحها نظرة خاطفة ليرى على االقل 
وجهها الذي لم ينظر اليه ابداً منذ دخوله..خرج بأسرع وقت ممكن وقاد سيارته بأسرع مايمكنه مبتعداً
قدر الإمكان عن المكان الذي تتواجد فيه...
اما هي فكانت تبكي ولكن تبكي بصمت وبملامح جامدة.. ساكنة بشكل غريب..هدوء لايحمل بعده اعصار
كالعادة....بل يحمل انكسار وهزيمة...يحمل قلة حيلة...وخضوع...!!
مضى يومان على عقد قرانهما..لم تتوقع رؤيته ألا بعد ان يحددو موعد انتقالها نحو شقته ولكنها 
تفاجأت اليوم بنسرين تخبرها ان آدم ينتظرها في الصالة..حدقت في وجه اختها بعدم استيعاب وهي 
تطرف بعينيها عدة مرات تحاول او توقظ نفسها ان كانت تحلم..!
لوحت لها اختها بيدها امام وجهها وهي تقول:
ـ ريم..هل انتي معي؟..
فأجابت ريم فوراً بأقتضاب:
ـ ماذا يفعل هنا؟..!
رفعت نسرين كتفيها بعدم معرفة وقالت:
ـ لاأدري...اراد رؤيتك فحسب..
بطبعها العنيد وشخصيتها المعتادة كانت سترفض.. ولكنها كلما ارادت ان تعترض على شيء تذكرت انها 
مجرد دية..وتزلزلت كلمات جدها بوجوب خضوعها لزوجها وكأنها جارية كي لاتتسبب بالعداء بين 
الأسرتين مجدداً..هي لعبة بيديهم..اذاً فلتشترك معهم في اللعبة ولتجيد لعب دورها جيداً..
لم تتعب نفسها حتى برمق شكلها في المرآة او ان تعدل من هيئتها..نزلت كما هي..ولكن حتى بأهمالها 
هي جميلة...كانت ترتدي فستان اسود قصير يغطي ركبتيها ويكشف عن باقي ساقيها وترفع شعرها نحو 
الاعلى بذات الطريقة العبثية من دون ترتيب ولاتزال اثار الدموع ترتكز بأصرار عند بوابة عينيها...
كان يقف في الصالة يلعب مع سامي ويمازحه حتى التفت نحو صوت خطواتها فوق السلم..تطلع فيها 
بتركيز هذه المرة وهي تنزل بكل رصانة وهدوء ولم ترفع نظرها نحوه الا بعد ان اكملت نزول السلم..
منحته نظرة سريعة ثم التفتت نحو سامي قائلة بعطف ولكن بنبرة آمرة:
ـ عزيزي..اصعد نحو غرفتك...
لوح سامي بيده مودعاً لآدم الذي بادله ابتسامة اعرض وتلويحة اقوى مما اثار حنق ريم لسرعة 
الانسجام بينهما في الوقت الذي تريد ابعاد سامي قدر الإمكان عن هذه العائلة..صعد سامي نحو غرفته 
واقتربت ريم بضع خطوات من آدم فقال فوراً ببرود:
ـ لاتقلقي..لاافضل طعم الأطفال..لذلك انا لن اكله لو بقي معي..
اجابت بهدوء واقتضاب وكأنها لم تسمع ما قال..او بالأصح لم تبالي:..
ـ قالو لي انك تريدني؟..!
تطلع قليلا نحو ملابسها ثم اشار اليها بذقنه وهو يقول:
ـ لما ترتدين الاسود؟..!
كتفت يديها امام صدرها ورفعت احد حاجبيها بحدة وهي تقول:
ـ ماذا يرتدون عندكم في حالة العزاء؟..!
ففهم الى انها تلمح لأمر زواجهما فلم يعلق بشيء سوى بزفير طويل يعبر عن تضايقه...بالتأكيد هناك 
ايام صعبة تنتظره مع هذه المخلوقة المعقدة التركيب..!
قال بعد صمت استغرق ثواني منه:
ـ غيري ملابسك..سنخرج..
رفعت زاوية فمها بأبتسامة ساخرة استفزته وهي تقول:
ـ أأنت جاد؟!..هل سنتصرف الأن كخطيبين؟..!
فقال هو بأستفزاز اكبر..فالبادي اظلم:
ـ ألسنا كذلك؟!...ولكن ان اردتي ان نتصرف كحبيبين فلست امانع..
انزلت يديها من امام صدرها بحدة وقالت:
ـ ألتزم حدودك..!!
رفع كتفيه بلامبالاة وقال:
ـ انتي من بدأتي..!
ثم اشار لها بأصبعه ان تستدير وهو يقول: واالن اذهبي لتغيري مالبسك رجاءاً فلدي مشاوير اخرى لااريد التأخر عليها..
لم يطلب منك احد القدوم..يمكنك الذهاب نحو مشاويرك..
