الخميس، 20 يوليو 2017

قربان




للتحميل اضغط هنا

المقدمة
من المفترض ان يكون زواجنا على الورق فقط.. من المفترض انني لااحبه وفعلت هذا كي ننهي الدم والثأر بين الأسرتين فقط…فما بالي كلما ذكر اسم فتاة امامي غضبت؟
انا من طلبت أن يتزوج بواحدة أخرى….فلما هناك نيران داخل صدري ستدفعني للبكاء والصراخ وانا اراه يبحث عن هذه الزوجة؟ ألا يجب أن أكون سعيدة لأنه سيرحل؟ ألا يفترض أن اكرهه؟فلما قلبي ينبض بهذا الجنون كلما التقت ابصارنا؟! هل من الممكن أن نقع في يوم بغرام أعدائنا؟هل سيدفعنا الحب لنغفر لهم خطاياهم؟!…



الفصل الأول

في كل ليلة اوي الي فراشي مبعثرة ومتناثرة... احاول بقوة ان اتشبث بتلابيب  النوم لعله يسحبني الى 
احلام  تحمل لي طيفك.. ولكن الشيء حولي سوى اشباح ذكراك المؤلمة حتى وان كانت سعيدة.. بل 
وبالاخص  ان كانت سعيدة!..فسعادتي معك تثبت لي كم ايامي مؤلمة الأن  من دونك.!
لا  زلت اذكر تلك الليلة قبل ثلاث سنوات وكأنها حصلت قبل لحظات... لا  ازال اشعر بلزوجة دمائك فوق 
يدي ورائحتها تحتل انفاسي... لا زلت اتذكر عيونك الذابلة وهي تتعانق مع عيوني الجاحظة بخوف.. ولا  
ازال استشعر انفاسك الأخيرة  وانت تلفظها بين يداي..!
لا البكاء سيعيدك لي ولا حتى انكار حقيقة رحيلك.. حاولت النسيان ولكن وجهك المنعكس في مرآتي 
يمنعني من ذلك.. ثلاث  سنوات مضت ونيراني في سعير متزايد.. ثلاث  سنوات مضت وانا لا ازال اترقب 
ايجاد ذلك المتستر بالظلام بعيداً عني..... ذلك المفزوع من صرختي...المتلذذ بضعفي ليهرب.....ولكني 

اتسائل... من سيجد الآخر أولا!


الفصل الثاني

"هزيم؟!..اخي؟!....فقط استمر بالتنفس..فقط انظر الى عيناي اتوسل اليك..اياك ان ترحل...استمر 
بالتنفس وكل شيء سيكون بخير انا اعدك...فقط تنفس معي" ..!
توسللات كثيرة تبعتها صرخة قوية مع انسدال عينيه ثم صرخة اخرى في الواقع هزت لها جسدها 
وايقظتها من سباتها العميق وكوابيسها المتكررة...او بصورة اكثر صحة "كابوسها المتكرر.."
ارتفع جسدها بتلقائية من فوق سريرها وارتعشت انفاسها كأرتعاشة اطرافها.. ادارت حدقتيها المشوشة 
بفعل الدموع من حولها لتتأكد انها بين جدران غرفتها.. وان المطر توقف بل ولم يهطل من الاساس.. 
وان الصباح حل منذ فترة طويلة.. كان مجرد كابوس مخيف من الماضي لا اكثر.. كابوس حقيقي يكرر 
نفسه عليها وكأنه يمنعها من نسيان ما ترفض التخلي عنه من الاساس..!
تطلعت ريم بيديها المرتجفة ومسحتهما بهستيريا اقرب الى الجنون وكأن الدماء لا تزال عالقة بهما ثم 
رفعتهما بأنفعال اتجاه وجهها لتعيد بعض الشعيرات الملتصقة بجبينها المتعرق وعنقها نحو 
الخلف..لملمت جسدها بعضه الى بعض..الصقت ركبتيها بصدرها واحاطتهما بيديها لتعانق جسدها بقوة 
وهي تدفن رأسها بين فخذيها وتبكي بمرارة..هذه هي المراسيم المعتادة عليها في كل يوم ريم ذات ال25
ربيعاً..ام يجب ان نقول خريفاً...فهي لم تعد تلك الفتاة المشرقة التي تتشابه مع الزهور بعنفوانها بقدر تشابهها مع اوراق الخريف المنتهي اجلها!...من يرى شكل ريم الأن للمرة الأولى يجدها فتاة ذات مظهر 
مزري وغير جذابة على الإطلاق..عينيها ذابلة طوال الوقت من كثرة البكاء...بشرتها شاحبة..لها هالات 
سوداء تحيط عينيها الزرقاء كان الكحل سبباً كي يزيد من اسودادها.. فالكحل هو الشيء الوحيد الذي
كانت تضعه داخل عينيها...او بعبارة اخرى الكحل هو الشيء الوحيد الذي لايزال يربطها بعالم 
الفتيات...لقد تناست امر الموضة منذ سنين..تناست امر مساحيق التجميل.. شعرها دائماً غير مصفف
وتربطه بأهمال....ولكن رغم هذا كان بها شيء مميز يجعلها جملية بكل مظهر كانت به... ستحدق بها 
مطولًا ولكنك لن تعرف اين يكمن سر جمالها بالضبط..!!
قامت من سريرها بخطوات غير متوازنة وجسد لايزال اثر الإرتعاش يكتنف اطرافه..اتجهت نحو علبة
دواء قد تركتها على طاولة تزيينها باالمس..فتحتها بيديها المرتجفتين وهي تتنفس بصعوبة ودموعها 
تنزل من غير رحمة وكأنها تستعجل اخراج هذه الحبوب وإلا لن تبقى حية لدقيقة اخرى...!
وضعت حبتين في راحة يدها وابتلعتهما فوراً ثم دفعتهما نحو بلعومها بجرعة ماء قليلة..!
تنفست بأرتياح وهي تشعر بالحبوب قد دخلت الى جسدها ثم عادت بعدها نحو سريرها لتغط بسبات 
عميق بعد ان اخذت حبوب المهدئ تلك...عميق لدرجة يمنعها من تلك الكوابيس..من تلك التسجيالت
القديمة التي يصر عقلها على الاحتفاظ بهن...!
وهكذا هو حال كل يوم...تستيقظ مرعوبة من كابوس يحمل عبق الماضي فتأخذ تلك المهدئات التي ادمنت 
عليها وتعود لسبات يسحبها من واقعها الذي ترفض تصديقه...واقع لا يحوي اخيها ورفيق طفولتها 
وتوأمها هزيم...هزيم الذي لفظ انفاسه الاخيرة بين يديها..!!
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
دقت الساعة الرابعة عصراً...فتحت ريم عينيها بتثاقل متمنية النوم اكثر ولكن جسدها تشبع بمافيه 
الكفاية!...قامت لتأخذ حبتين اخرتين ولكن صوت ضحكات صغيرة جذب انتباهها فجذبت يدها من العلبة 
وقررت النزول....فلايمكنها تجاهل هذه الضحكات ابداً..!!
ارتدت مئزرها البيتي الأبيض فوق منامتها ولملمت خصالت شعرها الحريرية بشكل عبثي فتساقطت 
بعض الخصالت على جانبي رقبتها لتصبح هيئتها مهملة اكثر لاسيما مع تلك العيون الحزينة التي لم 
تخلو يوماً من اثار دموع متراكمة دائماً ورموش غالباً ماتجدها مبللة....حزينة بشكل ملفت للأنظار 
تجعلك تعلق ابصارك بها دون ان تعرف سر هذه الجاذبية..مثل ابتسامة الموناليزا الغريبة.... معقدة رغم
بساطتها...وعميقة رغم وضوحها...!!
نزلت من السلم واتجهت نحو المطبخ وحاجبيها يرفضان ان يبتعدا عن بعضهما ويفتحا جبينها 
المقتضب..
كانت نسرين الاخت الأكبر ذات الـ33 عاماً تجلس هناك..
نسرين كانت شبه مقيمة في منزل اسرتها هي وابنتها هيلين ذات الـ3 سنوات بسبب سفر زوجها الدائم 
من اجل عمله وكرهها للبقاء وحيدة في منزلها..
قالت نسرين بسخرية وهي ترتشف كوب قهوتها المعتاد وتحدق بأتجاه اختها:
ـ هل نقول صباح الخير ام مساء الخير؟..!
اجابت ريم ببرود وهي تتجه نحو الثالجة:
ـ اغلقي فم ِك ولاتقولي شيئاً..
زفرت الأخرى بضيق من دون تعليق فالجميع قد اصبح معتاد على اسلوب ريم الجاف وبرودها في 
السنوات الأخيرة..عكس ماكانت عليه في الماضي تماماً..!!
اخرجت كوب ماء بارد ارتشفته كله دفعة واحدة ثم اغلقت الثلاجة غير مبالية بأصناف الطعام الشهية 
المعروض امامها...
اقتربت تلك الضحكات الصغيرة اكثر منها أعقبه ركض بخطوات متراقبة ثم تشبث ايادي ناعمة 
بساقيها...التفت بلهفة ورفعت ذلك الصغير سامي عن الارض وهي تدور به بضع دورات حول نفسها 
واخيراً تبسم وجهها العبوس وتزين ثغرها بأبتسامة تمنحها له فقط..
ختمت هذا الاستقبال بقبلة طويلة وعميقة فوق خده الوردي وبعدها عناق اطول وكأنها لم تراه منذ 
اسبوع رغم انها هي من وضعته في فراشه بالأمس بعد ان غلبه النعاس في سريرها...!!
كان يحمل عينا ابيه..رائحة ابيه..ضحكة..ابيه.. ببساطة كان سامي ذو الثلاث سنوات نسخة مطابقة عن 
ابيه هزيم..!!
احاط وجهها بكفيه الصغيرتين وقال بأبتسامة عريضة:
ـ اين سنذهب اليوم عمتي؟..!
داعبت انفه الصغير بأنفها وهي تقول:
ـ الى اي مكان تأمر به يااميري الصغير..!!
لوى شفتيه الكرزيتين وضيق مابين عينيه بتفكير ثم هتف بسرعة:
ـ اهاا...سنذهب الى المركز التجاري أولا كي تشتري من اجلي البوضة ثم ستأخذيني الى الحديقة..!!
فأخترق المسامع فوراً صوت رقيق وهادئ:
ـ يالك من طماع صغير..!!
التفتت ريم بأبتسامة لطيفة نحو زوجة اخيها ميسم ذات الـ23 عاماً والتي فضلت البقاء معهم في المنزل 
بعد وفاة هزيم كي تربي ابنها وسط اسرة ابيه ولاتبعده عنهم لاسيما وهي تعرف مدى تعلقهم به وانه 
الشيء الوحيد المتبقي من ذكرى ابنهم الميت..!!
قالت ريم وقد عادت لتنظر بوجه صغيرها المدلل:
ـ فليكن طماعاً كمايشاء...فكم سامي لدي انا كي لاأنفذ اوامره؟..!
قالت ميسم ممازحة:
ـ تعلمين انه يستغل ِك بشدة..!
فعانقته ريم بقوة وهي تقول:
ـ ان كان كل استغلال جميل هكذا فيا لي من محظوظة حقاً..!!
ثم انزلته من بين يديها ودفعته من كتفيه برفق تحثه على الركض بأتجاه امه وهي تقول:
ـ هيا بسرعة تذهب نحو الماما لتغير لك ملابسك كي نخرج..!
اطاع سامي امرها بفرحة ورافق ميسم نحو جناحهما الخاص كي يغير ملابسه..ماان غاب عن مالمحها 
حتى غابت ابتسامتها معه وكأنهم فصلو سلكها عن الكهرباء لتعود نحو عالمها المظلم...
كان المطبخ ذو تصميم امريكي..هناك نصف سور رخامي مغطى بالمرمر على شكل نصف دائرة يتوسط 
المطبخ يقع خلفه الطباخ الثلاجة واشياء اخرى وامامه عدة كراسي يجلس عليها احدهم ليتناول وجبة 
خفيفة او يحتسي مشروب ما..
وهناك تجلس نسرين..فجاورتها ريم على الكرسي الآخر وهي تفرك صدغها بأصبعيها لتزيل 
عنه صداعها..قالت نسرين بعطف:
ـ هل اعد ل ِك وجبة ما؟
ـ لا شكراً..
ـ لكن ِك..
ـ لم افطر ولم اتغدى ولم اتناول عشائي بالأمس....اعرف تكملة الجملة..
ـ جيد ان ِك تعرفيها...وهل تعرفين الحال المزرية ايضاً التي اصبحتي عليها؟ ووزنك الذي يقل بشكل 
ملحوظ بين يوم واخر؟..والهالات السوداء التي تحيط عيني ِك بسبب تلك المهدئات اللعينة التي 
تشربيها؟..!
نظرت ريم نحوها ببرود وملل وقالت بعدم مبالاة:هل انتهيتي؟..!
ثم سحبت كوب القهوة من امام نسرين واكملت:
ـ قومي لتجهيز هيلين كي ترافقني..
تنهدت نسرين مرة اخرى بضيق فهي لاتملك شيئاً اخر لتفعله مع هذه العنيدة التي تقتل نفسها ببطئ منذ 
وفاة اخيها...قامت بقلة حيلة واكملت ريم احتساء قهوتها التي اخذتها لتبعد عنها صداع معتاد في كل يوم
لدى استيقاظها واذا كان راحماً لها قد ينتهي بعد ساعة اذ لم يستمر لعدة ساعات اخرى...
رفعت الكوب الى فمها لتدفع بعض ذلك الشراب الدافئ نحو بلعومها فأستنشق انفها عبق القهوة المميزة 
وسحبتها الذكريات بقوة نحو سنين طويلة..
هزيم يقف في المطبخ يعد قهوة الصباح المعتادة التي يفضل اعدادها بنفسه فلا احد يجيد صنعها 
بمهارته...تنزل ريم راكضة من السلم وتجلس على الكرسي امام الطاولة الرخامية ذاتها واستنشقت عبق 
القهوة التي مألت ارجاء المنزل حتى وصل نفسها ألخره ثم طرحته بصوت مرتفع جعل هزيم يلتفت 
نحوها بأبتسامة ويقول:
ـ هذا يعني ان ِك تريدين كوباً..
ـ وهل يحتاج الأمر الى سؤال؟..!
ضحك وملأ كوبين قد ح ّضرهما مسبقاً بجانبه فهو يعلم بتوأمه المشاكسة التي لن تستغني عن قهوته 
الصباحية حتى في ايام العطل...وضع كوبها امامها وارتشف من كوبه وهو يقف على الجانب الآخر 
امامها يرتكز بمرفقيه على الرخام الذي يفصل بينهما..ارتشفت رشفة سريعة ولكن ابتلعت اكبر قدر ممكن 
منها ثم زفرت بأرتياح وهي تستلذ بهذا الطعم الرائع وقالت:
ـ سأدفع اي شيء مقابل تعلم وصفتها..!!
سحبها من انفها بشقاوة كما اعتاد دائماً منذ طفولتهما وقال ممازحاً:
ـ السر في الإعداد وليس في الوصفة ايتها الحمقاء..
ـ ومع ذلك..علمني اياها علني استطيع فعلها بمثل مهارتك...نحن توأمين قد نتشابه بهذا ايضاً..!!
تبسم بأستفزاز وقال:
ـ لن افعل..
هتفت به بحنق طفولي:
ـ يالك من شرير متمرد..لماذا ترفض ذلك؟..!
سحبها من انفها مرة اخرى وقال:  لأن قهوتي هي من تدفعك ان تستيقظي مبكراً كل صباح كي تنظمي الي ونشربها معاً وان علمت ِك اياها 
قد لانجلس معاً في الصباح ككل يوم...وايضاً..
صمت قليلا وهو يعلم تأثير الجملة الثانية عليها وبعدها اكمل:
ـ اريد ان اخطر على بالك كلما شربتي قهوة غير قهوتي بعد ان اسافر وانتي تستشعرين الفرق بين الطعم 
وتفتقدين روعة قهوتي..انا متأكد انك ستتذكريني كلما ارتشفتي القهوة..
انزلت الكوب من يدها وهي تنزل ابصارها معه وقد استبدلت مالمحها بأخرى
كئيبة وقالت بحزن:
ـ ألم تغير رأيك؟
ارتشف من كوبه قليالً ثم قال:
ـ هذا رأي ابي وليس رأي..
رفعت رأسها نحوه بقوة دفعة واحدة وقالت:
ـ اذاً ارفض..
تبسم بعطف وقال ـ انها مجرد سنتين ياعزيزتي..ادرس في معهد الأعمال هناك كي انضم الى عمل ابي في الشركة بمهارة 
عالية..هذا من اجل مصلحتي ومصلحة العائلة..
زفرت بضيق وقالت:
ـ اذاً خذني معك..
ضحك بقوة وهو يقول:
ـ ماما لن تتأخر ياصغيرة..مجرد سنتين واعود ل ِك..
ـ انا جادة ياهزيم...انت تعلم اني قليلة الاختلاط بالآخرين وانت رفيقي الوحيد..انا لاأحب ان اجلس او 
اتحدث مع احد سواك..وان رحلت...سأبقى وحدي..
مسح على شعرها بعطف وقال:
ـ لذلك انا وافقت على قرار ابي لاحقا عندما رفض طلبي بأخذك معي..
ـ ماذا تعني؟..!
 صغيرتي..علي ِك التخلص من هذه العادة...انتي ستصبحين فتاة جامعية وانا لن اكون مع ِك هناك..الى 
متى ستظلين ملتصقة بي كظلي؟...علي ِك التعرف على صديقات وأال سيعتبرو ِك غريبة االطوار وقد 
يسخرون من ِك او يعزلو ِك عنهم وتبقين وحيدة....
ثم هتف بها بمزاح:
ـ والصراحة انتي عليك تصادقي فتاة ما فأنا قد مللت مرافقتك لمراكز التبضع كي تشتري الملابس 
واضطر للتجوال مع ِك لساعات..اي مصيبة وابتلاء هذا الذي جعل ِك اختي..
تبسمت من بين دموعها وهي تقول:
ـ انت لست مضحك..
ـ أحقاً؟!..أنا متأكدة اني رأيت اسنانك الأن...والدليل هناك بقعة قهوة بنية عالقة بين نابك االيسر..
مسحت اسنانها وقد صدقت خدعته التي لم تكتشفها إلابعد ان قهقه عالياً..ضربته برفق فوق كتفه وهي 
تقول:
ـ وتستطيع ان تضحك ايها القاسي بارد المشاعر..
سحبها من رأسها وقبلها فوق شعرها بحنان وهو يقول:
سأتصل ب ِك كل يوم لأزعج ِك..
سكتت راضخة بعدم رضا لقرار غير عادل حسب ماترى...عندما لمح بعض اثار الحزن 
لاتزال متشبثة بقوة داخل عيونها الزرقاء اكمل ممازحاً في محاولة لإنتشالها من هذا:
ـ ومن يعلم..قد اتعرف على فتى وسيم هناك واخبره ان لدي اخت جميلة جداً وقد يتقدم لخطبتك 
وتتزوجين ونرتاح من مشاكلك وطلباتك..
قالت وهي تبادله مزاحه:
ـ أذ كان الأمر كذلك فسافر غداً بدالً من تتأخر اكثر ياعزيزي وأذ لم تتعرف على فتى وسيم فأبقى هناك 
لتكمل الكلية ايضاً عل ِك تتعرف على واحد..
ـ هكذا اذاً؟..!
ـ هكذا واكثر..
ضحك بقوة على حماسها الذي اصطنعته فجأة ثم حدق فيها بأبتسامة هادئة يتأمل تلك المالمح الطفولية 
وبعدها قال:
ـ سأضرب زوج ِك بقوة في يوم زواجكما..

ولماذا؟..!
ـ كي احذره ان اليتجرأ ويمد يده علي ِك في يوماً ما وأال اني سأقتله..
فضربته على كتفه بضحكة وقالت:
ـ هكذا سيطلقني من قبل ان يتزوجني ايها الأحمق.. ارحمني يرحمك الله ولاتأتي ألى زفافي وإلا فسيعيدني 
معكم..
ـ أتعلمين...احياناً ارا ِك حقيرة حقاً..!!
ضحكت بقوة وفجأة انقطعت سلسلة ذكرياتها(...
قطعها سامي بدخوله المفاجئ تتبعه هلين وقد احدثو ضوضاء من ركضهم السريع فوق الأرضية 
بل والدغدغة...فمع هذين االثنين 
المرمر.. تبسمت ريم لقدومهما ثم حملتهما معاً تغدقهما بوابل من القُ
فقط تعود جزء من ريم القديمة التي دفنتها بداخلها ترفض خروجها لضوء الحياة...انزلتهما بعد مداعبة 
استمرت لبضع دقائق وقالت:
ـ انتظراني قرب السيارة ايها المشاغبين سأغير ملابسي وانزل...
صعدت السلم بخطوات سريعة وذهبت نحو غرفتها لتغير ملابسها..فتحت الخزانة وتجمدت عينيها فوق 
قطعتين من الملابس...بلوزتين متشابهتين تماماً وتختلفان في اللون فقط..احدهما بيضاء والأخرى
سوداء مرسوم على صدر كلتيهما وجه ضاحك..مدت يدها بتردد نحو السوداء وتلمستها بأطراف 
اصابعها وكأنها تخشى ان يعلق عطرها هي فيها وتختفي رائحة اخيها.. قربت انفها اكثر من البلوزة 
واستنشقت رائحتها العطرة ونزلت دموعها بقوة اكبر وهي تعتصر عينيها غير تاركة مجال ألي دمعة ان 
تبقى حبيسة جفونها...همست للبلوزة وكأنه امامها:
ـ ذكراك في كل شيء حولي..انت في كل مكان ولست في مكان....!!
التزال البلوزة رغم السنين تحمل رائحته الزكية..تلك الرائحة المميزة التي تعرف من خاللها ماان كان 
موجوداً حولها او ال...عادت ذكرى اخرى وصدى اخر ليصدح في عقلها من سنين غابرة..
ـ هل اعجباك؟
ـ ماهذه؟..!
ـ انهما بلوزتين متشابهتين سنرتديهما ونأخذ بهما صورة لأحتفظ بها..البيضاء لي لأنها تعكس شخصيتي 
الطيبة والمتسامحة والسوداء لك لأن شر العالم كله يكمن في قلبك..
امسكها من رقبتها من الخلف وامالها للأمام وهو يهتف بها ممازحاً:
ـ حسناً سأري ِك الشر كيف يكون ياانسة ريم..(
كفكفت دموعها شبه المستمرة وسحبت قميص بلون الكراميل ارتدته فوق بنطال جينز ازرق مع وشاح 
اسود تلفه حول عنقها..فتلك البلوزة البيضاء لم تضعها مجدداً فوق جسدها منذ وفاته واصطفت بجانب 
رفيقتها السوداء وكأن مالكيهما كالهما قد ماتا...فريم تعيش في جسد ميت..كل ماتشعر به هو دقات ما 
في جانبها الأيسر وارتفاع صدرها وانخفاضه بين ثانية واخرى...فقط!!.. لاشيء اخر...لاطعم 
...لاإحساس.. لاحياة....!!
نزلت بأسرع مايمكنها بعد ان رتبت شعرها بأهمال بالكاد قد جمعت خصلاته مع بعضها وخرجت تقلب
مفاتيح السيارة بين يديها لترى الصغيرين ينتظراها على احر من الجمر يتشاجران كالعادة فيمن سيجلس 
بالمقعد الامامي بالقرب من ريم وكالعادة ختمت هذا النقاش وهي تفتح الباب الخلفي وتقول:
ـ لاتكونا واثقين من نفسيكما كثيراً ايها المشاغبين.. كلاكما سيركبان في الخلف لايجوز لطفل ان يجلس 
في المقدمة...
بالطبع لم يرحماها هما من تذمرهما وبعض الكلمات المتمتمة التي لم تسمعها فهما يحرصان على ابقائها 
منخفضة كي لايتم حرمانهما من هذه النزهة.. اول مكان توجهو اليه كان المركز التجاري لتشتري لهما 
بعض البوضة ومن ثم الى الحديقة...اول مافتحت لهما الباب انطلقا راكضين قبلها ليحتل كل واحد منهما 
ارجوحة يسابقان فيها الرياح..جلست على مسطبة مقابلة لهما على بعد مسافة تراقبهما بأبتسامة...
ـ انا سأركب بهذه الأرجوحة ياهزيم انها ترتفع اعلى..
ـ بل انا من سأفعل..
ـ ولما تكون انت وليس انا؟..
ـ لأني اكبر من ِك..
ـ نحن توأمين يااحمق..
ـ اجل ولكني خرجت قبل ِك بدقيقة..
ـ وما ادراك؟ هل كنت حاضراً؟..
ـ ال،ماما من قالت هذا..
ـ كانت غائبة عن الوعي كيف لها ان تعرف..بالتأكيد هم خدعوها..انا من خرجت أولا..
ـ بل انا...
التعليق من ريم الصغيرة ذات السنوات السبع.. مجرد وجه مستاء على وشك البكاء فتبعتها زفرات 
متتالية من هزيم وهو يقول لها بتذمر:
ـ كفي عن النظر الي بهذه الطريقة....
ولكنها لم تبعد تلك النظرات مما جعله يرضخ لها فوراً بقلة حيلة ويجعلها تركب في الأرجوحة التي 
تختارها.. فهو لايمكنه مقاومة تلك العيون وهو يراها حزينة(..
لم تكن خاتمة الذكريات بمنظرهما وهما يلعبان في طفولتهما بل غزت عقلها لقطة اخرى لاتفارقها...يرفع 
بصره اليها غير قادر على التكلم...جسده يرتجف بين يديها مثل ارتجاف شفتيها وهي تجحظ بعينيها 
تحوط رأسه الذي فوق حجرها بيديها الملطختين بدمائه... شيئاً فشيئاً انفاسه تتباطئ وارتجافه 
يختفي....وجفونه تنسدلان بهدوء كمغيب شمس وهي تختفي داخل جوف الارض...ولكن هو لن يملك
القدرة على الإشراق في صباح اليوم التالي...بل هذا مغيبه الأخير...صرخة قوية بأسمه داخل ذكرياتها 
جعل جسدها يرتجف بالواقع وكأن احدهم قد صرخ بقربها وليست صرخة ذكريات....رنين هاتفها جعلها 
ترفع يديها المرتعشتين لتمسح دموعها التي تنزل ألي ذكرى حزينة او سعيدة بشأنه...اجابت بعد ان 
تماسكت قليلا:
ـ اجل ميسم؟..!
ـ عزيزتي...جد ِك هنا..
اقتضبت ملامح وجهها واغمضت عينيها وكأنها مشمئزة من ذكر هذا الإسم امامها...فكبير عائلة ياسين 
هذا هو من قرر بعدم اخذ الثأر او حتى الدية من عائلة مراد الذي كان احد افرادها هو من قتل اخيها دون 
ان تعلم هل كان من الأبناء او الأحفاد كل ماعرفته ان احداً منهم قد فعل...
ـ ماذا يريد؟..!
ـ ربما علي ِك القدوم..الأمر يتعلق بعائلة مراد... واظن ان هناك ثأر جديد...علينا وليس لنا..
"ثأر جديد"...كلمة قد جعلت العالم من حول ريم يتموج وتصبح كل الأصوات كالصدى...فهاتين العائلتين 
لم تكفان عن الثأر من بعضهما البعض واراقة دماء افرادها منذ اكثر مايزيد عن خمسة عشر عاماً
والوحيد الذي لم يتم اخذ ثأره هو هزيم لأسباب لايعرفها سوى بعض الأفراد في عائلة ياسين لم تكن هي 
من ضمنهم بالطبع...!
سيراق..عزيز اخر ستحتضن جثته تحت المطر.. طفل اخر سيبقى من دون اب..وزوجة 
هناك دم جديد ُ
اخرى ستترمل.....واخت اخرى ستُفجع........انتفض جسدها فوراً من مكانه وقالت بعصبية:
ـ انا قادمة..!
حملت سامي وقادت هيلين من يدها دون الاستماع الى تذمرهم وشكواهم في البقاء لفترة اطول مجرد
بل منحتهم قُبل سريعة واعدة اياهم بفسحة اخرى ...
لولا وجود الأطفال في السيارة معها لقادت كعادتها بسرعة جنونية ومتهورة عندما تغضب..وصلت الى 
منزلها وانزلت الأطفال بسرعة وتركتهم يلعبون في الحديقة كي لايسمعون البركان الذي سيثور بعد 
دقائق ودلفت مسرعة الى الداخل....
تباطأت خطواتها شيئاً فشيئاً وهي تقترب من اجتماعهم في الصالة..اجتماع كلما انعقد حمل معه مصيبة 
أذ كان من يترأسه جدها ياسين...تطلعت بعينيهم واحد تلو الآخر ابتداءاً من ابيها سيف الى امها بلقيس
الى اختها نسرين ومن ثم ميسم واخيراً في تلك العيون المطلية دائماً بالأحمر...عيني جدها الذي يرتكز
كعادته بيديه المجعدتين فوق عكازه الخشبي...
لم تفهم ريم سبب تلك النظرات المشفقة التي منحتها اياها نسرين وميسم وهي تجلس على الكرسي 
المقابل لجدها...جلوس علمو انه لن يطول قبل ان تقوم مرة اخرى 
منتفضة....لم يكن هناك عتاب من جدها لأنها لم تلقي عليه التحية فهي منذ ثالث سنوات على خالف معه 
بسبب ماحصل...قال بعد ان اتخذت موقعها:
ـ حفيدي رأفت قد قام بتصرف متهور من دون ان يستشير اسرته...حاول ان يقتل احد افراد مراد هو 
على خالف شديد معه ومع الأسف بعض ابنائي قد ساندوه في خطته هذه..ولكن من الجيد ان ابن مراد لم
يمت..
ضحكة خفيفة ساخرة اطلقتها ريم قطعت بها حديث جدها وهي تكتف يديها امام صدرها وتقول  من الجيد؟؟!!...احياناً اشك بكونك من اسرتنا... فدفاعك عن أسرة مراد لايعقل انك ضدهم..
ضرب بقاعدة عكازه مرة فوق الارض بغيظ وهو يقول بعصبية:
ـ لست بجانبهم ولكن موت اخر يعني ثأر اخر....يعني ضحية اخرى...
فأكملت بأستفزاز:
ـ يعني ضعف اخر وتخبئة رؤوسكم كالجبناء متغاضين عن ثأركم وواهبيهم مسامحة لن يهبوها لكم..
زفر بضيق وهو قد تعب من فتح ذات الموضوع معها دون ان يصلو لنتيجة في الحديث...اكمل وقد تعمد 
اضفاء بعض الهدوء لحديثه محاولًا الحفاظ على تماسك اعصابه حالياً...فالخبر الاعظم لم يطلقه بعد 
والذي سيضطر لأن يفقد اعصابه به:
ـ نتيجة الأغتيال ابنهم فعائلة مراد قررت اخذ دية.... ولكن ليس اموال..
رفع بصره فقط بأتجاهها من دون تحريك رأسه بنظرات صارمة وهو يكمل:
ـ الدية ستكون امرأة..!
قطبت حاجبيها بأستغراب وهي تحدق فيه تريده ان يكمل ما لا تستطيع استيعابه فلم يبخل عليها ببقية 
الحديث:

لقد قررنا ان نصل الى حل يقطع بيننا هذه الدماء... احدى نسائنا تتزوج احدى رجالهم كدية عما فعله 
رأفت بدل ان يثأرو بطريقة اخرى..
قطبت حاحبيها اكثر وهي تقول:
ـ كيف يعني كـدية؟..!
ـ اي من دون زفاف...من دون مهر..من دون اي حقوق قد تملكها اي زوجة اخرى..سنحدد اليوم الذي
ستنتقل به من بيت اهلها لبيت لزوجها....اليحق لها معارضة زوجها بأي قرار..لايمكنها ان تطالب بأي 
شيء لايريد منحه لها..لن يكون لها حفلة خطوبة ولاحفلة زفاف...وان لم يقرر بأرادته ان ينفصل عنها 
فليس من حقها ان تطالب بالطالق...فأنفصالها عنه يعني انسحاب الدية...ويعني وجوب اخذهم للثأر 
حينها...
صمتت..لاتعليق...لاحركة...لاتزيح عينيها من عينيه... تنتظره ان يكمل..فبالتأكيد ليس هذا فقط ما جاء
من اجله.. وبالفعل قد اكمل:
شروط الدية ان تكون المرأة ذات صلة قريبة بكبير العائلة..اي انا..ولايجب ان تكون ذات صلة بعيدة... 
اما ان تكون ابنة او حفيدة...وليس هناك احد غير متزوج سوى لمار وهذه لازالت صغيرة لم تكمل 
العاشرة بعد ..
ثم اكمل وهو ينظر اليها بصرامة اكبر:
ـ وانتي...!!
قطبت حاجبيها اكثر وقد اشتعل وجهها بتوهج احمر حبست نيرانه داخلها لم يحن الوقت بعد 
لتطلقها...قالت وهي تجحظ بعينيها:
ـ الى ما تحاول الوصول؟..!
قال بحزم ومن دون اي تردد:
ـ انتي ستكونين هذه الدية...!
ـ اوه حقاً؟!..ومن المفترض ان اقول الأن حاضر جدي ويحل الأمر بهذه البساطة؟!
ضربه بعكازه بغضب وهو يهتف:
ـ ريــم..
قامت وقد قررت ان الوقت قد حان ألطالق نيران بركانها..هتفت بأعلى ماتملكه من صوت:
ـ هـــذا يــــكفي!!...أتظنون اني سأرضخ لقراركم هذا ايضاً؟!..هل انت جاد في ماتطلبه مني؟...!
عائلة مراد؟؟!!..تريدني ان ارتبط بواحد من عائلة مراد؟!..انا ان رأيت واحد منهم سأقطعه بأسناني 
واقتله وانت الأن تريدني ان ارتبط بواحد منهم؟!..ممن قتلو اخي؟..!
ثم صرخت بهم جميعاً:
ـ هل فقدتم عقلكم؟!..ماهذا الهراء الذي يحصل؟..!
قام جدها بعصبية اعقبه قيام االخرين معه وقال:
ـ الخيار ليس عائد ل ِك..االمر قد تم مسبقاً..
ـ لم يتم ولن يتم...سأقتل نفسي قبل ان اتزوج واحد منهم..
ثم نظرت لهم بحدة وهي تكمل:
ـ وتعلمون اني قادرة على هذا...!!
ثم تركتهم وصعدت نحو غرفتها فمنح الجد والدتها بلقيس نظرة ذات معنى فهمت من خلالها مهمتها قبل 
ان يغادر المنزل..
طرقات خفيفة فوق باب غرفتها عرفت من خلفها فلم تجب وهي تعلم ان الطارق سيدخل المحالة..ثواني 
من الانتظار من دون اجابة حتى فتحت والدتها الباب ودخلت...
كان منظر ريم كـلبوة هائجة تنتظر فريستها لتكون ضحية انيابها الجائعة..تجوب الغرفة ذهاباً واياباً وهي 
تقضم اظافرها بتوتر او تعيد شعرها للخلف بعصبية بين لحظة واخرى..دخلت والدتها بهدوء وجلست 
على حافة سريرها بكل رصانة امام هذه النيران المتحركة وقالت بعد ثواني من الصمت:
ـ أيمكنك ان تهدأي قليلا لنتفاهم؟..!
فنظرت لها ريم دفعة واحدة وقالت بحدة:
ـ ايا ِك ان تطلبي مني ان اهدأ امي..!!
ثم اكملت بأنفعال وكأن والدتها طلبت منها ان تنفجر وليس ان تهدأ:
ـ كيف امكنكم ان تطلبو شيئاً كهذا مني؟..بل ولما انتي وابي كنتما صامتين ولم تعترضا؟..!
اجابت بلقيس بكل برود:
ـ لماذا سنعترض على شيء نحن موافقين عليه؟..!
سكون تام لا يقطعه سوى صوت انفاسها اللاهثة من الغضب..تمتمت بعدم استيعاب:ماذا؟..!
اشاحت بلقيس وجهها الناحية االخرى لثواني وهي تنظم طريقة تنفسها كي تحافظ على هدوئها ثم عادت 
تنظر في وجه ابنتها واكملت:
ـ حاولنا ايجاد حل اخر..ولكننا فشلنا..عائلة مراد مصرة على هذا القرار..ونحن ليس بيدنا شيء اخر 
لنفعله..
اجابت ريم بعدم تصديق وهي تحدق في امها بذهول:
ـ كيف أمكنك ان تقولي شيئاً كهذا؟!...أستقدميني ضحية هكذا ببساطة للعائلة التي قتلت ابنك؟..!
عند هذه الجملة قامت بلقيس بأنتفاضة وهي تعصر كفيها ببعضهما ولكن من دون ان تعلق فأكملت ريم 
بعصبية:
ـ أستفعلين امي؟!...ألا يكفي مافعلتموه بي منذ وفاة اخي والى اليوم؟!..ألا يكفيكم ماتعذبت بسببه؟...!
اقتربت اكثر من والدتها وقد برزت كل شرايين رقبتها من الغضب واحمر وجهها يكاد يبعث شرارات
تحرق ماحولها وهتفت بوجه امها بصوت اعلى:
ـ سنة كاملة بعد وفاته وانتي لاتنظرين في وجهي امي لأني احمل الشكل ذاته..سنة كاملة اهملتي ابنتك 
ونسيتي ان ل ِك ابنة...مات هزيم فأجبرتني ان اموت معه..لم تنظري في وجهي بعدها ولم تتصرفي وكأن لدي ِك ابنة التزال حية..موته كان كافياً ليجعلني افقد الرغبة في الحياة..وبسبب ِك انتي ازدادت لدي هذه
الرغبة..الرغبة بالموت..الرغبة بترك حياة ليس فيها هزيم..
ثم ضعف صوتها بالبكاء اكثر وهي تقول:
ـ تخليتي عني في الوقت الذي احتجتك فيه بشدة.. واالن عدتي مرة اخرى لتتخلي عني..!!
التفتت اليها والدتها وقالت بكل هدوء:
ـ انا لاأتخلى عنك ريم...انا احاول حماية ماتبقى لدي..
ـ انتي لاتحمين شيئاً امي..انتي تقدميني قربان فحسب..
احاطت بلقيس وجه ابنتها بقوة وقالت وقد سمحت لدموعها اخيراً بالهطول:
ـ اخي ِك لم ينجب فتاة يا ريم..اخي ِك انجب صبي... صبي سيغدو في يوماً ما رجلا ليضموه لدائرة الإنتقام.. 
لدائرة الثأر....للقتل...ألا تريدين ان تحافظي على حياته؟..ألا تريدين ان تتنهي هذه العداوة كي لايطالبو 
بالدم يوماً ما ويكون دم سامي هو القربان لثأرهم؟..!
هذا كل ماتبقى لدينا من هزيم...أتريدينا ان نفقده ايضاً؟..!
سامي!!..نقطة ضعفها..سبب حياتها..كيف لها ان التفكر به في هذه اللحظة؟..ألم تعاهد نفسها انها 
ستفعل اي شيء وستضحي بكل شيء فقط من اجل ان تحميه؟!..حان الوقت لتنفذ وعدها...حان الوقت 
لتلبس كفنها كي تمنحه الحياة قبل ان يسلبوه منها كما سلبو 
اخيها...
اما اسرتها ـ السيما والدتها ـ فهي قد اعتادت ان يتخلو عنها في الوقت الذي تحتاجهم فيه..لم يكن احد 
يساندها ويحميها سوى هزيم...وهزيم رحل...وحمايتها رحلت معه..ستغدو لعبة بين االسرتين اليوجد من 
يطالب بحقها ويساعدها...هذا واقعها وسترضخ له...
تركتها والدتها متصلبة في مكانها تجحظ بعينيها بقوة.. مصدومة...ومذبوحة ببطئ تحتاج الهواء ولن 
تجده هنا..قادت سيارتها بسرعة تطالب ببعض الهواء.. وهي تعلم اين ستجده....اول ماوصلت الى قبره 
اطلقت صرخة مكتومة في صدرها منذ وقت طويل...صرخة وبكاء ونحيب وهي تجلس على ركبتيها 
تحني جذعها العلوي فوق شاهد القبر وتتلمس بأصبعها حروف اسمه وكأنها تتلمس وجهه....انها 
منبوذة ومنفية والوطن لها سواه.... هزيم..!!
نوبة بكاء قوية لم تمكنها حتى من الكالم استمرت لمدة نصف ساعة ثم بعدها بدأ صراخها ينخفض تاركاً
خلفه دموع صامتة فحسب...جلست امام القبر تحتضن ركبتيها وتحدق فيه بدموع احرقت روحها..
قالت بأرتجاف وضعف:
 انا احتاجك هزيم...احتاجك بشدة...!!
ثم رفعت يديها نحو رأسها بهستريا ومررت اصابعها من بين خصالت شعرها وهي تقبض عليهن بغضب 
ثم قامت فجأة وقالت وهي تحدث القبر بعصبية وكأن هزيم جالس امامها:
ـ انت مثلهم...لقد تخليت عني ورحلت...وعدتني انك ستبقى...وعدتني انك ستظل بعيداً عن تلك العائلة 
كي اليسلبوك مني..ولكنك لم تلتزم بأياً من وعودك...لما فعلت هذا ايها االحمق؟!!.. لما تركتني
ورحلت؟!..انظر ماذا حصل لي..انظر ماذا تفعل اسرتنا بي؟...
ثم عادت لتضعفها دموعها وتقع مجدداً على ركبتيها وهي تحوط رأسها بيديها وتعود لبكائها القوي 
وتقول بنحيب وضعف:
ـ لم يعد اي شيء مثلما كان....ولن يكون اي شيء مثلما تخيلته!!..حياتي تصبح اسوأ واسوأ في كل يوم 
يمر علي من دونك..
ثم ضربت ارض القبر بقبضتيها بقوة وقالت:
ـ ياليتني مت معك في يومها..ياليتني ارتحت من كل هذه المعاناة...ولكن..الحياة لمن تنادي...فالموت 
اليعيد ما اخذ... وتراب القبر لن ينقشع ليعيد لها اخيها الذي يخفيه بين ذراته...