هذه المرة اشار لها بأصبعه ان تستدير عائدة نحو غرفتها من دون ان يتكلم... كادت ان تقتله..ان تصرخ 
به وترمي الخاتم بوجهه وتنتهي من كل هذه المسرحية الهزلية..ولكنها التستطيع..فما دام هذا الخاتم 
بأصبعها هي ستضمن حماية سامي...منحته نظرة نارية حارقة قبل ان تستدير وتصعد السلم نحو 
غرفتها..وبالطبع عيناه تتبعاها بأبتسامة الى ان اختفت عن ناظريه...
دقائق معدودة..بل ربما هي ثواني حتى نزلت اليه مرة اخرى..لم يتغير من هيئتها شيء سوى ملابسها 
التي اختارتهم سوداء ايضاً وقد تفضلت على شعرها ورتبته قليلا..اول ماانهت نزول السلم سار يسبقها
الى السيارة من دون كلمة مما اجبرها ان تتبعه...كان لبقاً بما فيه الكفاية ليفتح لها الباب الامامي قبل ان 
يستدير نحو بابه هو ليركب..ولكن كان لبقاً بشكل يثير الاستفزاز فعندما فتح الباب فتحه وهو يمر من
جانبه من دون ان يتوقف ولم يبقى ممسكاً به وينتظر صعودها بل فتحه وسار وكأنه شيء معتاد على
فعله ولايخصها به وحدها.. ركبت بالمقعد المجاور له واغلقت بابها بقوة..فلم يبالي بأستيائها....وسارت 
السيارة والصمت يحتل الأجواء لاشيء يخترقه سوى صوت الاغنية التي يشغلها آدم والتي يبدو من 
حركات اصابعه فوق المقود انه منسجم بشدة مع اللحن والكلمات وكأنه يخبرها ان عقله ليس معها على الإطلاق وانه لن يبالي ان كانت مقتضبة الجبين او عصبية..فهذه هي الطريقة الوحيدة لترويض هذه 
المهرة العنيدة..!!
دقائق اخرى مضت عليهم حتى اوقف آدم السيارة امام مركز للتبضع النسائي..قطبت ريم حاجبيها 
بأستغراب وقالت:
ـ ماهذا؟..!
قال ساخراً:
ـ هذا؟؟!!...انها صيدلية..!
زفرت بضيق ثم قالت:
ـ هل تستهزأ؟..!
ـ سؤالك سخيف لما لا استهزأ؟..ألا ترين انه مركز تبضع؟
ـ اعني ماذا نفعل هنا؟!
رفع حاجبيه بسخرية وهو يجيب:
ـ بمركز التبضع؟!..نشتري بعض الأدوية بالطبع...!
فهتفت به بضيق:
ـ هال تحدثت بجدية قليالً؟..!
ارتدى نظارته الشمسية وهو يفتح باب سيارته ويقول:
ـ اسألي سؤاالً معقوالً وسأجيبك بجدية..
ثم تركها ونزل ووقف عند بابه منتظراً خروجها الذي استغرق عدة ثواني بينما تصارع عقلها وكبريائها 
ثم واخيراً نزلت..اول مااغلقت بابها سار يتقدمها بأتجاه المركز وهي تتبعه بصمت ولكن بوجه يحمل كل 
معالم المعارك والصراعات تكاد تنقض عليه وتقتله ولكنه كان هادئاً جداً ولم يكن يبدو مبالياً بالمحاربة 
التي بجانبه.. هو كان يأمر بشيء ويجبرها ان تنفذه بطريقة او بأخرى ولايهمه شيء اخر...
دخلو نحو المركز واول ماتوجهو اليه هو محل للملابس النسائية وبالطبع كانت من الملابس الفاخرة 
التي تجذب عيون النساء حتى وان كن في مصيبة او حتى في معركة..ولكن بالطبع ليس ريم..
بقيت صامتة دون ان تقول شيء او حتى ان تجذب نظرها قطعة مالبس واحدة..اقترب منها وقال:
ـ ألم يعجبك شيء؟..!
نظرت اليه بطرف عينها بسخط ثم ادارت بصرها بعيداً عنه وقالت بتأفأف:لست مهتمة..
ـ لكن علي ِك ان تشتري..
التفتت اليه دفعة واحدة وقالت:
ـ هل هذا اجبار ايضاً؟..!
ـ ليس اجبار..ولكن..اعني..ألا تفعل الفتيات هذا؟..يقمن بتجهيز انفسهن قبل الزواج ويقمن بالتبضع؟..!
ولأول مرة منذ لقائهما يراها تضعف فجأة وتمنحه نظرة غريبة ممزوجة مابين شكوى والم!...نظرة لم 
يفهم سببها الا لاحقا.. رأى الدموع تتجمع فجأة بعينيها وقالت له بصوت ضعيف ينبأ عن وجود غصة في 
حنجرتها:
ـ لكني لست مثل باقي الفتيات....انا دية...ام انك نسيت؟..!
ثم تركته وخرجت من المحل كي لايشاهد بقية دموعها.. راقبها بتأسي من خلال زجاج المحل وهو 
يشاهدها ترفع يدها بين ثانية واخرى نحو وجهها تصارع من اجل ابقاء دموعها داخل مقلتيها... فرغم 
ماتدعيه من برود!..ورغم ماتظهره من قسوة!...ألا انه احس انه بداخل هذه الحجارة الصلدة لاتزال هناك
طفلة مكسورة تنتظر من يساعدها..!!
بقيت ريم خارج المحل ولم تدخل مرة اخرى ولكنه لم يتبعها ألا بعد 15 دقيقة وقد استعان بعاملات المحل 
كي يختارن له الملابس حسب اذواقهن كفتيات بعد ان اشار لهن عبر زجاج المحل لريم ليستنتجن 
قياسها...خرج بعدة اكياس لم تجذب نظرها ولم تبالي بهن..ولكن هذه لم تكن نهاية الرحلة.. توجهو لاحقا
الى محل الأحذية وحرص على دخولها معه ولكنه لم يوجه لها اي حديث كي لايبكيها مرة اخرى وتخرج 
بل جعلها تبقى معه وتابع نظرات عينيها..تابعها بتركيز..هي فتاة..والتبضع بالنسبة لهن مثل ادمان 
المخدارت..!
فمهما اراد المدمن مقاومتها سيضعف في النهاية.....ستجذب نظرها قطعه..وستبقي نظرها عليها مطولا
قبل ان تنتقل ببصرها الى المجاورة..وكل قطعة ابقت ريم عينيها عليهم لمدة تزيد عن الثانيتين كان يشير 
لعامل المحل سراً ان يغلفها لهم كي لا تلاحظه وتتعمد اشاحة نظرها...تفاجأت انه كان واقف بصمت ولكنه 
خرج بخمسة اكياس تحوي عدة احذية لم تعرف اي احذية اختار ومتى فعل ذلك...!!
محل واثنين وثالث استخدم آدم هذه الطريقة الى ان خرج من المركز بمشتريات هائلة ربما لم تكن بحاجة 
الى نصفها..!!جلست في المقعد االمامي تنتظر قدومه بينما يضع المشتريات في صندوق السيارة..دخل من بعدها ونزع 
نظارته ليمسح بمنديله اثار التعرق على وجهه من الحر والإجهاد فهو ليس معتاد على تبضع طويل 
هكذا..تبضع طويل وصامت!!...كان واضحاً بالنسبة لها صوت انفاسه الحادة..التعلم أهو من تعب ام من
غضب..وليست مبالية ان تعرف في الحقيقة ادارت بصرها لجهة يمينها تحدق من نافذتها وعقلها 
لا يرحمها من صدى ذكرياتها مع كل شيء تفعله..
ـ انظر لهذا الفستان هزيم أليس اجمل؟!..ام ان الزهري احلى؟!
ـ ريم..اقسم ل ِك ان الله لم يخلقني فتاة من قبل..
ـ لا تكن لئيم وهيا ساعدني بالاختيار..
فجأة صمت هزيم..انشغل هزيم...دارت الدنيا بهزيم.. وهو يحدق بذهول بتلك موظفة البيع في المول 
تتعرض للتأنيب من مديرة عملها بسبب تأخرها والتجرؤ حتى على رفع بصرها من فوق االرضية 
واصابعها الرقيقة تكاد تتهشم من كثرة توترها وهي تعصرهم ببعضهم ووجها يشبه اشارة المرور 
الحمراء من توهجه بالخجل وبين لحظة واخرى تكاد تبكي رغم ان المديرة لم تكن عصبية جداً انما فقط 
تؤنبها كي التكررها....
قطع مد بصره وقوف ريم امامه فجأة وهي ترفع الفستانين امامه وتقول:
ـ الفساتين من هذا الاتجاه ياسيد..
رفع كفه ودفع ريم من وجهها بمزاح عن طريق بصره ليرى تلك الرقيقة لا تزال واقفة بمكانها بحرج بعد 
ان ذهبت مديرتها فأعادت بخجل بعض خصلات شعرها الذهبية الى الوراء فأمسك هزيم ريم من يدها
فوراً وسحبها بسرعة بأتجاهها وهو مبتسم من دون سبب وريم تهتف به بحنق لسحبها بتلك الطريقة 
هي وفساتينها يكاد يوقعها..واخيراً وقفو امام الموظفة التي رفعت بصرها اليهم بأرتباك من وقوفهم
المفاجئ امامها وبتلك الطريقة الفوضوية...ميسم...كانت قطعة اسمها الصغيرة المعلقة فوق صدرها هي 
الشيء الاول الذي جذب فضول هزيم ليعرفه...
منحتهم ميسمم ابتسامة هادئة وهي تقول:
ـ هل اساعدكما بشيء؟..!
دفع ريم اليها وقال:
ـ اجل لو سمحتي... اريدك ان ترحميني اتوسل الي ِك..
التفتت اليه ريم وهي ترفع حاجب وتنزل اخر بشكل مسرحي.. منذ متى وهزيم يحب التكلم مع الفتيات 
بطريقة مرحة هكذا؟..اتسعت ابتسامة ميسم اكثر وهي تدير بصرها بينهما وتقول:
ـ انتما متشابهين كثيراً..أأنتما اخوة؟..!
سحب هزيم ريم المذهولة في الوسط من كتفها واشار فوق وجهها بسبابته وقال:
ـ بل اسوأ..نحن توأمين...لكن انا اجمل..الجميع يؤكد هذا..دفعته ريم عنها واسندت كفها فوق خصرها وقالت بسخرية:
ـ من الأحمق الذي قال هذا لك؟!