الفصل الثالث
في منزل اسرة مراد دخل النور بهدوء وحياء من بين ستائر غرفة الجدة رباب ليعكس اشراقه فوق 
وجهها المحبوب الذي يحمل كل معالم الهدوء والسكينة..تجعلك تشعر بالطمأنية والسعادة وانت تتحدث 
معها وتستمع ألحاديثها الشيقة.. اوقفت صوت دعواها واستكانت المسبحة بين احدى يديها من دون
حركة وهي تشير باالخرى مبتسمة نحو حفيدها الوسيم آدم ذو 28 عاماً ان يأتي اليها...تبسم آدم وسار 
نحوها واول مادخل غرفتها قال ممازحاً:
ـ صباح الخير يا اجمل روبي في العالم..!
ثم تقدم اليها وقبلها من رأسها فقرصته من كتفه بخفة وقالت:
ـ ما روبي هذه يا ولد؟..ألن تكف عن مشاكستك هذه؟..
جلس بالقرب منها وهو مستمر بمزاحه:
ـ كيف عساي ان ارى جمالًا كهذا واناديه "جدة"؟!.. انتي لازلتي في قمة شبابك يافتاة....!!
ضحكت وضربته مرة اخرى فوق كتفه بيديها الضعيفتين وقالت:يا ولد اسكت قليلا..قل لي..ماالذي احضرك من شقتك الى هنا منذ الصباح الباكر؟..
مد يديه في جيوب جلبابها وهو يبحث عن مبتغاه المعتاد فأخرج قطعتين من الحلوى فتح احداهما 
وتناوله ثم اراح جسده قليلا فوق الفراش وهو يرفع جذعه العلوي بمرفقيه وهو يقول:
ـ اليوم لدي عطلة وشعرت بالملل وحدي فقررت ان اتي ألتناول الفطار هنا معكم..وهي فرصة ايضاً لأرى 
امي فلم اراها طوال الأسبوع الماضي..
لوت شفتيها وقالت:
ـ امك فقط ياولد؟..
قرصها بخفة من خدها وهو يضع قطعة الحلوى الأخرى فيه فمه ويقول:
ـ ومن اجل حبيبتي روبي طبعاً فكم روبي لدي انا..!!
لكزته من مرفقه وقالت بهمس:
ـ دعنا من هذا الان واستمع الي..
ارهف سمعه اليها وهي تكمل هامسة:
ـ البارحة سمعتهم يتحدثون بخصوص عائلة ياسين..
قطب حاجبيه بأستغراب واهتمام عندما استقبلت مسامعه اسم هذه العائلة فأكملت رباب:
ـ انها حول حادثة اغتيال عمك معتز...سمعت انهم سيأخذون دية..ولكنها ستكون امرأة..
ثم صمتت قليلا لتجذب انتباهه اكثر واكملت:
ـ انها الفتاة ذاتها..أتذكرها؟!..اخت ذلك الشاب الذي مات قبل ثلاث سنوات من عائلة ياسين...تلك التي 
تشاجرت مع جدك..
عندها استقام آدم بمجلسه فوراً وقال بلهفة فشل في اخفائها:
ـ ريم؟..!
ـ اجل..هي..!!
فأرتكز بمرفقيه فوق فخذيه مستمعاً بكامل
تركيزه لحديث جدته فأكملت رباب بنبرة عطف وهي تحضن كف حفيدها بين كفيها:
ـ اعلم انك ترفض الزواج بالوقت الحالي ياعزيزي.. ولكن افعل هذا من اجلي..
قطب ادم حاجبيه اكثر وهو يقول بأستغراب:
ـ افعل ماذا بالضبط؟..!فأكملت رباب بذات النبرة المتوسلة:
ـ انا رأيتها سابقاً عندما اتت لجدك قبل ثلاث سنوات وهي فتاة جميلة جداً..وقد عرفت عنها بعض الأشياء
البارحة من ريهام زوجة عمك..تعرف كم ريهام ثرثارة وفضولية لذلك قد سألت عمك بضعة اشياء واتت 
لتخبرني بها..عرفت ان الفتاة ذات شهادة جيدة ومثقفة..وهم قد علمو مسبقاً انك لا تريد الزواج الأن 
لذلك هم قد قررو تزويجها لأبن عمك الأصغر حمزة... وانت تعلم ياولدي ان حمزة لايمتلك ذلك الجمال 
الجيد وليس لديه شهادة..والكلام بيني وبينك هو احمق جداً.. انه مناقض تماماً لتلك المسكينة...هي 
تعتبرنا نحن من قتلنا اخيها لذلك امر تزويجها لواحد منا هو بحد ذاته ظلم بحقها واهانة فدعنا لانظلمها 
اكثر بتزويجها لحمزة...انت لديك شقة خاصة وذو شهادة جيدة ووسيم...قد تخفف هذه االمور من الجرح 
الذي ستتسبب به العائلتين بحقها..
اجاب معترضاً:
ـ ياجدتي..انتي تعرفين رأي بخصوص الزواج الأن وتعرفين كم انا صعب الاختيار في شخصية الفتاة التي 
ساتزوجها وتعلمين كم رفضت من واحدة ممن عرضتهن علي امي واختي سلوى..ثم تطلبين مني الأن ان 
اتزوج واحدة لاأعرف عنها شيء؟..
فنظرت رباب نحوه بأبتسامة ماكرة وهي تقول:
ـ لاتعرف؟؟..!!
فأكمل بأحراج:
ـ اعني..أ..أنا لم اتحدث اليها من قبل ولم نلتقي ولم نخض اي حديث..ماالذي قد اعرفه عنها؟!.. وفوق 
هذا كله هي بالتأكيد ستكرهني مادمت من اسرة مراد..
ـ ياعزيزي..انا لاأطلب منك ان تبقى معها الى الابد.. انا فقط اطلب منك انقاذها مما سيقحموها به..
ـ وكيف ذلك؟..!
ـ اسمع...انها دية..اي لن يطلبو منك مهر والتجهيز اي شيء اي لن تخسر ولا ورقة نقدية واحدة.. وانت 
قلت انها بالتأكيد ستكرهك وانا اقول ان هذا الامر من مصلحتنا..ان كرهتك فلن تغار عليك وسيسعدها ان
ترتبط بغيرها...لذلك متى وجدت الفتاة المناسبة والتي تعجبك تزوجها..
ـ وهي؟...!
ـ هي ستبقى في شقتك كزوجة لك..على االقل ستعيش في منزل واحد من آل مراد بدل ان يزوجوها من 
حمزة ويجعلوها تعيش هنا بين افراد عائلة مراد جميعهم....واما الزوجة الجديدة التي ستتزوجها فدعها 
تعش معنا هنا او استأجر لك شقة اخرى...اعتبر نفسك التمتلك شقة وعش بشقة ايجار...
مط آدم شفتيه لايعرف بالضبط بماذا يجيب فالأمر يبدو معقداً فقالت رباب بنبرة متوسلة اكثر:
ـ ارجوك ياعزيزي..تكلم مع جدك اليوم ألنهم في المساء سيجتمعون ويتخذون القرار النهائي بتزويجها 
لحمزة وسيعلمون حمزة بالأمر....ولكن بما انك الحفيد الأكبر فأن االفضلية ستكون لك وسيوافقون على 
اعطائها لك ان قلت لهم انك تريد الزواج منها..
مرر آدم اصابعه بحيرة من بين خصالت شعره القصيرة ثم نظر نحو جدته ولما رأى نظراتها المشفقة 
والمتوسلة تبسم وقبلها من قمة رأسها وقال:
ـ لاتشغلي بال ِك ياحبيبتي..لن يحصل سوى ماتريديه....
اغدقت عليه بوابل من الشكر والدعوات فهي تعرف قلب حفيدها الأبيض وتعلم انه سيشاركها شفقتها
وعطفها هذا بخصوص ريم ولن يخيب ظنها ابداً....
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
"موافقة"...نطقتها من بعده..كلمة سهل على لسانها ان يلفظها ولكن صعب على عقلها ان يتقبلها.. 
موافقة ولكنها ليست موافقة...تجلس على مقربة منه بهدوء ولكن كيانها متزلزل ورياح سوداء تعصف 
بروحها...
هو وسيم...هو متيسر الحال..هو انيق...هو مثالي.. ولكنها تكرهه بشدة...لايمكن لقلبها ان يحبه مهما بدا 
مثالياً...فبالنهاية..هو ينتمي ألسرة مراد...!!
انتهى المأذون من عقد قرانهما دون ان يكون هناك اياً من مالمح الفرحة على وجه العريسين او
اسرتيهما..!
طوقت اصبعها بخاتم يحمل اسمه مثل الخاتم الذي يحمل اسمها حول اصبعه..ولكنها لاتستشعره في 
اصبعها.. تشعر انه حبل الإعدام يحوط رقبتها بقسوة يكاد يسلب روحها منها..!
ما ان انتهى عقد قرانهما حتى خرج آدم من عندها دون حتى ان يمنحها نظرة خاطفة ليرى على االقل 
وجهها الذي لم ينظر اليه ابداً منذ دخوله..خرج بأسرع وقت ممكن وقاد سيارته بأسرع مايمكنه مبتعداً
قدر الإمكان عن المكان الذي تتواجد فيه...
اما هي فكانت تبكي ولكن تبكي بصمت وبملامح جامدة.. ساكنة بشكل غريب..هدوء لايحمل بعده اعصار
كالعادة....بل يحمل انكسار وهزيمة...يحمل قلة حيلة...وخضوع...!!
مضى يومان على عقد قرانهما..لم تتوقع رؤيته ألا بعد ان يحددو موعد انتقالها نحو شقته ولكنها 
تفاجأت اليوم بنسرين تخبرها ان آدم ينتظرها في الصالة..حدقت في وجه اختها بعدم استيعاب وهي 
تطرف بعينيها عدة مرات تحاول او توقظ نفسها ان كانت تحلم..!
لوحت لها اختها بيدها امام وجهها وهي تقول:
ـ ريم..هل انتي معي؟..
فأجابت ريم فوراً بأقتضاب:
ـ ماذا يفعل هنا؟..!
رفعت نسرين كتفيها بعدم معرفة وقالت:
ـ لاأدري...اراد رؤيتك فحسب..
بطبعها العنيد وشخصيتها المعتادة كانت سترفض.. ولكنها كلما ارادت ان تعترض على شيء تذكرت انها 
مجرد دية..وتزلزلت كلمات جدها بوجوب خضوعها لزوجها وكأنها جارية كي لاتتسبب بالعداء بين 
الأسرتين مجدداً..هي لعبة بيديهم..اذاً فلتشترك معهم في اللعبة ولتجيد لعب دورها جيداً..
لم تتعب نفسها حتى برمق شكلها في المرآة او ان تعدل من هيئتها..نزلت كما هي..ولكن حتى بأهمالها 
هي جميلة...كانت ترتدي فستان اسود قصير يغطي ركبتيها ويكشف عن باقي ساقيها وترفع شعرها نحو 
الاعلى بذات الطريقة العبثية من دون ترتيب ولاتزال اثار الدموع ترتكز بأصرار عند بوابة عينيها...
كان يقف في الصالة يلعب مع سامي ويمازحه حتى التفت نحو صوت خطواتها فوق السلم..تطلع فيها 
بتركيز هذه المرة وهي تنزل بكل رصانة وهدوء ولم ترفع نظرها نحوه الا بعد ان اكملت نزول السلم..
منحته نظرة سريعة ثم التفتت نحو سامي قائلة بعطف ولكن بنبرة آمرة:
ـ عزيزي..اصعد نحو غرفتك...
لوح سامي بيده مودعاً لآدم الذي بادله ابتسامة اعرض وتلويحة اقوى مما اثار حنق ريم لسرعة 
الانسجام بينهما في الوقت الذي تريد ابعاد سامي قدر الإمكان عن هذه العائلة..صعد سامي نحو غرفته 
واقتربت ريم بضع خطوات من آدم فقال فوراً ببرود:
ـ لاتقلقي..لاافضل طعم الأطفال..لذلك انا لن اكله لو بقي معي..
اجابت بهدوء واقتضاب وكأنها لم تسمع ما قال..او بالأصح لم تبالي:..
ـ قالو لي انك تريدني؟..!
تطلع قليلا نحو ملابسها ثم اشار اليها بذقنه وهو يقول:
ـ لما ترتدين الاسود؟..!
كتفت يديها امام صدرها ورفعت احد حاجبيها بحدة وهي تقول:
ـ ماذا يرتدون عندكم في حالة العزاء؟..!
ففهم الى انها تلمح لأمر زواجهما فلم يعلق بشيء سوى بزفير طويل يعبر عن تضايقه...بالتأكيد هناك 
ايام صعبة تنتظره مع هذه المخلوقة المعقدة التركيب..!
قال بعد صمت استغرق ثواني منه:
ـ غيري ملابسك..سنخرج..
رفعت زاوية فمها بأبتسامة ساخرة استفزته وهي تقول:
ـ أأنت جاد؟!..هل سنتصرف الأن كخطيبين؟..!
فقال هو بأستفزاز اكبر..فالبادي اظلم:
ـ ألسنا كذلك؟!...ولكن ان اردتي ان نتصرف كحبيبين فلست امانع..
انزلت يديها من امام صدرها بحدة وقالت:
ـ ألتزم حدودك..!!
رفع كتفيه بلامبالاة وقال:
ـ انتي من بدأتي..!
ثم اشار لها بأصبعه ان تستدير وهو يقول: واالن اذهبي لتغيري مالبسك رجاءاً فلدي مشاوير اخرى لااريد التأخر عليها..
لم يطلب منك احد القدوم..يمكنك الذهاب نحو مشاويرك..
هذه المرة اشار لها بأصبعه ان تستدير عائدة نحو غرفتها من دون ان يتكلم... كادت ان تقتله..ان تصرخ 
به وترمي الخاتم بوجهه وتنتهي من كل هذه المسرحية الهزلية..ولكنها التستطيع..فما دام هذا الخاتم 
بأصبعها هي ستضمن حماية سامي...منحته نظرة نارية حارقة قبل ان تستدير وتصعد السلم نحو 
غرفتها..وبالطبع عيناه تتبعاها بأبتسامة الى ان اختفت عن ناظريه...
دقائق معدودة..بل ربما هي ثواني حتى نزلت اليه مرة اخرى..لم يتغير من هيئتها شيء سوى ملابسها 
التي اختارتهم سوداء ايضاً وقد تفضلت على شعرها ورتبته قليلا..اول ماانهت نزول السلم سار يسبقها
الى السيارة من دون كلمة مما اجبرها ان تتبعه...كان لبقاً بما فيه الكفاية ليفتح لها الباب الامامي قبل ان 
يستدير نحو بابه هو ليركب..ولكن كان لبقاً بشكل يثير الاستفزاز فعندما فتح الباب فتحه وهو يمر من
جانبه من دون ان يتوقف ولم يبقى ممسكاً به وينتظر صعودها بل فتحه وسار وكأنه شيء معتاد على
فعله ولايخصها به وحدها.. ركبت بالمقعد المجاور له واغلقت بابها بقوة..فلم يبالي بأستيائها....وسارت 
السيارة والصمت يحتل الأجواء لاشيء يخترقه سوى صوت الاغنية التي يشغلها آدم والتي يبدو من 
حركات اصابعه فوق المقود انه منسجم بشدة مع اللحن والكلمات وكأنه يخبرها ان عقله ليس معها على الإطلاق وانه لن يبالي ان كانت مقتضبة الجبين او عصبية..فهذه هي الطريقة الوحيدة لترويض هذه 
المهرة العنيدة..!!
دقائق اخرى مضت عليهم حتى اوقف آدم السيارة امام مركز للتبضع النسائي..قطبت ريم حاجبيها 
بأستغراب وقالت:
ـ ماهذا؟..!
قال ساخراً:
ـ هذا؟؟!!...انها صيدلية..!
زفرت بضيق ثم قالت:
ـ هل تستهزأ؟..!
ـ سؤالك سخيف لما لا استهزأ؟..ألا ترين انه مركز تبضع؟
ـ اعني ماذا نفعل هنا؟!
رفع حاجبيه بسخرية وهو يجيب:
ـ بمركز التبضع؟!..نشتري بعض الأدوية بالطبع...!
فهتفت به بضيق:
ـ هال تحدثت بجدية قليالً؟..!
ارتدى نظارته الشمسية وهو يفتح باب سيارته ويقول:
ـ اسألي سؤاالً معقوالً وسأجيبك بجدية..
ثم تركها ونزل ووقف عند بابه منتظراً خروجها الذي استغرق عدة ثواني بينما تصارع عقلها وكبريائها 
ثم واخيراً نزلت..اول مااغلقت بابها سار يتقدمها بأتجاه المركز وهي تتبعه بصمت ولكن بوجه يحمل كل 
معالم المعارك والصراعات تكاد تنقض عليه وتقتله ولكنه كان هادئاً جداً ولم يكن يبدو مبالياً بالمحاربة 
التي بجانبه.. هو كان يأمر بشيء ويجبرها ان تنفذه بطريقة او بأخرى ولايهمه شيء اخر...
دخلو نحو المركز واول ماتوجهو اليه هو محل للملابس النسائية وبالطبع كانت من الملابس الفاخرة 
التي تجذب عيون النساء حتى وان كن في مصيبة او حتى في معركة..ولكن بالطبع ليس ريم..
بقيت صامتة دون ان تقول شيء او حتى ان تجذب نظرها قطعة مالبس واحدة..اقترب منها وقال:
ـ ألم يعجبك شيء؟..!
نظرت اليه بطرف عينها بسخط ثم ادارت بصرها بعيداً عنه وقالت بتأفأف:لست مهتمة..
ـ لكن علي ِك ان تشتري..
التفتت اليه دفعة واحدة وقالت:
ـ هل هذا اجبار ايضاً؟..!
ـ ليس اجبار..ولكن..اعني..ألا تفعل الفتيات هذا؟..يقمن بتجهيز انفسهن قبل الزواج ويقمن بالتبضع؟..!
ولأول مرة منذ لقائهما يراها تضعف فجأة وتمنحه نظرة غريبة ممزوجة مابين شكوى والم!...نظرة لم 
يفهم سببها الا لاحقا.. رأى الدموع تتجمع فجأة بعينيها وقالت له بصوت ضعيف ينبأ عن وجود غصة في 
حنجرتها:
ـ لكني لست مثل باقي الفتيات....انا دية...ام انك نسيت؟..!
ثم تركته وخرجت من المحل كي لايشاهد بقية دموعها.. راقبها بتأسي من خلال زجاج المحل وهو 
يشاهدها ترفع يدها بين ثانية واخرى نحو وجهها تصارع من اجل ابقاء دموعها داخل مقلتيها... فرغم 
ماتدعيه من برود!..ورغم ماتظهره من قسوة!...ألا انه احس انه بداخل هذه الحجارة الصلدة لاتزال هناك
طفلة مكسورة تنتظر من يساعدها..!!
بقيت ريم خارج المحل ولم تدخل مرة اخرى ولكنه لم يتبعها ألا بعد 15 دقيقة وقد استعان بعاملات المحل 
كي يختارن له الملابس حسب اذواقهن كفتيات بعد ان اشار لهن عبر زجاج المحل لريم ليستنتجن 
قياسها...خرج بعدة اكياس لم تجذب نظرها ولم تبالي بهن..ولكن هذه لم تكن نهاية الرحلة.. توجهو لاحقا
الى محل الأحذية وحرص على دخولها معه ولكنه لم يوجه لها اي حديث كي لايبكيها مرة اخرى وتخرج 
بل جعلها تبقى معه وتابع نظرات عينيها..تابعها بتركيز..هي فتاة..والتبضع بالنسبة لهن مثل ادمان 
المخدارت..!
فمهما اراد المدمن مقاومتها سيضعف في النهاية.....ستجذب نظرها قطعه..وستبقي نظرها عليها مطولا
قبل ان تنتقل ببصرها الى المجاورة..وكل قطعة ابقت ريم عينيها عليهم لمدة تزيد عن الثانيتين كان يشير 
لعامل المحل سراً ان يغلفها لهم كي لا تلاحظه وتتعمد اشاحة نظرها...تفاجأت انه كان واقف بصمت ولكنه 
خرج بخمسة اكياس تحوي عدة احذية لم تعرف اي احذية اختار ومتى فعل ذلك...!!
محل واثنين وثالث استخدم آدم هذه الطريقة الى ان خرج من المركز بمشتريات هائلة ربما لم تكن بحاجة 
الى نصفها..!!جلست في المقعد االمامي تنتظر قدومه بينما يضع المشتريات في صندوق السيارة..دخل من بعدها ونزع 
نظارته ليمسح بمنديله اثار التعرق على وجهه من الحر والإجهاد فهو ليس معتاد على تبضع طويل 
هكذا..تبضع طويل وصامت!!...كان واضحاً بالنسبة لها صوت انفاسه الحادة..التعلم أهو من تعب ام من
غضب..وليست مبالية ان تعرف في الحقيقة ادارت بصرها لجهة يمينها تحدق من نافذتها وعقلها 
لا يرحمها من صدى ذكرياتها مع كل شيء تفعله..
ـ انظر لهذا الفستان هزيم أليس اجمل؟!..ام ان الزهري احلى؟!
ـ ريم..اقسم ل ِك ان الله لم يخلقني فتاة من قبل..
ـ لا تكن لئيم وهيا ساعدني بالاختيار..
فجأة صمت هزيم..انشغل هزيم...دارت الدنيا بهزيم.. وهو يحدق بذهول بتلك موظفة البيع في المول 
تتعرض للتأنيب من مديرة عملها بسبب تأخرها والتجرؤ حتى على رفع بصرها من فوق االرضية 
واصابعها الرقيقة تكاد تتهشم من كثرة توترها وهي تعصرهم ببعضهم ووجها يشبه اشارة المرور 
الحمراء من توهجه بالخجل وبين لحظة واخرى تكاد تبكي رغم ان المديرة لم تكن عصبية جداً انما فقط 
تؤنبها كي التكررها....
قطع مد بصره وقوف ريم امامه فجأة وهي ترفع الفستانين امامه وتقول:
ـ الفساتين من هذا الاتجاه ياسيد..
رفع كفه ودفع ريم من وجهها بمزاح عن طريق بصره ليرى تلك الرقيقة لا تزال واقفة بمكانها بحرج بعد 
ان ذهبت مديرتها فأعادت بخجل بعض خصلات شعرها الذهبية الى الوراء فأمسك هزيم ريم من يدها
فوراً وسحبها بسرعة بأتجاهها وهو مبتسم من دون سبب وريم تهتف به بحنق لسحبها بتلك الطريقة 
هي وفساتينها يكاد يوقعها..واخيراً وقفو امام الموظفة التي رفعت بصرها اليهم بأرتباك من وقوفهم
المفاجئ امامها وبتلك الطريقة الفوضوية...ميسم...كانت قطعة اسمها الصغيرة المعلقة فوق صدرها هي 
الشيء الاول الذي جذب فضول هزيم ليعرفه...
منحتهم ميسمم ابتسامة هادئة وهي تقول:
ـ هل اساعدكما بشيء؟..!
دفع ريم اليها وقال:
ـ اجل لو سمحتي... اريدك ان ترحميني اتوسل الي ِك..
التفتت اليه ريم وهي ترفع حاجب وتنزل اخر بشكل مسرحي.. منذ متى وهزيم يحب التكلم مع الفتيات 
بطريقة مرحة هكذا؟..اتسعت ابتسامة ميسم اكثر وهي تدير بصرها بينهما وتقول:
ـ انتما متشابهين كثيراً..أأنتما اخوة؟..!
سحب هزيم ريم المذهولة في الوسط من كتفها واشار فوق وجهها بسبابته وقال:
ـ بل اسوأ..نحن توأمين...لكن انا اجمل..الجميع يؤكد هذا..دفعته ريم عنها واسندت كفها فوق خصرها وقالت بسخرية:
ـ من الأحمق الذي قال هذا لك؟!
ـ امي..
وضعت ريم يدها فوراً فوق فمها بفزع فأطلق هزيم ضحكة عالية وهو يقول:
ـ سنعود للمنزل واخبرها ان ِك قلتي عنها حمقاء..
ضربته فوق كتفه بحنق وقالت:
ـ انا قلت احمق وليس حمقاء...وثانياً امي تؤكد دائماً انه لايوجد اي اختلاف بيننا ايها الكاذب..
لم يعلق هزيم بشيء على جملة ريم بل ادار بصره فوراً بأتجاه الضحكة الخفيفة التي اطلقتها ميسم على 
شجارهما الطفولي...ثم ادارت بصرها نحو ريم وقالت:
ـ بماذا اساعدك انستي؟!
رفعت ريم الفساتين امامها وقالت:
ـ أيهم تظنيه يالئمني اكثر؟..!
حدقت ميسم بالفستانين قليالً بحيرة فكلاهما كان جميلا ثم قالت اخيراً:
كلاهما سيليق علي ِك بشكل رائع..مثالً الفيروزي سيبرز على جسدك بشكل اجمل لأن ِك صاحبة بشرة 
بيضاء...ولكني افضل ان تختاري الزهري..فأنتي صاحبة وجه طفولي وسيغدو الزهري علي ِك احلى 
قطعت ذكرياتها فجأة وهي تسأل آدم بأقتضاب بينما لاتزال تدير بصرها تتطلع من نافذتها المغلقة
ـ لما احضرتني الى هنا؟..!
التفت اليها بأستغراب بعد هذا السكون الطويل الذي احتل السيارة ثم اعاد بصره نحو الطريق وقال:
ـ لقد اخبرتك بالسبب مسبقاً..
التفتت اليه وقالت:
ـ أيمكنك ان لا تفعل هذا مجدداً؟
ـ ولماذا؟..!
ـ انا ايضاً اخبرتك بالسبب مسبقاً...ودعنا لا نتقمص دور المخطوبين اكثر من اللازم..
تنهد بضيق من عنادها وكبريائها ثم قال:
ـ ان كانو هم قد سلبو حق ِك فليس شرط ان افعل هذا انا ايضاً مع ِك...
تطلعت نحوه بوجه جامد وجبين مقتضب لعدة ثواني ثم قالت:
ـ دور البطل الصالح لا يليق بواحد من اسرة مراد.. لذلك التمثله رجاءاً.. فأنت تبدو مثيراً للسخرية فيه..!
فجأة تحول هذا الممازح اللطيف الى رجل جاد.. رجل يختلف تماماً عمن قابلته قبل ساعات..اوقف 
السيارة بشكل مفاجئ وقال وملامحه طغت عليها البرود والأستياء:
ـ ريم.. دعيني اوضح ل ِك بعض االشياء دامنا لانزال في البداية بدل ان تأخذ ِك مخيلت ِك نحو استنتاجات 
سخيفة!!..أولا...انا لااطالبك بالحب..ولااطالبك ان تتعاملي معي كزوجة ولااطالبك بأي شيء...لذلك 
لا تدعيني اغير رأي واعاملك كـدية فعلًا..
ثم زاد من اقتضاب جبينه وقال وهو يشدد على كل حرف من حروفه :
ـ وثانياً..انا لاافعل هذا كي انال رضا ِك..فكلانا يعلم ان مشاعر الرضا والمودة من المستحيل ان تجمع بين 
اثنين احدهما ينتمي لأسرة مراد والآخر لأسرة ياسين!...نعم انا لست مجبوراً على فعل هذا..ونعم لن 
يحاسبني احد ان لم افعله...ولكن هذا لن يغير واقع انه ومنذ يومين انتي اصبحتي من مسؤوليتي...وانا 
لاأتهاون بمسؤولياتي ابداً....!!
وقبل ان يترك لها فرصة للأجابة اشاح وجهه عنها خاتماً بهذا حديثهما وشغل السيارة
وانطلق بها بسرعة بينما هي اعادت وجهها مرة اخرى نحو نافذتها لتستغرق بذكرياتها بعيداً عنه...
دقائق قليلة ووصلو نحو المنزل..وبالطبع وبكل برود فتحت بابها ونزلت من دون توديعه او حتى ان 
تكلف نفسه انزال اكياس المشتريات بل تركت هذه المهمة له وللخادمة التي اتت مسرعة وهي تشاهده 
يحمل هذا العدد من االكياس...
صعدت نحو غرفتها بسرعة والقت بحقيبتها بعصبية فوق طاولة تزيينها وتناولت علبة المهدئات 
وابتلعت قرصين منها وارتمت فوق سريرها تبعد نفسها كالعادة عن واقعها المشؤوم..!!
لم تستيقظ الا بعد ان نزل الظلام واقترب وقت العشاء..قامت بتكاسل نحو حقيبتها وسحبت هاتفها لتجد 
رسالة من رقم مجهول:
"غداً سأمر علي ِك في الثامنة والنصف صباحاً فتجهزي...آدم.."
ولولا انها تحرص على الاحتفاظ بشدة على هاتفها هذا لأنه يحتوي على رسائل هزيم لكان ضحية الأن 
لغضبها ولهشمته قطعاً صغيرة!!...ولكن طاولة تزيينها كانت هي ضحية هذا الغضب فأرتمت كل ادواتها 
ارضاً من ضربتها القوية التي منحتها لهن..وبالطبع قرص مهدئ اخر قد اخذته لتعود نحو سريرها
لترتخي اعصابها حتى وان لم تنم...ولكنها نامت بسهولة مرة اخرى..!!
استيقظت بحدود العاشرة على اصابع رقيقة تداعب وجهها...فتحت عينيها بأبتسامة وهي تعرف من 
ستشاهد..حملته دفعة واحدة من فوق الارض وانامته بجوارها وبدأت بدغدغته واغداق وابل من القبل فوق وجنتيه وهو يطلق ضحكاته الطفولية التي تعشقها قالت بعد ان منحته وقت استراحة قصير ليهدأ 
من ضحكاته:
ـ لما لاتزال مستيقظاً ايها الشقي؟..!
قبّلها سامي برقة من خدها وقال:
ـ جئت اتمنى ل ِك ليلة سعيدة عمتي..
ضحكت وهي تعانقه اكثر وقالت:
ـ انت الوحيد في العالم الذي توقظ احدهم من نومه لتقول له تصبح على خير..
دخلت ميسم في هذه الأثناء بأبتسامة احراج وجلست على حافة سريرها وقالت:
ـ اسفة عزيزتي..ولكن تعرفين طبع سامي العنيد!.. لم يرضى النوم مالم يأتي الي ِك أولا..
قبّلته ريم من رأسه واستنشقت عبق خصلات شعره الزكية وهي تقول:
ـ هو الوحيد المسموح له بأي وقت ان يوقظني..كم امير لدي انا؟..!
فقالت ميسم فوراً بأبتسامة حماسية:
ـ بالمناسبة..ملابسك واحذيتك رائعة..!!
التفت ريم اليها دفعة واحدة وقد اختفت الابتسامة من وجهها فجأة فقالت ميسم فوراً:
ـ اسفة...لم نقصد فتحها اقسم ل ِك..ولكن تعرفين فضولنا انا ونسرين...
جلست ريم وهي لاتزال تدثر نصف جسدها بالغطاء واعادت شعرها المبعثر كله بحركة واحدة الى الوراء 
ثم قالت:
ـ ليس من اجل هذا عزيزتي..انتي فقط قد ذكرتني..!
مدت ميسم يدها بهدوء وقبضت على اناملها برقة وقالت بأبتسامة:
ـ الاحد يكره اسرة مراد اكثر مني...ولكن هذا الشاب سيكون زوجك ياعزيزتي...حاولي ان تكوني اكثر 
تفاهم معه بدل ان تنقلب حياتك الى كتلة من المشاكل وتسوء اكثر مماهي سيئة..ومن يدري..قد يكون 
شاب لطيف عكس اسرته..!!
فقالت ريم بحدة:
ـ وان كان لطيف ياميسم؟!..أتريديني ان احبه مثلًا؟..!
ثم هتفت بها بعصبية وهي تكمل:
ـ انه من اسرة مراد ياميسم ام ان ِك نسيتي من هم اسرة مراد؟..!
سحبتها ميسم بأتجاهها بهدوء وعانقتها..فهي تعرف ريم جيداً.. فخلف كل عصبية ضعف..وخلف كل 
دموع احتياج.. وخلف كل شجار استغاثة...شيء اليفهمه اي احد عن ريم فنبذوها بعيداً بسبب اسلوبها 
ولم يقف احد بجانبها بالوقت الذي احتاجت فيه الى الجميع وقررو تجنب غضبها دون ان يعلمو ان هذا 
توسل ألي مساعدة..!
منذ وفاته لم تعد تثق بأحد وقررت ان التعتمد على احد او تظهر ضعفها امام اي شخص..ولكن ميسم هي 
الوحيدة من كانت شبه متفاهمة معها..وريم كانت تراها العطر الوحيد الذي لايزال عالق بالحاضر من 
ماضي هزيم... تشبهه نوعاً ما وبيضاء القلب مثله...و لا تفضل احد على ريم مثل ما كان يفعل..!!
سمحت ريم لدموعها ان تنساب بين يدي ميسم فأشارت ميسم لسامي بلطف ان يذهب ليلعب مع هيلين 
بدل ان يرى عمته بهذه الحالة..
اول ماخرج سامي قالت ريم بنحيب:
ـ لا اريد ان اتزوج بهذه الطريقة ياميسم...انا لا احبه.. لا أطيق النظر في وجهه..كلما رأيته فأني اراه قاتلا
حتى وان لم يكن هو من قتل اخي...كيف سأعيش معه؟..كيف سأذهب لتك االسرة وانا لااطيق سماع 
اسمهم..كيف سأتحمل الجحيم ياميسم؟..!
مسحت ميسم برفق فوق شعر ريم وقالت:البأس علي ِك حبيبتي....البأس...كل شيء سيكون بخير..وااليام ستتغير يوم بعد يوم والحياة ستكون 
افضل... وسنكتشف ان كل هذه المعاناة هي مقدمة لبداية جديدة..وامل جديد...فقط كوني اقوى...!!
كلاهما يعلم ان الحياة لن تتغير على الإطلاق وان الغد لن يكون اجمل..وان كل شيء لن يكون 
بخير..ولكن هذا العالم كان كالحقنة المهدئة الني تجعل الحياة تستمر لمدة اطول قليلا...لنشعر انه لايزال 
هناك انسان بداخلنا لم يمت بعد...!!
نزل الليل بظلامه ووحشته عليهم..غط الجميع بنوم عميق عداها..فبعد الساعات الطويلة التي نامتها من 
المستحيل ان يقترب النوم من عينيها حتى وان اخذت علبة المهدئات كلها...نزلت نحو المطبخ لتعد لها 
بعض الطعام فهي لم تأكل شيئاً منذ الصباح فأكتفت بشطيرة باردة كانت متروكة في الثالجة...حدقت 
حولها..حدقت بدموع...هنا جلست معه..هنا مزحو..ذلك خياله يمر..ذاك صدى ضحكاته...سينتشلونها
جبراً من وسط كل هذه الذكريات بعد اسبوع واحدة و
يبعدوها عنه للابد..!!
ـ امي انظري الي...امي انا لاازال حية...انا لم أمت بعد
جملة صدحت في عقلها من ماضي الايام القاسية.. عن امها التي لم تنظر اليها بعد وفاة اخيها مدة سنة 
كاملة كي الترى وجهه في شكلها..عن ابيها الذي انعزل دائماً وسط عمله ليجبر نفسه على النسيان
والتماسك دون ان يفكر بأبنته وتهشمها وهو يعلم بمدى ارتباطها بأخيها..واختها التي انشغلت
بأسرتها..وميسم التي احتاجت بدورها الى من يقف بجانبها مثلها ..وهي..لم تجد من تلتجأ اليه فالتجأت 
الى الانعزال.. وابتعدت عن الواقع وادمنت المهدئات.. ودمرت نفسها ببطئ...واصبحت باردة 
المشاعر..قاسية.. كثيرة البكاء...ميتة بجسد لايزال حي...!!
والأن يطلبون منها التماسك اكثر...اي تماسك هذا الذي لاتزال تملكه؟!...والى متى ستتحمل؟!..وكيف هي 
طبيعة الايام القادمة التي يحملها اليها القدر مع ذلك الـ آدم الذي كان واضحاً انه معقد التركيب ولا يمكن 
فهم تصرفاته بسهولة..!!
بدأ الظلام ينقشع والنور يبرز نفسه بفخر من بين غيوم الليل المجتمعة فأنسدلت عيون ريم بنوم اليقترب
منها الا وقت الفجر بعد ان تأخذ بعض حبوب المهدئ بالطبع..!!
لم تكلف نفسها بضبط منبه هاتفها لموعد لم تكن تهتم به من البداية فكانت النتيجة ان يحضر آدم الى 
المنزل ليجدها تغط بنوم عميق والاحد من اسرتها يعلم بأمر موعدهم ليوقظوها مسبقاً فأستقبلته والدتها
في الصالة واشارت لنسرين ان تذهب لتوقظها فوراً دخلت نسرين بسرعة الى غرفتها وهزتها بقوة من 
كتفها ففتحت ريم عينيها بتثاقل والتفت اليها وقالت بنبرة جافة:
ـ ماذا هناك؟..!
قالت نسرين بلوم:ـ أال تعلمين ان آدم قادم؟..!
ـ من؟..!
ابعدت نسرين الغطاء عنها دفعة واحدة وهتفت بها بعصبية:
ـ قومي ايتها المهملة انه ينتظر في الصالة ويبدو انه انزعج لأنه لم يجد ِك جاهزة ولا تزالين تغطين 
بنومك غير مبالية بموعدكما..!!
مسحت ريم وجهها بتأفف لتتنشط قليلا وتبعد اثار الدواء عنها وقامت لتكون كالعادة الابنة المطيعة التي 
تسمح للجميع بالتحكم بها..!!
نزلت نسرين وانضمت ألمها وآدم في الصالة بعد ان قدمت له بلقيس فنجان قهوة تشغله به قليلا بينما 
تنزل ريم وشعرت باحراج شديد وهي تراه بين ثانية واخرى يتطلع في ساعته فكان واضحاً ان لديه
موعداً سوف يتأخر عليه..قالت بلقيس فوراً موجهة حديثها لنسرين
ـ عزيزتي..هل تأكدتي من استيقاظها؟..
تأففت نسرين بضيق وأحراج لا يقل عن أحراج امها وقالت:
ـ اجل..ستنزل الأن..
فأشترك آدم بالموضوع قائالً:
ـ ألم تقرأ رسالتي البارحة؟..لقد كنت حريصاً على وصولها..
فأجابته نسرين من دون ان تدرك سوء جملتها:
ـ بالتأكيد قد قرأتها ولكنها تنسى نفسها بالنوم بسبب ذلك السم الذي..
وفجأة قطعت حديثها بنحنحة من والدتها وهي تجحظ لها بعينيها تحذرها بأن تنتبه لكالمها فصمتت 
نسرين فوراً بدل ان يزل لسانها اكثر..ولكن الصمت لم يحتل عقل آدم بل اصابته نسرين بالتشوش
والضوضاء!...هناك سر ما بخصوص تلك االميرة الصامتة لم يكتشفه بعد..!
نزلت بعد15 دقيقة بعد ان استحمت بسرعة وغيرت مالبسها..قام من مكانه بجبين مقتضب وودع بلقيس 
ونسرين وسار خارجاً غير مبالياً بألقاء التحية عليها ولا حتى هي فعلت ذلك او حتى كلفت نفسها لتلقيها 
على امها واختها...
اول ماخرج آدم وريم دخلت ميسم الى الصالة وكان يبدو عليها التجهم واول ماجلست قالت:
ـ هل ستكثر زيارة ابن اسرة مراد الينا؟..!
رمقتها بلقيس بنظرة عطف وهي تجيب:
  1. يبدو ان لديه عمل مع ريم..
    ثم اكملت حديثها بعطف اكبر:
    ـ اعلم ان الأمر صعب علي ِك عزيزتي..انه كذلك بالنسبة لنا جميعاً..ولكن علينا ان نكون لطفاء معه
    ونستقبله من اجل ريم..فبالنهاية هو سيكون زوجها ونحاول ان نكسبه لعله يسعدها..ولعله يكون مختلفاً
    عن اسرته واليؤذيها..
    ثم التفتت بحدة نحو نسرين واكملت:
    ـ وليس ان نخبره ان ابنتنا لم تستيقظ باكراً بسبب ادمانها على المهدئات التي تبقيها نائمة طوال
    الوقت...
    تأفأفت نسرين بضيق وهي تقول:
    ـ وماادراني امي لقد زل لساني..وثانياً هو سيكتشف االمر عاجلا ام اجلًا بعد ان تتزوجه..
    مطت بلقيس شفتيها بأقتضاب ثم تركتهم وقامت نحو المطبخ وبعد دقائق قليلة قامت نسرين لتتفقد
    الأطفال بينما بقيت ميسم وحدها...تحدق بعمق من خالل نافذة الصالة لتسحبها ذكرياتها لسنين
    مضت...سنين كانت ايام فيها الحياة لاتزال جميلة..!!
    ـ مرحباً..
    التفتت ميسم بتفاجئ فقلما تسمع صوت رجولي داخل محل للملابس النسائية..تبسمت بهدوء وهي تقول:
    ـ اوه اهلا...انت ذلك التوأم صحيح؟..!
    رفع هزيم حاجباً وانزل اخر بشكل مضحك وهو يقول:
    ـ ذلك التوأم؟!..هذا اكثر الأوصاف دقة سمعته بحياتي..
    ثم اكمل فوراً:
    ـ انا هزيم..
    ـ اهلًا سيد هزيم..هل اساعدك بشيء؟..!
    ضيق مابين عينيه يدعي التفكير العميق ثم قال:
    ـ اظن ان الفيروزي كان سيكون مناسباً اكثر فهذا سيجعلها تبدو شابة ناضجة بدل من طفلة..
    ـ عفواً؟..!
    ـ انا اتحدث عن الفستان الذي اشترته اختي البارحة.. ألن يكون الفيروزي افضل؟..!
    أذ كنت تريد اعادته فالبأس سيدي سأستبدله لك..
    ـ ال..الاريد اعادته انها سعيدة جداً به..
    فقالت بأستغراب:
    ـ وان كانت هي سعيدة به..مامشكلتك انت بالضبط؟..!
    رفع كتفيه بشكل طفولي وقال:
    ـ انا ابدي رأي فحسب..
    رفعت حاجبيها مدعية االقتناع وهي تقول:
    ـ أها...ولكن ألن يكون افضل لو انك ابديت رأيك هذا لأختك؟..فبالنهاية هي صاحبة الفستان..!
    حدق في وجهها بكل غباء..سؤال لم يحضر جوابه مسبقاً... فتبسم واومئ برأسه موافقاً وهو يقول:
    ـ اظنك محقة..سوف اخبرها..
    كتمت ابتسامتها وهي تقول:
    ـ اجل..اظن ان هذا افضل
  2. ولكن هذا لم يكن اليوم الأخير لظهوره امامها في المتجر فجأة... بل تلتها ايام وايام عديدة كل يوم يتعذر
    لها بعذر كي يتحدث معها لأطول فترة ممكنة..اليوم اتى ليعرف صناعة الفستان الوردي وغداً يريد معرفة
    صناعة الفستان الفيروزي واليوم الذي تلاه يسألها عما أذ كان من الأفضل ان يشتري لها الفستان
    الفيروزي...وهكذا..!!
    اتى اليوم السابع وظهر هزيم امامها مجدداً فوضعت مابين يديها جانباً فوراً وكزت على اسنانها بحنق
    وهي تهمس له كي اليسمعهما احد فوراً من قبل ان يتكلم حتى:
    ـ سيد هزيم...الفستان الفيروزي والفستان الزهري كلاهما جيدان وكلاهما من الماركة ذاتها اي مصيبة
    هذه التي جعلتني ابدي رأي في فستان اختك انا كان من المفترض ان اغلق فمي وادع الاختيار لكما...انه
    مجرد فستان ياسيد هزيم مجرد فستان! لا يحتاج الى هذا القدر من التدقيق والتساؤل..لذلك ارجوك كف
    عن القدوم الى هنا دون ان تشتري شيئاً وإلا ستظن مديرتي اني اقصر في عملي وتتهمني انك تأتي من
    اجلي..
    كتف يديه امام صدره وتبسم قائلا:
    ـ ستكون محقة تماماً في اتهامها..!!
    ـ عفواً؟..!
    سحب فستان من دون ان ينظر اليه حتى وقال:
    ـ سأشتري هذا..هكذا لن يبقى ل ِك ولمديرتك اي عذر..!
    سحبت منه الفستان بعصبية وذهبت لتضعه له في الكيس...
    وها هو يوم اخر يحل دون ان يتعب هزيم نفسه في التفكير ليتعذر بعذر ما فهو قد وجده البارحة..اصبح
    يأتي كل يوم كي يشتري فستان جديد... ريم سعيدة بالفساتين اليومية الجديدة التي يحضرها لها هزيم...
    ومديرة المتجر سعيدة بهذا المشتري الذي يدر عليها الأموال بقدوم يومي..ولكن ميسم كانت مستاءة
    بكيمة الأموال التي يبذرها فقط من اجل رؤيتها..حان اليوم الثامن عشر ودخل هزيم كالعادة الى المتجر
    واصبحن الموظفات يعرفنه ويدركن جيداً لمن هو قادم ويبدأ التهامس ونظرات الحسد والضحك على
    ميسم التي وجدت الأمر مزعجاً حقاً فهي فتاة جادة وتكره هذه الأساليب..!
    اقترب من صندوق الدفع حيث تقف هي ولكن قبل وصوله قامت بالإشارة لأحدى زميالتها ان تأتي لتبادل
    الاماكن معها..وصلت الأخرى لتستقبل هزيم ولكنه فاجئها وهو يقول بوجه مقتضب:
    ـ من فضل ِك نادي للأنسة ميسم..فأنا معتاد على الشراء منها..
    تبسمت البائعة بعملية وهي تقول:
    ـ الأمر سيان ياسيدي ولا يوجد مشكلة وكذلك الأمر لا يحتاج الى اختصاصية يمكنني تدبر الأمر..
    أستنادين الأنسة ميسم ام تفضلين ان تنادي المديرة لأتفاهم معها؟..!
    ازدردت البائعة ريقها بخوف فال هي ولا اي واحدة غيرها من الموظفات تود ان تدخل في مشكلة مع
    المديرة ويتم اتهامها بالتقصير مع الزبائن لاسيما زبائن اثرياء مثل هزيم لأن مصيرها سيكون الطرد..
    ـ انتظر قليلا ياسيدي لأرى مايمكنني فعله..
    تبسم وهو يلاحظ الموظفة تتوسل ميسم من اجل ان تعود لمكانها ويبدو ان الأخرى ترفض ذلك بشدة
    ولكنها اخيراً رضخت واتت ولكن بملامح مستاءة وبصر لا ترفعه اليه ابداً.. ولكن رغم هذا كان ينظر اليها
    بأبتسامة ويركز بتفاصيل وجهها الجميلة وهي تقوم بضبط سعر الفستان وقدمته بورقة له وقالت:
    ـ تفضل سيدي هذا هو السعر..
    تعمد ان يقدم لها بطاقته االئتمانية كي يبقى فترة اطول بينما تقوم بتسجيلها على الألة واعادتها له مرة
    اخرى..اخذ البطاقة منها وسحب كيس الفستان وخرج دون ان يتكلم معها ولو حرفاً واحداً مما دفعها ان
    ترفع بصرها اليه بدهشة بعد ان استدار لفقدانه عنصر الثرثرة هذا اليوم ومزاحه المعتاد معها...لو لم
    يشأ ان يتحدث فلما أصر على قدومها هي وليس غيرها؟..!
    هذا اول شيء فيه جعلها تفكر به لوقت طويل حتى بعد ان عادت الى المنزل..وهذا بالضبط مااراده...!!
    اتى اليوم التالي ولكن من دون هزيم..كانت تراقب الباب كل دقيقة متوقعة دخوله بين لحظة
    واخرى..ولكنه لم يظهر ايضاً..
    غريب هذا الهزيم حقاً(..
    قطع ذكرياتها صوت ضحكات نسرين وهي تهرب من الأطفال وهم يرشقونها بالماء..ظلت تراقبهم
    بأبتسامة من خلال نافذة الصالة المطلة على الحديقة..تشاهد هزيم جديد يكبر امام عينيها كل يوم..فذلك
    الصغير نسخة عنه في كل شيء..في شكله..في مزاحه.. في مشاكساته ولكنه لن يشبه هزيم ابداً في
    عشقه لها..فلن يستطيع احد ان يحبها كما كان هزيم يفعل مهما بلغ حب ابنها لها..!!