ـ امي..
وضعت ريم يدها فوراً فوق فمها بفزع فأطلق هزيم ضحكة عالية وهو يقول:
ـ سنعود للمنزل واخبرها ان ِك قلتي عنها حمقاء..
ضربته فوق كتفه بحنق وقالت:
ـ انا قلت احمق وليس حمقاء...وثانياً امي تؤكد دائماً انه لايوجد اي اختلاف بيننا ايها الكاذب..
لم يعلق هزيم بشيء على جملة ريم بل ادار بصره فوراً بأتجاه الضحكة الخفيفة التي اطلقتها ميسم على 
شجارهما الطفولي...ثم ادارت بصرها نحو ريم وقالت:
ـ بماذا اساعدك انستي؟!
رفعت ريم الفساتين امامها وقالت:
ـ أيهم تظنيه يالئمني اكثر؟..!
حدقت ميسم بالفستانين قليالً بحيرة فكلاهما كان جميلا ثم قالت اخيراً:
كلاهما سيليق علي ِك بشكل رائع..مثالً الفيروزي سيبرز على جسدك بشكل اجمل لأن ِك صاحبة بشرة 
بيضاء...ولكني افضل ان تختاري الزهري..فأنتي صاحبة وجه طفولي وسيغدو الزهري علي ِك احلى 
قطعت ذكرياتها فجأة وهي تسأل آدم بأقتضاب بينما لاتزال تدير بصرها تتطلع من نافذتها المغلقة
ـ لما احضرتني الى هنا؟..!
التفت اليها بأستغراب بعد هذا السكون الطويل الذي احتل السيارة ثم اعاد بصره نحو الطريق وقال:
ـ لقد اخبرتك بالسبب مسبقاً..
التفتت اليه وقالت:
ـ أيمكنك ان لا تفعل هذا مجدداً؟
ـ ولماذا؟..!
ـ انا ايضاً اخبرتك بالسبب مسبقاً...ودعنا لا نتقمص دور المخطوبين اكثر من اللازم..
تنهد بضيق من عنادها وكبريائها ثم قال:
ـ ان كانو هم قد سلبو حق ِك فليس شرط ان افعل هذا انا ايضاً مع ِك...
تطلعت نحوه بوجه جامد وجبين مقتضب لعدة ثواني ثم قالت:
ـ دور البطل الصالح لا يليق بواحد من اسرة مراد.. لذلك التمثله رجاءاً.. فأنت تبدو مثيراً للسخرية فيه..!
فجأة تحول هذا الممازح اللطيف الى رجل جاد.. رجل يختلف تماماً عمن قابلته قبل ساعات..اوقف 
السيارة بشكل مفاجئ وقال وملامحه طغت عليها البرود والأستياء:
ـ ريم.. دعيني اوضح ل ِك بعض االشياء دامنا لانزال في البداية بدل ان تأخذ ِك مخيلت ِك نحو استنتاجات 
سخيفة!!..أولا...انا لااطالبك بالحب..ولااطالبك ان تتعاملي معي كزوجة ولااطالبك بأي شيء...لذلك 
لا تدعيني اغير رأي واعاملك كـدية فعلًا..
ثم زاد من اقتضاب جبينه وقال وهو يشدد على كل حرف من حروفه :
ـ وثانياً..انا لاافعل هذا كي انال رضا ِك..فكلانا يعلم ان مشاعر الرضا والمودة من المستحيل ان تجمع بين 
اثنين احدهما ينتمي لأسرة مراد والآخر لأسرة ياسين!...نعم انا لست مجبوراً على فعل هذا..ونعم لن 
يحاسبني احد ان لم افعله...ولكن هذا لن يغير واقع انه ومنذ يومين انتي اصبحتي من مسؤوليتي...وانا 
لاأتهاون بمسؤولياتي ابداً....!!
وقبل ان يترك لها فرصة للأجابة اشاح وجهه عنها خاتماً بهذا حديثهما وشغل السيارة
وانطلق بها بسرعة بينما هي اعادت وجهها مرة اخرى نحو نافذتها لتستغرق بذكرياتها بعيداً عنه...
دقائق قليلة ووصلو نحو المنزل..وبالطبع وبكل برود فتحت بابها ونزلت من دون توديعه او حتى ان 
تكلف نفسه انزال اكياس المشتريات بل تركت هذه المهمة له وللخادمة التي اتت مسرعة وهي تشاهده 
يحمل هذا العدد من االكياس...
صعدت نحو غرفتها بسرعة والقت بحقيبتها بعصبية فوق طاولة تزيينها وتناولت علبة المهدئات 
وابتلعت قرصين منها وارتمت فوق سريرها تبعد نفسها كالعادة عن واقعها المشؤوم..!!
لم تستيقظ الا بعد ان نزل الظلام واقترب وقت العشاء..قامت بتكاسل نحو حقيبتها وسحبت هاتفها لتجد 
رسالة من رقم مجهول:
"غداً سأمر علي ِك في الثامنة والنصف صباحاً فتجهزي...آدم.."
ولولا انها تحرص على الاحتفاظ بشدة على هاتفها هذا لأنه يحتوي على رسائل هزيم لكان ضحية الأن 
لغضبها ولهشمته قطعاً صغيرة!!...ولكن طاولة تزيينها كانت هي ضحية هذا الغضب فأرتمت كل ادواتها 
ارضاً من ضربتها القوية التي منحتها لهن..وبالطبع قرص مهدئ اخر قد اخذته لتعود نحو سريرها
لترتخي اعصابها حتى وان لم تنم...ولكنها نامت بسهولة مرة اخرى..!!
استيقظت بحدود العاشرة على اصابع رقيقة تداعب وجهها...فتحت عينيها بأبتسامة وهي تعرف من 
ستشاهد..حملته دفعة واحدة من فوق الارض وانامته بجوارها وبدأت بدغدغته واغداق وابل من القبل فوق وجنتيه وهو يطلق ضحكاته الطفولية التي تعشقها قالت بعد ان منحته وقت استراحة قصير ليهدأ 
من ضحكاته:
ـ لما لاتزال مستيقظاً ايها الشقي؟..!
قبّلها سامي برقة من خدها وقال:
ـ جئت اتمنى ل ِك ليلة سعيدة عمتي..
ضحكت وهي تعانقه اكثر وقالت:
ـ انت الوحيد في العالم الذي توقظ احدهم من نومه لتقول له تصبح على خير..
دخلت ميسم في هذه الأثناء بأبتسامة احراج وجلست على حافة سريرها وقالت:
ـ اسفة عزيزتي..ولكن تعرفين طبع سامي العنيد!.. لم يرضى النوم مالم يأتي الي ِك أولا..
قبّلته ريم من رأسه واستنشقت عبق خصلات شعره الزكية وهي تقول:
ـ هو الوحيد المسموح له بأي وقت ان يوقظني..كم امير لدي انا؟..!
فقالت ميسم فوراً بأبتسامة حماسية:
ـ بالمناسبة..ملابسك واحذيتك رائعة..!!
التفت ريم اليها دفعة واحدة وقد اختفت الابتسامة من وجهها فجأة فقالت ميسم فوراً:
ـ اسفة...لم نقصد فتحها اقسم ل ِك..ولكن تعرفين فضولنا انا ونسرين...
جلست ريم وهي لاتزال تدثر نصف جسدها بالغطاء واعادت شعرها المبعثر كله بحركة واحدة الى الوراء 
ثم قالت:
ـ ليس من اجل هذا عزيزتي..انتي فقط قد ذكرتني..!
مدت ميسم يدها بهدوء وقبضت على اناملها برقة وقالت بأبتسامة:
ـ الاحد يكره اسرة مراد اكثر مني...ولكن هذا الشاب سيكون زوجك ياعزيزتي...حاولي ان تكوني اكثر 
تفاهم معه بدل ان تنقلب حياتك الى كتلة من المشاكل وتسوء اكثر مماهي سيئة..ومن يدري..قد يكون 
شاب لطيف عكس اسرته..!!
فقالت ريم بحدة:
ـ وان كان لطيف ياميسم؟!..أتريديني ان احبه مثلًا؟..!
ثم هتفت بها بعصبية وهي تكمل:
ـ انه من اسرة مراد ياميسم ام ان ِك نسيتي من هم اسرة مراد؟..!
سحبتها ميسم بأتجاهها بهدوء وعانقتها..فهي تعرف ريم جيداً.. فخلف كل عصبية ضعف..وخلف كل 
دموع احتياج.. وخلف كل شجار استغاثة...شيء اليفهمه اي احد عن ريم فنبذوها بعيداً بسبب اسلوبها 
ولم يقف احد بجانبها بالوقت الذي احتاجت فيه الى الجميع وقررو تجنب غضبها دون ان يعلمو ان هذا 
توسل ألي مساعدة..!
منذ وفاته لم تعد تثق بأحد وقررت ان التعتمد على احد او تظهر ضعفها امام اي شخص..ولكن ميسم هي 
الوحيدة من كانت شبه متفاهمة معها..وريم كانت تراها العطر الوحيد الذي لايزال عالق بالحاضر من 
ماضي هزيم... تشبهه نوعاً ما وبيضاء القلب مثله...و لا تفضل احد على ريم مثل ما كان يفعل..!!
سمحت ريم لدموعها ان تنساب بين يدي ميسم فأشارت ميسم لسامي بلطف ان يذهب ليلعب مع هيلين 
بدل ان يرى عمته بهذه الحالة..
اول ماخرج سامي قالت ريم بنحيب:
ـ لا اريد ان اتزوج بهذه الطريقة ياميسم...انا لا احبه.. لا أطيق النظر في وجهه..كلما رأيته فأني اراه قاتلا
حتى وان لم يكن هو من قتل اخي...كيف سأعيش معه؟..كيف سأذهب لتك االسرة وانا لااطيق سماع 
اسمهم..كيف سأتحمل الجحيم ياميسم؟..!