هناك 191 تعليقًا:

  1. الفصل الرابع
    ريم كانت كالعادة تجلس بصمت بجوار مقعد آدم دون حتى ان تسأله عن وجهتهما..قطعه هذه المرة هو
    قائلا بتساؤل:
    ـ ألم تصل ِك رسالتي البارحة؟..!
    اجابت بأختصار واقتضاب:
    ـ وصلت..
    ـ ولما لم تستيقظي مبكراً؟
    ـ استغرقت بالنوم..
    ـ لهذا السبب الشخص يقوم بضبط المنبه عندما يكون لديه موعد مهم كي لا يستغرق بالنوم..
    اجابته بنبرة ذات معنى:
    ـ اجل...)عندما(..ولكني لم اجده موعداً مهماً جداً كي استيقظ من اجله مبكراً..
    ضغط على الفرامل فجأة فأنحنى جسدها للأمام وهي تتمسك بالباب كي لا يرتطم وجهها بينما جسده
    الصلب بقي ثابتاً دون ان يتحرك بمقدار سنتمتر واحد..!!
    التفتت اليه بحدة وهي توشك على تبادل إطلاق النيران معه..كانت متوقعة ان يلتفت اليها ويبدأ بالشجار
    فتحفزت كل خلية بداخلها لهذه المعركة!....ولكنه لم يفعل!!...كان لايزال يركز بصره امامه على الطريق
    مقتضب الجبين بأستياء وبعينين ناريتين..منظر اخرس فمها فوراً دون ان تقول كلمة واحدة..فهذا
    اللطيف يتحول بين لحظة واخرى الى انسان جاد ومخيف فوراً.. ثواني قليلة تحكم فيها بغضبه وسيطر
    على انفعالاته كي لا ينفجر بوجهها ويواجه اجوبتها المستفزة...فعليها ان تلاحظ انها ليست الوحيدة
    المجبرة على الزواج فهو ايضاً كذلك ..!!
    دعس على البنزين مرة اخرى وانطلق بالسيارة بسرعة فوراً من دون ان يعلق بشيء على
    كلامها...ولكن رده وصل بطريقة ما من منظره هذا...!!
    استعدلت بجلستها مجدداً ولم تقل شيئاً اخر هي ايضاً..فغاية استفزازه قد حققتها وليست مضطرة ان
    تكمل..!
    دقائق اخرى ووجدت السيارة تقف امام بناية المحكمة فأستنتجت موعدهم من اجل ماذا..
    تأفأفت بضيق وهي تنزل من السيارة تتبعه بصمتها المعتاد..اليوم سيصبح زواجهما قانونياً.. ستكون
    زوجة آدم مراد رسمياً وسينقطع اخر امل بفرصة نجاتها من "الإعدام..."
    اوقف سيارته على الجانب االخر وعبرو الشارع معاً ودخلو نحو المحكمة متجهين فوراً نحو الغرفة
    المطلوبة..ولكن لسوء الحظ كان هناك عطل مؤقت في الحاسوب الذي سيجدولون فيه معلوماتهم
    فأضطرو لألنتظار قليالً خارج الغرفة بينما يتم االمر..
    كانت تقف بتململ تضع يديها خلف ظهرها وتستند الى الجدار بجسدها ورأسها وكأنها تود اكمال نومها
    الذي قطعوه عليها وعلى ما يبدو ان مفعول الدواء لم يزل بشكل كامل بعد مما سبب لها صداع حاد..اما
    هو فكان يقف على اهبة الاستعداد يرتكز بيديه فوق خاصرته وينظر بين لحظة واخرى نحو
    ساعته..رمقها كالمعتاد بنظرة سريعة..تلك النظرة التي يمنحها لها كل ثالث ثواني دون ان يمل وهو
    يحدق في وجهها...ولكن هذه المرة اعاد بصره يحدق فيها مطوالً بعد تلك النظرة الخاطفة... لمح عينين
    حزينتين..تحدقان بعمق..تنظران بتألم.. وبتمني....تمني المستحيل!!...تتبع نظرها فوجدها تحدق في
    شاب وفتاة يقفان امامها وينتظران معهما من اجل تأكيد زواجهما قانونياً..ولكن ليس مثلهما..لا تفصلهما
    فواصل..ولا يقتلهما الواقع..كانا يبدوان في قمة السعادة ويديهما متعانقة ولا يملان من الحديث والضحك
    مع بعضهما لسبب او لدونه فمقدار السعادة التي هما فيها لايحتاجان لسبب كي يبتسما...!!
    عاد ببصره اليها مشفق على حالها..فكل فتاة تتمنى ان تعش قصة حب..ان تتزوج بطريقة مثالية..ان
    تتصرف كما تتصرف هذه الفتاة التي امامهما الان..ولكن ريم حرمت من كل هذا..من فستان ابيض
    جلست سنين تتخيل كيف سيكون..من زوج عاشت معه قصة حب رائعة قبل ان يرتبطا..من زفاف سيجلس المدعوين لأشهر يتحدثون عن روعته...ولكن في النهاية واقعها قدم لها عكس ماتخيلت
    تماماً...!
    ادارت بصرها اليه فوجدته يحدق فيها بنظرة التأسي والشفقة تلك فقطبت حاجبيها فوراً مدعية التماسك
    واشاحت وجهها الناحية الأخرى..فأخر ماتحتاج اليه الأن هو شفقة احدهم!..لاسيما شفقته هو!!...وقف
    بجانبها حارصاً على عدم الاقتراب كثيراً وارجع يديه للخلف مثلها مستنداً عليهما على الجدار..وقال
    بهمس لا يسمعه سواها:
    ـ لربما...لو اننا تقابلنا في ظروف مختلفة..لربما..
    قاطعت حديثه فوراً بنبرة مقتضبة:
    ـ لا...مهما كانت الظروف التي كانت ستجمعنا لما كان سيكون هناك "ربما"...فأنت حفيد مراد وانا حفيدة
    ياسين.. هذا سبب كافي ليجعلنا نكره بعضنا..
    ـ قد لا أكون احبك..ولكن كونك حفيدة ياسين ليس سبباً ليجعلني اكرهك...فأنا لن احمل احد خطأ غيره
    وليس ذنب ِك انك تنتمين لهذه الأسرة..أليس بمقدور ِك ان تفعلي الشيء ذاته معي؟..وانا قد اخبرتك مسبقاً
    انا لاأطالبك بالحب ولكن اريد ان نكون اكثر تفاهم مع بعضنا بدل اسلوب المعارك هذا..
    التفت اليها وشاهد مدى الغضب والحقد في عينيها وهي تقول:

    ردحذف
    الردود
    1. يا لبشاعة الخط والسرد فى الاجزاء السابقة, لم افهم اى شئ وعندما استشعر بالقصة الدرامية اجد سطر لا يشبة الاسطر التى تسبقة والكتابة الاملائية بها اخطاء فادحة

      حذف
  2. بالطبع سيكون سهلا عليك ان التكرهني..فأسرتي لم تقتل لك عزيزاً كما فعلت اسرتك لي...أيمكنك ان
    تظل ثابتاً على رأيك لو اسرتي فعلت بك شيئاً كهذا؟!.. أكنت ستعطي لنفسك فرصة كي تحبني؟..!
    فجأة وجدت ملامح الهدوء والعطف تنسحب من وجهه ليحتل الاقتضاب والغضب محلها دون ان تفهم
    سبب هذا التحول المفاجئ فكلامها منطقي ولم تتجاوز عليه بشيء..قطب حاجبيه واشاح وجهه الجهة
    الأخرى فأعتلت ابتسامة ساخرة لاوية فمها وهي تقول:
    ـ اراك صمت ايها البطل المتسامح..أكنت ستفعل؟!.. بالطبع كنت ستقول هذا فالكلام سهلا جداً..ولكن
    عندما يموت عزيز لك والقاتل من اسرتي فأني اتحداك ان تنظر بوجهي بعطف او برحمة..بل سأكون اكثر
    شخص تكرهه في العالم وستود لو انك تقتلني في كل لحظة تراني فيها لأني احمل دماء تلك الأسرة..وهذا
    هو شعوري بالضبط اتجاهك...لذلك لا تتفاخر لي بتسامحك وانت لم تمر بما مررت به انا..!!
    فجأة وجدته يلتفت اليها بحدة وبعيون جاحظة ويقول بغضب لم يكن له داعي كما كانت ترى:
    ـ ريم!..اغلقي فم ِك لو سمحتي ولنختم هذا النقاش..
    رفعت حاجبها بثقة وقالت مبتسمة:
    ـ بالطبع سنختم هذا النقاش..فلن يعجبك ان تكون المخطئ في النهاية.
    اعتلت ابتسامة مستهزئة فمه لم تفهم سببها ايضاً واشاح وجهه بعيداً عنها مرة اخرى ولكن احياناً
    للعيون لغة اخرى...ولو انها حدقت في عينيه مطوالً..او انها فقط اكتشفت ذلك الألم الذي يخفيه خلف
    غضبه...لتغير كل شيء..!!
    مضى وقت كان قصيراً لأحدهما وطويلا للأخر انهيا فيه اجراءات المحكمة وخرجا..كان عقلها كالعادة في
    مكان اخر تتبعه بصمت وبعيون تنزلهما ارضاً..تقدمت الخطوة االولى لتعبر الشارع ولكن فجأة ومن دون
    ان تدرك ماحصل وجدت يد آدم تلتف حول خصرها وتسحبها للوراء وريح سريعة تمر من امامها يتبعها
    صوت بوق قوي..لحظات قليلة بين يدي آدم لم تستوعب ماحصل.. بوق..رياح..سرعة...انها سيارة كادت
    ان تدهسها...!!
    ولكن ليس هذا ماشل حركتها....بل تلك اليدان التي تحوطانها...تلك الضربات القوية التي تستشعرها تحت
    يديها التي تستكين فوق قفصه الصدري....أهي نبضات قلبه ام طبول حرب؟... انها سريعة وقوية كأنها
    حوافر خيول تتسابق!... لا...بل انها كضربات قلبها عيناه... انها المرة التي تلاحظ انه يملك عيون
    فيروزية... عيون بهذا الجمال...!!!
    وفجأة استعادت رشدها بعد ان مرت عليهما عدة ثواني لا يفعلان فيها شيء سوى التحديق بعيون
    بعضهما بصدمة غير مستوعبين مايحصل لهما عندها دفعته من صدره بعنف وصرخت بوجهه بعصبية:
    ـ هل فقدت عقلك؟..!
    قطب حاجبيه ببلاهة وقال:
    ـ عفواً؟..!
    ـ كيف تسمح لنفسك ان تمسكني؟..!
    فأشار بيده نحو الشارع بغضب وهتف بها بنفس العصبية:
    ـ هل انتي مجنونة؟!..كادت السيارة ان تدهسك..!!
    اقتربت منه خطوة وهي تكز على اسنانها بكل كره وتجحظ بعينيها قائلة:
    ـ ان تدهسني السيارة ارحم من ان تلمسني انت..!!
    حدق في وجهها بدهشة..او باالصح ببلاهة...أهي جادة في ماتقوله؟!..هل الموت لديها اهون من ان
    يكون هو منقذها؟..!
    ولكنه حاول قدر االمكان ان يحافظ على تماسك اعصابه امام تصرفاتها المهينة ولسانها السليط فأستدار
    بصمت واراد عبور الشارع نحو السيارة ولكنها قالت فجأة:
    ـ اياك ان تمد يديك القذرتين علي مجدداً...!!

    ردحذف
  3. حسناً...هذه اهانة لا يمكنه ان يتحملها فقد تحمل منها مافيه الكفاية!!...وقف لثواني يدير ظهره اليها
    يحاول بشتى الطرق ان يهدأ ولكنه فشل!!.. وفجأة استدار لها بحدة وسحبها من يدها بعنف غير مبالياً
    بأعتراضاتها وهتافاتها او محاولاتها الفاشلة بنزع يدها من بين قبضته القاسية..!
    عبرا الشارع ووصلا نحو السيارة فدفعها مسنداً ظهرها على باب المقعد الامامي دون ان يفلت يده وقال
    وهو يكز على اسنانه بغيظ:
    ـ ريم!...هذه هي المرة الأولى والأخيرة التي سأتغاضى فيها عن كلامك الوقح معي..لذلك من الأفضل ل ِك
    ان لا تستفزيني..!!
    فقالت مستهزئة:
    ـ ولماذا؟...هل ستنفصل عني مثال؟!..ياليتك تفعل هذا..!!
    هزها من يدها بعنف وقال:
    ـ اجل..سأنفصل عن ِك...ولكن انفصالي عن ِك هو اخر شيء سترغبين به...أتعلمين لماذا؟..!
    قطبت حاحبيها بأستغراب وهي تحدق به من دون تعليق فأكمل: ارتباطي ب ِك هو انقاذ ل ِك ايتها الغبية!..فأنا لم اعشق عينيك الزرقاء لكي اوافق على زواج كهذا بعد ان
    رفضت نصف الفتيات التي اختارتهم عائلتي لي...ولكن ارتباطي بك كان توسلًا من جدتي بعد ان اشفقنا
    على حالك انا وهي وقررنا ان يكون انا من يرتبط ب ِك..
    ـ عن ماذا تتحدث انت؟..!
    ـ أكن ِت تعلمين من قد قرر جدي ان ترتبطي به ايتها الذكية؟!...لم يكن انا..ولو عرضو علي الأمر لم اكن
    سأوافق ابداً..
    ثم اشار نحوها بذقنه مستهزئاً:
    ـ فأنتي لاتتناسبين ابداً مع المواصفات التي اريدها..
    وجد وجهها يحمر بغضب اكثر..فالفتاة لن تتقبل نقد كهذا حتى لو كان صادراً من شخص اليجذب
    اهتمامها.. اكمل ادم وهو يعصر يدها اكثر دون حتى ان تبدي اياً من مالمح الألم فعقلها كان يستقبل
    كلامه فقط دون ان يستقبل استغاثة خلاياها العصبية الأخرى:
    ـ كان ابن عمي حمزة...شاب لاتتوفر فيه اياً من الصفات التي تتمناها اي فتاة..بالإضافة الى حماقته
    والأسوأ لايمتلك اي شهادة..أتظنينه كان سيتحمل عنادك ووقاحتك هذه ؟ولااظن ايضاً ان خدك الناعم
    الرقيق كان سيتحمل قسوة صفعاته...لذلك ايتها الأميرة الحسناء ايا ِك ان تستفزيني مجدداً..ألنك ان كنت تخططين لجعلي افكر باالنفصال عنك فأنتي قد نجحتي بهذا..لذلك توقفي عند هذا الحد بدل ان اتخذ القرار
    النهائي واخبرهم اني لااريد الارتباط ب ِك فيجعلو ِك دية لحمزة...
    لم تتكلم...لم تصرخ بوجهه..لم تجحظ بعينيها...بل انه حتى لاحظ ضعف جسدها واسترخائه من تقلصاته
    وهو يقبض على يدها وشعر ان ثورتها قد هدأت فجأة..ولكن ليس بأقتناع..بل بأنكسار....!!
    سحبت يدها بهدوء من بين اصابعه وانزلت ابصارها للأسفل من دون ان تنطق بشيء وسارت مبتعدة
    عن السيارة بخطوات ضعيفة تتبعها هزيمتها وخذالنها..!!
    حدق فيها ببالهة واستغراب وهي تبتعد ثم سار خلفها فوراً وامسكها من عضدها وادارها اليه..انفرجت
    شفتاه واقتضب جبينه يكاد يهتف بها بعصبية يسألها اين تظن نفسها ذاهبة...ولكن دموعها الصامتة
    اخرسته.. وعينيها الالمعة سحرته وبددت كل معالم غضبه...لم يقع بغرام عينيها الزرقاء؟!..يا له من
    كاذب بارع..!!
    ابعد يده ببطئ من فوق عضدها ووجد نبرته فجأة تتحول الى الهدوء وهو يقول:
    ـ أيـ..أين تذهبين؟..!
    وجد تلك المحاربة العنيدة تتحول فجأة الى اسيرة مهزومة!..وكأنها على وشك الموت ولم تعد ترى ألي
    شيء قيمة حولها!..كانت تضم شفتيها المرتجفتين الى بعضهما كي تمنع صوت بكائها ان يعلو وتنزل كل
    دمعتين سوية فواحدة لن تكفي ألطفاء نيرانها.. قالت بصوت منكسر:
    ـ اريد ان ابقى وحدي..أيمكنني ذلك؟..!
    عادت نبرة العطف لتحتل صوته وهو يقول:
    ـ وانتي بهذه الحالة؟!..مستحيل..!!
    ارتسمت ابتسامة ساخرة ومرتجفة فوق شفتيها وهي تقول:
    ـ اعتذر..لقد نسيت...لا يمكنني مخالفة اوامرك..
    ثم رفعت كتفيها بضعف وهي تقول:
    ـ فبالنهاية انا دية!!...يا لي من حمقاء!! كيف استمر بنسيان شيء مهم كهذا؟..!
    تقدم نحوها خطوة وقال بأشفاق:
    ـ أيمكنك ان تدخلي الى السيارة رجاءاً وانا سأخذك الى اي مكان تريديه..
    ـ حاضر..

    ردحذف
  4. قالتها بنبرة ذات معنى وكأنها تسخر من نفسها وتعاقبها.. فواحدة بمثل حالتها لا يحق لها ان تقول كلمة
    غيرها..
    لم يعلق بشيء عندما سارت تتجه نحو السيارة فهو لا يريدها ان تغير رأيها..اول مااحتل مقعده وجدها
    تقول وهي تركز بصرها نحو الأمام وتستند برأسها على المقعد:
    ـ خذني الى المقبرة..
    هنا كانت سكينة حادة تطعن قلبه ببطئ شديد.. لم يعلم ان القادم هو سيف اكثر حدة سيخترق كامل كيانه
    وليس جسده فقط...
    بقي يرمقها بنظرة قلق بين ثانية واخرى وهو يشاهدها على الوضع ذاته دون ان تتحرك ابداً منذ ان
    انطلقت السيارة ولولا استمرارية هطول دموعها لشك انها لربما ماتت او فقدت الوعي بعيون تائهة تركز
    بلا شيء...!
    نصف ساعة حتى وصال نحو وجهتهما...ما ان توقفت السيارة واستشعرت ريم ذلك حتى جالت ببصرها
    ببطئ حولها كي تتأكد انها في المكان المطلوب..دون ان تنتبه في يومها كيف استطاع ان يوصلها للمكان
    المطلوب من دون ان ترشده اين يقع بالضبط قير اخيها؟.. فهي لم تكن في لحظتها بحالة تسمح لعقلها ان
    يفكر بأي شيء...!
    رفعت يدها نحو مقبض الباب ونزلت بصمت فتبعها هو بصمت ايضاً.. بضع خطوات قطعتها ريم وهو
    يراقبها من بعيد ثم فجأة وجدها تقف امام قبر معين وتقع على ركبتيها وتسدل يديها بجانبها بضعف وهي
    تحدق في القبر..وفجأة تحولت من الأميرة الصامتة الى البركان الثائر..رفعت يديها واحاطت بهما رأسها
    وصرخت صرخة قوية زلزلت كيانه..صرخة كانت تكتمها طوال الطريق ولم تطلقها سوى امام قبر
    اخيها..وجد نفسه يبكي معها بصمت من دون ان يتحكم بدموعه وبقي يرفع يده بين لحظة واخرى ويمرر
    اصابعه بغضب من بين خصلات شعره وهو يشاهدها بهذا الحال دون ان يملك شيئاً ليساعدها به....أظنه
    امر صعب...ان نسمع صرخة عزيز علينا.. ان نرى دموعه..ان ندرك همس استغاثاته..ولكن يدينا مقيدة
    ولا نملك مانفعله من اجله..يحترق ويموت امامنا ببطئ دون ان نفعل شيء...نبكي فقط من اجله..ونتألم..
    ونموت معه...ولكننا لا يمكننا انقاذه.... شعور لن يفهمه الكثيرون..!!
    صراخها استمر لمدة15 دقيقة او مايزيد ثم فجأة بدأت تتكلم بأنهيار مع قبر اخيها دون حتى ان تتذكر
    قدوم ادم معها:
    ـ انا تعبت...انا اصبحت لعبة اخي...لعبة سخيفة تطيع القوانين..كل واحد يديرني كيفما يشاء..كل واحد
    يتفضل علي بعطفه وشفقته ليتملكني اكثر...
    ثم انزلت رأسها مجدداً وهي تبكي بقوة وبضعف في الوقت ذاته...ثبتت يديها بجانب فخذيها كي تسند
    جسدها المنهك...شعرت بالحرارة ترتفع كلها نحو وجهها وتحقنه بدمائها الحارة لتلهبه وتمتزج دموعها
    مع حبيبات تعرقها لتشعر بالجحيم يشعل وجهها بنيرانه...
    احست بخطوات مترددة تتقدم اليها...جسد يجلس على مقربة منها ينظر اليها متعمد ترك مسافة بينهما...
    ايام قليلة عرفته فيها ولكن بأمكانها تمييز عطره بسهولة.. فهو يفضل عطراً معيناً لا يستخدم غيره...
    دقائق من الصمت اكتنفت كلاهما كالعادة... انخفضت نبرة بكائها واحتفظت بدموع صامتة فقط..رفعت
    بصرها نحو شاهد القبر وبقيت تحدق فيه وهو يحدق معها ثم فجأة التفتت اليها عندما سمع صوتها
    الضعيف يقول بألم:
    ـ قبل ثلاث سنوات..انا فقدته...وفقدت سبب بقائي في الحياة...سحبت كمية هواء سريعة لتخرجها بتأوه
    ودموع وهي تكمل:
    ـ رفيق طفولتي..ونصفي االخر بما تحويه الكلمة من معنى.. اخي..وصديقي...وعائلتي..كلها كان
    هو...كنت منعزلة الاحب الاختلاط بأحد لذلك لم يكن لي احداً مقرباً سواه..
    ثم قالت بأبتسامة وكأنها تسخر من نفسها:تذمرت كثيراً وقلت ان هذا غير عادل بحقي عندما قرر ان يسافر لمدة سنتين كي يدرس...اخبرتهم انهم
    سيحطموني بهذا القرار فأيامي ستكون مملة وموحشة من دونه ولن اتحمل السنتين...
    ارتفع صوتها مع ارتفاع نحيبها ودموعها:
    ـ ياليته ذهب السنتين فحسب..ياليتني لم اتذمر في وقتها..كي لا يعاقبني القدر بفراقه الأبدي...
    التفتت الى آدم الذي بدأت عيونه تلتمع بدموع متألمة لحالها وقالت:
    كان اعز انسان لدي..أتعلم مامعنى اعز انسان؟!... كان كل شيء...كل شيء!!...وانا لم اكن شيء من
    دونه!!.. ولم املك غيره..كنت اراه هدية القدر لي.. وهذه الهدية...هذا الإنسان...قد لفظ انفاسه الاخيرة
    بين يدي...!
    ثم رفعت يديها المرتجفتين بهستريا وهي تريهم لآدم واكملت بأنهيار:
    ـ لقد تغطى جسدي بدماء عزيزي هذا...رأيته يغلق عينيه للمرة الأخيرة بين يدي...!
    ثم صرخت بوجهه:
    ـ انا شاهدت اخي كيف يموت...شاهدت رفيق عمري مقتول بين يدي...!

    ردحذف
  5. ثم اعادت بصرها نحو القبر وقد غلبت الدموع ادم ولم يعد يملك السيطرة عليها...ولكن هذه المرة لم تكن
    دموعه المشفقة فقط...بل كانت شيء اخر...!!
    لفت يديها حول جسدها وكأنها تعانقه كي تلملم اجزائها المرتجفة وقالت وهي تجحظ بعينيها وكأن
    الذكريات التي كتمتها بداخلها ولم تفصح عليها الا الأن ستدخلها بصدمة جديدة:
    ـ ذهبت معه نحو المستشفى ولم ارضى ان افارقه الا بعد ان اجبروني على هذا...أعادوني نحو المنزل
    وكانت تلك هي المرة الأولى التي اشعر فيها بالخوف من دخول منزلنا...خوف من انني سأدخل ولن
    اراه...لن يستقبلني... احسست بروحي تنسحب ببطئ من جسدي.. احسست بقلبي ينسلب بقسوة من بين
    اضلاعي.. احتجت ألي احد يشاركني صراخي..اي احد يضمني اليه كي يشعرني انه بقربي..
    ثم حركت رأسها ببطئ يميناً ويساراً تنفي كلامها وهي تقول:
    ـ ولكني لم اجد..كل كان مشغول بمواساة نفسه!.. صعدت الى غرفتي وملابسي لاتزال مليئة بدمائه..
    احسست اني سأفقد عقلي...لا يمكن ان استوعب الأمر.. لم اكن قادرة على استيعابه...هزيم من المستحيل
    ان يكون مات....هو قد وعدني انه لن يدخل بمشاكل مع تلك العائلة كي لا يسلبوه مني وهو يعلم اني لن
    اتحمل ذلك..
    فجأة انتفض جسدها من هدوئه ورفعت يديها واحاطت رأسها بقوة وهي تصرخ: ولكنه لم يلتزم بوعده..هو جعلهم يأخذوه مني... دخلت بنوبة بكاء جديدة يشاركها فيها ادم بصمت دون
    ان يقول اي شيء.. ثم هدأت نفسها مجدداً وهي تكمل:
    ـ شعرت اني سأسقط في هاوية الجنون في يومها... جميعهم كانو يعلمون ماذا كان يعني هزيم بالنسبة
    لي..ولكن لم يبالو بالقدوم الى غرفتي ولو حتى لكي يتأكدو اني لم انتحر بعد!..او فقط من اجل ابعاد تلك
    الملابس الملطخة بدمائه عن جسدي كي لا تفقدني عقلي وانا احدق بها...خرجت من غرفتي
    راكضة..وذهبت كي التجأ بين احضان امي لعلها تساعدني ان يستوعب عقلي هذه المصيبة ..
    ثم التفتت اليه وقالت بضعف:
    ـ أتعلم ماذا فعلت امي؟..!
    ابتسمت بتألم واكملت:
    ـ دفعتني عنها وهي تبكي..قالت انها ترى هزيم في وجهي وهذا يقتلها...لمدة سنة كاملة لم تنظر في
    وجهي وتخرج فوراً من المكان الذي ادخل اليه..من اجل ان لا تتألم اكثر وهبت كل الألم لأبنتها وتخلت
    عنها تاركة اياها وحيدة في مصيبة كهذه...عندها اصبحت غرفتي هي سجني وملتجأي الى الان بالكاد
    اخرج منها..
    ثم اعادت بصرها مجدداً نحو القبر وهي تكمل: وابي...اغرق نفسه بالعمل كي ينسى..واختي شغلت نفسها بأسرتها كي تنسى...ولكني لم اجد ما انسى
    به.. ولم اكن اريد ان انساه....في كل مكان التفتت اليه اراه فيه...كلما تطلعت بوجهي في المرآة رأيت
    وجهه.. كلما تبسمت تذكرته..فلم يكن احد يتسبب لي باالبتسامة غيره....يعش معي في كل لحظة تمر
    علي في اليوم دون ان اراه...أتعلم كم يؤملني هذا؟!...اشعر باالختناق.. بالضياع..بالألم...دون ان اجد من
    يقف بجانبي...
    التفتت اليه مرة اخرى وبدأت ملامح الاستياء تعتلي وجهها بعض الشيء وهي تقول:
    ـ تعذبت..ولكني صبرت...تمنيت ان يكون زوجي في المستقبل مختلف عن اسرتي.. وسيساعدني لأتقبل
    هذه الحقيقة...وسيجعلني اتذكر هزيم بأبتسامة وليس بدموع ونحيب صارخ..سيخرجني من
    ظلامي...سيثبت لي ان الشمس لاتزال تشرق في هذا العالم البارد...ولكن اسرتي سلبت مني هذا الامل
    ايضاً..وقدموني قربان لرجل تسري في جسده دماء قتلة اخي.. شخص لا يمكنني ان احبه مهما
    حصل..لا يمكنني ان اطلب مساعدته او ان اتقبلها...شخص سيزيدني يقيناً ان الشمس ليس لها وجود في
    عالمي...واني سأظل في الظلام الى الابد!....وفي النهاية اكتشف انه قد انقذني من شخص اسوأ
    منه!!...اخرج من الأسوأ لأحظى بالسيء... ألا يمكن للقدر ان يضع كلمة "جيد" في قاموس حياتي
    الممزق؟...!
    ثم تنهدت بتألم واكملت:
    لذلك ارجوك...بعد كل هذا.. لاتطلب مني ان اثق بأحد.. او اتخلى عن قسوتي...فقسوتي هذه لم اخلقها
    انا...بل من حولي فعلوا .. ثم قامت وحدقت به ببرود وهو يرفع بصره اليها:
    ـ هذه هي انا...او جزء مني...لذلك ان اردت ان تتخلى عني لأبن عمك ذاك...فلست ابالي فالميت لا يبالي
    بالطعن...تركته وسط ذهوله وصدمته وعادت نحو السيارة بينما هو بقي جالساً في مكانه..نشف دموعه
    بظاهر يده ثم التفت نحو القبر يحدق به لثواني ثم قال بضعف:
    ـ انا اسف...ياليته كان بيدي شيء اخر لأفعله غير الأسف...
    أكمل بهمس متألم:
    ـ لقد حذرتك ان نهاية االمر لن تكون جيدة.. ياليتك استمعت لي...ياليتك لم تفعل
    مافعلته..
    ثم قام وقال بأبتسامة:
    ـ لا تقلق عليها هزيم..اعدك اني سأحافظ عليها مهما تطلب الأمر مني..لن اسمح لأحد ان يمس شعرة من
    ريم....لقد وعدتك بالماضي وها انا اجدد ل ِك وعدي اليوم..وتعلم جيداً اني لاانكث وعداً قطعته مهما كلف
    الأمر..!!
    عاد بعد دقائق معدودة نحو السيارة فلم تبالي بسؤاله عما اخ ّره او عما كان يهمسه للقبر..

    ردحذف
  6. تحركت السيارة قليلا يدوي صوت المحرك فقط في ارجائها اخترقه لاحقا صوت هاتف آدم الذي اجاب
    فوراً وكأنه متوقع اتصالا كهذا:
    ـ اعلم ماستقولين مايا ولكني حقاً اسف اقسم ل ِك انه كان لدي عمل ضروري.... اعلم..وانا حقاً اسف
    لتركك تديرين الاجتماع وحدك.. أأنتي جادة؟!...ألم ينتهي بعد؟!....اي قرص؟!...تباً للحظ السيء...حسناً
    حسناً خمس دقائق وسأرسله ل ِك على بريد ِك الإلكتروني...
    اغلق هاتفه والتفت اليها يقول بنبرة ليس فيها طلب ورجاء بل امر واجب الحدوث:
    ـ سنمر على شقتي قليلا..انه امر ضروري بخصوص العمل..
    التفتت اليه بحدة وبأنفعال...أهو جاد؟..أهذه خدعة ما؟.. انها لاتطيق وجودها في سيارته كيف ستطيق
    منزله؟..نعم سترفض..ولكن ليس الأن..عندما يقفان امام الشقة ويطلب منها النزول..عندها ستنفجر
    بوجهه....!!
    وقفو امام بناية من الطراز الحديث تقبع فيها شقة آدم في الطابق الثاني..تحفزت كل خلاياها وحضرت
    كالماتها التي ستنطقها ماان يطلب منها النزول..اخرج المفتاح من السيارة بأستعجال واخرج مفاتيح
    شقته من جيبه والتفت اليها..انفرجت شفتاها مستعدة للرد..ولكنها فجأة انخرست وانسدلت كل شعرة
    كانت توقفها مستعدة لمهاجمته عندما سمعته يقول:انتظريني هنا سأعود بعد دقيقة..
    التفتت اليه بتفاجئ ولكنه لم يكن امامها..لقد نزل مسرعاً نحو شقته...هل حقاً ماسمعته؟! ...ألم يطلب
    منها النزول حتى؟!..أهو يحاول اهانتها بشكل ما ام انه شاب محترم فحسب؟!.....حواء ال يمكن لها فهم
    آدم ابداً....!!
    خمس دقائق الاكثر حتى وجدته يهبط مجدداً من البناية يحمل بيده حاسوبه المحمول ودخل نحو مقعده
    واول ماجلس ناولها قنينة ماء صغيرة باردة ومنعشة لم تتمكن حتى من التفكير في رفضها فهي بحاجة
    ماسة اليها بعد هذا اليوم الحار الطويل...ماان استلمت الماء من يده حتى فتح الحاسوب فوراً وادخل به
    قرصاً مدمجاً وبدأ بأرساله... وها هو تصرف محترم اخر فهذا الآدم لم يكمل عمله فوق تاركاً اياها
    وحدها في السيارة بل احضره بسرعة واتى محضراً معه الماء الذي لم يخطر على بالها من الاساس
    ولكن على باله فقد خطر شيء جعلها تكرهه اكثر...فعقلها لا يريد ان يرى شاباً محترماً..فأسرة مراد
    لا تليق بها صفات الاحترام حسب ماترى...تريد ان ترى شاب همجي..متكبر..متسلط..لتتمكن من كرهه
    اكثر وليس ليسترعي انتباهها بأصوله واحترامه...!
    دقائق اضافية وانتهى من عمله مثل ما انتهت هي من ارتشاف الماء كله..انطلقت السيارة مجدداً يمألها
    صوت آدم يتحدث مع تلك الـ مايا واعداً اياها بالقدوم في اسرع وقت..وهذا الـ"اسرع وقت" كان واضحاً
    من سرعته الجنونية..
    وصلو امام منزلها ولكنه لم ينزلها ويذهب ببساطة.. فقد كان هناك زائراً يقف قرب سيارته خارج المنزل
    ينتظر عودتها بفارغ الصبر....لقد كان ابن عمها رأفت..نزل ادم فوراً معها عندما فتحت بابها ونزلت
    بأستعجال...
    كان رأفت شاب وسيم يبلغ22 من عمره ولكن كان يبدو بعمر ريم او حتى اكبر منها بسبب جسده
    الرياضي وقامته الطويلة...اقتربت ريم منه يتبعها ادم وقالت بتفاجئ:
    ـ رأفت؟..!
    تعمد رأفت عدم نزع نظارته الشمسية كي لا ترى عينيه الدامعتين وقال لها بأبتسامة:
    ـ مرحباً عزيزتي..كيف حالك؟..!
    ـ بخير شكراً..ولكن لماانت واقف هنا لما لم تدخل؟..!
    ـ اردت التحدث الي ِك..
    ثم رفع نظره بحدة نحو ادم واكمل:
    ـ على انفراد..!
    ادخل ادم يديه بجيبي بنطاله وقال ببرود:اسف..هذا اخر شيء سأسمح لك به..
    التفتت اليه ريم بأقتضاب كعادتها وقالت:
    ـ لا تنسى انه ابن عمي..!
    تيسم بسخرية وقال:
    ـ اجل..رأفت!!..كيف لي ان انسى انه ابن عمك!.. فهذا الوحيد من ابناء عمك يصعب علي نسيانه..
    وهنا كان ادم يلمح لحادثة اغتيال عمه معتز التي نفذها رأفت..اعاد رأفت ابصاره نحو ريم متجاهالً وجود
    ادم فهو اخر شخص يرغب بالشجار معه حالياً بوقته الضيق هذا...مد كلتا يديه وامسك ريم من كفي
    يديها وهنا جذب انتباه آدم الحاد وكاد ان يتكلم ولكن لم يشأ ان يتحامق ففضل الصمت ورأفت يقول:
    ـ انا سأسافر الان من اجل الشركة ولن اعود الا بعد شهر..لذلك اتيت لتوديعك...
    ثم اكمل بنبرة ندم:
    ـ اعلم ان ما سأقوله قد جاء متأخراً..وانه لن يغير من الأمر شيئاً....ولكني حقاً اسف يا ريم..فبسببي انا
    تورطتي انتي بكل هذا..

    ردحذف
  7. وهنا بالطبع يقصد زواجها من ادم..سحبت ريم احدى يديها تاركة الأخرى في يده وطبطبت على كتفه
    برفق وقالت:
    ـ التشغل بالك بالأمر كثيراً...انت تعرف ان جدك كان سيجبرني على هذا حتى وان قررت العائلتين
    التصالح من دون ثأر..كانو سيتخذون هذا الحل...هذا قدري ولا علاقة لك به فلاتحزن..
    عندها لم تكن النظارة جيدة بمافيه الكفاية لتخفي دموعه المنسابة وقال بصوت ضعيف ومهزوز:
    ـ ليس من اجل هذا فقط انا اسف....انا...اسف ايضاً لأني تركتك وحدك بعد وفاته..
    ثم بكى بقوة اكبر وهو يقول:
    ـ كان صعب علي ان اراك ريم...انتي تعلمين ماذا كنتما انتي وهزيم بالنسبة لي.. ثم لم يجد كلمات اخرى
    تعبر عما في داخله فقال بقلة حيلة:
    ـ لم استطع القدوم...انا لم اتمكن من رؤيتك فحسب.. كان الأمر صعب علي..صعب جداً!!..واعلم ان ِك
    احتجتني في وقتها..واعلم انه لم يقف احد بجانب ِك..ولكني كنت ضعيف...ضعيف اكثر مما املك القدرة
    على تقوية غيري..!
    بكت ريم بصمت ومسحت برفق اكثر على كتفه وهي تقول:
    ـ لا تبكي عزيزي...كل شيء قد مضى الأن..لا داعي لفتح الماضي... رأفت كان الصديق المقرب لهزيم وريم منذ طفولتهما رغم انه يصغرهما بثلاث سنوات
    ..وفاة هزيم كانت صدمة له لم يستطع مواجهة الأمر ببساطة او تقبله وبالتالي انعزل في منزله يواسي
    نفسه ويصبرها ولم يكن قادراً على رؤية ريم ووجهها الذي يحمل ملامح هزيم فجروحه التي يحاول
    تقطيبها كلها ستنفتح بقسوة...لذلك ومثل مافعل الباقين...هو ابتعد عنها تاركاً اياها بمفردها...!
    رغم ان ادم قد كره رأفت بسبب امر عمه الا انه الأن قد اشفق على حاله...فعائلة ياسين تعاني مثلهم..
    وتملك جروحاً غير مقطوبة مثلهم...وتتألم مثلهم...ليست عائلة مراد هي فقط من على حق...!
    ولحظة الشفقة هذه تحولت الى بركان هائج عندما شاهده يسحب ريم ويعانقها بقوة مودعاً اياها وباثها
    دموعه الحارقة...هل حان الوقت ليتحامق؟!...لا.. ليس الأن..وليس في هذه اللحظة..ولكنه منظر لا يمكنه
    تحمله فقام بالإستدارة والعودة نحو سيارته فوراً وشغلها وقادها بغضب مبتعداً قدر االمكان عن هذا
    المكان...
    خرجت من بين احضان رأفت لترى سيارة ادم قد اختفت من الوجود حولها..امر اراحها بشكل ما..
    دخلت نحو المنزل وعادت فوراً لتكمل نومها الذي سلبوه منها..يوم اخر ككل الايام..ولكن ليس ليلا ككل
    الليالي.. كانت تفترش الارض بأوراقها غارقة وسط رسوماتها الكئيبة التي لا تعكس سوى روحها
    المظلمة.. كان المنزل يغط بنوم عميق يريح اصحابه عدا اميرته الساهرة هذه...تعشق الليل
    ووحدته..وسكونه المخيف الذي لا يحمل اصوات من حولها وهمساتهم التي تنخر قلبها من دون ـاجل عائد لجيراننا حازم فهو من سيتزوجك..أتصدقين اني نسيت
    وقبل ان تجيب وصلتها رسالة اخرى منه:
    ـاقسم ان شاهدتك تلمسين يد شاب اخر مجرد لمسة فسأقتلك..ليس اضربك..وليس اصفعك..بل سأقتلك!ِ..
    حتى وان لم نتصرف كزوجين..حتى لولم نعش قصة حب.. هذا لن يغير ان ِك شرعاً وقانوناً زوجتي ومن
    المستحيل ان اسمح بشيء كهذا..هل فهمتي؟
    عصرت الهاتف بكلتا يديها كادت ان تهشمه مثلما تكز على اسنانها..ثم فجأة ارتخت اعصابها..وانفتح
    جبينها المقتضب لتلتمع دموع منكسرة داخل ذلك المحيط الأزرق وتذكرت من تكون...انها لا شيء..فلماذا
    ستناقشه؟!..لماذا ستعترض؟!...ببساطة اجابته:
    ـحاضر...
    عرف فوراً معنى هذه الجملة وادرك الأفكار التي تهاطلت على عقلها في هذه اللحظة...زفر بضيق وتجهم
    وجهه..لم يكن يريد ان يصل معها لهذه الفكرة.. ارادها تعانده..تناقشه.. تعارضه...... وتلمح
    غيرته!!...وليس ان يذكرها انها دية عليها اطاعة الأوامر...
    رمى الهاتف من يده واستلقى على سريره يغوص ببحر عميق من الأفكار لا تدور سوى حولها....!!

    ردحذف
  8. اما هي تركت الهاتف من يدها وبعثرت الأوراق بعيداً عنها وطالبها جسدها بأي حركة ينفس بها عن
    غضبه بدل ان يبقى ثابتاً ويخنقها..قامت بغضب واخذت عدة انفاس عميقة لترتاح ولكن من دون فائدة
    ..سارت..ضربت..حطمت.. ومن دون فائدة..الايام تمضي..وكل ثانية تمر عليها يجعلها تعد تنازلياً للوقت
    الذي سيسحبوها به قصراً من منزلها الى منزله.. وعند هذه الفكرة رفض عقلها الواقع..رفض ان يفكر
    اكثر بهذا..اتجهت كالعادة نحو علبة دوائها فوق طاولة التزيين واخرجت قرصين منها لتتناولهما..رفعت
    يدها نحو فمها ورفعت رأسها معه لتدفعهما ولكنها توقفت فجأة.. لمحت عينيها شيئاً من خلال المرآة لم
    تنتبه اليه مسبقاً..اعادت الحبوب ببطئ نحو العلبة وهي تنظر بجمود من خلال المرآة نحو تلك االكياس
    في احدى زوايا غرفتها التي نقلتها الخادمة هنا صباح هذا اليوم بأمر من بلقيس..رفعت حاجبها بقسوة
    واعادت العلبة نحو مكانها دون ان تتناول شيئاً..لما ستحتاج مهدئ وهي قد وجدت ما ستنفس به عن
    غضبها؟!...المشتريات التي ابتاعها لها آدم...!!
    تقدمت نحو الاكياس واخرجت محتوياتها بغضب ونثرتهم حولها... لا يمكنها نكران كم تبدو الملابس
    وباقي المشتريات رائعة..بل مذهلة!!...ولكن كبريائها اقوى من احساساتها الأنثوية الضعيفة..اخرجت
    اكبر مقص تمتلكه وبدأت بتمزيق الملابس بشكل مجنون ثم قطعت الاكسسوارات بيديها وتناولت المقص
    مرة اخرى لتمزق مااستطاعته من احزمة الأحذية لتتلفها...انتهت من الأمر وهي تلهث بشكل مرتجف
    وهي تشعر واخيراً ان شيئاً بارداً اثلج لها صدرها واراحها...ولكن لا تنكر انه اراحها بشكل سيء!..شيء
    ما جعلها تشعر ان تصرفها ليس صحيحاً على الإطلاق بحقه..ولكن لا بأس المهم انها قد ارتاحت..!
    وقفت والمقص لايزال بيدها تحدق ببرود بأشلاء الملابس الملقية امامها..رفعت كلتا عينها نحو كيس
    غفلت عنه دون ان تنتبه اليه مسبقاً..كان مميزاً عن باقي الاكياس بلونه وشكله..سحبته بعصبية والقت
    مابداخله ارضاً...مدت يدها نحو قطعة القماش الناعمة تلك بلون الشمع..امسكته من اطرافه ورفعته امام
    ناظريها فأنفرجت شفتيها بذهول من دون ارادة منها..كان ارق فستان شاهدته...بسيط ولكن يملك شيئاً
    جذاباً يجعله فاخراً..كان اجمل فستان من بين اللواتي مزقتهن.. ازدردت ريقها بتردد ورمقت المقص
    بنظرة تردد اكبر.. قطبت حاجبيها وهي تلاحظ قصاصة ورق صغيرة كانت بداخل الكيس....رفعتها وقرأت
    مامكتوب بداخلها بخط منمق:
    جذب نظري في المتجر..وكنت متأكد انه لن يليق بسوا ِك......آدم
    ارتجف قلبها..ونبض لأول مرة بعد ثلاث سنوات.. كلمات بسيطة ولكن جذابة..مثل الفستان بالضبط...!
    أتظنون انها تبسمت وفجأة اصبح كل شيء وردي اللون حولها؟!..انها ستغير نظرتها اليه؟..قد تنعجب
    به؟!.. نبض قلبها لم يهبها هذا التأثير..بل اشعل نيرانها اكثر.. وماترددت بشأنه نفذته الأن..سحبت ذلك
    الفستان الرقيق لتمزقه بيديها لتنفس عن الجحيم الذي اشعله كلماته ثم تناولت المقص لتمزقه قطع
    اصغر... كان اجمل الفستاين اللواتي جذبنها..وتعاملت معه بقسوة اكثر مما تعاملت مع البقية...
    الوقت يضيع منها...يقربها منه...يتلفت اعصابها...يدمرها.. يبعدها عن ذكرى اخيها..غرفة اخيها..
    رائحة اخيها...يبعدها عن سامي ليقربها من صاحب دم مراد ذاك...فكرة جعلتها تتناول في تلك الليلة
    ثلاث اقراص من المهدئ لتغط بسبات عميق خالي حتى من الأحلام...فالأحلام لا تحمل سوى كوابيس
    واقعها...!!