مسحت ميسم برفق فوق شعر ريم وقالت:البأس علي ِك حبيبتي....البأس...كل شيء سيكون بخير..وااليام ستتغير يوم بعد يوم والحياة ستكون 
افضل... وسنكتشف ان كل هذه المعاناة هي مقدمة لبداية جديدة..وامل جديد...فقط كوني اقوى...!!
كلاهما يعلم ان الحياة لن تتغير على الإطلاق وان الغد لن يكون اجمل..وان كل شيء لن يكون 
بخير..ولكن هذا العالم كان كالحقنة المهدئة الني تجعل الحياة تستمر لمدة اطول قليلا...لنشعر انه لايزال 
هناك انسان بداخلنا لم يمت بعد...!!
نزل الليل بظلامه ووحشته عليهم..غط الجميع بنوم عميق عداها..فبعد الساعات الطويلة التي نامتها من 
المستحيل ان يقترب النوم من عينيها حتى وان اخذت علبة المهدئات كلها...نزلت نحو المطبخ لتعد لها 
بعض الطعام فهي لم تأكل شيئاً منذ الصباح فأكتفت بشطيرة باردة كانت متروكة في الثالجة...حدقت 
حولها..حدقت بدموع...هنا جلست معه..هنا مزحو..ذلك خياله يمر..ذاك صدى ضحكاته...سينتشلونها
جبراً من وسط كل هذه الذكريات بعد اسبوع واحدة و
يبعدوها عنه للابد..!!
ـ امي انظري الي...امي انا لاازال حية...انا لم أمت بعد
جملة صدحت في عقلها من ماضي الايام القاسية.. عن امها التي لم تنظر اليها بعد وفاة اخيها مدة سنة 
كاملة كي الترى وجهه في شكلها..عن ابيها الذي انعزل دائماً وسط عمله ليجبر نفسه على النسيان
والتماسك دون ان يفكر بأبنته وتهشمها وهو يعلم بمدى ارتباطها بأخيها..واختها التي انشغلت
بأسرتها..وميسم التي احتاجت بدورها الى من يقف بجانبها مثلها ..وهي..لم تجد من تلتجأ اليه فالتجأت 
الى الانعزال.. وابتعدت عن الواقع وادمنت المهدئات.. ودمرت نفسها ببطئ...واصبحت باردة 
المشاعر..قاسية.. كثيرة البكاء...ميتة بجسد لايزال حي...!!
والأن يطلبون منها التماسك اكثر...اي تماسك هذا الذي لاتزال تملكه؟!...والى متى ستتحمل؟!..وكيف هي 
طبيعة الايام القادمة التي يحملها اليها القدر مع ذلك الـ آدم الذي كان واضحاً انه معقد التركيب ولا يمكن 
فهم تصرفاته بسهولة..!!
بدأ الظلام ينقشع والنور يبرز نفسه بفخر من بين غيوم الليل المجتمعة فأنسدلت عيون ريم بنوم اليقترب
منها الا وقت الفجر بعد ان تأخذ بعض حبوب المهدئ بالطبع..!!
لم تكلف نفسها بضبط منبه هاتفها لموعد لم تكن تهتم به من البداية فكانت النتيجة ان يحضر آدم الى 
المنزل ليجدها تغط بنوم عميق والاحد من اسرتها يعلم بأمر موعدهم ليوقظوها مسبقاً فأستقبلته والدتها
في الصالة واشارت لنسرين ان تذهب لتوقظها فوراً دخلت نسرين بسرعة الى غرفتها وهزتها بقوة من 
كتفها ففتحت ريم عينيها بتثاقل والتفت اليها وقالت بنبرة جافة:
ـ ماذا هناك؟..!
قالت نسرين بلوم:ـ أال تعلمين ان آدم قادم؟..!
ـ من؟..!
ابعدت نسرين الغطاء عنها دفعة واحدة وهتفت بها بعصبية:
ـ قومي ايتها المهملة انه ينتظر في الصالة ويبدو انه انزعج لأنه لم يجد ِك جاهزة ولا تزالين تغطين 
بنومك غير مبالية بموعدكما..!!
مسحت ريم وجهها بتأفف لتتنشط قليلا وتبعد اثار الدواء عنها وقامت لتكون كالعادة الابنة المطيعة التي 
تسمح للجميع بالتحكم بها..!!
نزلت نسرين وانضمت ألمها وآدم في الصالة بعد ان قدمت له بلقيس فنجان قهوة تشغله به قليلا بينما 
تنزل ريم وشعرت باحراج شديد وهي تراه بين ثانية واخرى يتطلع في ساعته فكان واضحاً ان لديه
موعداً سوف يتأخر عليه..قالت بلقيس فوراً موجهة حديثها لنسرين
ـ عزيزتي..هل تأكدتي من استيقاظها؟..
تأففت نسرين بضيق وأحراج لا يقل عن أحراج امها وقالت:
ـ اجل..ستنزل الأن..
فأشترك آدم بالموضوع قائالً:
ـ ألم تقرأ رسالتي البارحة؟..لقد كنت حريصاً على وصولها..
فأجابته نسرين من دون ان تدرك سوء جملتها:
ـ بالتأكيد قد قرأتها ولكنها تنسى نفسها بالنوم بسبب ذلك السم الذي..
وفجأة قطعت حديثها بنحنحة من والدتها وهي تجحظ لها بعينيها تحذرها بأن تنتبه لكالمها فصمتت 
نسرين فوراً بدل ان يزل لسانها اكثر..ولكن الصمت لم يحتل عقل آدم بل اصابته نسرين بالتشوش
والضوضاء!...هناك سر ما بخصوص تلك االميرة الصامتة لم يكتشفه بعد..!
نزلت بعد15 دقيقة بعد ان استحمت بسرعة وغيرت مالبسها..قام من مكانه بجبين مقتضب وودع بلقيس 
ونسرين وسار خارجاً غير مبالياً بألقاء التحية عليها ولا حتى هي فعلت ذلك او حتى كلفت نفسها لتلقيها 
على امها واختها...
اول ماخرج آدم وريم دخلت ميسم الى الصالة وكان يبدو عليها التجهم واول ماجلست قالت:
ـ هل ستكثر زيارة ابن اسرة مراد الينا؟..!
رمقتها بلقيس بنظرة عطف وهي تجيب:
  1. يبدو ان لديه عمل مع ريم..
    ثم اكملت حديثها بعطف اكبر:
    ـ اعلم ان الأمر صعب علي ِك عزيزتي..انه كذلك بالنسبة لنا جميعاً..ولكن علينا ان نكون لطفاء معه
    ونستقبله من اجل ريم..فبالنهاية هو سيكون زوجها ونحاول ان نكسبه لعله يسعدها..ولعله يكون مختلفاً
    عن اسرته واليؤذيها..
    ثم التفتت بحدة نحو نسرين واكملت:
    ـ وليس ان نخبره ان ابنتنا لم تستيقظ باكراً بسبب ادمانها على المهدئات التي تبقيها نائمة طوال
    الوقت...
    تأفأفت نسرين بضيق وهي تقول:
    ـ وماادراني امي لقد زل لساني..وثانياً هو سيكتشف االمر عاجلا ام اجلًا بعد ان تتزوجه..
    مطت بلقيس شفتيها بأقتضاب ثم تركتهم وقامت نحو المطبخ وبعد دقائق قليلة قامت نسرين لتتفقد
    الأطفال بينما بقيت ميسم وحدها...تحدق بعمق من خالل نافذة الصالة لتسحبها ذكرياتها لسنين
    مضت...سنين كانت ايام فيها الحياة لاتزال جميلة..!!
    ـ مرحباً..
    التفتت ميسم بتفاجئ فقلما تسمع صوت رجولي داخل محل للملابس النسائية..تبسمت بهدوء وهي تقول:
    ـ اوه اهلا...انت ذلك التوأم صحيح؟..!
    رفع هزيم حاجباً وانزل اخر بشكل مضحك وهو يقول:
    ـ ذلك التوأم؟!..هذا اكثر الأوصاف دقة سمعته بحياتي..
    ثم اكمل فوراً:
    ـ انا هزيم..
    ـ اهلًا سيد هزيم..هل اساعدك بشيء؟..!
    ضيق مابين عينيه يدعي التفكير العميق ثم قال:
    ـ اظن ان الفيروزي كان سيكون مناسباً اكثر فهذا سيجعلها تبدو شابة ناضجة بدل من طفلة..
    ـ عفواً؟..!
    ـ انا اتحدث عن الفستان الذي اشترته اختي البارحة.. ألن يكون الفيروزي افضل؟..!
    أذ كنت تريد اعادته فالبأس سيدي سأستبدله لك..
    ـ ال..الاريد اعادته انها سعيدة جداً به..
    فقالت بأستغراب:
    ـ وان كانت هي سعيدة به..مامشكلتك انت بالضبط؟..!
    رفع كتفيه بشكل طفولي وقال:
    ـ انا ابدي رأي فحسب..
    رفعت حاجبيها مدعية االقتناع وهي تقول:
    ـ أها...ولكن ألن يكون افضل لو انك ابديت رأيك هذا لأختك؟..فبالنهاية هي صاحبة الفستان..!
    حدق في وجهها بكل غباء..سؤال لم يحضر جوابه مسبقاً... فتبسم واومئ برأسه موافقاً وهو يقول:
    ـ اظنك محقة..سوف اخبرها..
    كتمت ابتسامتها وهي تقول:
    ـ اجل..اظن ان هذا افضل
  2. ولكن هذا لم يكن اليوم الأخير لظهوره امامها في المتجر فجأة... بل تلتها ايام وايام عديدة كل يوم يتعذر
    لها بعذر كي يتحدث معها لأطول فترة ممكنة..اليوم اتى ليعرف صناعة الفستان الوردي وغداً يريد معرفة
    صناعة الفستان الفيروزي واليوم الذي تلاه يسألها عما أذ كان من الأفضل ان يشتري لها الفستان
    الفيروزي...وهكذا..!!