    ردحذف
  9. الفصل الخامس
    اليوم السابع!....لقد حل بغيوم سوداء تكتنف عالمها هي فقط... الشمس..الهواء...المهرب...دقت طبول
    الحرب لتزفها نحو منصة اعدامها!!....ارتكز المنزل على هدوء تام...ليس فرح ليصفقو
    ويرقصو...وليس عزاء ليصرخو...!
    لم تنم طوال الليل الذي مضى..ولم تأخذ المهدئات.. فحالياً تريد ان تعيش واقعها..لا تريد الهرب منه.. تريد
    ان تعيش اخر لحضاتها في هذا المنزل وسط ذكريات اخيها...حقائبها موضبة في احدى زوايا الغرفة
    تحوي كل اشيائها لينقلوها غداً نحو منزل زوجها..عدا غرض واحد كان بيدها.. قميص رجالي يعود
    لهزيم.. كانت تعصره بقوة بين يديها وتضغطه فوق انفها لتشم عبقه اكثر...بدأت رأئحته تتالشى منه
    يوماً بعد يوم وهذا يرعبها..وكأن طيفه الذي تتمسك به بقوة ينسحب قصراً من بين يديها.. صرخات
    صامتة ترافقها دموع حارقة فوق ثنايا قميصه الأبيض...ابيض مع بقع من الدماء...انه القميص الذي
    قتل فيه!!..يحمل رائحة دمائه وذكريات موته.. بدأت حنجرتها تطالبها بصراخ يخنقها ويمنعها من
    التنفس..اصبح جسدها يشتهي الانتفاض واجواء المنزل الساكنة لا تساعد على هذا فركبت سيارتها
    وانطلقت نحو متنفسها ومكان شكواها المعتاد...!!
    جلست امام قبره واطراف خيوط الشمس بدأت تنساب بهدوء من بين سواد السماء تحارب اصرار الظلام
    في التمسك اكثر...عكست اشعتها الذهبية التماع عينيها بدموع اذبلت تلك الزرقة المشرقة...بشرتها
    البيضاء شاحبة وعيونها متوجة بالهالات السوداء وجسدها نحيل... من يراها يحسبها احد الموتى خرج
    ليرى عزيز له....في الحقيقة هي ميتة منذ ثالث سنوات.. ولكن جثتها لم تنزل الى القبر بعد لتجاور
    عزيزها هزيم..!!
    احتضنت ركبتيها امام صدرها وارتكزت بجبينها فوق قمتهما..صرخت تلك الصرخة التي تكتمها فأرتجف
    جسدها وكأنها افزعته من سبات عميق... صرخت وصرخت..وتلى صرخاتها دموع مجنونة ترفض
    النزول بتعقل واحدة تلو الأخرى!..ولكن لا الدموع اخمدت نيرانها ولا الصرخات ساعدتها بهدم جبال
    الألام التي ترسخت بداخلها!..مهما فعلت..ومهما بكت وصرخت..فواقعها لن يتغير مهما حاولت..!!
    لحظات بكائها استمرت طويلاً الى ان اجبرها ضوء الشمس على رفع رأسها الذي تدفنه في الظالم
    المخلوق بين ركبتيها وصدرها..كانت بالكاد تفتح عينيها المتورمتين لتحدق في اسمه المحفور فوق
    شاهد القبر وكأنه محفور في قلبها..جبراً أخرجت صوتها المبحوح وهي تقول بضعف من بين شهقاتها:
    اليوم سأرحل...سيأخذوني عنك ياهزيم....سيبعدوني!..... ماذا لو لم يسمح لي ذاك الغريب بزيارة
    قبرك؟!... ماذا لو منعني من البكاء عليك؟..او ذكر اسمك؟!.. او شم قميصك؟..ماذا لو شعر بالملل من
    كثرة حدادي عليك؟..
    انحنت فوق قبره اكثر تعصر ترابه بين يديها وتقول:
    ـ ماذا لو اذاني ياهزيم؟!..انا خائفة...مرعوبة.. وعائلتي ترميني نحو الجحيم ليخلصو انفسهم منه...!
    توسدت بجانب القبر واغمضت عينيها لتستشعر ذلك الأمان للمرة الأخيرة..لتتخيله يهمس لها للمرة
    الاخيرة بتلك العبارات المضحكة التي يشجعها بها دائما... اخر همسات..اخر ذكريات...اخر
    صرخات...واخر غفوة تحملها نحو احلام بيضاء تحوي هزيم ومزاحه.....!
    كان المنزل قائماً على التوتر والساعة تدق الحادية عشر صباحاً وريم مفقودة!!...حضر آدم ليأخذها
    فتفاجئ بالجميع يبحث عنها..اتصلو بهاتفها مراراً وتكراراً ولكن الإجابة واحدة الهاتف مغلق
    حالياً"..جلسو في الصالة احدهم يحدق في عيني الآخر ليتأكد ان السؤال ذاته يدور في عقولهم ثم
    يوجهون ابصارهم اخيراً نحو آدم الذي يستند بمرفقيه فوق فخذيه ويعانق كفيه ببعضهما ويكورهما امام
    فمه مقطب الحاجبين وصامت بشكل غريب دون ان يعلق بشيء..!
    ـ هل يعقل انها هربت؟..!
    جملة نسرين هذه جعلته يرفع كلتا عينه بأتجاهها دون ان يحرك اي شيء اخر من جسده وكأنه داخل
    تمثال حجري الحياة فيه سوى بعينيه...
    اجابت بلقيس بثقة وهي ترمق ابنتها بتحذير لتكف عن زلاتها السخيفة هذه امام ادم:
    ـ لو ارادت ان تهرب لأخذت سامي معها...فهي لن تجازف بتركه هنا والرحيل ابداً..
    زفر سيف بضيق وهو يقول:
    ـ اتمنى ان يمضي الأمر على خير فقط..
    وسط اجواء كئيبة ومتوترة استمرت لساعات دخلت ريم فجأة..لم تدخل بغضب..ولا بقوة..بل كانت في
    اشد حالات ضعفها وانكسارها...صامتة بشكل غريب ولكن متوقع بالوقت ذاته...عينيها ذابلتين..ملابسها
    ملوثة بيعض حبيبات التراب..لا يدل اي شيء من مظهرها ان اليوم هو يوم زواجها...قام الجميع من
    اماكنهم من دون تعليق واستنتج ادم فوراً اين كانت اميرته العنيدة..
    التفتت اليه فوقعت دمعتين منها من دون ارادة وهي تقول:
    ـ انا جاهزة..أنذهب؟..!
    اومئ موافقاً من دون تعليق فكانت ميسم اول من اخترقت الواقفين لتسحب ريم المنكسرة اليها وعانقتها
    بقوة...اغمضت ريم عينيها فأخرجتا ماتحويانه من دمع ورفعت يديها بضعف لتضم ميسم اليها لتشعر

    ردحذف
  10. بأخر لحظات لديها وسط الأمان قبل ان تغتالها مخالب الذئاب..!!همست لها ميسم بصوت مسموع
    للجميع:
    ـ هزيم كان ينتظر هذا اليوم بفارغ الصبر..ولكن لم يكن ينتظره بهذه الطريقة...!!
    ثم ابعدتها عنها قليلا وكوبت وجه ريم المخذولة بكفيها ومسحت دموعها بأبهاميها وقالت:
    ـ كان سيتمنى لو انه مع ِك في يوم كهذا عزيزتي..!
    ثم التفتت نحو ادم بوجه مقتضب اتحدت حاجبيه فوراً وهي تقول بنبرة جافة:
    ـ قد عاهدت نفسي مسبقاً انه مهما اجبرتني الظروف فلن انظر بوجه واحد من آل مراد او اخاطبه..ولكن
    ريم شيء خاص بالنسبة الي..
    صمتت لثواني وهي تبكي ثم اكملت:
    ـ انا اتوسل اليك...كن جيداً معها...
    منحها ادم ابتسامة تعاطف وهو يقول:
    ـ كوني مطمئنة...
    اومأت له بأمتنان ثم عادت خطوتين نحو الوراء بعد ان منحت ريم قبلة فوق جبينها لتسمح لنسرين
    بالتقدم وتوديعها..تقدمت نسرين وعانقتها بقوة عناقاً نادماً اكثر من كونه مودعاً وهي تقول:
    ـ اعلم اني لم اكن تلك الاخت الجيدة لكي مثل هزيم.. ولكني حقاً احب ِك..ويؤذيني رؤيتك تعانين..ولكن لم
    املك القوة ألسند ِك..
    وقبل ان تكمل نسرين كلمات ندمها التي جاءت متأخرة قاطعتها ريم بهدوء:
    ـ لا بأس اختي...لست غاضبة من ِك..
    ما ان انسحبت نسرين من بين يديها حتى تجهم وجه ريم واقتضب وهي تلاحظ بلقيس تتقدم نحوها..
    وبخطوات مترددة تخشى من انفجار وشيك قد تقدمت بلقيس!.. كانت عينيها متوسلة التعاطف من عيني
    ريم الناريتين ونظراتها الحادة...مدت يدها وعانقتها بحب ولكن ريم لم تبادلها العناق وابقت يديها مسدلة
    بجانبها..ولكنها ايضاً لم تدفعها عنها..فقد ارادت بشدة ان تعرف ماذا عسى امها ان تقول وماذا ستبرر
    بعد كل هذه السنين؟..فاليوم هم يودعون ريم كمن يودعون مريض يلفظ انفاسه الاخيرة وسيقولون كلما
    يعتمر قلبهم وسيعترفون بأثامهم ..قالت بصوت منكسر:
    ـ اعلم انه من الصعب ان تفعلي..ولكني حقاً اتمنى ان تسامحيني في يوماً ما..
    همست لها ريم بصوت لم بسمعه سوى ادم.. يحمل كل قسوة قلبها وعذابه:من الجيد انك تعلمين انه صعب امي..!
    ثم ابعدت يدي والدتها عنها بهدوء وانسحبت من بين احضانها..فهذه الإحضان احتاجتها في وقت سابق
    ولم تجدها وقد تأخر الوقت لتهبها لها الأن!..بقيت تنظر ببرود وحدة في عيني والدتها الدامعتين..تصرف
    جعل ادم يصاب بالدهشة فعالً من وداع كهذا..ولكنه نوعاً ما عذرها بعد تلك الإعترافات التي وهبتها له
    بجانب قبر اخيها..!
    حان الوقت ليتقدم ابيها اليها...كلمات مصبوغة بحنان مزور ستنهال على مسامعها مجدداً..امسك يدها
    بعطف وقال وهو يربت فوقها:
    ـ اعلم ان ِك قوية..لطالما كن ِت كذلك..وستتخطين هذه المحنة عزيزتي..
    أمالت رأسها للجانب قليلا وقالت ببرود:
    ـ ألم تفكر ولو للحظة يا أبي اني قد لا أكون بتلك القوة؟..!
    سحبت يدها منه كما فعلت مع والدتها وقالت:
    ـ انا لست قوية ابي..وجميعكم تعلمون هذا...قوتي هذه انتم من اخترعتموها لتبررو اهمالكم لي....قل لي..
    هل انا مخطئة؟..!
    وقبل ان يجيبها تخطته تاركة اياه ومتجهة نحو سامي..تاركة خلفها تمثال مصدوم بواقع كان ينكره
    ويزيف الصورة امامه كي لا يحظى بعذاب الضمير.. فجأة ابتعدت تلك الإنسانة الباردة والقاسية لتحل
    محلها فتاة مرحة وعطوفة وهي تتحدث مع سامي بدموع ترفض التخلي عنها..احاطت وجهه بكلتا يديها
    وقربته منها كثيراً واسندت جبهته فوق جبهتها واغمض كلاهما عينيهما بصمت لعدة ثواني ثم قالت:
    ـ اريدك ان تتذكر..وان لا تنسى ابداً...اني فعلت كل هذا من اجلك انت فقط..انت وحدك لا غير!..فأياك ان
    تتهور بالمستقبل لتذهب تضحيتي سدى...اريدك ان تتذكر دائماً اني احبك كثيراً..كثيراً جداً...أتفهمني
    ياصغيري؟..
    اومئ برأسه من دون ان تسمح له دموعه لفراقها بأن يتحدث..قبلته قبلة طويلة وعطوفة فوق جبينه
    لتعانقه بعد ذلك عناقاً اطول تشم به رائحة شعره الزكية التي تعشقها..رائحة ابيه التي لاتزال عالقة
    به..رائحة مميزة يمتلكها كلاهما..!
    كان اطول عناق واطول وداع منحته لسامي لا غير.. منحت هيلين قبلة وداع وعناق قبل ان تخرج مبتعدة
    عن دموع يذرفوها لوداعها وكأنهم قد كانو مهتمين لوجودها او منتبهين ليشكل الأن رحيلها فراغاً
    سيؤذيهم!!.. وداع ممل لم تلتمس مصداقيته سوى من البعض ولم يؤثر بها كثيراً..الوحيد الذي كانت حقاً
    اسفة لفراقه كان سامي.. فمن اجله تعيش..ومن اجله ضحت..ومن اجله ترفض الوداع كي لا تبتعد عنه

    ردحذف
  11. وعن ذكرى اخيها!...كلمات نطقتها امها وابيها لم تكن تعني شيئاً ولم تكن ملائمة لهذا الوقت...أسفاً جاء
    متأخراً..وندم لم تعد ترى منه اي فائدة ستنفعها...فألى اللحظة الأخيرة وهم لا يزالون يبررون ألنفسهم
    الأخطاء ويلتمسون لأنفسهم الأعذار عنها كي لا يشعرو بالأثم....اثم ارتكبوه بحقها وبحق ذكرى اخيها
    التي يحاولون نسيانها كي تمضي الحياة... وبالفعل الحياة قد مضت لهم..ولكنها وقفت عندها ترفض
    التقدم ثانية واحدة...!
    جلست في السيارة بصمتها المعتاد يشاركها به ادم ولا يخترق المسامع سوى دوي المحرك حدقت في
    منزلها بنظرات مودعة ومتألمة وطيف اخيها يترأى لها.. اغمضت عينيها لتخرج اخر دموع تحويها ولم
    تفتحهما الا بعد ان ابتعدت عن المنزل تماماً...مسحت دموعها بظاهر يدها وكأن وقت الضعف قدانتهى
    وعليها الاستعداد لمعركة جديدة...!
    قال بصوت هادئ وكأنه يحاول عدم استفزازها قدر المستطاع:
    ـ لم يكن من المفترض ان تعاملي والدتك بهذه الطريقة..
    اجابته فوراً بأقتضاب واختصار:
    ـ التحكم على مالاتعرفه..!
    صمت ولم يعلق..فماالذي قد يعرفه عنها وعن اسرتها ليناقش بشأنه؟...!
    استمر الطريق لمدة عشر دقائق ولكن قبل ان يصلو الى الشقة وجدته ينعطف على حديقة عامة يركن
    السيارة بجانبها..التفتت اليه بأستغراب قاطعة عن نفسها سلسلة ذكرياتها وتخيلاتها وقالت:
    ـ ِلما توقفت؟..!
    اخرج المفتاح من مكانه وقال:
    ـ دعينا ننزل لنتحدث قليالً..
    وقبل ان تعترض وجدته ينزل قبلها ويفتح لها الباب.. تأفأفت بملل ثم نزلت وقالت:
    ـ ألا يمكن للحديث ان يتأجل لاحقا؟!.. انا متعبة واريد ان ارتاح..
    ـ لن يستغرق الأمر طويلا..
    واغلق بابها خاتماً نقاشها وهو يتقدمها مجبراً اياها على السير معه..
    جلسا متقابلين حول طاولة تسمح لهما برؤية البحر القابع على مسافة من الحديقة..كان المنظر كفيلا
    بأطفاء نيرانها وانزال شعيراتها المتحفزة للأحتدام.. هدوء كانت تحتاجه بشدة ليغتال الضجيج المقيم
    بروحها... راقبها بصمت وهي تراقب البحر بتلك الملامح الهادئة التي يلمحها للمرة الأولى..كان منظرها
    اجمل لديه من مراقبة منظر البحر...فعينيها تحمل الزرقة ذاتها.. وشعرها الذي يتراقص في الهواء
    يتشابه مع تلك الأمواج الشرسة..وغموضها هو الأعماق التي يتمنى ان يغوص فيها ليكتشف
    اسرارها...فجأة التفتت اليه لتلتقي ابصارهما وتلمح تلك النظرة لأول مرة في عينيه.. نظرة
    التأمل!...فأرتبك فوراً وتنحنح مدعياً التماسك امام ملامحها المقتضبة وهو يسمعها تقول:
    ـ ألن تتكلم؟..!
    ـ أتحبين شرب شيء قبل ان نتحدث؟..!
    ـ لا..تحدث فحسب..
    اخذ نفساً عميقاً يكفي لأخراج حروفه المستكينة بداخله تنتظر بلهفة خروجها للضوءاستند بمرفقيه فوق الطاولة امام يديها المكتفة بتحفز امام صدرها وقال:
    ـ اسمعي...اليوم ستدخلين الى شقتي..وستبدأين حياة جديدة..حياة لسنا مخيرين بالاستمرار فيها او
    التخلي عنها..فكلانا قد خضعنا لهذا الواقع وقبلنا بهذا الزواج لحماية عزيز علينا وانا اخبرتك بالأمر
    مسبقاً ياريم.. لست اطالبك بالحب ولا بأي شيء اخر... لاأطلب من ِك ان نتعامل كخطيبين او كزوجين او
    كحبيبين..ولكن مااطلبه ان نتعامل على الاقل كأثنين يتشاركان المنزل ذاته.. ومن غير المعقول ان نتشارك المنزل لسنين ونبقى طوال الوقت
    يسمع احدنا الاخر كلام جارح والمعارك قائمة بيننا..هذه لن
    تكون حياة..ستكون جحيم وستأذين نفسك وتؤذيني...لا تحبيني..ولكن لا تكرهيني لهذا الحد ايضاً
    ارجو ِك...انا اخبرتك مسبقاً..فعلت هذا الشيء ألني اردت انقاذك فلاتجعليني اندم..
    اشاحت وجهها ناحية البحر مجدداً بحاجبين مقطوبين ولكن من دون تعليق فأكمل:
    ـ وايضاً انا لن ابقى مع ِك طويلا في المنزل ذاته..
    التفتت اليه بفضول وقد استرعى كامل انتباهها لتشاركه حديثه قائلة:
    ـ ماذا تعني؟..!
    قال جملته بتردد فهو لا يعرف طبيعة تفكيرها بعد فحتى وان لم تحبه قد لاتقبل بشيء كهذا:
    ـ اعني..بالتأكيد لا تتوقعين مني ان ابقى طوال عمري داخل حياة كهذه...يوماً ما سأجد الفتاة التي احبها
    وسأتزوج..
    ولأول مرة يشاهد ابتسامة سعادة يتزين بها ثغرها وهي تقول:
    ـ ألم يمكنك اخباري بهذا الأمر مسبقاً؟..!
    قال بتوجس:

    ردحذف
  12. أليس لدي ِك اعتراض؟..!
    تبسمت اكثر وهي تقول:
    ـ اعتراض؟؟!!...أأنت جاد؟؟!!..لما قد يكون لدي اعتراض؟..هذا اكثر شيء اسعدني قد سمعته منذ
    سنين....فأنا وانت لن نكون مجبورين ان نعش طوال حياتنا معاً..
    ـ نوعاً ما اجل..ولكن حتى بعد زواجي من غيرك ستبقين زوجتي..فأنتي تعلمين...انفصالنا يعني عودة
    المشاكل بين الأسرتين..
    ـ حسناً...ولكن سأبقى في منزل اسرتي..اليس كذلك؟..!
    عندها قام فجأة ولوح لها معترضاً وهو يقول:
    ـ لا ياعزيزتي الصغيرة هذه الفكرة لا تفكري بها من الاساس...زوجتي لن تبقى سوى في بيتي...تودين
    الذهاب نحو منزل اسرتك لتعانقي اليوم رأفت وغداً تجلسي لتمزحي مع لا أعرف من..لالا..انسي..
    فقامت بأنتفاضة وهي تقول:
    ـ ماهذا الكلام السخيف؟!..وثانياً انا لااطيقك أتريدني ان اطيقك انت وزوجتك معاً في الشقة؟..!
    ـ ان كانت هذه هي مشكلتك فقط فلاتقلقي انا لن ابقى في الشقة سأستأجر واحدة اخرى.. ولما تستأجر شقة اخرى وهذه المصاريف الإضافية وانت لديك شقة من الاساس؟..!
    ـ لا تتدخلي انتي..المصاريف سأدفعها من مالي مامشكلتك انتي؟..!
    زفرت بضيق ثم قالت:
    ـ حسناً..هذه مشكلتك..الأهم ان تبقى على رأيك وتتزوج ولا تغيره..
    تناول مفاتيحه من فوق الطاولة وقال:
    ـ ولما سأغيره؟..سأقع في غرامك مثلًا؟..
    ثم سار بأتجاه السيارة مولياً اياها ظهره وهو مبتسم ويعرف كم استفزتها جملته الاخيرة...
    كادت ان ترفع الكرسي وتضربه في الارض بكل حماقة تود ان تفرغ غضبها من عباراته المستفزة
    هذه...ولكن لا تريد ان تتحامق الأن...فهي تريده ان يبقى ثابتاً على رأيه قبل ان يتحامق هو ايضاً
    ويغيره..
    جلست بالمقعد المجاور له في السيارة بتغيير ملحوظ..قد لا تشاركه حديث..وقد لا تمنحه ابتسامة..ولكن
    كان جلياً السعادة والأرتياح الذي ظهر عليها.. ارتياحها اسعده بعد ان كان السبب به..ولكنه لا ينكر انه
    اصابه بخيبة الأمل نوعاً ما...!!
    وصل نحو الشقة وانزل هو حقيبتها من صندوق السيارة وسار يتقدمها كالعادة وهي تتبعه..
    دخلت نحو البناية وفد انقشع جزء من الخوف الذي كان يتملكها حين خروجها من منزلها بعد حديث
    الحديقة ذاك.. فتح الشقة ودخل تبعته هي وتوقفت تحدق حولها بعد خطوة واحدة داخل مملكته الخاصة
    هذه...!
    كانت نظيفة ومرتبة بشكل لا يدل انه قد بالغ او قد نظفها فقط لحضورها بل كان يبدو ان الشقة دائماً في
    حالة ترتيب هكذا!.... كانت هادئة تمنحك شعوراً بالدفئ ماان تدخلها..اثاثها فخم ولكنه لم يبالغ به..مصمم
    ومرتب بشكل جميل يوحي بلمسة آدم الخاصة عليه.... ينتشر في الأجواء عطراً مميزاً ممزوج مع العطر
    الذي يضعه آدم في الغالب!..يبدو كل شيء في مكانه المناسب بشكل مثالي...نعم قد لا تكون الشقة بذات
    فخامة منزلها ولكنها منحتها شعوراً لم تحظى به في منزلها...بل شعوراً لم تحظى منه منذ وفاة
    هزيم...!!
    وجدته يسحب حقيبتها نحو غرفتين متجاورتين لم تعلم ايهما سيدخل..تبعته وشاهدت احدى الغرفتين
    بابها مفتوح...سرير عريض ذو غطاء رمادي.. جدران مطلية باللون االزرق القاتم..مرآة تزيين تنتشر
    عليها عطوره الرجالية وفرشاة شعره...استنتجت ان هذه هي الغرفة...هنا سيدخل حقيبتها..بقيت تركز بصرها بأقتضاب الى ان انفرج وهي تسمع باباً اخر يفتح..التفتت بأستغراب لتجده يفتح الباب الثاني المجاور لغرفته ويضع حقيبتها عند بابها ويقول: تفضلي.. هذه هي غرفتك..
    اجابته بكل بلاهة وغباء:
    ـ هل سأنام بالغرفة وحدي؟..!
    كتف يديه امام صدره مدعياً الاشمئزاز وهو يقول:
    ـ وهل تنوين ان تشاركيني غرفتي؟..!
    احمر وجهها مابين خجل ومابين غضب وهي تقول بتلعثم:
    ـ بالطبع لا!!..كنت اتسائل فقط...
    ضحك ودخل نحو الغرفة يدخل حقيبتها بجوار خزانتها وهي تتبعه...كانت جدرانها مطلية باللون الذهبي
    وغطاء سريرها بلون الكراميل تزينه زهور حمراء وطاولة تزيينها مجهزة بأنواع العطور ومستحضرات
    التجميل كان واضحاً ان احداً ساعده بأنتقائها..قطعت تأملها على صوته وهو يقول:
    ـ لاأعرف نوعية العطور ولا تلك الأشياء الأخرى التي تفضليها فأحضرت لك ِهذه بالوقت الحاضر
    نصحتني بهم موظفة البيع لذلك ان اردتي ان..
    قاطعته فوراً بهدوء وبرود:

    ردحذف
  13. لست مهتمة..
    زفر بضيق وكتف يديه امام صدره واتكأ بجانبه الأيمن على باب خزانتها وقال:
    ـ هل انتي دائماً وقحة هكذا؟..!
    رفعت كتفيها بعدم مبالاة وهي تقول:
    ـ انا صريحة..ولاأحب المجاملة..
    ـ لكن نحن البشر االسوياء نحب المجاملة..مثل)شكراً لك( او )اوه لقد اعجبني(...حاولي ان تتعلمي
    كلمات كهذه..ستنفعك صدقيني..
    منحته ابتسامة مستهزئة باردة فمط شفتيه وقال بتلقائية من دون قصد:
    ـ هذه هي خزانتك..رتبي ملابسك فيها..
    نظرت اليه بوجه جامد وهي تقول:
    ـ أحقاً؟!..جيد انك اخبرتني لم اكن سأعرفها..
    ـ احاول ان اكون نافعاً ولكن لا شيء ينفع مع ِك حقاً..
    ـ أذ تركتني الأن وحدي لأحظى ببعض الراحة سينفع هذا معي كثيراً وسأكون ممتنة..
    هل هذا يعني ان ِك تطرديني؟!
    ـ ان كان هذا سيجعلك تخرج..فنعم انا اطردك لو سمحت..
    ـ انتي تعلمين ان كلمة"لو سمحت" لا تتلائم مع كلمة "اطردك" ابداً..
    زفرت بضيق وحدة وكادت ان تبدأ شجار معه فضحك وهو يرفع يديه امام صدره بأستسلام وكأنه يطلب
    منها التوقف وقال:
    ـ حسناً حسناً..انا خارج..
    لم يخطو خطوته الثانية خارج الغرفة حتى احس بأنصفاع الباب من خلفه ثم دوران المفتاح فيه
    لتقفله....نعم..انها ايام طويلة وصعبة معها..!!
    اتجهت نحو سريرها واول شيء اخرجته من حقيبتها كانت صورة داخل اطار خشبي لها ولأخيها يرتدون
    تلك البلوزتين المتشابهتين..رفعتها نحو فمها لتطبع قبلة طويلة فوق وجه اخيها لتغسله
    بدموعها..وضعتها على منضدة كانت بجانب سريرها وتناولت مهدئاتها كالعادة لتسحبها نحو سبات
    عميق تحاول ان تنسى بذلك وجودها داخل هذه الزنزانة التي تقيد روحها وانفاسها وليس جسدها
    فقط...ايام حملت لها هماً جديداً يحتاج كل يوم الى علبة مهدئات ولن يكفيها القرصين لتسحب نفسها
    قصراً عن هذا الواقع..!!
    طرقاته الخفيضة فوق باب غرفتها لم تكن كفيلة بأيقاظها من سباتها بعد يوم طويل وسهر ليل متعب
    بالإضافة الى اقراص المهدئ.. كلها عوامل جعلتها تغط بنوم عميق لا تود الاستيقاظ منه ابداً..!
    قطع طرقاته على صوت هاتفه..تبسم وهو يرمق اسم اخته سلوى ذات 25 عاماً تتصل به بألحاح..اجاب
    الاتصال وهو يبتعد عن باب الغرفة ويقول ممازحاً:
    ـ ماذا تريدين؟..!
    سمع صوت شهقتها وهي تدعي التفاجئ وتقول:
    ـ هل هناك شاب محترم يجيب على الهاتف بهذه الطريقة؟!
    ـ لا اعلم..لم اصادق شاب محترماً من قبل..
    سمع صوت ضحكتها قبل ان تجيبه:
    ـ كيف حالك حبيبي؟ وكيف حال زوجتك؟..!
    ـ بالنسبة لي انا بخير..اما بالنسبة لزوجتي فهي اما ميتةاو في غيبوبة لأنه من المستحيل ان يكون نوم
    احدهم عميق لهذا الحد..!!
    لماذا؟!
    انا اطرق عليها الباب منذ ساعة ولا تجيب..!!
    ـ ربما هي تتجاهلك فحسب ياعزيزي فأنت مزعج..
    ـ في الحقيقة خطر هذا الاقتراح على بالي ايضاً ولكن اردت ان اكون ذو شخصية وماشابه امامك
    ولا أخبرك به..!
    ضحكت مرة اخرى وهي تقول:
    ـ حسناً ياسيدي المحترم عندما تستيقظ عزيزتك من نومها ابلغها سلامي ومباركتي..
    ـ سلامك اجل ولكن مباركتك ستسفزها وستبدأ بألقاء محاضرة علي وانها لن تتقبل التهاني في عزاء
    كهذا..لذلك ارحميني..!
    ـ اعذرها ياعزيزي..فهذا صعب على كل فتاة..
    سمعت تنهيدته على الطرف الآخر واحست بمقدار الهم الذي يعتمر صدره فغيرت الموضوع قائلة فهي
    لا تريد ازعاجه:
    ـ قل لي..هل تغديت؟ وهل اعجبك الطعام الذي حضرناه لكم بالثلاجة؟..!
    فتح الثالجة وهو يرمق اصناف الطعام الشهية المصطفة هناك وقال بأبتسامة:

    ردحذف
  14. اجل..كنت افكر بالانقضاض عليها الأن قبل ان تتصلي وحاولت ان اكون لبقاً وايقظ ريم لتشاركني
    الاكل.. لكن هي الخاسرة..ستفوتها الوجبة..!!
    ـ حسناً ياعزيزي..ولكن ابقي لها البعض..لا داعي ان تكشف شخصيتك الفظيعة في الاكل في اول يوم
    زواج..
    ـ سلوى..هل ستبقين مطولًا تثرثرين؟!..ألم تباركي لنا ماذا تريدين بعد؟.!
    ـ يااللهي الفائدة...تبقى عديم اللباقة..
    ضحك واغلق الخط في وجهها كما اعتادا في نهاية كل مكالمة واخرج بعض الطعام ليأكله وهو يرمق
    باب غرفة ريم بين لحظة واخرى..ولكن لا يسمع لها اي حركة... راقب المقبض بلهفة راجياً منه ان
    يستدير ليرى تلك العيون الزرقاء تطل من خلفه..ولكن لم يحصل..حل الليل ومقبض الباب لم يستدر
    بعد..طرق الباب عليها مجدداً دون ان يسمع لها رد...بدأت فكرتين تتفاقم بداخله فحسب..هي اما قد فقدت
    الوعي فعالً او انها تتجاهل الرد عليه والتريد رؤيته او التحدث اليه..والفكرة الثانية كانت الأكثر
    احتمالًا..!!
    وايضاً تناول عشائه بمفرده وهو اليزال يراقب مقبض بابها...انقطع امله عندما دقت الساعة الحادية
    عشر ليلًا..علم ان "سندريلا" لن تظهر من اجله..حمل كوب مائه وذهب نحو غرفته لينام..عند اطراف
    باب غرفته وقبل ان يدخلها انفتح مقبض بابها..استدار بلهفة وهو لايزال يحوي مقبض بابه بين يديه...خرجت اميرته من غرفتها بشعر مشعت وعيون متورمة ملابسها الصباحية ذاتها التي اتت
    بها..بقي ينظر اليها بدهشة وذهول..كل هذا الوقت نوم؟!..من المستحيل ان يفعل احدهم هذا..رمقته
    بنظرة جانبية وهي تعيد خصلات شعرها الى الوراء فقال ساخراً:
    ـ حتى الـ"مساء الخير" لا تنفع..يجب ان اقول ل ِك تصبحين على خير..!!
    اهملت اجابته وكأنه لم يتحدث من الاساس واتجهت نحو المطبخ..تبعها الى هناك فوجدها تخرج قنينة
    ماء وترتشفها بجرعة واحدة وكأنها كانت تخوض سباق جري اصابها بضمأ شديد..اتكأ على حافة باب
    المطبخ وهو لايزال يمسك كوب الماء بيده وقال:
    ـ هناك طعام في الثالجة..تناولي بعضه..
    اكملت ارتشاف المياه الى ان ارتوت ثم قالت ببرود:
    ـ ان شعرت بالجوع سأكل..
    ـ ماذا تعنين ان شعرتي بالجوع؟..انتي لم تتناولي اي وجبة اليوم..
    التفتت اليه وقالت بنبرة اعلى قليلا عن نبرتها السابقة:
    ـ انا لست طفلة..متى اردت ان اكل فسأكل..
    رفع كتفيه بعدم مبالاة وقال:
    ـ كماتشائين..هذه مشكلتك..
    ثم اردف فوراً وهو يستدير راحلًا:
    ـ اتصلت اختي سلوى وهي تبلغ ِك سالمها..
    همست لنفسها بتذمر:
    ـ دعني اطيقك أولا ثم سأطيق اختك..!
    مد رأسه فجأة من الباب وقال:
    ـ سمعتك بالمناسبة..!!
    احمر وجهها فوراً وتلعثمت الحروف فوق شفتيها ولا تعلم سبب هذا التعلثم وهي قد قصدت ماقالت
    وتمنت لو انه يسمعها..ولكنها ندمت فوراً لأنه فعل..!
    ثم تركها ودخل نحو غرفته مبتسماً من منظرها ومن ارتباكها..!!
    رحل لتقضي هي ليلة اخرى ساهرة لوحدها كما اعتادت..بالطبع تناولت شطيرة ما لتقمع ثورة معدتها ثم
    اتجهت نحو غرفتها دون ان تبالي بأستكشاف باقي الشقة..دخلت اليها وتركت الباب مفتوح الى النصف
    بعد ان ضمنت نوم ادم..
    شغلت نفسها بعدة امور لتقضي فيها هذا الليل الطويل ومن بين هذه الأمور كان اخراج ملابسها من
    حقيبتها ونثرهم فوق سريرها لتبدأ بترتيبهم داخل الخزانة..فتحت باب الخزانة على مصارعيها وبدأت
    تتحرك ذهاباً واياباً حاملة الملابس مابينها ومابين السرير...وربما قد احدثت بعض الضوضاء من دون
    قصد جعلت ادم ينتبه انها لاتزال مستيقظة.. طرقات خفيفة فوق باب غرفتها ثم مد رأسه اليها بشعر
    مشعث وعينان بالكاد يفتحهما فالنعاس لايزال متمسك بهما وضوء غرفتها يصر على ازعاجهما..مسح
    على رأسه ذهاباً واياباً ثم انزل يده ودعك عينيه ليستفيق قليلا ويتمكن جيداً من رؤية ساعة جدار
    غرفتها التي اوشكت ان تصبح الثانية بعد منتصف الليل..
    ـ لما لا زلتي مستيقظة؟..!
    منحته نظرة سريعة دون ان تتوقف عن السير والترتيب واجابته اثناء ذلك:
    ـ انا ارتب ملابسي..
    ـ ألا ينفع ان ترتبيها في الصباح؟..!

    ردحذف
  15. سأحاول ان لااحدث ضجة كي لا اوقظك..
    ـ ليس من اجل اني استيقظت..ولكن..هذا سيجعلك تبقين ساهرة..
    ـ لقد نمت كثيراً ولا اشعر بالنعاس..
    صمت للحظة ثم كتف يديه امام صدره يراقبها بأبتسامة لا يملك القدرة على اخفائها..ولما سيخفي شيئاً لن
    تنتبه له من الاساس؟!..ركز في البداية في هيئتها التي تبدو دوماً مهملة..ولكن جميلة بطريقة ما.. بذلك
    الشعر الناعم الذي دائماً ماترفعه فتتطاير منه بعض الخصلات العنيدة ترفض ان تتقيد مع رفيقاتها.. بتلك
    العيون اللامعة التي كلما ركز فيها شعر بنفسه يغوص ويبتعد تماماً عن الواقع ولا يسحبه مجدداً الا هي..
    كل شيء فيها يبدو بريئاً..عنيداً..قوي ولكن بضعف..وضعيف بكبرياء..شيء يجعله يود لو يتمسك بها
    اكثر..لو يتكلم معها اكثر..يبقى اكثر..ولكن كبريائه يمنعه..والخوف من جرحها يبعده عنها...اكتفى
    بمراقبتها من بعيد فقط...بالضبط كما كان يفعل معها في الثلاث سنوات الاخيرة..!!
    تقدم خطوتين داخل الغرفة وسحب انظاره قصراً عنها وحولها بأتجاه ملابسها المرتبة داخل الخزانة
    وتلك المنثورة فوق السرير...هذا وردي..ذلك ابيض..وذاك اسود.. هذا بنطال..وذلك قميص..وهناك
    فستان قصير...الشيء من هؤالء هو يعرفه...الشيء مما اشتراه..والحقيبة خالية.. ولايوجد حقيبة اخرى
    احضرتها معها...التفت اليها وسألها بأستغراب:
    ـ لاارى اياً من الملابس التي اشتريناها هنا؟..!
    كانت تقف امام خزانتها تدير ظهرها اليه وهو يقف قرب السرير..التفتت اليه والفستان اليزال بيدها لم
    تضعه بعد في مكانه ورفعت حاجبيها بسخرية وهي تقول:
    ـ التي اشتريناها؟؟!!...تعني التي اشتريتها انت..
    مط شفتيه بتضايق وقال:
    ـ حسناً ياانستي اسف..اين الفساتين التي اشتريتها انا ل ِك؟..
    اعادت وجهها بأتجاه الخزانة مرة اخرى وقامت بتعليق الفستان بينما تقول بكل برود وعدم اهتمام:
    ـ قمت بتمزيقهم..!
    انقبض وجهه فوراً وضيق عينيه بعدم استيعاب وهو يقول بأستغراب:
    ـ فعلتي ماذا؟..!
    التفتت اليه مجدداً وهي تتقدم نحو السرير لتأخذ فستان اخر لترتبه..حملت الفستان ولكنها لم تتجه الى
    الخزانة بل بقيت واقفة على مقربة منه وقالت وهي ترفع حاجبها بثقة:
    ـ مزقتهم..ألم تسمعني؟..!
    ـ هل تقولين هذا فقط لتستفزيني ام ان ِك مزقتهم فعلًا؟..!
    انا ان اردت ان استفزك فسأقوم بالشيء فعلًا واستفزك به ولن اقوم بالكذب...وثانياً انا لم اطلب منك
    شراء شيء..فأنا لا اريد اي شيء منك...يكفيني هذا الخاتم الذي يحوط اصبعي ليذكرني كل لحظة بوجودك
    بحياتي.. الداعي ان تذكرني حتى ملابسي بك..
    حدق في عينيها بجمود وبجبين مقتضب وهي تحدق فيه ببرود...برود يحمل خلفه نيران..تكره صمته
    هذا.. يستفزها غموضه عندما تجرحه بالحديث ويبقى صامتاً التعرف بالضبط مايدور بداخله..ومن دون
    ان تدرك كانت تحاول بشتى الطرق ان تفهمه وتفهم تفكيره..ولكنه كان عميق ومتناقض..!!
    فجأة وجدت نفسها تضعف امام هذا التمثال الصامت..وجدت الحروف تتبعثر فوق مخارج صوتها
    وتتشتت كلماتها من الخروج مجدداً...يخيفها فعلًا عندما يغضب..ولكن ليس اي غضب..بل غضبه
    الصامت!.. تتمناه ان يشاركها شجارها..ان يحتدم مع كلماتها.. ولكنها تعلن هزيمتها فوراً اذا رأته يكتم
    غضبه ويفضل الصمت...
    بعد تحديق طال لثواني في عيني بعضهما البعض مد ادم يده بهدوء وامسك يدها..حاولت سحبها بنفور
    وكادت ان تهاجمه بالكلمات مجدداً ولكنها صمتت فوراً بذهول عندما شاهدته يشدد القبض على يدها اكثر
    ويسحب خاتم زواجهما من اصبعها...ترك يدها ورفع ابصاره النارية نحو عينيها المدهوشتين وقال
    بأقتضاب:
    ـ لس ِت مجبرة على ارتدائه اذاً..الورق فقط من سيجمع بيننا..!
    ثم عاد خطوتين نحو الوراء وهو يحدق فيها ثم استدار وخرج مغلقاً الباب بهدوء من بعده هدوء
    اليتناسب مع بركانه!...اما هي كانت لاتزال تقف في مكانها بجمود ويدها ممدودة الى الامام وكأنه لايزال
    يمسك بها... شيئاً فشيئاً استعادت ادراكها وعادت بخطوات ضعيفة وجلست على سريرها وهي تتلمس
    وتحدق بمكان خاتمها الخالي بشعور غريب!...التفتت نحو صورة هزيم التي تضعها فوق المنضدة بجانب
    سريرها ثم تنهدت بألم وهي تطرق رأسها مجدداً تحدق في اصبعها الخالي وهي تقول مع بعض دمعات
    ضعيفة:
    ـ اعلم انك ستلومني على قسوتي هذه..ولكن اليمكنني ان اكون لطيفة معه...لاسيما معه!!..انه ينتمي
    اليهم اخي..!
    ثم التفتت مجدداً نحو الصورة وكأن هزيم قد حدثها:
    ـ اعلم انه لطيف معي..ولكنه من آل مراد ياهزيم... وآل مراد سلبوك مني..بالنسبة لي جميعهم قتلوك..
    لذلك لا تلومني على قسوتي معه ارجوك...!
    ثم استندت على الجدار تضم ركبتيها الى صدرها لتطوي نفسها داخل عالمها المظلم المعتاد والذي
    التخرج منه الا نادراً!!..عالم وحدتها الذي تكون من قسوتها مع االخرين وبرودها الذي جعل الجميع
    يبتعد عنها ويتركوها بمفردها....ولكن هل سيكون ادم الآخرين ويتركها وحيدة؟.. ام انه سيخترق
    عالمها هذا حتى لو ابعدته هي بكل قسوة؟..!