    اتى اليوم السابع وظهر هزيم امامها مجدداً فوضعت مابين يديها جانباً فوراً وكزت على اسنانها بحنق
    وهي تهمس له كي اليسمعهما احد فوراً من قبل ان يتكلم حتى:
    ـ سيد هزيم...الفستان الفيروزي والفستان الزهري كلاهما جيدان وكلاهما من الماركة ذاتها اي مصيبة
    هذه التي جعلتني ابدي رأي في فستان اختك انا كان من المفترض ان اغلق فمي وادع الاختيار لكما...انه
    مجرد فستان ياسيد هزيم مجرد فستان! لا يحتاج الى هذا القدر من التدقيق والتساؤل..لذلك ارجوك كف
    عن القدوم الى هنا دون ان تشتري شيئاً وإلا ستظن مديرتي اني اقصر في عملي وتتهمني انك تأتي من
    اجلي..
    كتف يديه امام صدره وتبسم قائلا:
    ـ ستكون محقة تماماً في اتهامها..!!
    ـ عفواً؟..!
    سحب فستان من دون ان ينظر اليه حتى وقال:
    ـ سأشتري هذا..هكذا لن يبقى ل ِك ولمديرتك اي عذر..!
    سحبت منه الفستان بعصبية وذهبت لتضعه له في الكيس...
    وها هو يوم اخر يحل دون ان يتعب هزيم نفسه في التفكير ليتعذر بعذر ما فهو قد وجده البارحة..اصبح
    يأتي كل يوم كي يشتري فستان جديد... ريم سعيدة بالفساتين اليومية الجديدة التي يحضرها لها هزيم...
    ومديرة المتجر سعيدة بهذا المشتري الذي يدر عليها الأموال بقدوم يومي..ولكن ميسم كانت مستاءة
    بكيمة الأموال التي يبذرها فقط من اجل رؤيتها..حان اليوم الثامن عشر ودخل هزيم كالعادة الى المتجر
    واصبحن الموظفات يعرفنه ويدركن جيداً لمن هو قادم ويبدأ التهامس ونظرات الحسد والضحك على
    ميسم التي وجدت الأمر مزعجاً حقاً فهي فتاة جادة وتكره هذه الأساليب..!
    اقترب من صندوق الدفع حيث تقف هي ولكن قبل وصوله قامت بالإشارة لأحدى زميالتها ان تأتي لتبادل
    الاماكن معها..وصلت الأخرى لتستقبل هزيم ولكنه فاجئها وهو يقول بوجه مقتضب:
    ـ من فضل ِك نادي للأنسة ميسم..فأنا معتاد على الشراء منها..
    تبسمت البائعة بعملية وهي تقول:
    ـ الأمر سيان ياسيدي ولا يوجد مشكلة وكذلك الأمر لا يحتاج الى اختصاصية يمكنني تدبر الأمر..
    أستنادين الأنسة ميسم ام تفضلين ان تنادي المديرة لأتفاهم معها؟..!
    ازدردت البائعة ريقها بخوف فال هي ولا اي واحدة غيرها من الموظفات تود ان تدخل في مشكلة مع
    المديرة ويتم اتهامها بالتقصير مع الزبائن لاسيما زبائن اثرياء مثل هزيم لأن مصيرها سيكون الطرد..
    ـ انتظر قليلا ياسيدي لأرى مايمكنني فعله..
    تبسم وهو يلاحظ الموظفة تتوسل ميسم من اجل ان تعود لمكانها ويبدو ان الأخرى ترفض ذلك بشدة
    ولكنها اخيراً رضخت واتت ولكن بملامح مستاءة وبصر لا ترفعه اليه ابداً.. ولكن رغم هذا كان ينظر اليها
    بأبتسامة ويركز بتفاصيل وجهها الجميلة وهي تقوم بضبط سعر الفستان وقدمته بورقة له وقالت:
    ـ تفضل سيدي هذا هو السعر..
    تعمد ان يقدم لها بطاقته االئتمانية كي يبقى فترة اطول بينما تقوم بتسجيلها على الألة واعادتها له مرة
    اخرى..اخذ البطاقة منها وسحب كيس الفستان وخرج دون ان يتكلم معها ولو حرفاً واحداً مما دفعها ان
    ترفع بصرها اليه بدهشة بعد ان استدار لفقدانه عنصر الثرثرة هذا اليوم ومزاحه المعتاد معها...لو لم
    يشأ ان يتحدث فلما أصر على قدومها هي وليس غيرها؟..!
    هذا اول شيء فيه جعلها تفكر به لوقت طويل حتى بعد ان عادت الى المنزل..وهذا بالضبط مااراده...!!
    اتى اليوم التالي ولكن من دون هزيم..كانت تراقب الباب كل دقيقة متوقعة دخوله بين لحظة
    واخرى..ولكنه لم يظهر ايضاً..
    غريب هذا الهزيم حقاً(..
    قطع ذكرياتها صوت ضحكات نسرين وهي تهرب من الأطفال وهم يرشقونها بالماء..ظلت تراقبهم
    بأبتسامة من خلال نافذة الصالة المطلة على الحديقة..تشاهد هزيم جديد يكبر امام عينيها كل يوم..فذلك
    الصغير نسخة عنه في كل شيء..في شكله..في مزاحه.. في مشاكساته ولكنه لن يشبه هزيم ابداً في
    عشقه لها..فلن يستطيع احد ان يحبها كما كان هزيم يفعل مهما بلغ حب ابنها لها..!!

تعليقات