    ردحذف
  16. عاد ادم نحو غرفته ولأول مرة يشعر بهذا القدر من الغضب وخيبة الأمل في آن واحد..!!
    جلس على حافة سريره يرتكز بمرفقيه على فخذيه ويمسك الخاتم بأطراف اصبعيه السبابة والوسطى
    ويحدق فيه بعمق ممزوج بغضب...انها تجبره ان يضعف امامها..ان يفضل الصمت على الاحتدام
    معها..تجرحه بكل برود متجاهلة نيرانه التي تحرقة ببطئ من جفائها هذا..قد تكون عرفته من ايام
    قليلة..ولكنه عرفها من سنين طويلة.. ولم يظن يوماً ان القدر سيجمعه بها..ولم يرد ان يجمعه بها بهذه
    الطريقة!..هو يعلم انها تكرهه..وهذا مايقتله ويذبحه ببطئ..!!
    قام فجأة من مكانه واتجه نحو درج المكتب الذي في غرفته واخرج سلسلة فضية ادخل فيها الخاتم
    وارتداها حول عنقه ولكن يخفيها تحت ملابسه كي لا يجعلها تشاهد الخاتم...الخاتم الذي احاط يوماً اصبعها الرقيق جعله قريب جداً من قلبه..مثل قربها تماماً
    ًً!!.. سيأتي اليوم الذي سيفارقها فيه..وسيبتعد
    عن هذا المنزل...وسيتزوج بأخرى ولكنه لن يبعد ابداً خاتمها من حول رقبته الا ليحوط به اصبعها
    مجدداً..واما عدا ذلك فلن يجعله بعيداً عن قلبه ابداً..!!
    كان يعلم ان حبه ساذج ولن يكون متبادالً يوماً....ولكن معها فمشاعره تنتفض وتخرج عن ارادته....فيها
    شيء يجعله يتمسك اكثر واكثر بها..ويتعاطف اكثر معها.. شيء لا يمكن ان يدرك ماهو...فكل مايدركه
    انها رغم عنادها فهي تحتاجه بشدة...وهو لن يتخلى عنها ابداً..!!
    الفصل السادس
    ليس منزل ادم من كان فقط يرتكز فوق قواعد من مشاعر متناقضة يمتزج فيها الحزن والاطمئنان
    والخوف معاً لتتشكل مشاعر غريبة...كان منزل اسرتها يشكل انعكاساً مشابهاً لحالتها لاسيما من
    ميسم..!!
    دخلت نحو غرفة ريم لتجد كل شيء موجود....ولكن خالي!...خزانتها....طاولة تزيينها وكل شيء اخر
    في مكانه ولكن من دون مقتنياتها!!.. رغم عدم خروج ريم كثيراً من غرفتها الا ان هناك فراغاً كبيراً
    احتل صدر ميسم بعد رحيلها!.. كان يكفيها ان تستشعر حركتها داخل الغرفة..ان تحس بأنفاسها..ان ترى
    بين فترة واخرى شكل هزيم ولكن بملامح انثوية!..والان اختفى كل هذا..!!
    كانت هذه هي ليلة اخرى تمر على اسرة ياسين تحمل اميرة اخرى ساهرة..ولكن ليست ذاتها اميرته
    المعذبة..بل كانت اليوم الأميرة العاشقة تحمل بين طيات قلبها كل ذكرى عن محبوبها الذي غطى التراب
    ملامحه عنها...تجول ببصرها ببطئ في الغرفة ولأول مرة استشعرت هذه الوحدة الموحشة التي تحس
    بها ريم وهي تجلس وحدها وسط ظلام الليل بعد ان يسدل الجميع اجفانهم متناسين وجودها وتاركيها
    لوحدها لا يطوف حولها سوى ذكرى اخيها... شيء ربما كان مبرراً ليدفعها لذاك الجنون وتناول تلك
    الأعداد الكبيرة من المهدئات...!!
    اسدلت ميسم جسدها فوق سرير ريم وحدقت في سقف غرفتها بعمق مع دموع هادئة تنساب ببطئ من
    عينيها لتنسدل بحياء بجانبي وجهها لتبلل رقبتها وتستكين بين الخصلات الذهبية خلف اذنها...تلك
    الشعيرات الشقراء التي يعشقها هزيم لطالما تبللت بدموع فراقه الطويل!!...اغمضت عينيها لترتسم
    ابتسامة ذكرى سعيدة تحب دائماً تذكرها لا تتناسب ابداً مع الأمطار التي تنزلها قارة عينيها...!!
    )ـ ألم يحضر اليوم ايضاً؟..!
    التفتت ميسم بأرتباك نحو زميلتها في العمل وصديقتها ليلى وهي تقطب حاجبيها تدعي عدم الفهم:
    ـ من تعنين؟..!
    ضيقت ليلى مابين عينيها بمكر وقالت بأبتسامة:
    ـ الذي تراقبين الباب كل يوم من اجل ظهوره..!!
    رتبت ميسم بعض الأوراق امامها على المنضدة وشغلت نفسها بترتيب الملابس لتبعد نظرها عن ابصار
    صديقتها التي ستكشفها وهي تقول بتلعثم:
    ـ لست اراقب شيء..
    قالت ليلى وكأنها لم تسمعها:
    ـ مرت ثالثة ايام ولم يظهر فيها..أليس هذا غريب؟..!
    حملت ميسم بعض الملابس المتروكة جانباً وبدأت بترتيبها على عارضة البيع متجاهلة صديقتها التي
    تتبعها لكل مكان مستمرة بحديثها:
    ـ ربما يفعل هذا ليجبر ِك ان تفكري به؟..!
    ـ تفكر بمن؟..!
    التفتت الفتاتان بفزع نحو هزيم الذي لم تدركا متى دخل؟! ومع اي جزء بالضبط من حديثهما بدأ
    يستمع؟..!
    كتف يديه امام صدره وقال بوجه متجهم:
    ـ ان كنتما تقصدان غيري فهذه ستكون مشكلة..
    ثم تبسم فجأة بشكل مضحك وهو يكمل:
    ـ وان كنتما تقصداني فهذه معجزة..!!

    ردحذف
  17. بالطبع ليلى اتخذت طريق الهروب لتتملص من االجابة تاركة ميسم بمفردها مع كتلة النار العاشقة هذه
    لا يمكنها جمع حروفها بشكل مناسب لتنطقها تسد بها عذراً او تتخذ اي ذريعة لتهرب منه..رحمها من هذا
    العذاب وهو شبه متأكد من ظنونه وسحب قطعة ملابس معلقة بجانبه من دون ان ينظر اليها كالعادة
    ويركز ابصاره بعيني تلك المرتبكة فقط..فناولها القطعة وقال:
    ـ سأخذ هذه..
    سحبتها من يده بيديها المرتجفتين واسرعت متهربة من نظراته نحو منضدة البيع لتسجل السعر فتبعها
    الى هناك وارتكز بمرفقيه فوق الطاولة يحني الجزء العلوي من جسده بأتجاهها ويميل رأسه قليلا بشكل
    مضحك يتطلع في وجهها الذي تنزله بشكل مبالغ فيه مدعية انشغالها بتسجيل السعر وقال:
    ـ كنت منشغل بعمل الشركة..!
    رفعت بصرها نحوه بسرعة واخفضته مجدداً بخجل واقتضاب وهي تجيب:
    ـ لم اسألك اين كنت..!
    ـ اعلم..اردت قول ذلك فحسب كي لا تظني اني مللت من القدوم..
    قدمت الفستان والورقة اليه بأرتباك وهي تغير الموضوع قائلة:
    ـ هذا هو السعر سيدي..
    تناول الاثنين منها وقدم لها بطاقته الائتمانية كالعادة كي يطول الأمر اكثر مما لودفع نقداً..سحب البطاقة
    منها بعد انتهائها خارجاً من المتجر بصمت يثير فضولها اكثر..!!
    عند باب المتجر سمع احدهم يهمس له فألتفت ليجدها تلك الهاربة ليلى..تقدم نحوها بملامح جامدة وقال:
    ـ تفضلي..!
    كتفت يديها امام صدرها وهي تقول:
    ـ قل لي..هل انت مهتم بأمر ميسم فعلا ام انك تتلاعب بها فحسب؟...
    فجأة انفرجت ملاحمه وتبسم عندما اصبح الأمر يدور حول ميسم..كتف يديه امام صدره وقال وهو يضيق
    عينيه:
    ـ وان كنت مهتم؟..!
    تبسمت وهي تعبث بأظافرها وقالت:
    ـ لأنك ان كنت مهتم فاليوم ستزور معرض اللوحات القريب من هنا في الساعة السابعة والنصف
    مساءاً..فهي تهتم كثيراً بالرسومات..
    انزل يديه يمسك بأحدهما كيس الفستان والأخرى يغرقها في جيب بنطاله وقال:
    ـ ولما تخبريني بذلك؟..!
    ـ الكلام بيننا..صديقتي هذه تحيرنا بأمرها..يأتي شاب ليتقدم لخطبتها فترفض وتقول انه لا يمكنها ان
    ترتبط بشاب التعرفه..يأتي اليها شاب يبدي اعجابه ترفض ذلك وتقول انها جادة ولن تهتم بأمور الحب
    هذه..والنعلم كيف سينتهي االمر معها..ترفض العالقة والحب وترفض خطوبة من دون ان تعرفه..وانت
    الوحيد الذي الحظت انها مهتمة به نوعاً ما..
    اتسعت ابتسامته اكثر وهو يقول:
    ـ أهي مهتمة بي حقاً؟
    ـ وقلت ايضاً "نوعاً ما"..ألم تسمعني؟!
    ـ مايهمني انها مهتمة..اما المقدار فهذا سنعرفه الحقاً..
    تبسمت ليلى وقالت:
    ـ حسناً ياروميو..انا اخبرتك بما تحتاجه والباقي عليك..
    ـ في الحقيقة هناك شيء اخير..ان قدمته لي سأكون ممتناً كثيراً..
    انزل يديه يمسك بأحدهما كيس الفستان والأخرى يغرقها في جيب بنطاله وقال:
    ـ ولما تخبريني بذلك؟..!
    ـ الكلام بيننا..صديقتي هذه تحيرنا بأمرها..يأتي شاب ليتقدم لخطبتها فترفض وتقول انه لا يمكنها ان
    ترتبط بشاب لا تعرفه..يأتي اليها شاب يبدي اعجابه ترفض ذلك وتقول انها جادة ولن تهتم بأمور الحب
    هذه..ولا نعلم كيف سينتهي الأمر معها..ترفض العلاقة والحب وترفض خطوبة من دون ان تعرفه..وانت
    الوحيد الذي لاحظت انها مهتمة به نوعاً ما..
    اتسعت ابتسامته اكثر وهو يقول:
    ـ أهي مهتمة بي حقاً؟
    ـ وقلت ايضاً "نوعاً ما"..ألم تسمعني؟!
    ـ مايهمني انها مهتمة..اما المقدار فهذا سنعرفه لاحقا..
    تبسمت ليلى وقالت:
    ـ حسناً ياروميو..انا اخبرتك بما تحتاجه والباقي عليك..
    ـ في الحقيقة هناك شيء اخير..ان قدمته لي سأكون ممتناً كثيراً..
    تطلعت ليلى نحوه بفضول فقال فوراً دون ان يعطيها الفرصة لتنتظر اكثر:
    ـ رقمها..!!
    حل المساء وعادت ميسم بشوق نحو منزلها وغيرت ملابسها بأستعجال لتصل الى معرض اللوحات
    مبكراً.. ارتدت بنطال جينز مع حقيبة قماشية طويلة تمتد من كتفها الايمن لتعبر صدرها وترتكز فوق
    خصرها الأيسر مع قميص ابيض وشعر تربط منه خصلتين مع بعضهما من الخلف وتسدل الباقي..منظر
    جذب نظر هزيم اول دخولها المعرض دون ان تنتبه لوجوده..!
    بدأت بالتمعن باللوحات واحدة تلو الأخرى بأبتسامة دافئة تأبى مفارقة شفتيها تعبر عن حماس داخلي
    تفشل في اخفائه.. وقفت امام لوحة جذبتها كثيراً لطفلة صغيرة بخصلات ذهبية تجلس عند نافذة غرفتها
    وترتكز بذقنها فوق يدها المنبسطة على حافة النافذة وتحدق في القمر الذي يعكس ضوئه في عينيها
    الخضراوين..سمعت همس بجانبها يشاركها رأيه في اللوحة:
    ـ جميلة.. اليس كذلك؟..
    كانت متحمسة لدرجة تود ان تخوض نقاش مع اي احد لتعبر له عن حبها بالرسومات ومايجذبها
    باللوحات وكأنها تود لو تجمع الحضور جميعهم وتبدأ بأخذهم في جولة على لوحات المعرض كلها
    وتشرحها لهم ومايعجبها فيهم ومايميز اللوحة..تود ان تتشارك حديثها مع اي شخص يملك ولعها
    ذاته!!..ولع وحماس كانا مبالغين فيهما لدرجة اجابت الهامس من دون ان تنظر اليه:

    ردحذف
  18. بل اكثر من جميلة..انها رائعة!!..انها تصف هدوء القمر بالمعنى..
    فجأة قطعت حديثها عندما بدأ عقلها يستوعب صوت الهامس..وتلك النبرة المتكررة دائماً..وذلك العطر
    المميز.....هزيم!!....عند هذه الفكرة انتفض عقلها والتفتت اليه دفعة واحدة بتفاجئ وانفرجت شفتيها
    بدهشة بينما هو كان يحدق فيها بهدوء وأبتسامة.. قالت بتلعثم فوراً:
    ـ أنت..كيف..
    وقبل ان تكمل جملتها التي كانت مبعثرة من الاساس امسكها من يدها فزاد ارتباكها اكثر وسحبها لتسير
    معه قصراً وهو يقول بذات حماسها:
    ـ دعيني اري ِك لوحة جذبت نظري بشدة حتى اني حجزتها وسأشتريها..!!
    حاولت سحب يدها بشتى الطرق وابعاد يده بالأخرى ولكنه كان متمسك بها بقوة! الى ان اوقفها امام
    لوحة لمجموعة اطفال مشردين يجلسون القرفصاء ويشكلون دائرة مع بعضهم امام سور حديقة العاب
    فخمة ويضعون بينهم مجموعة احجار والعاب مكسرة يلهون بها وخلف اسوار الحديقة تلك طفل ثري ذو
    ملابس مرتبة وجميلة يستند برأسه بأسى على السور متجاهلا كل الألعاب الجميلة خلفه ويحدق
    فيهم..اشار هزيم نحو اجزاء اللوحة يشرح لها ما جذبه دون ان يترك يدها:
    انظري الى ابتسامة هؤلاء الأطفال..انها ابتسامة حقيقة فعلا وبسيطة..ولكن ليس هذا اكثر مايجذبني..
    فلو ركزتي باللوحة جيداً ستلاحظين ذلك الطفل الثري لا تهمه كل الإمكانيات والألعاب التي يمتلكها ويمكنه
    اللهو بها..ستلاحظين بوضوح نظرة التمني في عينيه لو انه يشارك هؤالء الأطفال لعبهم..
    ثم التفت نحو عينيها الساحرتين اللتين تحدقان فيه بذهول واكمل:
    ـ تجعلني اشعر انه بأمكاننا ان نحصل على السعادة من اشياء بسيطة..ولسنا نحتاج الكثير كي نشعر بها..
    انها موجودة في كل شيء حولنا..!!
    تبسمت وقالت بأحراج:
    ـ سيد هزيم..يمكنني ان افهم شرحك من دون ان تمسك يدي..!
    ـ انتي خارج ساعات العمل الأن..الا يمكنك ان تناديني هزيم فحسب؟..!
    سحبت يدها ببطئ وهدوء وهي تقول بحزم ولكن مع ابتسامة..فهي ابسط من ان تكون قاسية في الحديث
    مع احدهم:
    ـ اسفة..لايمكنني ذلك..فأنا لاأعرفك..
    كتف يديه امام صدره وقال:هزيم سيف...صدقيني هذا كل ماتحتاجين معرفته عني..
    تبسمت واجابت:
    ـ ومن قال اني اريد ان اعرف؟..!
    تقدم خطوة نحوها وهو يضيق عينيه بمكر ويقول:
    ـ ألس ِت مهتمة؟..!
    تنحنت بأرتباك واعادت خصلة من شعرها خلف اذنها واشاحت وجهها جانباً وهي تقول:
    ـ انا الاعرفك ألهتم..
    ـ وها انا ذا اعرفك بنفسي..!
    التفتت اليه بأستغراب فقال لها فوراً بأبتسامة:
    ـ فأنا اريد ِك ان تهتمي..!!
    ـ وان لم ارد ذلك؟..!
    حاولي لتكتفشي ان كن ِت تريدين ذلك او لا....أليس هذا عادلًا؟!...اعطني فرصة وامنحيني بعض
    الوقت..واسمحي لي ان اقترب خطوة من ِك..ألفهم ِك.. لتريني.. لأحدثك لتسمعيني ان بقيتي مصرة على
    عدم الاهتمام..فسأبتعد..ولن ادع ِك تريني مجدداً...ولكن ان اهتممتي فسأتمسك ب ِك بكل مااملك من قوة..!!
    انفرجت شفتاها بذهول واتسعت عينيها بدهشة وهي تحدق فيه بعدم استعياب واستغراب ثم قالت بضعف
    وارتباك:
    ـ أنت..لما تفعل هذا؟..!
    ـ افعل ماذا؟..!
    فجأة وجد ملامحها تقتضب ونبرتها تكتسي بالاستياء وهي تقول:
    ـ أتريد مني ان اصدق انك وقعت بغرامي من النظرة الأولى واصبحت فجأة لا يمكننك ان تتخلى عني وانك
    تركت فتيات عالمك الفاتنات لتجذب نظرك موظفة متجر بسيطة مثلي؟..!
    اجابها ببراءة وبساطة:
    ـ اجل..اريد ِك ان تصدقي هذا..!
    زفرت بأستياء ثم قالت:

    ردحذف
  19. سيد هزيم!..انا لا اصدق بالحب وامور كهذه..انا انسانة جادة ولن يغريني هذا الكلام..انا وانت مختلفين
    عن بعضنا كثيراً والنتشابه بشيء ليربطنا ببعضنا.... انت اليوم رأيت لوحة فأعجبتك فأشتريتها ببساطة..
    اما انا فسأكتفي بتصويرها ألني لاأملك المال لشرائها... انت تستيقظ لتجد فطارك جاهزاً تتناوله في
    سريرك اما انا فعلي ان اعمل واعمل لأتمكن من توفير الفطار..!
    ـ ولكني الاتناول الفطار في سريري..نحن لدينا مائدة نأكل عليها..
    فجأة وجدت استيائها ينقطع لتحل محله ضحكة لاارادية فتبسم وقال:
    ـ ما سيناريو الافلام هذا !!...وستبدأين الأن بقول انت ثري وانا فقيرة والناس في عالمك لن يتقبلوني
    وتجعليني اشعر اني قادم من عطارد وعائلتي ترفض الارتباط ببشرية..!!
    امسكها من يدها مجدداً وسحبها معه لتسير وهو يقول:
    ـ كفي عن هذه الثرثرة وتعالي لأريك اللوحة الأخرى التي اعجبتني...
    وقفت فأوقفته معها جبراً ولكن دون ان تسحب يدها وقالت:
    ـ أأنت جاد؟!...أستختم الحوار هكذا ببساطة؟..!
    التفت اليها وقال:انه حوار سخيف لاارى فائدة من مناقشته..!
    فهتفت به فوراً غير مصدقة مايقوله:
    ـ تظن ان حواري سخيف؟..!
    فهتف بها ايضاً:
    ـ اجل سخيف!..انا معجب ب ِك وافكر بالارتباط ب ِك ما دخل الفطار بهذا الموضوع سواء تناولته في سريري
    او على المائدة؟!...وثانياً كيف سأتناول فطاري في سريري قبل ان اغسل اسناني ايتها الذكية؟..
    كزت على اسنانها بغيظ وهي تقول:
    ـ كان تعبيراً مجازياً فحسب لم اقصد انك تتناوله فعلا انا كنت اوضح فكرة..
    ـ انا لااحب التعبيرات المجازية لاني لاافهمها فتكلمي بوضوح لو سمحتي..
    كان منظرهما وطريقتهما في النقاش مضحكة جداً.. وطفولية جداً!!..حاولت سحب يدها ولكنه لم يسمح
    لها بل سحبها بأتجاهه اكثر فرفعت بصرها اليه بأرتباك فتبسم قائلا:
    ـ علي تسجيل التاريخ والوقت..فهذا اول شجار لنا..
    لمسات خفيفة فوق يدها افزعتها من سكونها وفتحت عينيها لتجد سامي يحدق فيها بأستغراب وهو
    يقول:
    ـ ماما..انتي تبتسمين وتبكين..!!
    ضحكت ميسم واستقامت بجسدها حاملة معها سامي وواضعة اياه فوق حجرها وقالت:
    ـ لما استيقظت من نومك ايها الشقي؟..!
    ـ هل يمكنني ان انام قرب ِك؟..!
    ضمته اليها بقوة وقبلته من قمة رأسه وقالت:
    ـ بالتأكيد ياصغيري..!حملته وهي تلقي نظرة اخيرة على غرفة ريم ثم اطفأت انوارها
    وخرجت مغلقة بابها ليدوي صدى الانغلاق في ارجائها ويكتنف الظلام زواياها!...فرد اخر
    رحل عن هذا المنزل وانطفئ نوره!...ظلام جديد سيحل مكانه!.. وفراغ جديد سيحتل ذكراه!..ربما لن
    يشهد منزل آل ياسين سوى وداع ورحيل...كل يوم سيختفي منهم فرداً دون ان يحل احداً مكانه...!!

    ردحذف
  20. الفصل السابع
    فتحت ريم عيناها بتثاقل تأبى ان تصحو الأن بشكل تام!...لايزال النوم يلتصق بجسدها والخدر يدب في
    اوصالها ولكن رغم هذا اجبرت نفسها ان تقوم من سريرها...رمقت ساعتها المنضدية بنظرة خاطفة
    لتدرك انها الساعة الثانية بعد الظهر!...دعكت عيناها بقوة فتنشطتا قليلا لتتمكن من رؤية طريقها
    بوضوح وهي تخرج من الغرفة...فتحت الباب وخرجت خطوة خارجها لتجد الشقة تدخل في سكون
    تام!...ماتعلمه ان آدم في اجازة من عمله هذه الأيام ونادراً مايخرج من المنزل.. وتيقنت انه لم يخرج
    عندما لمحت هاتفه ملقى على االريكة بجوار حاسوبه الشخصي!...التفتت بأتجاه الحمام فوجدت بابه
    مفتوح..والمطبخ كذلك!.. اين هو؟..فأكمل بصرها استادرته في الأرجاء الى ان وقع على باب الغرفة
    المجاورة لغرفتها..وها هو آدم!!...كان باب غرفته مفتوح وهو مستلقي على وجهه فوق سريره يغط
    بنوم عميق...حدقت فيه لثواني لتبدأ من ـ دون وعي منها ـ ابتسامة خفيفة بالظهور فوق شفتيها...هكذا
    كان ينام هزيم بالضبط..!!
    كان يشبهه نوعاً ما...بهيئته..بمزاحه الدائم وتعليقه على كل شيء...كان يشبهه في غضبه المفاجئ الذي
    يحوله من انسان هادئ ولطيف من لحظة الى بركان هائج واعصار في اللحظة التالية!....بين آدم وهزيم
    شيء متشابه التعرف ماهو ولكنه يبث الشعور ذاته في داخلها..!!
    وفجأة انتبهت على نفسها وعلى تحديقها الابله به الذي استمر من الثواني الى الدقائق وهي بعالم اخر
    وقد نست امر الكره الذي يربطهما ببعضهما..!!
    عاد حاجبيها ليلتحما مجدداً وعاد وجهها للانقباض وهي تتركه وترحل بأتجاه الحمام تقتل بذلك كل خلية
    تعاطف تنبض بداخلها اتجاهه..!!
    رشقت وجهها بالماء لتبعد النعاس عنها ثم رفعت بصرها بأتجاه المرآة التي امامها...لم تكن المرآة
    تعكس صورة فتاة شابة...كانت تعكس صورة شبح!...ذلك الوجه الشاحب..تلك العيون الذابلة..وتلك
    الهالات السوداء...لا شيء من هذا ينتمي لعالم الفتيات الذي نسته منذ سنين!.. لأول مرة تحدق في
    وجهها بهذا العمق وتدرك بالفعل انها بحالة مزرية!..ومن دون ان تدرك لماذا وجدت عبارة آدم
    المستهزئة من شجارهما الأخير تصدح في عقلها.. "ولو عرضو علي الأمر لم اكن سأوافق ابداً...فأنتي
    لا تتناسبين ابداً مع المواصفات التي اريدها"...
    فأشاحت وجهها بغضب عن المرآة فوراً وزفرت بضيق...فليذهب للجحيم هو رأيه!...فهي لن تبالي ولن
    تغير نفسها من اجل ان تناسب ذوق حفيد مراد..!
    عادت نحو غرفتها وحرصت على ان تكون خطواتها هادئة كي لا توقظه..ليس بالطبع انها التريد ان تقلق
    نومه!..ولكنها لا تريد ان تقابله او ان تخوض اي حديث معه..!
    دخلت نحو غرفتها وغيرت ملابسها وحرصت على تخبئة حبوبها جيداً كي لا يجدهم..
    خرجت بهدوء من الغرفة ثم فتحت باب الشقة وخرجت بنفس الهدوء دون ان تترك رسالة او ان توقظه
    وتخبره بخروجها..
    وبالطبع اول مكان توجهت اليه كان قبر اخيها هزيم...ومثلما اعتادت فأنها تقضي كل الوقت بالبكاء
    والصراخ وكأن هزيم قد مات لتوه!.. لايزال جرحها من دون التئام...كلما حاولت ان تستوعب انه فارق
    الحياة كلما رفض عقلها تصديق الأمر بشدة لدرجة تكاد تفقد صوابها..!!
    ذلك المنظر الأخير الذي رأته لا يمكنها نسيانه ابداً...تحت ذلك المطر وفي ذلك الظلام.. هزيم قد فارق
    حياته!!...وقاتله يقف على بضع خطوات منها ولكن الظلام ستره عنها ومنعها من رؤيته بوضوح!...ولم
    تركض خلفه لتراه.. فجسدها يرفض ان يبتعد عن توأمها ويداها ترفضان افلات يديه لدرجة عانى الأطباء
    بصعوبة كي يبعدوها عنه ولم تفعل ذلك الا بحقنة مهدئ...وتلك كانت بداية ادمانها...!!
    عادت الى المنزل لتجد اسرتها مشغولين كالً بنفسه فألتجئت الى المهدئ مجدداً استيقظت صباح اليوم
    التالي لتدرك ان ماعاشته في الامس لم يكن مجرد كابوس..بل كان واقع عليها ان تتقبله..فلم
    تفعل..والتجئت الى النوم كي تهرب من هذا الواقع عن طريق المهدئات ايضٍا....ويوم بعد يوم..وشهر بعد
    شهر..لم تجد ريم نفسها الا وقد اصبحت مدمنة لا يمكنها عيش يوم واحد من دون تلك الحبوب..!!
    مرت عليها ساعة وربما اكثر من ذلك وهي لاتزال جالسة عند القبر تتمنى لو انها تقضي يومها كله هناك
    دون حتى ان تشعر بالملل او التعب..ولكن ليس كلما يتمناه المرء يناله..!!

    ردحذف
  21. ودعت قبر اخيها وذهبت نحو منزل اسرتها من اجل رؤية سامي...دخلت بسيارتها من البوابة الحديدية
    الضخمة وسارت في الممر الحجري فلاحظت سامي يلعب في الحديقة بمفرده.. يمسك السيف الورقي
    ويرفعه عالياً ويطعن الهواء ليرديه قتيلا ثم يطلق ضحكة "انتصاره الشريرة" كما كان يسميها!..نزلت
    تضحك من السيارة على منظره هذا وماان رآها حتى رمى سيفه جانباً وركض اليها بسرعة فتلقته بين
    يديها ورفعته عالياً لتدور بضع دورات حول نفسها ثم قبلته قبلة طويلة وضمته اليها بقوة وهو يتشبث
    برقبتها بأشتياق...ابعدت وجهها قليلا كي تتمكن من رؤية عينيه وقالت بأبتسامة رغم دموعها:
    ـ كيف حال اميري الصغير؟..!
    فقبّلها فوق خدها قبل ان يقول:
    ـ بخير! وقد اشتقت ل ِك جداً عمتي..!
    ضمته اليها مرة اخرى وهي تقول بحنان:
    ـ ياحبيبي المدلل الصغير وانا قد اشتقت اليك اكثر..!!
    ـ ألم يأتي العم آدم مع ِك؟..!
    فتحت عينيها بحدة فوراً وتمنت لو انها تمحي ذاكرته كلها كي ينسى هذا الاسم!!..زفرت بضيق ولكنها
    ابقت نبرتها هادئة وهي تجيبه.. فلاتريد ان تدخل افكار الإنتقام والكره منذ الأن في عقل هذا الصغير: لا حبيبي..لم يأتي...انه نائم...!
    فأجابها ببرائة:
    ـ وهل سيأتي عندما يستيقظ؟.!
    لا تعلم لما كل ذلك الغضب ينفجر بداخلها كلما ذكرو اسمه امامها رغم انهم ومنذ ارتباطهم والى اليوم لم
    ترى منه سوى حسن المعاملة...!
    تجاهلت سؤال سامي مدعية انها لم تسمعه كي لا يلاحظ استيائها وقالت:
    ـ ماالذي يفعله حبيبي وحده في الحديقة؟.. لما لا تلعب هيلين معك؟..
    ـ لقد ذهبو هذا الصباح...لقد عاد العم ادهم من سفره ورحلت العمة نسرين نحو منزلها..!
    ـريم؟؟..!!
    التفتت ريم نحو نبرة ميسم المتفاجئة وهي تتقدم اليها فأنزلت سامي من بين يديها لتحتضنها ميسم فوراً
    بشوق وهي تقول:
    ـ آه يااللهي حبيبتي لقد اشتقت ل ِك كثيراً..!!
    بادلتها ريم عناقها وهي تقول:وانا كذلك عزيزتي...لقد اشتقت ل ِك كثيراً..
    فأبتعدت ميسم ونظرت خلفها بتوجس ثم قالت بتردد:
    ـ هل...اتيتي وحد ِك؟..!
    ـ اجل..!
    فأمسكتها ميسم من يدها وقالت:
    ـ تعالي لندخل اذاً بدل وقوفنا هنا..!
    دخل الثلاثة ليجلسو في الصالة بمفردهم.. فبلقيس كانت في مشوار وسيف كالعادة في الشركة واما
    نسرين فكما قال سامي قد عادت نحو منزلها بعد عودة زوجها ادهم..
    تبادلن بعض الحديث وتمازحن مع سامي ثم وبعد دقائق طلبت ميسم من سامي ان يكمل لعبه في
    الحديقة..فأدركت ريم فوراً انها تريد قول شيء ما..!!
    ماان ابتعد سامي حتى التفتت اليها ميسم بأهتمام وهي تقول:
    ـ اذاً؟..!
    فأجابت ريم:اذاً ماذا؟..!
    ـ كيف هي امورك مع آدم؟..!
    فرفعت ريم كتفيها ببرود وهي تجيب:
    ـ الشيء مهم..!
    ـ ماذا يعني الشيء مهم؟..هل يحسن معاملتك؟..هل يعامل ِك ببرود او بعدم اهتمام او انه..
    وقبل ان تكمل وجدت ريم نفسها تجيب تلقائياً من دون وعي منها:
    ـ انه لطيف..!
    فتوقفت ميسم عن الكلام فوراً وهي ترى ذلك الحزن يعتصر بعينا ريم وهي تنطق عبارة لم تتوقع ابداً ان
    تصدر منها...ولكنها عبارة اراحت ميسم وطمأنتها بشكل ما من ان ريم تتلقى حسن معاملة..!تنهدت
    ميسم بأرتياح ثم قالت:
    ـ هذا جيد..أليس كذلك؟..
    نظرت لها ريم بعيون دامعة وتائهة وكأنها في عالم اخر ثم قالت بضعف:
    ـ لا...ليس جيداً ميسم...هذا يجعلني اشعر بعدم ارتياح على الدوام..

    ردحذف
  22. ولماذا؟..!
    ـ انه لطيف...لطيف جداً!...وهو يحسن معاملتي ويتركني اتصرف بحريتي..بل حتى اني وجدته قد جهز
    لي غرفة خاصة لوحدي واحترم خصوصيتي....ولكن هذا انا لااطيقه!.. اكرهه بشدة...مهما بدا لطيفاً فهذا
    اليغير اي شيء بداخلي من شعوري اتجاهه بل ويزيدني كرهاً...وهذا مايجعلني اشعر بعدم االرتياح
    معه... ليس من المفترض ان يكون لطيفاً معي وانا اعامله بهذا الجفاء!...اريده ان يبادلني برودي
    وجفائي ذاته...
    ـ كي لا يجبر ِك اسلوبه ان تغيري نظرت ِك اليه... أليس كذلك؟..!
    قالتها ميسم بعطف بينما نظرت اليها ريم بضياع فأكملت ميسم بأبتسامة دافئة:
    ـ كي لا تتغير مشاعر ِك في يوم ما اتجاه احد افراد اسرة مراد..تظنين ان ِك بهذا ستخونين ذكرى اخي ِك
    ومقتله أذ تعاملتي بلطف وود مع احد افراد اسرة مراد...صحيح؟
    عند هذه اللحظة بكت ريم ولم تعد تتحمل ادعاء التماسك اكثر!... فميسم قد نطقت ماحاولت هي انكاره..!
    فأحتضنت ميسم وجه ريم بين كفيها وقالت بحنان:
    ـ عزيزتي...ان اصبحتي لطيفة معه فهذا اليعني انك قد سامحتي قاتل اخيك...فآدم لم يفعلها ياريم ولا ذنب
    له بمافعله غيره...انا لااعرفه جيداً ولم اراه سوى لمرتين فقط...ولكن بأمكاني ان احكم على الشخص من النظرة الأولى...وانا رأيت تلك النظرات التي تجتمع في عينا آدم في يوم زواجكما عندما ظننا ان ِك
    هربتي.... رأيت ذلك القلق والخوف علي ِك فيه اكثر من البقية... لذلك اظن انه شخص جيد..واظنه
    الشخص الذي سيسعدك...انا اقول هذا في حق احفاد مراد.. ولكن لا يعني اني قد سامحت تلك الأسرة عما
    فعلوه..ولا يعني اني نسيت ذكرى زوجي..!
    فنظرت لها ريم وهي تقول:
    ـ وماادراني انه لم يقتله ياميسم؟...فنحن لم نعرف من قتله منهم؟..
    مسحت ميسم برفق فوق يدها وهي تكمل بهدوء:
    ـ الذي بأمكانه ان يقتل..فبأمكانه ان يكون قاسياً...أليس كذلك؟...ولكن آدم ليس قاسياً مع ِك على
    الإطلاق...وحتى لوكان هو.. فنحن لسنا متأكدين من ذلك...ربما هو..وربما ليس هو...فلما نعامله على
    انه القاتل؟..لما لا نعامله على انه ليس كذلك؟..!
    ـ ماالذي تحاولين الوصول اليه بالضبط ياميسم؟ ـ ا
    أحاول الوصول لحمايت ِك ياعزيزتي.... انتي الأن وسط تلك العائلة...عائلة دامت عداوتنا
    معها لمدة خمسة عشر عاماً..وليس عداء عادي...انها عداوة دماء ياريم!...مثلما هم قتلو عزيز علينا
    فبعض افرادنا بالتأكيد قد قتلو عزيز عليهم لذلك ان كان آدم قد عامل ِك بلطف ولم ينظر الي ِك على ان ِك ابنة
    اعدائه فقد اليفعل البقية هذا...ونحن لا نعرف ماالذي قادرين البقية على فعله...وآدم الشخص الوحيد الأن
    الذي بجانبك...
    ثم شددت على قبضتها اكثر وهي تكمل:
    ريم...اسفة لما سأقوله ولكن تذكري ان اسرتك تحب ِك ولكن رغم حبهم ورغم كون ِك ابنتهم الا ان هذا لم
    يمنعهم من التخلي عن ِك وترك ِك وحيدة في الوقت الذي احتجتي فيه ألي احد بسبب انعزال ِك وانطوائ ِك..
    لقد خسرتي ثلاث سنين من حيات ِك..وخسرتي نفس ِك.. وخسرتي ايام من المفترض ان تكون اجمل ايام
    حيات ِك.. لذلك لا تخسري ماتبقى من ايام شباب ِك وعيشي حيات ِك..لن اطلب من ِك ان تحبي آدم فأنا اعلم كم
    هذا صعب علي ِك في الوقت الحالي...ولكن اعطيه فرصة كي يكون مثل صديق ِك على الاقل!... التخسري
    الشخص الذي يستمر بأغداق ِك وابل من الاهتمام واللطف رغم انه بالكاد يعرف ِك ورغم اسلوب ِك
    معه...فحيات ِك شبه ابدية معه الابد ان تحتاجي لمساندته في يوم ما....لذلك لا تخسريه الأن...فسيأتي يوم
    لتحتاجيه ولن تجديه...
    زفرت ريم بضيق ثم قالت:
    ـ ميسم...كلامك يبدو منطقياً..ولكن هذا هو مااعنيه بالضبط..
    فقطبت ميسم حاجبيها بأستغراب وهي تقول: لم افهم..
    فقامت ريم فوراً من مكانها وبدأ شيء من العصبية يظهر على نبرة صوتها وتحركات جسدها وهي تقول:
    ـ هذا مايجعلني اشعر بعدم الارتياح ياميسم... هو لطيف معي..هو لم يؤذني..هو لم يسمعني كلمة جارحة
    مثل الكلمات التي اسمعها له.. من المفترض ان ابادله احترامه....نعم كل هذه اشياء منطقية ومن
    الطبيعي ان يفعلها كل شخص..ولكن ليس انا...!
    ثم ارتفعت نبرة صوتها اكثر وقد سمحت لبضع دمعات ان تفلت من بين جفونها وهي تكمل:
    ـ كلما كان لطيفاً كلما كرهته اكثر.....نعم كالمك صحيح...انا اكرهه لأني مرعوبة من فكرة ان احبه او ان
    استلطفه في يوم ما بسبب معاملته معي...ولكن لا يمكنني فعل شيء بخصوص هذا الامر...لا يمكنني الكف
    عن كرهه..لا يمكنني ان استلطفه ابداً..وكأنني مصابة بلعنة ما ياميسم تجعلني اكره كل البشر وابتعد عن
    كل البشر..سواء ان كانو من عائلة مراد او من غيرهم..
    فقامت ميسم من مكانها وضمتها اليها قائلة:
    ـ لا بأس ياحبيبتي!....انها مجرد فترة سيئة ستنسيها في يوم ما...انها ايام لن تعود وستصبح مجرد
    ذكريات قد لا تخطر على بالنا مجدداً بعد ان يمنحنا القدر السعادة....لننتظر فقط..!

    ردحذف
  23. كلمات بسيطة وجميلة جعلت براكين ريم تهدأ فوراً وتركت نفسها بين احضان ميسم لتنساب هذه
    الطمأنينة اليها.....كم ترى الحياة جميلة ومليئة بالامل وهي تستمع لكلمات ميسم تلك!!..ولكن سرعان
    مايخيم الظلام وينقشع التفاؤل ماان تبتعد ميسم عنها وماان تعود لتبقى بمفردها..!!
    دقائق اخرى استمرت على وجودها حتى عادت امها...حسناً..لن اصف اللقاء والحديث.. فاللقاء من جانب
    ريم كان بارداً وعادياً لم تبالي بترحيب امها وفرحتها بقدومها...فأمها لم تكن تبالي في الماضي بوجودها
    او عدمه...لا تعلم هل ابنتها مستيقظة ام نائمة؟...تناولت طعامها او لا؟.. خرجت من غرفتها ام لاتزال
    حبيستها؟... ولاتزال ريم تلاحظ عدم الاكتراث هذا من خلال اسئلة والدتها لها التي تنوعت مابين السؤال
    عن آدم وما بين اسرته وهل زارها احداً من اسرته ثم اغدقت عليها وابل من النصائح في كيفية تعاملها
    مع آدم ويجب ان لا تغضبه وتعصي اوامره كي لا ينفصل عنها وتعود العداوة بين الاسرتين وان عليها ان
    تتحمل و و و و...الخ.
    كلمات ونصائح واحاديث جعلت ريم تصاب بالاختناق من الجلوس اكثر فقامت لتودعهم وترحل....وألول
    مرة يتملكها هذا الاحساس..الاحساس بالانتماء لمنزل آدم...!
    ارادت الهروب من هنا...ارادت الرجوع نحو آدم وشقته..شعورها بالراحة والأمان هناك اكثر من منزل
    اسرتها الذي خنقها وارادت الخروج منه....الخروج منه لتعود اليه..!
    لم تعد نحو الشقة بأجبار...لم ترحل عن منزلها وهي متمسكة به تود البقاء اكثر...بل نهضت
    بأرادتها...وخرجت بأرادتها...وعادت نحو آدم بأرادتها دون ان تشعر انها مضطرة لذلك... بل احتاجت
    لذلك...!
    كانت الساعة تشارف ان تصبح السابعة مساءاً عندما وصلت ريم نحو الشقة...وبالتأكيد لم تكن تملك
    مفاتيح لذلك اضطرت لطرق الباب...
    ربما ثواني او ربما اقل من ذلك حتى انفتح الباب بقوة يحمل خلفه غضب آدم مما اجفل ريم فوراً من
    انفتاح الباب بهذا الشكل ومنظر آدم الثائر من خلفه..!!
    جعلها تدخل حتى اغلق الباب بعنف وهو يهتف بوجهها:
    ـ اين كن ِت بحق السماء؟..ولما لا تردين على اتصالاتي؟..ولماذا لم تقولي ان ِك ستخرجي من الاساس؟..
    تلعثمت الحروف فوق شفاهها وهي تنظر بأرتباك واستغراب نحو كتلة القلق هذه التي تحتل تقاسيم
    وجهه ونبرة صوته فقالت:
    ـ انت..لقد كنت نائماً..وهاتفي من الاساس تركته هنا ولم أخذه معي..
    فهتف بها بعصبية اكبر:
    ـ ولما لم توقظيني لتخبريني؟..
    ثم اردف فوراً بنفس الانفعال قبل ان يترك لها الفرصة لتجيب:
    ـ واين كن ِت؟..!
    فنظرت له بتردد وترقب وهي تنطق عبارتها.. فهي لا تعلم بعد ردة فعله ورأيه بهذا الأمر الذي ربما لن
    يسمح لها به مجدداً:
    ـ لقد..لقد ذهبت لزيارة اخي.. ومن ثم ذهبت لرؤية عائلتي..لم اظن انك ستمانع..
    عند هذه النقطة لاحظت ملامحه تبهت فجأة وكل براكين غضبه تهدأ ليقول لها بنبرة خالية من اي انفعال
    فوراً:
    ـ أنا اسف..بالطبع لن امانع هذا من حقك لكن ياليتك اخبرتني قبل خروجك..لقد كدت افقد عقلي عندما لم
    اجدك ِولم تردي على اتصالاتي..
    عندها انسابت بعض الطمأنينة الممزوجة بسعادة الى قلبها من انه لن يعارض امر زيارة قبر اخيها متى
    شائت او ان تذهب نحو اسرتها...
    صمت آدم للحظات وهو يتنهد بقوة ثم قال:
    ـ ريم...انا لن امانع خروج ِك من المنزل ولكن ارجو ِك اعطني علم قبل خروج ِك كي الاقلق.. وان حصل
    مثل اليوم ووجدتني نائماً فأيقظيني او ارسلي رسالة على هاتفي اقرأها عندما استيقظ او اذا اردتي هناك دفتر ملاحظات صغير في المطبخ ذو اوراق لاصقة قومي بكتابة مالحظة لي وعلقيها على باب الثلاجة
    كي اقرأها..
    مرت من جانبه بأتجاه غرفتها وهي تقول ببرود وعدم مبالاة:
    ـ حسناً.. ثم دخلت نحو غرفتها فجذب نظرها هاتفها الموضوع فوق المنضدة فتملكها فضول ان تعرف
    كم عدد المرات التي اتصل فيها آدم.. اضائت شاشته لتتوسع عيناها بدهشة...130مكالمة لم يرد عليها
    و6 رسائل...!!!!
    فتحت الرسائل بفضول اشد لتقرأ محتواها..
    مرحبا ريم..اين انتي؟
    لما لا تردين على الاتصال؟
    متى ستعودين؟
    لقد تأخرتي..هل انتي بخير؟
    ابقي في مشوارك لاامانع ولكن فقط ردي على الاتصال او اجيبيني برسالة لأطمئن..
    ريم اجيبي الاتصال بحق السماء لقد بدأت افقد اعصابي بالفعل؟

    ردحذف
  24. رفعت حاجبيها مع هذا القدر من االهتمام.. لما عليه ان يقلق عليها بهذا الشكل؟..فهي بالتأكيد ليست
    صغيرة ولن تضيع ان خرجت بمفردها..!!
    دقائق اخرى حتى سمعت طرقاته الخفيفة فوق الباب ثم صوته وهو يقول:
    ـ هل بأمكاني الدخول؟..!
    فأعادت الهاتف فوق المنضدة فوراً مدعية عدم رؤية رسائله واتصاالته وتنحنحت لتخرج صوتها بارداً
    كالعادة وهي تجيبه بهدوء:
    ـ تفضل..
    فتح الباب وهو يحمل بيده صحن يحتوي على شطيرة فدخل ووضعه على المنضدة مجاوراً لهاتفها ثم
    نظر لها وقال:
    ـ وجه ِك شاحب..بالتأكيد لم تأكلي شيئاً منذ الصباح لذلك ُكلي هذه..
    نظرت نحو الصحن مدعية عدم المبالاة رغم ان مابداخلها مشاعر تغلي واحاسيس متضاربة!....فهذه
    الجملة وهذا التصرف رغم بساطته تمنت لو انه صدر من امها عند زيارتهم لها بدل ان تغدق عليها تلك
    النصائح السخيفة!.. تمنت ان تسألها عن صحتها وهل تنام جيداً؟ هل تأكل جيداً؟ هل هي سعيدة؟..ولكن
    بدل هذا كله هي اكدت لها ضرورة تحملها للتعاسة في سبيل حماية اسرتها الى الابد..!
    رفعت بصرها اليه وهو يستدير راحلًا فأستوقفته عبارتها:
    ـ كف عن ذلك رجاءاً..!
    التفت اليها بأستغراب ليجد دموعها تصارع من اجل البقاء داخل عينيها فقال بعدم فهم:
    ـ اكف عن ماذا بالضبط؟..!
    منحت نفسها ثواني من الصمت كي تستجمع ثباتها ثم قالت بحزم وهدوء:
    ـ انا منذ ثلاث سنوات معتادة على الأهمال دون ان يهتم بي احد...لذلك صدقني ان اهملتني او لم تبالي
    بوجودي فلن يشكل هذا فارقاً بالنسبة لي..بالعكس تماماً...سيجعلني اشعر اني لاازال اعيش وسط
    اسرتي...لذلك لست مضطراً ان تتصرف تصرفات هكذا معي..فهذا لن يغير شيء بيننا ابداً...
    رفع كتفيه وانزلهما بعدم مبالاة ثم قال ببساطة:
    ـ لقد اخبرت ِك مسبقاً اني لاافعل هذا كي انال رضا ِك أو اني مجبور على ذلك...انا افعل هذا لأني اريد هذا
    ولأن هذا مايجب فعله..
    ثم اشار نحو الصحن بذقنه وهو يكمل بذات الهدوء:
    فالطعام على سبيل المثال...لم اح ّضره ل ِك وانا مجبور على هذا بل ح ّضرته بأرادتي... فلايجوز ان ادرك
    ان ِك لم تأكلي شيئاً واترك ِك من دون طعام لاسيما وانا اعرف انك على استعداد كي تبقي جائعة ولن
    تخرجي لتأكلي شيئاً... لذلك انا احضرته ببساطة...الأمر ليس بذلك التعقيد ولا يحتاج ان تغضبي او تحزني
    منه..فهو امر اعتيادي بنظري..
    ثم تقدم خطوتين نحوها وهو يجعل نبرته اكثر جدية:
    ـ واخبرت ِك ايضاً مسبقاً..ان كانو هم سلبو حق ِك فليس شرط ان افعل هذا انا ايضاً ذلك.... ان هم اهملو ِك
    وتركو ِك وحيدة فلست مضطراً ان افعل مثلهم..
    فتقدمت هي خطوتين نحوه ايضاً ولم يعد يفصلهما عن بعضهما سوى خطوة واحدة فقالت بحدة وهي
    تقطب حاجبيها بغضب..فكلماته قد حركت شيئاً بداخلها قامت بأغتياله فوراً بغضبها:
    ـ مهما فعلت..ومهما كنت لطيفاً فلن يتغير كرهي لك ابداً...
    فتبسم بهدوء وهو يجيبها:
    ـ ان كان كره ِك لي سيجعل ِك تشعرين بشعور افضل...فأستمري بكرهي لا بأس...المهم ان تكوني دائماً
    مرتاحة وبخير..!
    ثم استدار راحلا عن الغرفة ولكنه توقف عند بابها والتفت اليها قائلا:
    ان انهيتي طعام ِك ولم تشعري بالنعاس او التعب فأخرجي نحو الصالة كي تشاهدي التلفاز بدل ان
    تحبسي نفس ِك دائماً هنا...فبالتأكيد انتي تشعرين ببعض الملل..ولا تقلقي..انا لن اكون موجوداً
    هناك..سأدخل نحو غرفتي لأنجز عملي فيها..
    وقبل ان تجيبه خرج مغلقاً الباب خلفه!... خرج لتخرج هي دموعها ايضاً من داخل سجنها!... لما تم
    اهمالها طوال هذه السنين ومن ثم عندما تجد الذي يهتم بها يكون اكثر شخص تكرهه؟..!
    جلست فوق سريرها واغمضت عيناها لثواني وكأنها تحاول ان تنضم طريقة تنفسها المضطربة!..فتحت
    عيناها ببطئ نحو الصحن ومدت يدها بتردد لتأخذ الشطيرة...فمهما بلغ كبريائها لا يمكنها ان تقاوم
    صراخ معدتها من الجوع..فأخر شطيرة اكلتها كانت في الامس وقد اعدها لها آدم ايضاً واول مااستيقظت
    هذا اليوم خرجت من دون ان تأكل شيئاً وقد اتعبها البكاء والنحيب بجوار قبر اخيها ومن ثم زيارتها
    لمنزل اسرتها..لذلك بعد هذا اليوم الطويل كانت تحتاج بالفعل الى طعام!!...ولو عرف آدم انها لم تأكل
    شيء طوال هذا الوقت لأعد لها مائدة وليس شطيرة فحسب ولكنه استنتج انه بالتأكيد قد اكلت وجبة ما
    مع اسرتها ولكن ربما لم تأكل بشكل كافي لذلك اعد لها هذه..لم يعرف ان امها لم تنتبه على شحوب
    وجهها مثله ولم يهمها ان كانت جائعة او لا..فالاهم هو تشجع ريم على التحمل والتحمل اكثر واكثر..
    وكأن فراق هزيم لم يكن كافياً وحده يحتاج من ريم طاقة تحمل لم تعد تملكها...!
    مرت ساعة اخرى على وجودها في الغرفة وقررت ان تستمع لنصيحة آدم وتخرج لتشاهد التلفاز قليلا..

    ردحذف
  25. جلست على الأريكة المقابلة للتلفاز وتناولت جهاز التحكم من فوق المنضدة لتشغيله حدقت فيه لثواني
    بشعور غريب...هي التتذكر متى كانت اخر مرة جلست فيها تشاهد تلفاز...هل كان هذا قبل ثمانية
    اشهر؟..بل وربما اكثر!.. ولم تجلس لتطالع برنامجاً ما او لتقضي وقتها.. فوقت فراغها كانت تفضل ان
    تقضيه اما مع سامي او بجوار قبر اخيها او في الرسم..وتلك المرة التي جلست لتشاهد التلفاز جلست مع
    سامي وهو يطالع احدى برامجه الكارتونية..!!
    ولازالت تشاهد التلفاز وشعور غريب يكتنفها.. وكأنها ادركت للتو ان العالم كله كان مستيقظ وهي
    الوحيدة من كانت تغط بنوم عميق!...اكتشفت ان الوقت قد مر...الساعات مضت..والايام
    انقضت..والسنين فاتت...كل شيء يسير مع الوقت...فلما وقتها هي لايزال واقفاً؟...لما تشعر ان حياتها
    كلها متوقفة ولما تتقدم ثانية واحدة؟..لاتزال تحت ذلك المطر.. مغطاة بتلك الدماء!!...ومع هذه الفكرة
    انتفضت من مكانها واطفأت التلفاز وهي تحوط رأسها بيديها المرتجفتين...فكلما خطرت ذكرى ذلك اليوم
    على عقلها كلما ارتجف جسدها برعب وكأنها تعيشها الأن...وكأن القدر لا يسمح لها ان تعش دقيقة
    واحدة بهدوء وراحة...!
    اسرعت نحو غرفتها بدموع صامتة ودخلت واقفلت الباب بأحكام لتتجه من فورها نحو علبة دوائها
    لتتناول منها تلك الحبوب التي تبعدها عن هذا الواقع المشؤوم...!!
    دخلت الى الغرفة دون ان تدرك تلك العيون الفيروزية التي كانت تراقب حالتها بتأسي.. غير مدركة
    نبضات ذلك القلب الذي يعتصر بقوة ويتمزق كلما نزلت من بين جفونها دمعة!... دمعة تجعله يفقد
    صوابه ويود فعل اي شيء ويضحي بأي شيء فقط من اجل مسح هذه الدموع ورسم ابتسامة بدلًا
    منها... ولكن ماتملكه هذه الفتاة بداخلها من جبال حزن من الصعب ان يهدمها بهذه السرعة...ولكنه لن
    يستسلم ابداً..سيتقدم خطوة خطوة معها دون ان يبالي مهما طال الطريق...فالمهم لديه انه معها.!!

    ردحذف
  26. الفصل الثامن
    مر يومين واشرقت شمس صباح يوم جديد لتنبه جفون النائمين عدا "اميرة الظلام" تلك التي تسهر
    ليلها وتتهرب من نور الشمس لتغط بنوم عميق...!
    طرق آدم بابها دون ان يسمع لها اجابة..انها العاشرة صباحاً وهو يتضور جوعاً اعتقد لربما انهما
    سيتناولان الفطار معاً ولكن ها هي وجبة اخرى يتناولها بمفرده يراقب مقبض بابها...
    حلت الظهيرة والوضع على حاله وريم تغط بالنوم ذاته... نوم اثار فضوله كثيراً خلال هذه الأيام وجملة
    نسرين تطن في عقله منذ ذلك اليوم الذي ذهب فيه لأصطحاب ريم نحو المحكمة..
    )بالتأكيد قد قرأتها ولكنها تنسى نفسها بالنوم بسبب ذلك السم الذي(..
    "السم الذي..."؟!..أي سم هذا؟..أتعاني من مرض ما؟.. هل تتعاطى شيء ما يجعلها تنام كل هذا
    الوقت؟!..فأمر نومها بهذا القدر ليس اعتيادياً على الإطلاق...انه بالكاد يراها!..فهي لا تستيقظ الا قرابة
    الرابعة او الخامسة عصراً وتفضل البقاء في غرفتها ترسم او تغط بنوم جديد والتخرج الا مساءاً لتناول
    وجبة سريعة لتدخل غرفتها مجدداً وهو يذهب للنوم تاركاً اياها تستلذ بسهر الليل وحيدة من دونه..
    حل المساء وخرجت ذات العيون البحرية من غرفتها.. اليوم كان خروجها بوقت مبكر عن الايام الماضية
    لذلك وجدت ان ادم لايزال جالساً يقلب بقنوات التلفاز بملل..كان يجلس على الأريكة المقابلة للتلفاز يدير
    ظهره لغرفتها فلما استشعر حركة المقبض وخطواتها الهادئة التفت اليها ورمقها بنظرة سريعة ثم عاد
    ليكمل مشاهدة التلفاز وقال فوراً ببرود وهدوء:
    ـ رتبي نفسك..امي قادمة..
    كلمة "رتبي نفسك" اشعرتها باالحراج من هيئتها المهملة على الدوام...ولكنها لم تهتم .فالجملة التي
    تليها هي من اثارت اهتمامها اكثر.."امي قادمة".. شيء توقعته ولكن لم ترغب بحدوثه..هي ستضطر
    لمقابلة آل مراد يوماً بعد يوم..وسيذبحها امر رؤيتهم..وسيقتلها ببطئ..وسيدعس هذا الامر كرامتها من
    دون رحمة وهي مضطرة ان تتعايش مع قتلة هزيم دون ان تعلم اياً منهم هو المجرم..!
    سمع صوت تنهيدتها ثم نبرة استيائها وهي تسأله رغم هدوئها:
    ـ أأنا مضطرة لمقابلتها؟..!
    قطب حاجبيه بأستغراب والتفت اليها قائلًا:
    ـ ماذا تعنين؟..!
    ـ سؤالي واضح..أأنا مضطرة لذلك؟..!
    وماالذي يمنع ِك من ذلك؟..
    حدقت في وجهه بجمود ففهم مقصدها..اعاد ابصاره قليلًا نحو الأمام ثم حك فروة رأسه بعبث مفكراً
    وبعدها قام واتجه اليها يحدق في عينيها قليلًا بنفس جمودها ثم قال:
    ـ نعم مضطرة...فكلانا مضطر ان يتحمل اشياء يكرهها..ومثلما انا اجبرت نفسي على دخول منزل ياسين
    فأنتي الأن ستجبرين نفسك على تحمل منزل مراد....اعلم ان هذا صعب ولكن لا نملك الكثير من الخيارات
    كما تعلمين..!
    فقالت له ساخرة:
    ـ صعب؟!!...أشك في كونك تعرف مدى صعوبة الأمر....فأسرتي لم تفعل بك مافعلته اسرتك بي..فكيف
    عساك ستشعر بمدى صعوبة الأمر وقساوته؟
    تبسم ساخراً وقال بهدوء وبنبرة فجرت كل عواصف االستغراب بداخلها:
    ـ صدقيني..بأمكاني ان اعرف..!
    ثم اختتم النقاش وهو يستدير راحلًا بأتجاه المطبخ...
    تركته واتجهت نحو الحمام لتغسل وجهها وتبعد عنها اثار النوم ثم خرجت وهي تجفف الماء عنها واول
    ماابعدت المنشفة وجدته يقف امامها مباشرة لا تفصلهما سوى بضع انشات عن بعضهما فلم تستطع منع شهقتها المتفاجئة ولم يستطع هو قمع ابتسامته من منظرها فقطبت حاجبيها فوراً وقبل ان تبدأ بثرثرتها
    المعتادة لتتشاجر معه وجدته يرفع صحن يضع بداخله شطيرة وقربه كثيراً من وجهها مما اجبرها ان
    ترفع يدها وتمسك بالصحن فقال وهو يستدير راحلًا:
    ـ كلي شيئاً ولا تبقي جائعة..
    وقبل ان تعترض وجدته يدخل غرفته..تلك المملكة التي حرمت نفسها ان تخطو خطوة بداخلها..!
    امسكت الشطيرة التي كانت تحتاجها بشدة ودخلت نحو غرفتها لتتناولها دون ان يمكنها نكران كم هي
    لذيذة رغم بساطتها.. ذلك الـ آدم يجعل كل شيء لذيذ وجميل ببساطة لديه لمسة مميزة في كل شيء..!
    عاد ليجلس في الصالة مجدداً يعبث هذه المرة بحاسوبه المحمول ليقضي بعض الأعمال فأحس بخروجها
    من الغرفة..التفتت اليها بعدم اهتمام وهو متوقع ان يرى نفس الهيئة بدرجة قليلة من التغيير..ولكنها
    كانت مختلفة لدرجة اجبرته ان يطيل النظر اليها الى ان جلست على الكرسي المقابل له تقوم بمراسلة
    ميسم على هاتفها..كانت ترتدي فستان ابيض قصير يصل الى ركبتيها يكشف عن ساقيها الرشيقتين ذو
    اكمام من الشيفون تبرز من تحتها بشرتها البيضاء اكثر مع حزام ذهبي على شكل اوراق شجر يلتف
    حول خصرها يشابهه مشبك شعر ذهبي بشكل ورقة شجر ايضاً ترفع به احدى خصلات شعرها من
    الجانب لتسدل باقي شعرها المصفف والمرتب وكأنه جاء من احدى اعلانات مستحضرات العناية بالشعر

    ردحذف
  27. في التلفاز وتضع ملمع شفاه وردي وتؤطر جفنيها بكحل كثيف جعل زرقة عينيها تبرز اكثر..طرف بعينيه
    عدة مرات بتفاجئ وهو يحدق فيها بذهول..نعم هو كان يراها جميلة..ولكن بهذا الشكل؟؟!! ..ابداً..!!
    رفعت ابصارها فجأة اليه فأربكته واستعدل بجلسته مابين يحدق في حاسوبه ومابين يدعي البحث عن
    شيء ما بجانبه وكأنه لم يكن يقصد النظر اليها الا صدفة!!...وماان عادت بأبصارها نحو هاتفها حتى
    عاد نظره ليرتفع اليها جبراً بين لحظة واخرى لا يمل ابداً من التحديق بها!!....ياليت امه تحضر كل يوم
    ليرى اميرته بهذا الشكل..!!
    نصف ساعة الاكثر حتى سمعا جرس الباب.. اغلق حاسوبه وقام ليفتح الباب ووقفت هي في وسط
    الصالة بأنتظار استقبال والدته بنبضات قلب متسابقة مابين غضب وارتباك سمعت صوتها الضاحك وهي
    تلقي التحية وتمزح مع آدم عند باب الشقة فعانقت كفيها امام جسدها بأستعداد اكبر لدخولها..ثواني
    لااكثر حتى اطل وجه السيدة رزان البشوش تعتليه ابتسامة عريضة.. اول مارأت ريم تبسمت اكثر وهي
    تلتفت لأدم وتقول بنظرات ماكرة:
    ـ الأن قد عذرتك لأنك رفضت احضارها الينا وغرت عليها ان يروها ابناء عمك..فمع هذا الجمال حقك ان
    تغار عليها..!!
    فجأة اختفت الابتسامة من وجه ريم التي بالكاد قد رسمتها وجحظت بعينيها اتجاه ادم الذي تنحنح فوراً
    في محاولة فاشلة منه لتنبيه والدته ولكزها بخفة من مرفقها فتداركت الأمر وهي تتقدم نحو ريم المذهولة وسحبتها من كتفيها لتهبها عناقاً عطوفاً وقبالت حنونة وريم ترفع يديها لتحيط ظهر رزان
    بمجاملة ولكن عينيها لاتزال تنظر نحو ادم بحدة الذي يشغل نفسه عن نظراتها بحك ذقنه او تمرير
    اصابعه من بين خصلات شعره استنكرت وكرهت حتى حق غيرته عليها!..لا تريده ان يحبها..او ان يهتم
    بها..او ان يغار عليها.. كي التضعفها هذه الأمور وتهتم به حتى ولو لثانية واحدة في المستقبل..!
    لحظات مرت عليها بين يدي رزان حتى استشعرت بمدى صدقها وفرحتها وهي تبارك لهما
    الزواج..صدق لم تلتمسه في نبرة والدتها...لما على جميع اللطفاء معها ان يكونو من اسرة مراد؟..!
    جلستا ريم ورزان متجاورتين وماكاد ادم ان يجلس حتى التفتت اليه والدته مدعية الجدية وهي تقول:
    ـ ماذا تفعل؟..!
    أجاب ساخراً:
    ـ ماذا تريني افعل؟!..اركض طبعاً..
    ذات الاجوبة التي تستفز ريم..ولكن ليس والدته!..فأشارت له بالنهوض وهي تقول:
    ـ بدل ان تركض هنا اركض الى المطبخ وكن لبقاً لتحضر لي كوب عصير اروي به ضمأي..
    فأشار بكلتا يديه نحو ريم وهو يهتف: أليست هي السيدة هنا؟..!
    فأرادت ريم ان تنهض فأعادتها رزان لتجلس وهي تسحبها من يدها وتقول:
    ـ كن لبقاً يا ولد واترك عروستك لترتاح اول ايام زواجها..
    مط شفتيه وهو ينظر لريم ساخراً:
    " ترتاح رغم اني لااراها من كثرة نومها..فأي راحة
    ـ عروستي؟؟!!..حسناً..سأجعل "عروستي
    تريد اكثر؟..!ثم قام نحو المطبخ وضحكات رزان تتبعه من تذمره الطفولي هذا...!!
    ماان اختفى آدم في المطبخ حتى اقتربت رزان منها اكثر ورسمت ملامح الجدية على وجهها وهي تقول
    بهمس:
    ـ اسمعيني جيداً ياريم..
    التفتت اليها ريم بتركيز وتوجس معتقدة ان رزان ستهددها مستغله ذهاب ادم او قد تتكلم معها بموضوع
    جاد..ولكنها تفاجأت بها تقول:
    ـ انا اعلم ان ولدي مزعج جداً..لذلك ان ضايقك فقط قولي لي وانا سأجعله يندم..وجدت ريم نفسها تبتسم من دون ارادة ولسبب ما اجبرت نفسها ان تكون لطيفة مع هذه السيدة ولم
    تمتلك الجراءة ان تتواقح معها بالكلام او ان تكون قاسية.. فجأة تحولت امامها الى فتاة خجولة ولطيفة
    اثارت دهشة ادم اكثر!..حضر ادم يحمل كوب العصير لأمه وهو يقول:
    ـ لم تحضري مع ِك هدية حتى وفوق هذا تتشرطي وتريدين عصير..
    تناولت منه الكوب وهي تقول:
    ـ ملات لك الثلاجة بأصناف الطعام ياولد تكفيك لأسبوع كامل..لأن تقدر مجهودي في تحضيرها انا واختك
    وتعتبره هدية؟..
    ثم وضعت الكوب فوق المنضدة وتناولت حقيبة يدها وهي تقول:
    ـ وايضاً..انا احضرت هدية لزوجة ابني الجميلة فقط..
    واخرجت علبة حمراء اللون وفتحتها امام ريم ليظهر لها سوار وقلادة من الذهب متشابهين فقالت ريم
    بأحراج:
    ـ لم تكوني مضطرة لهذا ياسيدتي..
    ـ كيف لااكون مضطرة؟..أذ لم احضر ل ِك هدية لمن سأحضر؟

    ردحذف
  28. فأكمل ادم ساخراً:
    ـ لأدم مثلًا؟!..بالطبع لا..!
    نظرت اليه رزان وهي تقول:
    ـ كن لبقاً وقم لتلبسها لزوجتك..
    عند هذه الجملة التفتا ريم وادم لبعضهما دفعة واحدة بأرتباك..منحته ريم نظرات حادة جعلت جملة واحدة
    فقط تتخاطر الى ذهنه في تلك اللحظة..)اياك ان تمد يديك القذرتين علي مجدداً(...تجهم وجه كليهما فوراً
    وكل واحد لسبب مختلف..وقبل ان تعترض ريم رد ادم اعتباره وحافظ على كرامته وهو يقول بجدية:
    ـ زوجتي قادرة على ارتدائه بمفردها امي..
    أليس هذا ماارادته ريم؟!..لما تحس بالإهانة اذاً..ام عليها ان تكون دائماً هي من تبعده ولن تتقبل ان يبعد
    نفسه بنفسه؟..تريد ان تهينه بأبعاده ولن تسمح له بحفظ كرامته والتراجع؟!..تناقضات داخلية تعتمرها
    بخصوصه لا تجد لها حل..!سكتت رزان فوراً عندما وجدت التجهم والجدية تحتل ملامحهما فجأة..
    انقضى الوقت بسرعة وريم تستمع لمزحات رزان وحديثها السلس وانصتت واستمعت..واستمتعت!!..
    شيئاً لم تكن قد تحضرت له..فهي استعدت بوجه قاسي..وملامح باردة..وابتسامة قررت ان لا تمنحها لها
    ابداً..ولكن اسلوب رزان قد قلب الموازين كلها وجعلها تتنازل عن كل ماخططت له..!
    خرجت رزان ليعود المنزل لا يحوي سوى المتناقضين معاً..دخلت الى غرفتها تاركة الباب مفتوح خلفها
    ووضعت العلبة الحمراء فوق طاولة تزيينها وبدأت بأبعاد المشبك عن شعرها والحلقات عن اذنيها ثم
    رمقت ادم بطرف عينها وهو يقف عند باب غرفتها يكتف يديه امام صدره فقالت ببرود:
    ـ أهناك شيء؟..!
    فاجئها بسؤاله الغريب وهو يقول:
    ـ لما تنامين بهذا القدر؟..
    ثم حرر يديه من تكاتفهما وتقدم خطوتين داخل الغرفة وقال:
    ـ أتصدقين اني بدأت اشك بكونك وطواط؟..تسهرين الليل وتنامين النهار..!!
    زفرت بضيق وهي تضع حلقتي اذنيها فوق الطاولة والتفتت اليه وكتفت هي يديها امام صدرها هذه المرة
    وقالت:
    ـ أستتدخل بطريقة نومي ايضاً؟..!
    ـ لست اتدخل ولكن امر ِك غريب..اما ان ِك تتعمدين فعل ذلك كي لا تلتقي بي عندما تختلف اوقات نومنا
    واستيقاظنا..او ان هناك شيء ما لااعرفه..
    تلعثمت بكلامها وهي تقول:
    ـ شيء مثل ماذا؟!..الشيء طبعاً..ولكني لااحب الخروج من غرفتي فحسب..
    ضيق مابين عينيه بتشكك ومنحها ذلك الصمت الذي يستفزها ويجعلها التعرف بماذا يفكر وماذا استنتج
    ثم خرج من الغرفة...
    اعادت شعرها بأستياء بأصابعها للخلف ونفخت زفيرها بغضب..الى متى بأمكانها اخفاء ادمانها على
    المهدئات عنه؟!..ليست تخشى غضبه طبعاً ولكن تخشى ان يحرمها منها ولن تجد مايسحبها عن واقعها
    مجدداً..!!

    ردحذف
  29. الفصل التاسع
    مضى يوم واخر..وساعات اخرى تجمعهما معاً..اليوم بادلته حديثه..والبارحة تناولت وجبة معه..وقبلها
    سألته..ولكن وجهها لايزال مقتضب عندما تحدثه..ونبرتها لاتزال تحمل الغضب..ونومها لايزال كما هو
    يثير قلقه السيما انها قلما تأكل بسبب هذا النوم الطويل شخص متناقض تماماً لا يعرف كيف يتعامل
    معها..بين لحظة واخرى تتغير شخصيتها تماماً ..من هادئة الى عصبية..من ساكنة الى منتفضة..وكأنها
    تتقدم خطوات بشكل الارادي بأتجاهه وفجأة تتلقى صفعة قاسية من واقعها لتنتبه وتبتعد راكضة عنه..
    مضت عشرة ايام عليهما معاً في المنزل وبدأ آدم يعود لعمله بعد اجازة طالت لمدة اسبوع..ولكن نومها
    لم يتغير ويعود ليجدها لاتزال تغط بسبات عميق..اذاً لا تنام هذا القدر لأنها تتهرب منه..فلما ستتهرب منه
    وهو غير موجود؟!.. وهنا بدأت فكرة تهربها منه تهرب من عقله..هناك شيء اخر..حتى لوسهرت طوال
    الليل فليس من المعقول ان تبقى نائمة الى المساء هكذا وتعاني من هذا الخمول طوال الوقت...انها اشياء
    عاشها آدم في الماضي وخشي ان تكون ريم مثلها..!
    عاد ذات يوم من عمله مجهد وجائع لاسيما انه كان مستعجلًا في الصباح ولم يأكل فطاره بشكل جيد..
    عاد ليجد المنزل ساكناً كعادته..والاهم من ذلك الطباخ ساكن من دون طعام فوقه..يوم اخر تجبره فيه ان يعد طعامه بنفسه..ولكنه لم يفعل..فغضبه منعه من ذلك!.. ذهب نحو غرفتها وطرق الباب فلم يجد
    اجابة..طرقه بشكل اقوى ولا اجابة ايضاً ففتحه ودخل..
    استيقظت على يده تهزها من كتفها.. استدارت له برأسها فقط ونظرت له بعين شبه مغلقة والأخرى قد
    اغلقتها اساساً وقالت بصوتها الناعس وحاجبيها المقطوبين:
    ـ ماذا هناك؟..!
    نقر بسبابته فوق ساعة يده بأستياء وقال:
    ـ انها الثانية والنصف ظهراً..!!
    ـ اذاً؟..!
    ـ اذاً سيادتك لا تزالين نائمة منذ ليلة البارحة ولم تكلفي نفسك حتى اعداد الطعام ولو من اجل ِك..
    اعادت لتغطي رأسها ببطانيتها وهي تقول ساخرة:
    ـ شكراً على اهتمامك لااريد ان اكل الأن..
    سحب الغطاء عن وجهها بحدة وهتف بها بعصبية:
    ـ لكن انا اريد ان اكل..!
    فهتفت به بنفس العصبية:
    ـ اذاً أعد لنفسك طعاماً ماشأني انا؟..!
    وعادت مرة اخرى لتغطي رأسها وقبل ان يكمل شجاره معها لمح علبة الدواء على المنضدة بجانب
    سريرها ..علبة تمنى من اعماق قلبه ان لا تكون كما توقعها..!
    قطب حاجبيه بأستغراب وهو يرفعها بين يديه يحاول ان يفهم ماهيتها بالضبط قبل ان يحكم فخرجت
    افكاره بصوت عالي وهو يتمتم:
    ـ ماهذه؟..!
    ابعدت الغطاء عنها بسرعة بعد ان تذكرت فجأة نسيان علبة دوائها دون تخبأتها وقد تنشطت كل خلية
    بجسدها وهرب منها النعاس دون رجعة بعد ان شاهدت العلبة بين يديه.. نهضت فوراً جالسة فوق
    سريرها وسحبت العلبة بسرعة من بين يديه قبل ان يقرر اخذها منها وقالت بأرتباك:
    ـ الشأن لك..
    سحب العلبة عنوة مرة اخرى من بين يديها وباءت كل محاولاتها بأستعادتها مجدداً بالفشل فهي لن
    تضاهي بجسدها الضعيف قوة جسده الرياضي!..قرأ مامكتوب فوق العلبة قليلا ثم التفت نحوها بحاجبين
    مقطوبين وهو يقول: هل اخذتي هذه المهدئات ليلة البارحة فقط ام ان ِك مدمنة عليها؟
    ـ لااظن ان هذه اشياء تخصك..
    عندها شاهدته يفقد اعصابه ألول مرة بهذه السرعة وبهذا المقدار وهو يقبض على عضدها بقوة وصرخ
    بوجهها قائلا:
    ـ اجيبيني..هل اخذتها البارحة فحسب ام ان ِك مدمنة عليها؟!
    اجابته بأنفعال بينما تحاول ابعاد يده وتفشل:
    ـ ابعد يدك عني اخبرتك ان لا شأن لك..انها حياتي الخاصة ولن اسمح لك بأن تتدخل..!
    فهزها بعنف مرة اخرى بينما يقبض على يدها بقسوة اكبر وهو يهتف بها:
    ـ اذاً انتي مدمنة؟..!
    ثم دفعها من يدها فأنضرب ظهرها بالجدار من خلفها واكمل هتافه العصبي بها:
    ـ كان علي ملاحظة هذا منذ اول يوم دخول ِك... تلك الهالات السوداء..وذلك الخمول ومقدار النوم...كيف
    عساي ان لا الاحظ؟..!
    قامت من سريرها ووقفت بوجهه قائلة بغضب:

    ردحذف
  30. مثلما انا لم اتدخل في حياتك فأبقى انت خارج حياتي ايضاً...نحن نعيش هنا حسب رغبة عائلاتنا
    فقط..لذلك لا تعش الدور اكثر مما ينبغي..!
    ثم اقتربت منه خطوة وقالت بأستفزاز:
    ـ أما بخصوص ادماني..
    حدقت داخل عينيه قليلا ثم اكملت:
    ـ فنعم انا مدمنة!...وسأظل مدمنة..ولن اسمح لك ان تفعل اي شيء بخصوص هذا..
    فكز على اسنانه بغيظ وهو يقول:
    .. ـ اذاً سأصحيك ِ!
    وبلحظة مفاجئة لم تدرك ماذا حصل بالضبط وجدته يسحبها من يدها بقوة غير مبالياً بمحاولاتها في
    انتزاع يدها الرقيقة من بين قبضته القاسية وسحبها بأتجاه الحمام وانزل رأسها فوراً تحت صنبور
    المغسلة غير مبالي بصراخها به محاولاتها الافلات من بين يديه بلل رأسها بالماء وابقاها تحت
    الصنبور لمدة دقيقة كاملة ثم ابعد يده عنها فرفعت جسدها بقوة من تحت الماء واول ماالتفتت اليه
    حجبت عنها رؤيته المنشفة التي القاها بقسوة في وجهها كي تنشف اثار المياه وهو يزمجر بها بغضب:
    ـ أتعلمين ماتفعله هذه المهدئات في جسدك ايتها الغبية الحمقاء؟..
    رمت المنشفة بقوة فوق ارضية الحمام وصرخت به بأعلى ماتملكه من صوت فأح ّمر وجهها وبرزت كل
    شرايين عنقها الرقيق وهي تهتف:
    ـ اخبرتك ان لا تتدخل..انها حياتي انا فقط هل فهمت؟..
    تقدم نحوها بخطوات سريعة واحاط وجهها بكفيه بقوة وهزها بعنف وهو يقول ونبرته مرتجفة مابين
    خوف وغصة ألم ستدفعه للبكاء:
    ـ لن اسمح ل ِك بهذا هل فهمتي..لن ادع ِك تجبريني على فقدان ِك ايضاً..
    رفعت يديها ووضعتهما فوق يديه تريد ابعادهما ولكنها ابقتهما فوق يديه مصدومة وهي ترى كل هذا
    الخوف في عينيه وتلك الدموع التي بدأت تتجمع داخلهما وفتحت عينيها بتفاجئ وعجزت حتى عن الكلام
    وسط صراخه هذا وهو يكمل:
    ـ انا لن افقد ِك هل فهمتي؟..لن اسمح ل ِك ان تفعلي هذا بنفس ِك..
    ثم دفعها عنه وهو يمرر اصابع كلتا يديه من بين خصلات شعره ودار عدة دورات حول نفسه لا يعرف
    ماذا يقول او ماذا يفعل ثم اخيراً التفت اليها ووجهه مطلي بحمرة غضبه وهتف بها مستهزئاً ومؤنباً:
    ـ ان كانت حيات ِك رخيصة لدي ِك هكذا وتريدين ان تموتي فأختصري الأمر ولا تجهدي نفسك هكذا
    وانتحري..
    فتخلصت من ذهولها مع جملته هذه وصرخت به فوراً:
    ـ أتظنني لم احاول؟..!
    عند هذه الجملة بهتت مالمحه هو وانفرجت شفتاه بأرتباك وجحظت عيناه بدهشة رفعت البلوزة عن
    معصميها تدير باطنهما بأتجاهه وقد وجدت الدموع الغزيرة طريقها فوق وجنتيها وهي تقول:
    ـ بالطبع انت لم تنتبه على هذه الآثار!..فالشيء الوحيد الذي جذب انتباهك بالطبع هو وجهي أولا ومدى
    جمال عيناي..كما يفعل الآخرون تماماً..ولكنك بالتأكيد لم تنظر أعمق من هذا..
    ثم انزلت بلوزتها مجدداً وقد انخفض صوتها بضعف وبكاء فجأة وهي تكمل:
    ـ جرحت معصمي وقطعت اوردتي وشراييني مرتين..ولكني لم امت.. انقذوني في اللحظة االخيرة
    ..تناولت جرعة مفرطة من الدواء..ولم امت...ايضاً انقذوني في اللحظة الأخيرة... فأدركت ان القدر
    يرفض رحيلي الأن..وان الرب قد وهبني الحياة لمرتين وثلاث ولا يريد موتي...ليس الأن..وليس بهذه
    الطريقة...اذاً لما لا يبين لي لما لاازال حية بهذه الحياة اللعينة؟!..لذلك ان لم يردني ان اموت اذاً سأبتعد
    عن واقعي بطريقة اخرى..
    ثم صرخت به بأنهيار:
    واقعي الذي لم يقف فيه احد بجانبي..لم يساعدوني..فلما لا ادمن المهدئات لأنسى؟ ولأرتاح ولو
    قليلا..أليس من حقي ان انسى؟..أليس من حقي ان اسجن نفسي داخل أحلامي التي تحمل هزيم لأوهم
    نفسي انه لايزال حي؟..!
    ثم عادت بضعف خطوتين نحو الوراء فأستوقفها الجدار فأستلاذت به وتعذرت لها قدماها عن حملها اكثر
    فنزلت ببطئ وجلست تتكأ على الجدار خلفها وترفع ركبتيها امام صدرها تبكي بمرارة وتنتحب وهي ترفع
    رأسها للأعلى فبللت دموعها عنقها الثلجي وآدم لايزال متصلباً في مكانه يحدق فيها بنفس الصدمة وهي
    تبثه ضعفها ومعاناتها للمرة الثانية وتستنجد من بين حروفها المليئة بالكبرياء بمساعدة من اي احد
    لينتشلها من جحيمها.. اكملت وقد ارتفع صوت بكائها اكثر:
    ـ اريد ان انام لأطول وقت ممكن..اريد ان ابتعد عن الواقع..اذ لم يكن الرب قد سمح لي بالرحيل فأنا
    سأدخل في سبات يهدئ من نيراني التي تحرق روحي وتتركني شبه انسانة...وشبه حية..لااريد ان
    استيقظ..لااريد ان اتذكر..ولااريد ان افكر..اريد ان انام وابتعد عن كل هذا فحسب..
    ثم استندت بجبينها فوق ركبتيها وهي تضم يديها بين فخذيها وتبكي بقوة..وانهيار...تقدم خطوات ضعيفة
    ومترددة بأتجاهها وجلس بجانبها تماماً فتلامست اكتافهما فلم تبدي ردة فعلها المعتادة وتبتعد
    عنه..وكأنها احتاجت هذا القرب ليشعرها بالأمان..سمح لها بدقيقتين من الصمت لتخرج اكبر قدر من
    دموعها ثم قال بصوت هادئ وعطوف وهو يحدق امامه:

    ردحذف
  31. كل سعادة..تبدأ بألم..
    انخفضت نبرة بكائها المرتفع وكان واضحاً انها ارهفت مسامعها له فهي بحاجة ماسة بالفعل ألي كلمات
    تلملم بها اجزائها المفككة عن بعضها ثواني حتى اكمل بهدوء:
    ـ)الله لا يفعل شيئاً اعتباطاً او مجرد انه يريد ان يبرز مهاراته ويقول"انظرو انا استطيع ان اجعله يعيش
    مرة اخرى"..مادام الرب قد اعطاك حياة اخرى اذاً فهناك سبب لحياتك(
    رفعت رأسها من فوق ركبتيها وحدقت فيه من بين دموعها مكتفية بالصمت امامه وامام كلماته..التفت
    اليها بعطف وقال بأبتسامة:
    ـ سمعت هذه الجملة في فيلم شاهدته ذات مرة..جعلتني بالفعل اشعر..بل اتيقن..ان الله لا يفعل اي شيء
    من دون غاية..وان الرب لن يود ابداً ان يؤذي احدهم....لكن فقط السعادة العظيمة تأتي من بعد آلم
    عظيم..
    حدقت فيه بعمق اكثر ولأول مرة تشعر ان احدهم يلمس قلبها بكلماته هكذا ويشعرها بهذا
    الأمان..ويشعرها ان الرب معها..الرب يراقبها...انه يريدها حية..هناك من يهتم بكونها حية..
    مد يده بتردد بأتجاهها وقبض على اناملها الرقيقة بين يديه وقال:
    ان كان اخي ِك حياً أكان سيرضى بهذا الحال الذي انتي فيه؟!..الرب وهبك الحياة مجدداً ياريم...علي ِك ان
    تقدري هبته هذه وان لا ترميها جانباً لتقتلي نفسك ببطئ هكذا...هناك سبب لكونك حية..علي ِك ان تعرفي
    هذا السبب..
    ثم نظر نحوها بأبتسامة اكثر عطفاً وهو يكمل:
    ـ انظري الينا...مجرد بقائنا في منزل واحد انا وانتي كان سبباً لأيقاف الدماء بين الاسرتين وان لا تهدر
    حياة اشخاص لا ذنب لهم..أليس هذا شيئاً عظيماً قد اديت ِه؟..!
    صمتت..حدقت..غاصت في اعماقه...لما كانت ترى نفسها الضحية؟!..فالان قد اكتشفت انها المنقذة..هي
    شيء مهم في حياة هاتين الاسرتين..وآدم من اعطاها هذه الأهمية وجعلها تشعر بها....آدم...لأول مرة
    بدأت تكتشف جانبه الآخر فعلا...
    مد ابهامه بتردد ومسح دموعها وقال:
    ـ لا تتناولي المهدئات مجدداً ارجو ِك..قبل سنين كثيرة.. كدت ان افقد اعز انسان لدي بسببها..وعشت
    وحيداً انا واختي بسببها..ولااريد ان اعيش هذه التجربة مجدداً.. لذلك ارجو ِك ان لا تجبريني على
    عيشها..ابقى ابهامه فترة فوق وجهها وهو مذهول انها تحدق به بهذا العمق دون ان تبعد وجهها او تقوم
    لتتشاجر معه مجدداً لأنه امسكها..لحظات قليلة حتى انتبهت ريم على نفسها..وعلى ضعفها..اشاحت
    وجهها بهدوء الناحية االخرى مما اجبره على ابعاد يده ولكن اناملها لاتزال داخل قبضة يده.. ابتسم
    ببساطة وسعادة..هذه المرة لم تكن قاسية بأبعاده..بل كانت خجولة وحاولت ان لا تجرح مشاعره
    بكلامها..اذاً هو قد كسب نقطة لصالحه وسمحت له ان يتقدم خطوة نحوها لتقوية العلاقة بينهما وان
    لا تبقى قائمة على الحرب فقط...
    قام بعد ان استشعر انها قد تأثرت بكلامه فعلا وحاول ابعاد ارتباكها عنها وقال ممازحاً:
    ـ لا تظني ان ِك ستخدعيني بدمعتين لأنسى امر الطعام..هيا قومي لتعدي لي شيئاً اكله فأنا اتضور جوعاً..
    ثم خرج تاركها بصمتها...بتحديقها بأناملها التي كانت بين يديه قبل ثواني...لحظات لم تريدها ان
    تنتهي..ذلك الدفئ الذي اختفى بمجرد ان ابتعد عنها تشوقت للأحساس به مجدداً... ولكن ماذا قد نقول
    عن النساء؟!..الكبرياء ثم الكبرياء يا اعزائي...هي من المستحيل ان تبين له شعورها هذا ابداً..
    سحبت المنشفة من فوق الأرضية بأطراف اصابعها ومسحت بها وجهها وشعرها بهدوء وبطئ وتسللت
    ابتسامة هادئة لثغرها قامت بقتلها فوراً واخفائها قبل ان تضعفها اكثر لمجرد كلمتين قد قالها لها بعطف
    وحنان...

    ردحذف
  32. استندت على طرف المغسلة وقامت بأتجاه المطبخ...أتظنون ان ماحصل لها قد جعلها تشعر انها داخل
    ورطة؟!..لا انتم مخطئون...الورطة الحقيقة وهي الأن في وسط البقوليات والخضروات واصناف الطعام
    الأخرى دون ان تعرف صنفاً واحداً لتعده....زفرت بضيق بعد تحديق طال لدقائق..فليذهب الى
    الجحيم..لماهي محتارة به هكذا؟..فلتعد ما تعرفه او حتى مالاتعرفه..مجرد شيء تضعه في طبق الطعام
    وتقدمه له لتنتهي من هذا المأزق...ألانه قد قال كلام جميل اثر بها فعليها ان تكافئه بالطعام وتتعب نفسها
    وتدخل الى المطبخ لساعات طويلة؟!..لا..هي ليست هذا النوع ابداً...
    عشر دقائق الاكثر حتى نادته معلنة انتهاء الطعام..قام من سريره بأستغراب..اما انها ماهرة جداً اكثر من
    المعقول لتنهي اعداده بهذه السرعة...او ان هناك كارثة بأنتظاره فوق مائدة الطعام...والخيار الثاني كان
    هو الأكثر وروداً..
    جلس يحدق ببلاهة بكوب العصير وصحن البيض المحترق وقطعة الخبز بجانبه...رفع رأسه اليها بعد ان
    جلست امام طبقها تود المباشرة بالاكل وقال:
    ـ انا طلبت غداء وليس فطار..
    منحته ابتسامة باردة مستهزئة وهي تقول:
    ـ ظريف..!!
    فهتف بها بحنق:
    ـ ماهذا؟
    ـ ماذا قد يكون؟ انه طعام..
    ـ اوه حقاً؟!..وانا الأحمق الذي ظننته بيض..!!
    ثم هتف بعصبية:
    ـ اعلم انه طعام ..اعني لماذا اعددتي البيض؟..!
    رفعت كتفيها بلامبالاة وقالت وهي تضع اللقمة الأولى في فمها:
    ـ هذا كل ما أجيد اعداده..
    ـ أأنتي جادة؟
    ـ لااظن اني مزحت معك من قبل..
    كتف يديه امام صدره وقال:
    ـ وماذا ستعدين على العشاء؟...
    البيض المخفوق..
    ـ وعلى الفطار؟..!
    ـ بعض البيض المسلوق..
    فأكمل ساخراً:
    ـ وفي الغداء البيض المحروق...شهر واحد وسينبت لي الريش..
    كتمت ابتسامتها شاغلة نفسها بالمضغ فرمى منديل الطعام فوق المائدة بغيض وقام بأتجاه المطبخ وهو
    يتذمر ساخراً:
    ـ سأبقى ابيض ل ِك البيض من كثرة اكلي له ولن نضطر لشرائه من المتجر ونبذر الأموال..ربما حتى اني
    سأجلس أصيح مثل الديك في وقت الفجر...
    ماان اختفى في المطبخ وهو يتذمر بكل هذه الجدية حتى تبسمت وهزت رأسها بيأس وهي تستمع لتذمره
    الطفولي المضحك...فداخل هذا الشاب الصارم والجاد لايزال هناك طفل صغير على وشك ان
    تكتشفه..طفلًا يمتلك اكثر قلباً ابيض في العالم....مثل هزيم تماماً.. بطريقة ما هما متشابهين..وكأن ادم
    كان مرآة تعكس لها صورة هزيم دائماً..وربما هذا هو السبب الذي جعلها تبتعد عنه دائماً ولا تخوض معه
    الأحاديث حتى لا يجبرها هذا التشابه ان تتعلق به في يوماً ما...
    دقائق اخرى وعاد ليجلس امامها مع طبق جديد علم انه سيثير اعجابها به..اللحم المشوي مع الصلصة
    المكسيكية الحارة وبعض الخضروات التي تصطف على جانبي الشريحة.. كادت ان تنفرج شفتيها من
    الذهول ولكنها اطبقتهما فوراً واوشكت معدتها ان تطرح الطعام المحترق الذي تناولته لتوها مطالبة اياها
    ولو بلقمة واحدة من هذا الطعام الذي يبدو وكأنه اتى من برنامج الطبخ الأمريكي ذو الخمس
    نجوم....نفضت كل تلك االفكار عن رأسها وادعت انشغالها وتلذذها "ببيضها المحروق" وانفها يستنشق
    بقوة رائحة طعامه الزكية..
    قال وهو يقطع شريحة اللحم:
    ـ لا تستغربي عزيزتي..انا اعيش لوحدي منذ مدة طويلة واكره الاكل الجاهز لذلك تعلمت اعداد الطعام
    بنفسي منذ صغري..
    نظرت نحوه بلامبالاة وقالت:
    ـ انا لم اسألك..
    ـ ولكني لاحظت ان عيونك لم تنزل عن طعامي اول ماوضعته لذلك حاولت ان اكون لبقاً واشرح ل ِك...ثم
    قال بنبرة مميزة قاصداً استفزازها وهو يرمي لها حروفه ببطئ:
    ـ وأذ كنتي تودين...يمكنني ان اعطي ِك قسماً منها..

    ردحذف
  33. نعم..معدتها ارادت هذا بشدة..ولكن عقلها...او بالأصح كبريائها استنكر ذلك بشدة اكبر...حملت صحنها
    وكوب عصيرها ومنحته ابتسامتها الباردة المستهزئة ذاتها وهي تقول:
    ـ شكراً..انا اشعر بالتخمة...
    جعلها تقترب من باب المطبخ حتى قال بصوت مرتفع:
    ـ لا تنسي ان تبيضي لنفس ِك بيضة من اجل العشاء..
    من الجيد انها كانت تدير ظهرها وإلا لكانت فضحتها ضحكتها المكتومة التي ظهرت من دون ارادة
    منها... وهذا كان اليوم الاول الذي تتفاعل به مع مزاحه وتسمح لنفسها بالأبتسام..
    مر اليوم الاول على خير وسلام ولكن ادم علم ان الأمر لن يستمر هكذا طويلا..لن تتخلص من ادمانها
    لمجرد انه طلب ذلك او حتى لمجرد انها ستريد ذلك..!!

    ردحذف
  34. الفصل العاشر
    تأثرت ريم بكل الكلام الذي قاله لها آدم ولم تتناول مهدئات طوال ذلك اليوم..!
    مرت عليها الليلة الأولى بسلام وبالكاد قاومت ان لا تأخذ قرص مهدئ بل وانها قامت بالتخلص من العلبة
    بأكملها كي لا تضعف لاحقا....ولكن اليوم التالي لم يكن متساهلا معها كاليوم الذي سبقه!...فقد مر الليل
    من دون نوم وبدأت اعصابها تتوتر ولكنها تحملت عليها ان تقاوم..فقاومت!...ولكن مقاومتها استمرت
    لعدة ساعات فقط اما في بقية اليوم فقد فقدت سيطرتها..لاسيما في الليل..!
    كان ادم يغط بنوم عميق وهي تسير بالغرفة ذهاباً واياباً تبحث داخل كل شيء وفي كل مكان عن قرص
    مهدئ واحد ولعنت تهورها مئة مرة لأنها تخلصت من علبة المهدئات بعد ان تأثرت بكلام ادم وقررت
    التخلص من ادمانها..قلبت غرفتها رئساً على عقب ولم تجد قرص مهدئ واحد!..اصبح كل شيء يوترها
    ويستفزها حتى خصالت شعرها الناعمة فقامت برفعها بأهمال وجمعت خصالتها معاً وربطتهن بمشبك
    وخرجت لتكمل بحثها داخل صندوق الأدوية في الحمام لعلها تجد هناك بعض حبوب المنوم او
    المهدئات...!
    كانت تبحث بهستريا داخل صندوق الدواء المعلق في الحمام وهي تشعر ان جسدها لن يرحمها ليهدئ
    وعينيها لن تتذوق النوم مالم تأخذ المهدئات!.. التفتت اليه دفعة واحدة بعد ان استشعرت حركته عند باب
    الحمام المفتوح..فقال لها وهو بالكاد يفتح عينيه الناعستين امام ضوء الحمام الساطع:
    ـ ماذا تفعلين؟..!
    اعادت بعض خصلات شعرها العنيدة التي رفضت ان تجتمع مع الأخريات للخلف بأهمال وعصبية بحركة
    سريعة من اصابعها وقالت وقد استشعر مدى توترها وغضبها:
    ـ انا احتاج لقرص منوم..ولااجد هنا..!
    تنهد بقلة حيلة..هو كان يعلم ان هذا سيحصل وكان مستعد له.. عرف انها ستفقد تماسكها عندما ينزل
    بها الليل..فحاول قدر الإمكان ان يظل هادئاً ولا يجعلها تفقد اعصابها بسببه..قال بأبتسامة حنونة:
    ـ مارأيك ان نعد كوب حليب ساخن؟..قد يساعدنا على النوم..فأنا ايضاً لا اشعر بالنعاس..
    التفتت اليه بتضايق فهي تحتاج منوم وليس كلمات لطيفة تضعفها وقالت:
    ـ باب غرفتك كان مفتوحاً وشاهدتك نائماًفكيف لا تشعر بالنعاس؟..!
    كتف يديه امام صدره دون ان يخفي الابتسامة عن وجهه وقال:
    اجل..ولكن بسبب واحدة مزعجة وضوضائية فقد استيقضت ولن استطيع النوم بسهولة مرة اخرى..
    قالت بأحراج وهي تقطب حاجبيها بأستياء:
    ـ اسفة..
    ـ دعيني اعد ل ِك بعض الحليب..انا أجيد اعداده بمهارة..
    قالت ووجهها لايزال مقتضب وهي تعود للبحث مجدداً في صندوق الأدوية:
    ـ ماء ساخن مع بضع ملاعق من الحليب وسكر...لن يحتاج الأمر الى مهارة..!
    ـ ربما علي ِك ان..
    وقبل ان ينهي جملته التفتت اليه بحدة وهتفت به بغضب:
    ـ انا لست طفلة في الخامسة ولا اريد الحليب!..اريد اقراص المهدئ اللعينة فحسب..
    سكون اكتنف المكان الشيء يسمع فيه سوى صوت انفاسها العالية وآدم يحدق فيها بنفس ملامحه
    الهادئة يحاول قدر المستطاع ان يحتوي غضبها كي يساعدها لتتخلص من امر المهدئات تلك التي
    ستدمرها ببطئ ولن يكون بمقدورها التخلص منها لاحقا الا بتدخل طبي!..وهي مرحلة لا يريد الوصول
    اليها! ..اكمل جملته بنفس نبرته الحنونة وكأنها لم تقاطعه حتى: ربما علي ِك ان تتذوقيه أولا وبعدها تحكمي..
    فأجابته بعناد وتضايق:
    ـ اخبرتك اني لااريد!..اريد المهدئ فحسب..!
    فتقدم بضع خطوات منها حتى اصبح على مقربة شديدة منها وقال بأصرار:
    ـ لن تحصلي عليه!...لن اقوم بمشاهدتك تقتلين نفس ِك ببطئ وانا اتفرج فحسب..
    ثم قال بترجي:
    ـ اتوسل الي ِك ريم!...اعلم ان الأمر صعب علي ِك..اعلم ان ِك لن تقاومي الأمر بسهولة.. ولكن انا اتوسل الي ِك
    اسمحي لي بمساعدت ِك.. تمسكي بيدي ان سقطتي لأسحب ِك الي..اخبريني ان ضعفتي لأمد ِك بالقوة... هذا
    الأمر من مصلحت ِك...لذلك فكري بمصلحت ِك..
    ثم قال بأبتسامة:
    ـ تعالي معي..ودعينا نحاول لعل الأمر ينجح.. اتفقنا؟..!
    بقيت تحدق بعينيه بذات العمق الذي تحدق فيه في كل مرة يتحدث اليها بكلام كهذا من دون ان تعلق
    بشيء..!

    ردحذف
  35. خرج من الحمام واتجه قبلها الى المطبخ ودون ان تعلم لماذا وجدت نفسها تتبعه بطاعة..!
    دخلت بعده بثواني فوجدته يقف امام الماء المغلي فوق الطباخ ويضع المقادير... جلست على الكرسي
    امام الطاولة الموجودة هناك تتابعه بصمت..يتنقل بكثرة مابين معلبات عديدة ومابين الطباخ وهو يضيف
    اشياء واشياء لم تكن تتوقع انه من الممكن ان تُضاف الى الحليب..!!
    10دقائق تماماً كان قد ّجهز لهما كوبين من الحليب..قدم لها واحداً احتضنته بتردد بين كفيها وارتشف
    هو من كوبه فوراً مما شجعها ان ترفع الكوب نحو فمها لتتذوقه..مذاق نشط كل حواسها..جعلها تتذكر
    طعم القهوة تلك التي يعدها هزيم رغم اختلاف الطعمين..!!
    اكملت كوبها وشعرت بجسدها قد بدأ يسترخي فعلا والحظ هو هذا الاسترخاء على ملامح وجهها التي
    هدأت وانقشعت عنها تلك الحمرة الغاضبة...!
    هو يستمتع كثيراً برفقتها..بأعصابها التي تفقدها دوماً..بتعليقاتها الحانقة ولكن مضحكة لذلك لم يشأ ان
    تنتهي هذه السهرة مبكراً رغم انه قد استيقظ من نوم عميق قبل دقائق ولكن جسده قد تنشط كله وهرب
    عنه النعاس لمجرد كونه بجوارها قد وهب كل تركيزه لها..لكلماتها.. لعينيها.. للحاجبين المقطوبين
    اللذان بدآ يبتعدان عن بعضهما البعض قليلا...!
    لا تنكر انها ايضاً بدأت ترتاح لرفقته...تتأثر بشدة بذلك الكلام الهادئ واللطيف والمضحك!..وكأنه اصبح
    بالنسبة لها تلك الحبوب المهدئة التي تحتاجها بشدة..!
    قام بعد ان انهيا حليبهما واوشكت هي على ترك المطبخ فقال بتردد:
    ـ أذ...لم تكوني تشعري بالنعاس بعد..أتودين متابعة فيلم معي؟..!
    حدقت بوجهه بثواني...
    هي سترفض طلبي..
    نعم انا سأرفض طلبه
    لن توافق ...لن اوافق
    ـ نعم..انا اود ذلك..
    جواب فاجئ كليهما وتعجبت لنفسها كيف للسانها ان ينطق شيء عقلها يرفضه!...وقلبها يود
    فعله!..وجسدها راضخ لطلباته!..وتعاند عقلها بشدة..وتعاند المنطق معه..!
    اتجها نحو الصالة وجلست تتدثر بردائها تنتظره وهو يختار من بين الأقراص الفيلم الذي
    سيشاهداه..قالت في اثناء ذلك:
    ـ ألديك هذا الفيلم الذي حدثتني عنه البارحة صباحاً؟..!
    قال ساخراً:الـ 30:2 ظهراً هي صباحاً بالنسبة ل ِك؟..!
    اجابته بكل برود:
    ـ اجل..
    كم يعشق هذه الاجوبة المستفزة...كان القرص الذي ارادته بين يديه..ولكنه قال :
    ـ لااعلم..ولكن لااظنه هنا..
    لم يشأ ان تكون ليلتهما حزينة ويقلب عليها المواجع ويذكرها الفيلم بأخيها ووفاته لاسيما ان القصة
    تدور عن شقيقين قد مات احدهما...لذلك ف ّضل عدم عرضه..بعد ثواني من البحث التفت اليها بأبتسامة
    عريضة وحماسية وهو يقول:
    ـ ما رأيك بهذا؟..
    رفعت حاجبيها بسخرية وهي تقول:
    ـ فيلم شريَك؟؟!!..أسنشاهد الغول الأخضر؟..!
    اختاره من بين الأقراص واعاد البقية وهو يتقدم بأتجاه التلفاز ويقول:
    ـ انه مضحك صدقيني سيعجبك..
    انه رسوم متحركة يا آدم ماالذي سيعجبني به؟...!
    عند هذه الجملة التفت اليها بأندهاش وبأبتسامة عاشقة تحتل ثغره!..قالت مستغربة اندهاشه:
    ـ ماذا هناك؟..!
    استعدل بجسده الذي كان يحنيه فوق جهاز التشغيل وقال بنبرة هادئة ومتلهفة:
    ـ انها...المرة الأولى التي تلفظين فيها اسمي..!!
    تنحنحت لتضفي بعض التماسك لصوتها وقطبت حاجبيها مدعية الاستياء لتخفي احراجها وقالت وهي
    تعيد احدى خصلات شعرها خلف اذنها:
    ـ وما المهم في الأمر؟..أليس اسمك آدم؟..
    ابتسم وعاد ليدخل القرص في الجهاز من دون تعليق..وكم تستشيط غضباً من صمته الذي يدخلها بدوامة
    من الحيرة تجعلها لا تعرف ماذا استنتج بالضبط؟ وماذا يظن؟ وماالذي قد يود قوله تالياً لو انه
    تحدث؟..تريد ان يستمر النقاش بينهما اكثر لتوضح وجهة نظرها اكثر وان لا يفهمها بالخطأ..ولكنه كان
    يصمت ببساطة مع تلك الابتسامة التي تستفزها وكأنه يخبرها انه يظن شيئاً اخر تماماً ومتمسك به غير
    مبالياً بتفسيرها...
    جلس بجانبها على الأريكة وبدآ بمتابعة الفيلم...

    ردحذف
  36. لحظات ابتسامة..تالها ضحك..ثم اندماج مع الحوار ..ولحظات دموع لفراق..ثم خفقان قلب للقاء
    جديد!....مع كل لحظة من لحظات الفيلم اندمج كالهما واستمتع..لحظات طويلة وسهرة ممتعة جعلتها
    تشعر بالنعاس رغم رغبتها الخفية لو ان السهرة تستمر اكثر..ولكن لا تود استغلاله فهي قد ايقظته من
    نومه وجعلته يسهر طويلا وهو لديه عمل في الصباح... وايضاً.. لا تريد ان تضعف اكثر بجانبه..!!
    قامت فور انتهاء الفيلم وقالت:
    ـ سأذهب لأنام الأن..تصبح على خير..
    قام وقال بذات ابتسامته الجذابة:
    ـ هل بدأتي تشعرين بالنعاس حقاً؟..
    اومأت بـ"نعم" من دون ابتسامة:
    ـ اجل..شكراً لك..
    وكأنها تود اخباره ان ابتساماتها السابقة كانت من اجل الفيلم فحسب ولا يوجد اياً منها من اجله!..ولكن
    رغم هذا لم يبخل عليها هو بأبتساماته..منحها ابتسامة اخيرة وهو يقول:
    ـ هذا جيد..لس ِت محتاجة لحبوب المنوم اذاً..
    ثم لوح لها بهزة واحدة من يده وهو يدخل لغرفته ويقول:
    ـ حسناً اذاً..تصبحين على خير...
    وهي لاتزال تقف في الصالة مذهولة ..انها داخل دوامة..داخل معركة محتدمة..!!
    لقد تجرأ ودخل قبلها !! ...أيود ايصال فكرة لها انه كان يجلس على اعصابه معها منتظراً أنقضاء الوقت
    بشدة كي تشعر بالنعاس فتنقذه ليعود نحو نومه؟..هي لم تطلب منه ان يبقى ساهراً معها...لحظة..هذا
    صحيح..هي لم تطلب ذلك!.. اذاً قد سهر بأرادته..هو كان يرغب بهذا..والان ذهب مسرعاً.. ماذا يعني
    هذا؟!..انه متناقض وغامض وعميق ومفهوم وغير مفهوم وعاشق لحظة ومهمل لحظة اخرى..انه
    عشرة ارواح في جسد واحد كلما فهمت واحد ظهرت لها شخصية اخرى...تارة قاسي واخرى بارد وثالثة
    طفل فوضوي ومن ثم وسيم ساحر!!...انه شخصية اليمكنك الوصول الى جوهرها بسهولة واكتشاف
    مايدور بداخله من افكار وصراعات..!
    زفرت بضيق وهي تهز رأسها بعنف وكأنها تطرد الأفكار المزعجة عنها وهي تتمتم بتذمر:
    ـ فليذهب الى الجحيم!...ماشأنك به ايتها الغبية سواء انتظر دخولك او دخل قبلك ماالشيء المهم؟..!
    ثم دخلت نحو غرفتها وارتمت فوق سريرها لتغط بنوم عميق وكأنها اخذت عشر اقراص من
    المنوم..شعور عميق بالطمأنينة وهي تشعر بوجوده على مقربة منها في الغرفة المجاورة!!...شعور
    كرهته... لأنها احبت الشعور به...امر متناقض اليس كذلك؟...!

    ردحذف
  37. الفصل الحادي عشر
    لم تكن تلك سهرتهم االخيرة..في مساء اليوم التالي كانت مستغرقة في رسمها والتدقيق به فأنتشلها من
    انتباهها ثلاث طرقات متتالية وهادئة فوق باب غرفتها...انه هو!..قالت بعد ان تعمدت ان تنزل رأسها
    مجدداً نحو رسمها مدعية تجاهل دخوله:
    ـ تفضل..
    فتح الباب لنصفه واطل بوجهه فقط وهو لايزال ممسك المقبض بين راحة يده وقال بأبتسامة لا يتخلى
    عنها ابداً معها:
    ـ أتحتاجين اليوم الى الحليب؟..!
    نظرت نحوه وقالت بهدوء وبملامح جامدة لا تدل ابداً انها ممكن ان تمزح:
    ـ عظيم!!..اصبحت تنتجه ايضاً مع البيض..
    برود لا يتناسب مع الضحكة العالية التي اطلقها..اعادت انزال رأسها نحو رسمتها محاولة بشدة ان
    لا تضحك امامه فأكمل هو:سأتغاضى عن وقاحتك ايتها الصغيرة واكون لبقاً وادعو ِك لكأس من الحليب ومشاهدة فيلم جديد..
    مطت شفتيها بعدم مبالاة وهي تستمر بالرسم رغم ان قلبها رقص فرحاً لهذه الفكرة التي ظنت انه قد لا
    يطرحها اليوم وقالت مدعية عدم الاهتمام:
    ـ كما تشاء..اياً يكن..
    ـ لقد احضرت ايضاً بعض الفشار...أتريدين ان أعد بعضه؟..
    وضعت الكراسة جانباً وقامت بتململ وهي تقول:

    ـ ح ّضر انت الحليب وانا سأح ّضر الفُشار..
    رفع حاجب وانزل اخر بشكل مضحك وهو يقول:
    ـ أحقاً ستفعلين؟..!
    نظرت له نظرة جانبية وهي تمر من جانبه وتقول:
    ـ وهل من مشكلة في ذلك؟..!
    ـ لا..ابداً..بالعكس تماماً.!!
    مرت من قربه وهو لا ينزل نظره عنها ولا يبعد ابتسامته عن وجهه..تعمد ان يفتح الباب قليلا فقط من اجل
    مرورها ليستنشق الهواء الذي يتبع خصلاتها محملًا برائحتها الزكية وهي تمر بالقرب منه..!
    حدق بمنظرها الذي تبقيه دائماً مهمل وطفولي غير مدركة انه يعشق منظرها هكذا..!!
    ترتدي بنطال قصير اسود اللون يصل الى ركبتيها ويكشف عما تبقى من ساقيها وقميص ابيض انسدل
    بأريحية فوق جسدها الرشيق وترفع شعرها الى للاعلى وتثبته بفرشاة رسم كانت تستخدمها قبل قليل
    فأنسدلت بعض الخصلات القصيرة من فوق رقبتها الخلفية وجانبي وجهها...منظر يجعله لا يود انزال
    بصره للحظة عن جمالها الذي لا تفعل الكثير من
    اجل ان تحققه..!!
    لحظات صمت مرت عليهما في المطبخ وهما يقفان معاً امام الطباخ كلًااتى ليعد مااتى من اجله..دقائق
    قليلة ارتشفا فيها الحليب ثم ذهبا نحو الصالة من اجل مشاهدة الفيلم وريم تحمل اناء الفشار الزجاجي ..
    جلست على الأريكة ترمي ببعض القطع في فمها بينما هو واقف يقلب الأقراص كي يختار فيلماً..واخيراً
    استقر على فيلم "منزل الجدة الكبير"..فهو يريد رؤية ابتسامتها النادرة لأطول فترة ممكنة لذلك يتعمد
    دوماً اختيار افالم كوميدية...لحظات قليلة حتى بدأت ابتسامتها في الظهور..ابتسامة لااكثر...عريضة او
    خفيفة..بقهقهة مكتومة او بدونها..هي فقط ابتسامة..وكأن قلاع الحزن المبنية بداخلها اقوى من ان
    تتهدم بسهولة ببضع افلام كوميدية وعبارات مضحكة..!!

    ردحذف
  38. وايضاً لم يكن هذا اليوم هو اخر يوم لسهراتهما المشوقة بل استمر لمدة اسبوع كامل وهم يتنقلون مابين
    الافلام..يجلسون ليشاهدوها بصمت لا يخترقه سوى صوت ضحكاته وابتسامتها دون ان يتبادلا الحديث
    مع بعضهما..ولكن رغم هذا الامر كان ممتعا!ً..ليالي متناقضة ومحتدمة..اليوم هو يلقي تحية الوداع
    ويدخل غرفته بسرعة والبارحة هي من فعلت ذلك وغداً قد قرر كلاهما انه سيسبق الآخر ولكل واحد نية
    مختلفة بداخله تدفعه لفعل ذلك...!
    وها هو اليوم الثامن قد حل على سهراتهما المعتادة ..ولكنه لم يحضر بعد من خروجه فقررت ان تح ّضر
    الفشار وتختار هي الفيلم هذه الليلة قبل مجيئه ليشاهداه فور وصوله...وبالصدفة فتحت احدى ادراجها
    في الغرفة فوجدت احد حبوب المهدئ مرمي تحت حاجياتها لم تنتبه اليه مسبقاً..
    حملته بتردد ونظرت اليه مطولا...جسدها يؤلمها...رأسها يكاد ينفجر منذ ايام لأنها انقطعت عن تناولهن
    فجأة...لديها الأن رغبة جامحة بشربه لتشعر بذلك الاسترخاء ولتغط بنوم عميق كالسابق!... ولكن فجأة
    خطر آدم على بالها...وصدحت كلماته في زوايا عقلها...ولرغبة لم تفهم سببها هي قد وجدت نفسها فجأة
    لا تريد خذلانه وتخييب ظنه..لذلك ستقاوم رغم رغبتها الشديدة بأخذه الأن...فأعادته حيث كان وخرجت
    من الغرفة نحو المطبخ لتعد الفشار..!
    الفشار اكتمل..الفيلم ت ّجهز..وآدم لم يحضر بعد..!!
    دقت الساعة العاشرة وموعد عودته كان من المفترض ان يكون في التاسعة...
    ستتصل لتطمئن.. ال.. ستتصل لتؤكد عليه إغلاق الباب جيداً عند عودته.. لا..ستتصل كي تعلمه انها
    ستنام فلايحدث ضوضاء لدى دخوله...المهم انها ستتصل فحسب لتتمكن من نحر قلقها والتخلص منه
    وابعاد التساؤلات عن رأسها..
    رنة...اثنتين.. وها هو يرفع السماعة قبل ان تصل للثالثة..!
    ـ اهلا ريم..
    تنحنحت كالعادة لتبدو امامه متماسكة قدر الإمكان لا يملك اي قدرة على اضعافها ولو بمقدار مثقال
    واحد..
    ـ اهلا..اين انت؟!
    صوت رقيق اخترق مسامعها جعلها تقطب حاجبيها فوراً )اوصل لها سلامي(..وضحكة منه جعلها ترهف
    تركيزها جيداً لعلها تستنتج اين هو ولكنه قطع استنتاجاتها فوراً وهو يقول:
    ـ انا مع زميلتي في العمل مايا في احدى المقاهي نحتسي القهوة وهي ترسل ل ِك سالمها...
    سكوت..الجواب..مجرد نقطة وهمية تحدق بداخلها بعمق!...فأكمل:
    ـ لماذا؟ أهناك شيء؟..!
    هي ليست مهتمة..فليخرج مع مايا او حتى ليتزوجها فهي متأكدة انها لن تشعر بالغيرة لاسيما بعد ان
    شجعته اكثر على فكرة الزواج وطرحتها اكثر من مرة بعد وصولها الى منزله تطالبه بالاستعجال
    بتنفيذها.. ولكن هناك شيء ما..شيء اليمكنها فهمه بالضبط..ولكنه شيء ببساطة جعلها تشعر...بخيبة
    الأمل!..وبغضب!.. وكأنها متلهفة تركض خلفه وهو يرميها ببساطة جانبا.. ِ!
    وجهها احمر..خجلة..غاضبة..ثائرة..تكره نفسها بشدة وتكرهه!...وهنا اشتعل الضوء الأخضر ينذر
    بتشغيل كبريائها..فقالت من دون اي تساؤالت او اهتمام بتلك المدعوة مايا او بأمر خروجه معها وتركها
    هنا وحدها:
    ـ حسناً..كنت اخبرك اني سأخلد للنوم الأن هل اخذت معك مفاتيحك ام انك ستوقظني؟
    لم يجبها فوراً بل صمت لأجزاء الثانية وهو ينظر لساعة يده ثم اجابها بأستغراب:
    ـ تنامين؟!..في هذا الوقت؟!
    ـ اجل..ألديك اعتراض؟..!
    شعر بخيبة املها ذاتها وتنهد بضيق وقال:
    ـ لا..كماتشائين..لا تقلقي لن اوقظ ِك فمعي مفاتيحي..
    وكالعادة من دون وداع اغلقت الهاتف... أتذكرون قرص المهدئ ذاك الذي قاومته؟!.. اتجهت اليه فوراً
    لتشربه..!!
    عاد بعد ساعة تقريباً ليجد المنزل يغط في هدوء عميق مطفئ االضواء ويكتنفه سكون كرهه
    بشدة...يشبه السكون الذي كان عليه المنزل قبل قدومها!...ايام قليلة فقط ولكنه احب حقاً رؤيتها كلما
    عاد للمنزل او حتى يستشعر حركتها في الغرفة..!!
    القى سترته فوق ظهر الأريكة وجلس يفتح ازرار معصمه ثم القى المفاتيح بأهمال فوق المنضدة
    الزجاجية التي امامه فجذب انتباهه قرص مدمج موضوع هناك..مد يده وتناوله بأستغراب فوجده احدى
    الافلام التي يمتلكها عندها انفتح جبينه المقتضب فوراً وانفرجت شفتاه بدهشة...لقد كانت تنتظره من
    اجل سهرتهما المعتادة...أيعقل ذلك؟!..ألهذا اتصلت؟..!
    رمى القرص فوراً وانطلق نحو المطبخ ليتأكد من ظنونه... كان نظيفاً وخالياً..بالطبع سيكون كذلك فهو
    يعرف كبريائها وكان متأكد انها نست امر القرص فوق المنضدة فلو انها تذكرته لأعادته قبل ان يراه
    ويستنتج سبب مكالمتها...لذلك انطلق نحو سله المهملات في المطبخ فوراً..فتحها واعتلت ابتسامة
    عريضة ثغره...ها هو الفشار مرمي هنا كي لا يراه!!..اذاً ما ظنه كان صحيح!...رغم انه كان يرى نفسه
    حقيراً لأنه خذلها ولم يعد مبكراً ولكنه كان سعيداً جداً!..فللحظة واحدة لم يكن يظن انها كانت ستهتم

    ردحذف
  39. بسهراتهما وهذا ماجعله يتأخر خارجاً....ولكنها انتظرت.. تحضرت..وربما حتى تشوقت!!.. وهذا امر
    يدفعه بالشعور انه يمتلك جناحين من السعادة وقادر على التحليق لأعالي السماء...!!
    رفع اكمام قميصه الى عضده وبدأ بأعداد الحليب كما تحبه...دقائق قليلة واتجه نحو غرفتها يحمل
    كوبين...طرق الباب فلم يجد اجابة..بالطبع لم يكن يتوقع ان تجيبه لذلك قام بفتحه بتردد ودخل..قال
    بهمس حنون:
    ـ ريــــم؟...!!
    من دون شك هي كانت مستيقظة..كانت خائبة الأمل... كانت غاضبة..من نفسها لأنها انسجمت معه بهذه
    السرعة وغاضبة منه لأنه تركها وخرج وعند هذه النقطة يزيد غضبها من نفسها اكثر..!!
    رغم انها اخذت احدى اقراص المهدئ الا انه لم يكن كافياً ليخمد تلك الثورة الغريبة التي اندلعت بداخلها
    التعرف اسبابها وعجزت عن قمعها!..لذلك كان الدواء كافياً ليبث الاسترخاء في جسدها ولكنه لم
    يساعدها على النوم بسرعة..!
    اقترب من سريرها وكانت تغطي رأسها بغطائها كعادتها فوضع الحليب بهدوء فوق المنضدة المجاورة
    لسريرها وقال برفق:
    ـ اعلم ان ِك التستطيعن النوم بسهولة..لذلك اعددت ل ِك بعض الحليب..
    الجواب..الحركة..ولااي شيء..فأكمل:
    ـ سأعد بعض الفشار واتابع فيلماً..أتودين متابعته معي؟..!
    الشيء..
    ـ انه فيلم جديد ورائع بالمناسبة سيفوتك..
    الشيء...
    ـ حسناً..سأكون في الصالة ان غيرتي رأيك..
    والشيء ايضاً..خرج الى الصالة ارتشف حليبه وبقي ينتظرها لعلها تتخلص من عنادها وتخرج..ولكن لم
    تفعل...انتظر لساعة.. ساعتين...وثلاث..ولكنها مصرة!..فقطع الأمل بخروجها وذهب نحو غرفته ليحظى
    ببعض النوم والراحة التي يصرخ بهما جسده طالباً الرحمة..!
    اما هي..فلاتختلف عنه كثيراً..استمعت لهمساته كلها...اعجبها اهتمامه بشدة!..فكرهت نفسها بشدة
    اكثر!..بالطبع عنادها لم يسمح لها بشرب الحليب رغم انها ارادت ذلك وكبريائها لم يسمح لها ان ترميه
    من دون ان يراها تفعل ذلك..فأنتظرت استيقاظه ..!!
    اليوم جمعة ولن يخرج من البيت صباحاً..اذاً ستنتظر خروجه نحو المطبخ لتستفزه كما استفزها
    البارحة..!
    استشعرت حركته وصوت الاواني فقامت من سريرها تحمل كوب الحليب الذي لم ترتشف منه او حتى
    تتذوقه!..دخلت نحو المطبخ وكان يقف امام الطباخ يعد الفطور فتطلع نحوها بأبتسامة وقال:
    ـ صباح الخير..
    اجابته بأقتضابها المعتاد:
    ـ اهلا..
    فأنزل بصره نحو الكوب وقال بخيبة امل:
    ـ ألم تشربيه؟..!
    اتجهت بصمت نحو المغسلة ورمته في الحوض وقالت ببرود:
    ـ لم اكن بحاجة اليه البارحة..
    ثم نظرت له بذات البرود واكملت:
    ـ لقد اخذت قرص مهدئ وغططت بنوم عميق ولم اشعر حتى بدخولك الغرفة وانت تضعه..!!
    وهنا تم الضغط على زر التبديل في شخصية ادم وتحول فجأة الى ذلك الجاد والعصبي تلك الشخصية التي
    تستخرجها فوراً من داخله عندما تستفزه...اطفئ الطباخ والتفت اليها يقطب حاجبيه ويكتف يديه امام
    صدره وقال:

    ردحذف
  40. عفواً؟..!
    رفعت حاجبيها وكتفيها بعدم مبالاة وكأنه شيء اعتيادي وقالت:
    ـ لحسن الحظ قد وجدت واحداً في احد ادراجي وتناولته...!
    اخذ نفساً عميقاً وطرحه ببطئ يحمل معه نيرانه التي يحاول الحفاظ عليها خامدة بدل ان يطلقها ويحرق
    البيت ومافيه منذ الصباح..!!
    قال وهو لايزال يحتفظ بملامحه المستائه ونبرته الجافة:
    ـ لحسن الحظ؟؟!!..ألم نتفق على انك ستتركيها؟..!
    ادارت ظهرها للمغسلة وهي تستند براحتي يديها على حافتها وتنظر اليه قائلة بعدم مبالاة:
    ـ لا اتذكر اننا اتفقنا على شيء كهذا..كانت هذه رغبتك فحسب..!
    عند هذه النقطة انفجرت براكينه وهتف بها:ماذا تعنين انها كانت رغبتي فحسب؟!..ألم تنقطعي عنها منذ ايام ولم تتناوليها؟ ألم ترمي العلبة ولم
    تعودي تأخذي منها؟
    اجابته ببرود وهدوء لا يتناسب مع غضبه:
    ـ و الأن قد وجدت واحدة فقررت تناولها!...متى اقرر شيئاً سأفعله..اليوم اقرر تناولهن وغداً قد اقرر
    رميهن..الأمر عائد لي فقط ولااظن ان لك دخل به..!
    ثم تقدمت نحوه بضع خطوات وهي ترفع حاجبيها بسخرية وتكتف يديها الى صدرها وتقول:
    ـ ام كنت تظن اني سأقلع عنهن مقابل كوب من الحليب؟!... هل تراني امامك طفلة سخيفة لهذه الدرجة؟..
    ثم تركته تريد الخروج من المطبخ فأستوقفتها عبارته:
    ـ كل هذا فقط ألني تأخرت ليلة البارحة خارج المنزل؟..
    توقفت..ولكنها لم تستدر اليه فوراً..وجهها مشتعل..قلبها معتصر..نعم هو محق ولكنها ترفض الاعتراف
    بهذا!!...من المستحيل ان تعترف بالأمر حتى لنفسها..ابعدت توهج وجهها ورسمت ابتسامة مستفزة
    فوق ثغرها والتفتت اليه قائلة:
    ـ ماهذه الثقة الكبيرة التي تعطيها لنفسك؟!.. لما تظن اني سأهتم ان عدت مبكراً او تأخرت؟..!
    وهنا حان دوره ليستفزها..عشق مبني على الحروب ليكبر!... كتف يديه امام صدره ورسم على وجهه
    مثل ابتسامتها المستفزة وقال:
    ـ في الحقيقة لااعلم كيف استنتجت هذا!..ربما بسبب القرص الذي نسيته على المنضدة او ربما بسبب
    الفشار الذي رميته لأني لم احضر..!!
    هناك شيء ما يحترق..لا ليس الطعام فهو قد اطفئ الطباخ.. انها هي من تحترق تشتعل!!..تود قتله الأن
    وفي هذه اللحظة بالذات..الى ماذا يلمح بالضبط؟..وهل هو الأن يسخر منها ام انه يحاول بذلك بناء خطوة
    جديدة تقربهما عندما يساعدها ان تفهم وتعترف انها بالفعل قد بدأت تهتم له؟!..أتظنوها قد اكتست بطبقة
    خجلة حمراء وولت هاربة بحياء منه؟؟!!..لا..فريم ليست هذا النوع ابداً..للوقت الحالي على الاقل...!!
    اجبرت نفسها على رسم ابتسامة ثقة عريضة على وجهها وتقدمت بضعة خطوات ثابتة منه وقالت:
    ـ يا لهذا الاستنتاج العظيم..!!!
    رسم نفس ابتسامتها الواثقة على ثغره ولم يعلق.. نعم انه صمته المعتاد..يخبرها انه واثق مما يقول!..
    ولكن هذه الابتسامة بدأت تدريجياً تتالشى عن ثغره وهو يسمعها تقول:ولما تستنتج اني كنت بأنتظارك؟!...الا يمكن مثلا اني قد اعددت الفشار لنفسي وشاهدت الفيلم لوحدي
    من دون انتظارك؟..وأما الفشار الذي وجدته في سلة المهمالت فهذا ألني اعددت كمية كبيرة ولم اتناول
    الا قليلا منه فتخلصت من الباقي...وليس كما تظن ايها الذكي...
    حسناً علينا ان نعترف..انها نقطة لصالح ريم وقد افحمته بجوابها الكاذب!...نعم ستفضل الكذب على ان
    تبقي الشك بأهتمامها داخل رأسه..!
    اقتربت خطوة اكثر منه وقد ابعدت الابتسامة عن وجهها وكزت على اسنانها بغيظ ورغم نبرتها الهامسة
    الى ان كل شرايين وجهها بارزة من الانفعال وهي تقول:
    ـ اياك ان تغتر بنفسك ياادم..وليس لأني تبادلت معك حديث او منحتك ابتسامة يجعلك تثق كثيراً بنفسك
    وتظن ولو للحظة اني قد اهتم بك...الشيء الوحيد الذي يجعلني اطيق وجودك معي في المنزل ذاته فقط
    لأنك وعدتني انك ماان تجد الفتاة المناسبة فسترحل..
    حدق في عينيها الناريتين بوجه جامد وحاجبين مقطوبين ثم قال بهدوء يحمل نبرة استياء:

    ردحذف
  41. لا تقلقي..لن يطول الأمر كثيراً..لقد أكدت على امي واختي في ايجاد العروس المناسبة وسأرحل قريباً ،
    انا حتى قد الغيت فكرة التعرف على الفتاة أولا والوقوع في غرامها..اي
    فمع هذا الوضع الذي لا يطاق
    فتاة مناسبة وذات مواصفات جيدة سأتزوجها...
    حدقت بوجهه قليلا ثم قالت:
    ـ جيد..
    وبعدها استدارت تريد الرحيل ولكن قبل ان تخطو خطوة واحدة امسكها من يدها بقوة وادارها اليه بعنف
    وهو يجحظ بعينيه بغضب..ذلك النوع من الغضب الذي يخرسها تماماً ويمنعها من التكلم..قال وهو يعصر
    يدها بقسوة:
    ـ ولكن ان تناولتي قرص منوم او مهدئ واحد ياريم.. مجرد واحد!..فسألغي فكرة الزواج نهائياً من
    عقلي... وسأبقى هنا الى الابد... هل مااقوله واضح؟..!
    بقيت تحدق فيه بصمت ولكن بأرتباك فهزها بعنف اكبر وهو يهتف بها:
    ـ أهو واضح؟..!
    اومأت برأسها بـ"نعم" فوراً فأفلتها بدفعة قوية كادت ان تسقطها وخرج من المطبخ وغير ملابسه
    ليخرج من المنزل نهائياً...!!
    مرت عليها ساعات وساعات وهي تجلس في الصالة دون ان تتحرك..ولا تعرف بماذا تفكر بالضبط فعقلها
    مشوش..تحاول ان تعصر افكارها لتأخذ منها الخلاصة وتكتشف بماذا تفكر بالضبط وبماذا تشعر..ولكنها
    ببساطة لا تعرف!!..اشياء متناقضة في داخلها تعجز عن جمعها معاً..!!

    ردحذف
  42. الفصل الثاني عشر
    أأقول أحب ِك ياعمري؟..!آه لوكان بأمكاني..
    -نزار قباني-
    جافا النوم عينا ريم وهي تنتظر لساعات اخرى في الصالة تجلس وحيدة وآدم لم يعد بعد!..دخلت الى
    غرفتها بعد ان تأخر في العودة وبدأ الليل يحل على تلك السماء المشرقة..
    جلست على سريرها تضم قدميها فوق بعضهما وتكتف يديها امام صدرها وكأنها تلتمس بعض الدفئ
    لجسدها البارد..!!
    حركت بصرها بتردد بأتجاه صورتها هي واخيها وحدقت داخل عينيه لثواني ثم نزلت دمعتها فوراً
    وقالت:
    ـ كف عن النظر الي بهذا الشكل هزيم وكأنه شخص لا يستحق قسوتي..!
    ومرة اخرى عادت ريم لتتحدث مع صورة اخيها وكأنه يتبادل معها الحديث!...فمن شدة تعلقها به ومدى
    قوة العالقة بينهما في الماضي فأنها بأمكانها ان تستنتج ماذا عسى اخيها ان يقول..!!
    مسحت دموعها بأكمام بلوزتها الطويلة واشاحت وجهها للجانب وتحدثت الى اخيها بنبرة هامسة
    وضعيغة:
    ـ اعلم انه يفعل ذلك ليساعدني...وعدني انه سيكون بجانبي متى ماضعفت...
    ثم التفتت الى الصورة بحدة وهي تكمل بأنفعال:
    ـ ولكنه مثل الآخرين...عندما ضعفت لم اجده بجانبي...لقد تخلى عني..!
    وعادت لتمسح تلك الدموع الضعيفة التي ترفض التوقف بأكمام بلوزتها وهي تتمتم لنفسها بلوم:
    ـ كفي عن هذا البكاء ايتها الضعيفة الحمقاء..!!
    ولكن عينيها يرفضن الاستماع اليها..فشيء ما بداخل صدرها يلهب حدقتيها بشدة
    تجعلهما تفرزان الدمع من دون توقف..!!
    عاد في وقت متأخر مساءاً ووجدها في المطبخ تعد بعض الطعام...دخل نحو الثلاجة دون ان يلقي التحية
    او يتحدث بحرف واحد او حتى يرمقها بنظرة واخرج قنينة مياه ليرتشفها ثم خرج من المطبخ مجدداً..
    تصرف يدل انه لا يريد خوض حديث معها!....كان من المفترض ان لا تبالي فهي من كانت تكره الحديث
    اليه..ولكن الأن...شيئاً ما شد انتباهها بشدة الى صمته..وشيء مابداخلها قد لامها على هذا الغضب الذي
    تسببت له به في الوقت الذي كان يريد مساعدتها فحسب!....نعم هي تكره اسرة مراد جميعها..ونعم هم
    من قتلو اخاها ولكنها في النهاية مجرد انسانة!.. لا يمكنها ان تكون عديمة الاحساس معه لهذا الحد ولابد
    ان تشعر بشيء من تأنيب الضمير..!!
    زفرت بضيق وحسمت قرارها..أطفأت الطباخ واتجهت الى غرفته!...وان كنتم تتسائلون فنعم هي كانت
    تعد البيض..فالشيء اخر تجيده! بل ومنذ ذلك اليوم الذي قدمت فيه صحن البيض المحترق آلدم بقي هو
    يعد لهما طعام الوجبات..ورغم انه اروع طعام تذوقته طوال حياتها الا انها لم تعترف بهذا يوماً..!!
    وقفت امام باب غرفته بتردد وارتباك..انها المرة الأولى التي تقف هنا...المرة الأولى التي ستطرق
    بابه!..رفعت يدها بتوتر وماكادت ان تلامس قبضتها المكورة الباب لتطرقه حتى سحبت يدها فوراً
    بالتراجع....انها وسط معركة داخلية محتدمة الأن لا تعرف كيف تحسم قرارها النهائي...!!
    مدت يدها مرة اخرى بتردد ولكن هذه المرة قبل ان تلامس قبضتها الباب وجدته يفتح فجأة ويطل وجه
    آدم لتنتفض كل خلية بداخلها بفزع..!!
    كان ينوي الخروج من الغرفة الا انه تسمر بمكانه بدهشة وهو يشاهدها ترفع يدها تكاد تطرق بابه..!
    حدق كليهما بذهول داخل عينا بعضهما من دون ان ينطق اي احد منهما بكلمة او حتى ان يتحرك..فيد
    ريم التي رفعتها من اجل طرق بابه قد تركتها في الهواء نسيت انزالها حتى من شدة ارتباكها..!!
    ـ أهناك شيء؟..!
    سألها آدم بأقتضاب وبرود مما دفع عقلها للعمل مجدداً كي يعود ليرسل ايعازات لباقي جسدها من اجل ان
    يعمل مرة اخرى فأنزلت يدها فوراً وتنحنحت بأرتباك لتخرج صوتها متماسكاً بدل ان يكون مرتجفاً امامه
    وقالت دفعة واحدة بأستياء وهي تطرح انفاسها العميقة:
    ـ أ.....أنا لم اقصد اخذ ذلك المهدئ..
    ومع جملتها هذه تفجرت كل قلاع التماسك التي جاهدت من اجل ابقائها ثابتة ووقعت دموعها الثقيلة
    لتبلل لها ذلك الخد الرقيق فأكملت بأنفعال من وسط ذلك البكاء:
    ـ لكن لا يمكنك ان تلومني على ذلك فلست انا وحدي المخطئة!..تعلم جيداً انني مدمنة وان مقاومتي
    ستكون ضعيفة وانت قلت انك ستمدني بالقوة ان ضعفت...ولكنك بدل ذلك تركتني وحدي لتخرج برفقتها
    اياً كانت تلك...!
    رفع حاجبيه بدهشة وبالكاد كتم ابتسامة السعادة البلهاء التي كادت تظهر على ثغره..ولكن ريم لم تنتبه
    على الغباء الذي تفوهت به من شدة انفعالها..!

    ردحذف
  43. مسحت دموعها مجدداً بأكمام بلوزتها ثم قالت بأصرار وهي تركز عينيها داخل عينيه المحيرة:
    ـ انا لااريد ان ابقى مدمنة ياآدم...ليس من اجلك وليس من اجلي..ولكن من اجل سامي..!
    فهو اخر ماتبقى لدي من هزيم وهو شديد التعلق بي..لذلك لااريده ان يفقدني كما فقد اباه ولااريد عندما
    يحتاجني يجدني مجرد مدمنة بالكاد تستيقظ من غيبوبتها!..انا اريد ان..
    وفجأة عجزت عن نطق كلمة اخرى وهي ترى يد آدم تمتد بهدوء لتستكين فوق خدها الرقيق وقال
    بأبتسامة حنونة ونبرة هادئة مقاطعاً حديثها:
    ـ انا لن اترك ِك ابداً!....وكفي عن البكاء بهذا الشكل..فأنا لم ولن اتخلى عن ِك..ماحصل كان خطأ لن يتكرر
    مجدداً....انا اسف..!
    ثم اردف فوراً بأبتسامة حماسية:
    ـ ومن الأن فصاعداً متى شعرتي ان ِك ستفقدين المقاومة اتصلي بي فوراً ان كنت خارج المنزل او في
    العمل...اشغلي نفس ِك بالتحدث الي.. اشغلي نفسك في العمل..في الطبخ اشغلي نفس ِك بأي شيء
    لتنسي!...وان اردتي فأتصلي بي لتفرغي كل غضب ِك بي واشتميني وافعلي اي شيء لتخمدي
    نيران ِك..ولكن لا تخمديها عن طريق المهدئات.. واضح؟..!
    لكن ريم لم تجيبه...فسلكها كان مفصول عن الكهرباء ودقات غريبة في صدرها تجعلها تفقد الوعي عن
    هذا العالم ولا تسمع اي شيء سوى صوته...ولا تشعر بشيء سوى بيده الدافئة التي تستكين فوق
    خدها..."ماالذي يحصل بحق السماء؟!"هذا هو السؤال الوحيد الذي كانت ريم تطرحه على نفسها...يده
    فوق خدها..لما لا تغضب؟..لما لا تصرخ به وتبدأ بالشجار معه؟!..لما هي ساكنة بهذا الشكل من دون
    حركة؟..!
    لم تعد لرشدها الا بعد ان ابعد آدم يده من فوق وجهها وهو يقول بأبتسامة:
    ـ اظننا اتفقنا.!!
    مسحت دموعها بأرتباك وقطبت حاجبيها مدعية البرود وهي تقول بأقتضاب:
    ـ انا ذاهبة لأنام..!
    ثم استدارت بأتجاه غرفتها فقال فوراً:
    ـ لكن ِك لم تأكلي طعام ِك بعد..!
    اجابتة بينما تفتح الباب وتدلف الى غرفتها:
    ـ لااريد..!
    ثم اغلقت بابها ولم يعد يسمع لها صوت..تبسم وهو يحرك رأسه بيأس منها وهو يتمتم بضحكة:
    ـ بالفعل طفلة...!!
    حل عليهما اليوم التالي وكلاهما يتجنب الآخر لسبب مجهول وغير مقنع..!
    لم يحصل اي شيء يدفعهما للحديث معاً ولاسيما بعد شجارهم الأخير في المطبخ والذي قيل فيه كلام جعل
    الأخر يفكر به بعمق!.. لاسيما آدم!..فمهما قال ومهما فعل لها فلقد جعلته يتأكد انها لن تبالي يوماً
    بأمره..وانه لن يكسب منها شيء غير الكره..لذلك وببساطة سيساعدها..ولكن من دون توقع شيء اكثر
    من ذلك!..لذلك كان هذا سبباً كافياً ليجعله شارد الذهن طوال الوقت وشرارات اليأس بدأت تشب بداخله..
    واما هي فأستنتجت ان صمته يعني انه لايزال مستائاً منها لذلك اكتفت هي بالصمت ايضاً..!!
    مر اليوم بطوله والوضع دون تغيير..لا تسمع صوت ادم الا اذا تحدث بالهاتف..ولا يمنحها نظرة او
    ابتسامة ووجه مقتضب على الدوام..من دون ارادة وجدت نفسها تراقبه وتتوجس من هذا الهدوء..
    يومين اخرين والوضع على حاله واجواء المنزل من دون صوته اصبحت بالفعل لا تُطاق!..ثم واخيراً
    ارتخت ملامحه وتبسم بزيارة اخته سلوى...!
    كانت قد تحدثت مسبقاً مع ريم عبر الهاتف وباركت لها الزواج ودار بينهما حديث طويل كان الفضل
    لسلوى بأطالته ولكن ريم وجدت نفسها تتفاعل معها وتضحك لمزاحها..يبدو ان المزاح امر متوارث في اسرة ادم هذه!...رحبت ريم بها وجلست سلوى مع ادم في الصالة ومعهما ابنتها ريناد ذات الثلاث
    سنوات ودخلت ريم لتعد بعض القهوة...استمعت لضحكاتهما القادمة من الصالة ومن دون ان تنتبه
    وجدت نفسها ترهف سمعها لضحكة ادم فقط التي لم تستمع لها منذ يومين.. بين لحظة واخرى تقطب
    حاجبيها وكأنها تحاول تنبيه نفسها ولومها لأنها تركز معه بهذا الشكل ولكن حواسها رغماً عنها تعود
    لتركز معه...!
    دقائق قليلة حتى وجدته يدخل الى المطبخ ويتجه الى الثلاجة التي بجانبها..بقيت تدير ظهرها اليه
    وتواجه الطباخ..اخرج قنينة المياه واغلق باب الثلاجة واتكأ عليه بظهره يحدق فيها بأبتسامة من دون
    ان تنتبه..ارتشف الماء وابصاره معلقه بها وبتلك الخصلات الفاحمة التي يعشقها!!..تفاجأت به يوجه لها
    سؤالا فجأة بعد يومين من تجاهلها:
    ـ هل تجيدين اعدادها ام ستحرقيها؟..!
    يومين من الصمت والتجاهل واخيراً عندما ينطق فأنه ينطق جملة مستفزة..!!
    زفرت بضيق والتفتت اليه ولكنها وجدته يدير ابصاره عنها ليكمل ارتشاف الماء وهو يسير خارجاً من
    المطبخ..زفرات ضيق ولكن ابتسامة لا تعرف سببها ترافق هذه الزفرات..!!
    حملت القهوة من اجل سلوى وكوب عصير من اجل تلك الصغيرة ريناد التي كانت مستغرقة مع التلفاز
    الذي احتلته فور وصولها لتشاهد الرسوم المتحركة..

    ردحذف
  44. وضعت القهوة وبدأت تستمع لمشاكسات آدم مع ريناد وهو يأخذ الوسادة من جانبه ويرميها بها ويقول
    ممازحاً ليغيضها:
    ـ انه تلفازنا نحن..اذهبي لتشاهدي تلفازكم..!
    فضربته سلوى فوق كتفه وهي تقول:
    ـ آدم لا تبدأ !!..اترك الصغيرة وشأنها..
    فأشار بسبابته بأتجاه ريناد وهو يقول:
    ـ انها لا تتركني اشاهد التلفاز براحتي عندما ازوركم فلما تشاهد الآن تلفازي؟..!
    مطت سلوى شفتيها بيأس وهي تقول:
    ـ اعتقد انه بأمكاني التفاهم مع ريناد اكثر من تفاهمي مع ِك فعقلها انضج بكثير منك..
    فأمسك بوسادة اخرى ورماها بأتجاه ريناد وهو يقول:
    ـ المهم ان تترك تلفازي..!
    فنظرت له تلك الصغيرة بأستياء بعد ان ضربتها الوسادة على ظهرها فأشار فوراً نحو ريم وهو يقول:ـ
    الخالة ريم هي من فعلت ذلك..!
    فوجهت الصغيرة ابصارها اليها فهتفت ريم به فوراً بتفاجئ:
    ـ مـــاذا؟!..انا؟..!!
    فأطلقت سلوى ضحكة قوية على تصرفات اخيها الذي سيبقى طوال حياته طفل مشاكس داخل جسم رجل
    ناضج..!!!
    حركت ريم يديها بنفي وهي تقول للصغيرة:
    ـ اقسم ل ِك انه هو من فعل ذلك..!
    فزفرت ريناد بضيق وعادت لتشاهد التلفاز فرماها آدم بوسادة اخرى فهتفت به ريم فوراً:
    ـ آدم..!!
    فنظر نحوها بأبتسامة عاشقة لأنها نطقت اسمه وقال ممازحاً:
    ـ واخيراً وجدت لريناد فائدة..!!
    فقطبت حاجبيها بأستغراب وهي تقول:
    ـ عفواً؟..!
    فحافظ على ابتسامته ولم يعلق على كلامها بشيء بل قام ليكمل مشاكسته مع تلك الصغيرة وهو يحملها
    تارة ويدغدغها تارة اخرى لتنفجر ريناد ضاحكة وريم تراقبه بأبتسامة حالمة وهي تتذكر ايامها مع
    سامي ولعبهما معاً..!!
    ـ اذاً؟..!!
    جفلت والتفتت نحو عبارة سلوى التي لم تعرف متى بالضبط قد نهضت من مكانها واتت لتجلس
    قربها..!!
    تبسمت ريم لأبتسامتها وهي تقول:
    ـ اذاً ماذا؟..!
    فأكمت سلوى بذات النبرة الهامسة كي لا ينساب حديثهما لآدم الذي كان مشغول من الاساس بملاعبة
    الصغيرة:
    ـ كيف هي احوال ِك هنا؟...هل انتي سعيدة؟.. هل يحسن آدم معاملت ِك؟!..أهناك اي شيء يزعج ِك؟..
    فرفعت ريم كتفيها وانزلتهما بعدم مبالاة وهي تقول:
    ـ اظن اني بدأت اعتاد الأمر واتقبله..
    فقالت سلوى بلهفة وبأبتسامة متحمسة:
    ـ اذاً هل هناك احتمال ان تعيشا بسعادة معاً؟..أعني..ان تعيشا حياتكما بشكل طبيعي وان تحبا بعضكما؟..
    تنهدت ريم بحسرة ثم قالت:
    ـ اسفة..ولكن لااظن انه في يوم سيجمعنا الحب...فأكثر مابأستطاعتي فعله هو العيش معه بتفاهم فقط من
    دون مشاجرات يومية.. اما اي شيء اخر فلن اقبل به..!
    ـ ومن يعلم؟...فلااحد يعرف ماالذي تخبئه الايام لنا..!!
    ـ فلتخبئ الايام ماشائت..فلن يحصل سوى هذا..!
    ـ بماذا تتهامسان انتما الأثنان؟..
    التفتت كلتاهما نحو عبارة آدم تلك الذي يجلس على الأريكة المقابلة لهما ويلتقط انفاسه بصعوبة بعد
    جولة مصارعة محتدمة خاضها مع تلك الصغيرة ريناد التي عادت لتحتل التلفاز مجدداً..!!
    تبسمت سلوى وهي تجيبه:
    ـ وماشأنك انت؟...انها اسرار فتيات..!

    ردحذف
  45. فقال ساخراً:واين تلك الفتيات بالضبط؟..!
    فمنحته سلوى قهقهة مصطنعة وهي تجيبه بأستهزاء:
    ـ مضحك جداً ايها الظريف..!
    فأنتقل آدم من مشاكساته مع ريناد لمشاكساته مع سلوى.. وريم مستمتعة في الوسط لهذا العراك
    الطفولي....لولم يكن آدم احد افراد اسرة مراد..لوقعت بغرامه بشدة!..ولكن كلما نبض قلبها لأجله كلما
    انقبض منه بعد ان تتذكر من تكون هي..ومن يكون هو!!..انهما تناقض من الاستحالة جمعه معاً..!!
    مر عليهما بعض الوقت في الكالم والمزاح وريم تتخذ جانب الاستماع فحسب ولا تبتسم احياناً دون ان
    يجبرها اي احد فيهما على التحدث..فهما سعيدان بجلوسها معهما دون ان تسجن نفسها في
    غرفتها...لاسيما آدم..!!
    قامت ريم مرة اخرى لتجدد القهوة من اجل سلوى والعصير من اجل الصغيرة التي تبدو بعالم اخر تماماً
    تائهة في عالم ديزني..!!
    اول ماجلست معهم مجدداً سمعت آدم يقول لسلوى:
    ـ اذاً سلوى..الى ماذا توصلتي بخصوص امر الفتاة؟..!
    ادارت سلوى بصرها بأحراج مابينه ومابين ريم وكأنها تحاول تنبيهه ثم قالت:لما النؤجل الأمر لاحقا عزيزي؟..!
    ـ ولما لاحقا؟!..انه موضوع تتشوق ريم لسماعه..!
    قطبت ريم حاجبيها بأستغراب وقالت:
    ـ اي موضوع؟..!
    التفت اليها آدم بملامح جامدة وقال:
    ـ أمر زوجتي المستقبلية...!!
    ففهمت ريم فوراً سبب احراج سلوى فألتفتت اليها بأبتسامة وهي تقول:
    ـ لا تقلقي عزيزتي وتكلمي براحتك..لقد تحدثنا انا وآدم بهذا الموضوع مسبقاً وانا اول المشجعين لهذه
    الفكرة وصدقيني ارغب لو انها تتحقق الأن قبل الغد..فزواجي انا وادم على الورق فحسب لكف النزاعات
    بين الاسرتين ليس اكثر..
    قالت سلوى بأحراج:
    ـ أمتأكدة عزيزتي؟!..ألن يغضبك ان نتكلم بهذا الأمر؟.. ليس امر غيرة فحسب ولكن انا امرأة ويمكنني
    فهم شعور كهذا..فكبريائنا لن يسمح لنا بتقبل شيء كهذا..
    ـ في حاالت اخرى ربما!!..ولكن وضعي انا وادم مختلف ..
    تبسمت سلوى وقالت وهي تلتفت اتجاه ادم:
    ـ حسناً..أذ كان الأمر كذلك فسأتحدث...أتذكر جارنا رئيس الشرطة السيد رشيد؟!
    اجاب آدم:
    ـ اجل؟..!
    ـ أتذكر ابنته سهى؟..!
    ـ الحمقاء؟..!
    ضحكت سلوى وهي تلكزه من مرفقه وتقول: ـ
    أي حمقاء هذه..لقد اصبحت شابة ناضجة وجميلة الأن وهي تعمل مهندسة في شركة
    اتصالات..وقد احضرت ايضاً لك صورتها..
    ثم اخرجت الصورة فوراً من حقيبتها وناولتها له فأمسكها بأطراف اصابعه بعدم مبالاة وتطلع فيها لثالث
    ثواني الاكثر بعدم اهتمام ثم القاها فوق المنضدة التي امامه وهو يقول:
    ـ ليست كما اريدها..
    التجنني ياادم!!..الفتاة لا ينقصها شيء..جمال وشهادة واسرة راقية..أليست هذه هي المواصفات التي
    طلبتها؟..!
    ـ اجل..ولكن ليس ان تحضري لي سهى ياسلوى..!!
    ـ ومابها سهى؟..!
    ـ انها مزعجة..
    ـ ألانها معجبة بك وتهتم دائماً بأمرك تكون مزعجة؟
    ـ ألغي الفكرة يا سلوى وجدي غيرها..
    تناولت ريم الصورة من فوق المنضدة وحدقت بوجه الفتاة قليلا ثم قالت:
    ـ سلوى محقة..الفتاة جميلة حقاً ولا يوجد ماينقصها..
    فجأة وجدته يخرج عن هدوئه لسبب لم تستنتجه ونظر لها وهو يقطب حاجبيه بحدة وقال بنبرة جافة:
    ـ لا تتدخلي انتي بهذا الأمر..لم يطلب احد رأيك..!
    فهتفت به سلوى بنبرة لوم:
    ـ آدم..!!

    ردحذف
  46. لم يبدو ان الاثنين كانا يستمعان لها فريم قد التفتت اليه فوراً وهي تقول:
    ـ انا لااقول هذا لأجعلك تتزوج فحسب ولكن الفتاة بالفعل جميلة ولا ينقصها شيء فما عذرك برفضها؟
    فأجابها بأستفزاز:
    ـ الجمال ليس سبباً يجعلني احبها..فلو كان سبباً لكنت احببت ِك..
    زفرت بضيق ورمت الصورة بحنق فوق المنضدة وهي تقول:
    ـ انا المخطئة من الاساس اني اتحدث اليك واعطيك رأي..
    فأجابت سلوى بأحراج:
    ـ عزيزتي هو لم يقصد ذلك بالتأكيد..
    وايضاً لم يبدو انهما قد تذكرا انها تجلس معهما فأجابها آدم بنفس الانفعال:
    ـ عندما اطلب رأيك حينها نورينا به اما الأن فتفضلي علينا بسكوتك لو سمحتي..
    عندها هتفت بهما سلوى بنفاذ صبر:أأنتما جادان؟..!
    لم يسكتهما هتاف سلوى بل كان شهقة تلك الصغيرة ريناد وهي توقع العصير على ملابسها فكادت
    سلوى ان تقوم ولكن ريم استوقفتها بحركة من يدها وهي تقول:
    ـ اجلسي انتي لتحتسي قهوت ِك قبل ان تبرد وانا سأنطف لها ملابسها..
    تبسمت لها سلوى وهي تقول:
    ـ أشكر ِك عزيزتي..
    ورحبت بفكرة ابتعاد ريم وريناد نحو الحمام لتحدث آدم على انفراد..ما أن ابتعدت ريم حتى اقتربت
    سلوى منه وقالت:
    ـ والان اصبحنا بمفردنا لذلك اخبرني..هل المشكلة بسهى حقاً ام ان هذا عذر ستتخذه الأن وستتخذ غيره
    مع اخرى؟..!
    قال مدعياً عدم الفهم:
    ـ ماذا تعنين؟..!
    مطت شفتيها وهي تقول:انا لست ريم ياعزيزي كي لاافهم ردة فعلك هذه.. انا اعرف جيداً انك متردد بفكرة الزواج الثاني وان
    فكرت به فلن يكون الأن ابداً..!!
    ـ ماهذه السخافة التي تقوليها؟ ان لم افكر به لما استعجلتكما انتي وامي من اجل ايجاد واحدة مناسبة؟
    ـ لتسكت ريم فحسب..
    تلعثم مع عبارتها هذه وبدأ يقول كلمات غير مترابطة فتبسمت بمكر وهي تقول:
    ـ ويا ترى لما غضبت من كلام ريم هكذا فجأة؟!.. الأنها تدخلت بما لا يخصها كما قلت أم لأنها شجعتك
    على الزواج والابتعاد عنها في الوقت الذي انت فيه متمسك بها بشدة ولا تريد ذلك؟..!
    تبسم لها بذات المكر وهو يقول:
    ـ حبيبتي سلوى..أتريدين العودة سالمة نحو زوج ِك أم ترغبين ان تعودي مكسرة العظام ان لم تغلقي
    فم ِك؟..!
    ضربته على كتفه بخفة وهي تقول:
    ـ لما لا تعترف لها بمشاعرك وتنتهي من لعبة توم وجيري هذه؟..!
    ـ أعترف لها؟!..هل فقدتي عقل ِك؟!.. ان كن ِت مستغنية عني فأنا لست مستغني عن حياتي..

    ردحذف
  47. لم يبدو ان الاثنين كانا يستمعان لها فريم قد التفتت اليه فوراً وهي تقول:
    ـ انا لااقول هذا لأجعلك تتزوج فحسب ولكن الفتاة بالفعل جميلة ولا ينقصها شيء فما عذرك برفضها؟
    فأجابها بأستفزاز:
    ـ الجمال ليس سبباً يجعلني احبها..فلو كان سبباً لكنت احببت ِك..
    زفرت بضيق ورمت الصورة بحنق فوق المنضدة وهي تقول:
    ـ انا المخطئة من الاساس اني اتحدث اليك واعطيك رأي..
    فأجابت سلوى بأحراج:
    ـ عزيزتي هو لم يقصد ذلك بالتأكيد..
    وايضاً لم يبدو انهما قد تذكرا انها تجلس معهما فأجابها آدم بنفس الانفعال:
    ـ عندما اطلب رأيك حينها نورينا به اما الأن فتفضلي علينا بسكوتك لو سمحتي..
    عندها هتفت بهما سلوى بنفاذ صبر:أأنتما جادان؟..!
    لم يسكتهما هتاف سلوى بل كان شهقة تلك الصغيرة ريناد وهي توقع العصير على ملابسها فكادت
    سلوى ان تقوم ولكن ريم استوقفتها بحركة من يدها وهي تقول:
    ـ اجلسي انتي لتحتسي قهوت ِك قبل ان تبرد وانا سأنطف لها ملابسها..
    تبسمت لها سلوى وهي تقول:
    ـ أشكر ِك عزيزتي..
    ورحبت بفكرة ابتعاد ريم وريناد نحو الحمام لتحدث آدم على انفراد..ما أن ابتعدت ريم حتى اقتربت
    سلوى منه وقالت:
    ـ والان اصبحنا بمفردنا لذلك اخبرني..هل المشكلة بسهى حقاً ام ان هذا عذر ستتخذه الأن وستتخذ غيره
    مع اخرى؟..!
    قال مدعياً عدم الفهم:
    ـ ماذا تعنين؟..!
    مطت شفتيها وهي تقول:انا لست ريم ياعزيزي كي لاافهم ردة فعلك هذه.. انا اعرف جيداً انك متردد بفكرة الزواج الثاني وان
    فكرت به فلن يكون الأن ابداً..!!
    ـ ماهذه السخافة التي تقوليها؟ ان لم افكر به لما استعجلتكما انتي وامي من اجل ايجاد واحدة مناسبة؟
    ـ لتسكت ريم فحسب..
    تلعثم مع عبارتها هذه وبدأ يقول كلمات غير مترابطة فتبسمت بمكر وهي تقول:
    ـ ويا ترى لما غضبت من كلام ريم هكذا فجأة؟!.. الأنها تدخلت بما لا يخصها كما قلت أم لأنها شجعتك
    على الزواج والابتعاد عنها في الوقت الذي انت فيه متمسك بها بشدة ولا تريد ذلك؟..!
    تبسم لها بذات المكر وهو يقول:
    ـ حبيبتي سلوى..أتريدين العودة سالمة نحو زوج ِك أم ترغبين ان تعودي مكسرة العظام ان لم تغلقي
    فم ِك؟..!
    ضربته على كتفه بخفة وهي تقول:
    ـ لما لا تعترف لها بمشاعرك وتنتهي من لعبة توم وجيري هذه؟..!
    ـ أعترف لها؟!..هل فقدتي عقل ِك؟!.. ان كن ِت مستغنية عني فأنا لست مستغني عن حياتي..

    ردحذف
  48. انها فتاة يا آدم وجميعنا نضعف امام الكالم اللطيف.. لاسيما ان اكتشفت مراقبتك لها طوال ثلاث سنوات
    قد يؤثر هذا بها قليلا..
    ـ بالعكس تماماً..امر مراقبتي لها ان اكتشفت سببه سيزبد كرهها دون ان ينقص..وقد تتأثر الفتيات
    بالكلام الجميل اجل..ولكن ريم لا!.. حتى وان كان صادقاً..انها ليست هذا النوع ابداً.. لاسيما
    معي..فلاتنسي ما نحن بالنسبة لها..!!
    مطت شفتيها بأسى وهي تقول:
    ـ ولكن ماذنبك انت؟!
    ـ وما ذنب اخيها ياسلوى؟!..من دون اي ذنب قد مات ومن دون ذنب هي عاشت كل هذه المأساة..!
    ربتت على يده بحنان ولكن قالت بحدة:
    ـ انها مأساة انت تعرف جيداً من بدأها يااخي..لا داعي ان ننسى هذا!!...نعم هزيم لا ذنب له..ونعم ريم
    لا ذنب لها.. ولكن أكان لنا ذنب نحن ايضاً بما عشناه في الماضي؟..!
    زفر ادم بضيق وصور من الماضي تتوافد الى عقله يرغب بشدة بعدم استقبالها ولكنه لم يستطع!..اشاح
    وجهه ناحية التلفاز ولم يعلق بشيء لاسيما مع قدوم ريم وريناد..
    ساعات لطيفة اخرى انقضت برفقة سلوى ثم واخيراً حان وقت الرحيل فودعتهما ريم واوصلها آدم اسفل
    البناية لسيارتها..فأصعدت ريناد في مقعدها وقبل ان تحتل هي المقعد خلف المقود احتضن آدم كفها بكلتا
    يديه وقال بنبرة امتنان:
    ـ أشكرك كثيراً سلوى...
    ـ على ماذا ياعزيزي؟
    ـ لأن ِك كن ِت لطيفة مع ريم ولم..
    قاطعته وهي تضع يدها الأخرى فوق يديه وتقول بأبتسامة:
    ـ انت قلتها مسبقاً يااخي..لا نحن لنا ذنب بما حصل ولا هي لها ذنب ايضاً...
    قبلها من جبينها بعطف وهو يقول:
    ـ مع ذلك اشكر ِك عزيزتي..اعلم كم ان الأمر صعب علي ِك..
    ـ الأمر ليس صعباً على الإطلاق يا آدم..فالجالس امامي ريم وليس ياسين ليكون صعباً..ليس ذنبها ان
    جدها ياسين..
    تنهد آدم بقلة حيلة وهو يستند بظهره على السيارة ويدخل يديه في جيبيه ويقول:
    ـ ياليتها تفكر مثل ِك..لكنا سعيدين الأن انا وهي..
    مسحت برفق فوق عضده وهي تقول:
    ـ ستفكر بهذا صدقني..وستكتشف كم انت انسان رائع.. ولكن عليك اعطائها فرصة وبعض الوقت..
    ـ لو كان الأمر عائد الي فأن "الابد" هو الوقت الذي سأمنحه لها...ولكنها تعد الثواني ليوم رحيلي
    عنها..
    ـ انها البداية فحسب صدقني...انها تحوط نفسها بذكرى اخيها وحزنها عليه لذلك لا يجذب انتباهها شيء
    اخر.. ولكن ان منحتها السعادة..ومنحتها الأمل..عندها ستبدأ برؤيتك حقاً....!!
    جملة اخرى من سلوى قابلها آدم بالصمت دون ان يجد مايعلق به...رحلت سلوى ولكن كلماتها لم ترحل
    عن عقل ادم!!.. كلمات تبدو بسيطة ولكن كلما حاول تطبيقها بشكل او بأخر كان يتراجع امام شخصية
    ريم وتلك الخنادق التي حوطت نفسها بها فلم يشأ جرحها اكثر واكتفى بأبتسامات باهتة يشاهدها على
    ثغرها بين الحين والآخر لتنعش قبله وتنشط روحه المحترقة بجفائها..

    ردحذف
  49. الفصل الثالث عشر
    ـ تبدين جميلة اليوم...كعادت ِك طبعاً..ولكن ألا تظنين القميص ضيق بعض الشيء؟
    فتحت ميسم الهاتف لتجد هذه الرسالة من رقم مجهول..قطبت حاجبيها بأستغراب والتفتت بأتجاه زميلتها
    ليلى وقالت:
    ـ أنظري لهذه الرسالة..أتظنيها وصلتني بالخطأ؟..!
    قربت ليلى رأسها من الشاشة تتمعن بحروف الرسالة جيداً دون ان تتخاطر فكرة اليها سوى ان ميسم
    لديها معجب سري.....لحظة..معجب سري؟!... وفجأة قفز هزيم الى عقل ليلى وتذكرت انها قد اعطته
    الرقم مسبقاً..!!
    استقامت بظهرها فوراً وانتقلت ببصرها بسرعة مابين عيني ميسم المحدقتين بها ببراءة ومابين تلك
    الحروف الرومانسية...تنحنحت بقوة وكأنها غصت بلقمة صعبة المضغ وعدلت بعض خصلاتها التي
    كانت مرتبة من الاساس....حركات تعرفها ميسم جيداً..ضيقت مابين عينيها بتشكيك واقتربت خطوة من
    ليلى وهي تقول ببطئ:
    ـ أهناك شيء لااعرفه انسة ليلى؟..!
    وجهت ليلى ابصارها نحو واجهة المحل بارتباك وكأنها بانتظار الزبائن وسؤال كهذا ليس مهم كثيراً
    رغم التوتر الواضح عليها وهي تجيب:
    ـ شيء مثل ماذا؟..!
    وبقيت تدور ببصرها بسرعة مابين نظرات ميسم التي تضيقها بتشكيك ومابين الباب ثم واخيراً قالت
    باستسلام:
    ـ حسناً..لقد طلبه مني..
    ـ من هو الذي طلبه من ِك؟..!
    فاخرجت ليلى حروفها ببطئ متوجسة من ردة فعل ميسم:
    ـ ه ز ي م.. فهتفت بها ميسم فوراً وهي تضربها على مرفقها:
    ـ هل فقدتي عقل ِك ياليلى؟ كيف تفعلين شيء كهذا؟
    مسحت ليلى فوق مرفقها المضروب بيدها الأخرى متأوهة ثم قالت:
    ـ انا لم ارتب ل ِك موعداً معه ياميسم انا فقط اعطيته رقم ِك والخيار عائد ل ِك بأجابته او لا..
    نعم كلام ليلى كان صحيح..ولكن ميسم كانت خائفة.. خائفة ان يجعلها تضعف ويجبرها ان تتنازل عن
    كبريائها وعن الفكرة التي تؤمن بها دوماً..
    "ان كنتي حمقاء فـقعي بغرام رجل"..تريد زواج تقليدي ولا تريد زواج يدعس فوق كرامتها وتستمر به
    بأسم الحب كما هو حال الكثير من الفتيات في هذا الوقت...وكانت ترى هزيم هو الوحيد الذي قد يكسر
    هذا القانون الذي شرعته لنفسها..فهو يجعلها تشعر بمشاعر متضاربة كلما كانت معه..كلما سمعت
    صوته.. كلما رأت وجهه...شيء جعلها غاضبة ومتوترة طوال الوقت..
    شهر كامل مر وها هي ليلة اخرى يتزلزل المنزل من صراخ ادم وريم بسبب امر المهدئات!.. فأغبى
    شيء فعله ادم انه هددها ان تناولت المهدئات مجدداً سيعدل عن فكرة الزواج فما كان منها إلا ان تقنعه
    بالبداية قبل ان تتناول واحدة..فيرفض..فيزيد اصرارها.. فيغضب..فتتشاجر معه..فيتم إعلان الحرب
    لساعات وساعات!..احياناً ينتهي بأنتصار ريم وكسبها لقرص منوم واحياناً بنصر ادم وتلوع ريم طوال
    الليل تعاني من صداع شديد وآلام جسد مبرحة..!
    كان يقف في غرفتها عبارة عن نيران تغلي من العصبية وهي تجلس على حافة سريرها تجهش بالبكاء
    وتتوسله بصوتها الضعيف والمبحوح من كثرة التشاجر معه ان يمنحها قرص واحد فقط ليهدأ جسدها
    وهو يرفض واخيراً ضاق صدرها فنهضت لتتشاجر معه من جديد وهي تصرخ به قائلة:
    اخبرتك ان لا شأن لك بي..انت ستتزوج وستعيش مع واحدة اخرى فماالذي سيضرك ان حظيت انا
    بالراحة هنا؟ ماالذي سيزعجك من كثرة نومي وانت غير موجود حتى؟
    فألتفت اليها بحدة وهو يقول من بين اسنانه:
    ـ وهل لأني سأعيش مع واحدة اخرى فهذا يعني ان اشاهدك تدمرين نفسك من غير ان اهتم؟..!
    ـ اجل..يعني هذا..
    ـ اذاً ما رأيك ان الغي زواجي لأعرف كيف اخلصك من ادمان ِك؟
    ـ لا يمكنك ان تفعل بي هذا...لقد وعدتني انك لن تلغي زواجك..
    ـ وانتي وعدتني ان تتخلصي من هذا الادمان اللعين..
    فبكت بقوة اكبر وصرخت به بنبرة اكثر حدة:
    ـ الأمر ليس بيدي..لا يمكنني ان اتخلى عن الأمر بسهولة ادم..أتظنني لم احاول؟!..انا منذ سنين مدمنة
    ليس بسهولة ان اتخلى عن الأمر خلال مدة قصيرة...
    تقدم نحوها واحاط وجهها بيديه وهو يقول بعطف:
    ـ سنستطيع!...ان جعلتني اساعد ِك فيمكننا ذلك ريم.. فقط ثقي بي..

    ردحذف
  50. فجأة خمد بركانها..كان قرب عينيه العميقة التي تحدقان بعينيها امر اخرسها تماماً ولم تستطع النطق
    بشيء.. تباً لتلك الضربات الغريبة في جانبها االيسر التي تستمر بركل قفصها الصدري كلما حدق فيها..!
    ازدردت ريقها بتوتر وهي تحدق به دون ان تنطق بشيء فتبسم وهو يقول بلطف اكثر:
    ـ اذاً..هل انتي موافقة؟..!
    اومأت بـ"نعم" ولاتزال متمسكة بصمتها...في الحقيقة لو كان بعيد عنها لرفضت الأمر فوراً..لكنها تريد
    الموافقة فحسب كي يخلصها من اسر عينيه ويبتعد بدل من اضعافها بهذا الشكل فأفلت وجهها وعاد
    خطوتين للوراء بأبتسامة عريضة عندها فقط عادت رئتيها للعمل وتمكنت من التنفس مجدداً وبدأت
    جميع اجزاء جسدها تدب فيها الحياة فأنصتت لحديثه مع تلك الابتسامة الحماسية التي تعلو ثغره وهو
    يقول:
    ـ حسناً...لقد قرأت بحثاً على الانترنت قبل يومين وذهبت لأستشارة طبيب ايضاً ووصفت له حالتك وقال
    ان ِك لا زلتي في بداية االدمان وهناك فرصة لمعالجتك في المنزل بدل دخول مركز اعادة التأهيل وذلك عبر
    اعطائك الجرعة ذاتها التي اعتدتي عليها في الثلاثة ايام الأولى ثم تقليلها الى النصف في الثلاثة ايام
    التي تليها ثم علينا..
    فقاطعته فوراً وعقلها مشوش من الكلام الذي دخل اليه فجأة وجعل كل خلية فيه تركض بسرعة تحاول
    استيعاب مايحصل:لحظة لحظة..انت فعلت ماذا؟!
    فأجابها بعفوية:
    ـ ذهبت للطبيب وبحثت على الانترنت..
    ـ ولما فعلت ذلك؟..!
    ـ ماذا تعنين لما فعلت ذلك؟ كي اعرف كيف اساعدك بالطبع..هذه المرة حدقت في وجهه دون ان تمتلك
    سبباً مقنعاً يمنعها من فعل ذلك!...مجرد شهر واحد رفض رؤية معاناتها بهذا الشكل!!..وثلاث سنين مع
    اسرتها دون ان يبالي احدهم بما يحصل لها!!..هل من الممكن ان يمنحها القدر هزيم ثاني ولكن بشكل
    ادم؟؟!!.. ياليته فقط لم يكن ابن اسرة مراد..لكانت بالفعل قد وقعت بغرامه!!...بل وستقع بشدة!!..مع
    فكرة الغرام هذه ابعدت وجهها بعناد عنه واومأت بالموافقة وهي تتمتم:
    ـ حسناً حسناً..افعل ماتشاء..المهم هل ستعطيني اقراص المنوم ام لا؟
    ـ انتظري هنا..
    قال جملته وخرج مسرعاً من الغرفة فجلست هي فوراً على حافة السرير تقطب حاجبيها بشدة تنظر في
    الفراغ الذي امامها تحدق بالاشيء ثم ادارت عينيها ببطئ نحو صورة اخيها وحدقت فيه بنظرات
    غامضة وكأنها تتحدث معه بشكل صامت الى ان قطع هذا التواصل البصري دخول ادم مرة اخرى وهو يحمل كوب الماء واقراص المنوم.. ناولها الحبوب وكوب الماء فأرتشفتهم بسرعة لتشعر بذلك الهدوء
    والراحة يغزو بقايا جسدها المنهك.. مد يده ليسترجع الكوب منها وماان ناولته اياه حتى سحبت غطاء
    السرير لترتمي فوق فراشها الوثير كي تحظى بنوم هانئ واخيراً ولكنها تفاجأت بجلوس ادم على
    الكرسي المجاور لسريرها واضعاً الكوب فوق المنضدة وسحب يدها على غفلة منها ففتحت عينيها
    بأندهاش وانفرجت شفتيها لتسقط عليه وابل من الاعتراضات ولكنه اسكتها فوراً وهو يدلك لها راحة
    يدها بأصابعه ويقول:
    ـ لقد تعلمت هذا على الانترنت ايضاً وصدقيني انه مفيد جداً لأسترخاء الجسد والمساعدة على النوم..
    لا تعلم لما صمتت بالضبط..هل لأنها بالفعل بحاجة للأسترخاء؟..ام انها بحاجة للأحساس مجدداً بذلك
    الشعور الغريب الذي احسته وهو يعانق يدها بيده قبل شهر في الحمام ليواسيها؟!..كل ماتعلمه انها
    صمتت فوراً واستسلمت مانحة اياه راحة يدها ليدلكها لتبدأ جفنيها بالانسدال فوق ذلك البحر العميق...!
    مرت ساعة تقريباً وادم على الوضع ذاته داخل شرنقة من السعادة وهو يمسك بيدها ويحدق في وجهها
    الهادئ بحرية تامة مستغلا نومها كي لا تنظر اليه بحدة متسائلة عن سبب هذا التحديق الابله
    كعادتها!...شعر بجسدها يسترخي اكثر وعيناها مغلقتان بشكل تام وانفاسها منتطمة..هل نامت؟!.. همس
    ليتأكد:
    ـ ريم؟..!
    فلم تبدي اي استجابة ولم تتحرك..فأعتلت ابتسامة دافئة شفتاه وهو يرفع يدها بهدوء ليضعها فوق خده
    ويقول بهمس خاشياً استيقاظها:
    ـ أتعلمين ان ِك تشبهين الملائكة وانتي نائمة؟..!
    ثم اتسعت ابتسامته اكثر وهو يقول:
    ـ ولكن ما ان تنفرج جفنا ِك عن بعضهما حتى تتلبسك عفاريت الدنيا كلها والعياذ بالله..
    صمت قليلا وحدق في وجهها بعمق اكبر لثواني اخرى ثم قال بدفئ:
    ـ ولكني ووبساطة احب ِك في حالات ِك كلها..اعشق ِك في هدوئ ِك وجنون ِك..
    ثم زفر بحسرة وحيرة وهو يكمل:
    ـ ولكن..حبي ل ِك كاللعنة..لا انا يمكنني الكف عنه..ولاانتي بأمكانك ان تبادليني اياه في يوماً ما...كل
    ماافعله اني استمر به كالأحمق..
    اغمض عينيه بتألم وحزن وهو يزيد من ضغط يدها فوق خده ويقول:

    ردحذف
  51. احبك بشدة ياريم..وبجنون!..احب ِك لدرجة لم اتخيل اني سأحبها لأحد في يوماً ما..ولكني اخاف ان
    عداً عني..لذلك ان اكتمها بداخلي لتقتلني ببطئ افضل من ان ابوح بها فتقتليني
    ُ
    انطقها ل ِك وتزدادين ب
    فوراً برفضك وابتعادك عني...
    ثم ضحك على نفسه وهو يقول:
    ـ انا حتى لااعرف لماذا اقول هذا واعلم انك نائمة..
    سكتت قليلا وهو ينظر بحب لتفاصيل وجهها المتناغمة والمتناسقة بشكل رائع وكأنه تم تصميمها حسب
    الطلب فتبسم وهو يضع يدها بهدوء بجانبها ويكمل:
    ـ ولكن كل مااعلمه..اني بحاجة لقول هذا فحسب..
    اشبع ناظريه اكثر منها قبل ان يقوم من الكرسي بهدوء كي اليزعج نومها ومسح على خدها برفق ثم
    اطفئ الضوء وخرج مغلقاً الباب خلفه...
    ولكن اول ما اغلق الباب حتى انفرج جفنيها يحملان بينهما دمعة ضعيفة لم تكن تملك السيطرة
    عليها..انسابت من عينها ووقعت من قمة انفها على خدها الجانبي...انها فتاة..وكلام كهذا لابد ان يؤثر
    بها بشكل او بأخر..ولكن ليس ان صدر من ابن مراد..فهذا سيؤلمها...يخيفها..تخشى ان تضعف في يوماً ما امام مشاعره هذه لتبادله مثلها فتشعر انها تخون ذكرى اخيها...فكيف ستحب ابن العائلة التي سلبته
    منها؟..لذلك هي تخاف ان تحبه...بل هي مرعوبة من هذا وليس خائفة فحسب...!
    اعادت اغماض عينيها بقوة ورفعت ركبتيها الى صدرها تلملم اجزاء بعضها الآخر لتشعر بقليل من
    الطمأنينة وسط هذه الوحدة والحيرة..!

    ردحذف
  52. الفصل الرابع عشر
    استيقظت في صباح اليوم التالي وشعرت بجسدها قد ارتاح فعلا وصداعها قد اختفى تماماً...نظرت الى
    ساعتها المنضدية بتململ ثم فتحت عينيها بدهشة.. انها التاسعة والنصف!!!..انها المرة الأولى التي
    تستيقظ مبكراً هكذا وهي تشعر انها قد اخذت كفايتها من النوم...!
    دلكت عينيها وهي تنهض من السرير ثم رفعت شعرها وخرجت من باب غرفتها لتشرق على وجه ادم
    الذي كان يجلس في الصالة..لم يكن تفاجئه بأقل منها وهو يشاهدها تستيقظ مبكراً..رفع ابصاره من فوق
    شاشة حاسوبه وهو يقول بدهشة:
    ـ واااو..ريم سيف ياسين تستيقظ صباحاً..!!!
    كل يوم تراه..كل يوم تسمع صوته..كل يوم يمازحها.. ولكن اليوم كان الأمر مختلفاً..رؤيته سببت لها
    شحنات كهربائية صعقتها في جميع انحاء جسدها وشعرت بالنيران تنبعث من وجهها ولا تعلم هل اصبح
    شديد الاحمرار ام شديد االصفرار؟!..كلما حاولت ان تنطق شيئاً اغلق شيء ما مخارجها الصوتية وهي
    تتذكر اعترافه الهامس لها..ذلك الاعتراف الذي لم يظن ولو للحظة انها قد سمعته..!!
    قطبت حاجبيها كالعادة وادعت البرود وعدم الاهتمام وهي تجيبه رغم ان كل مابداخلها يرتجف وينتفض:ربـ..ربما لأني نمت مبكراً بالأمس..
    فضيق عينيه بمكر وهو يقول لها بأبتسامته الممازحة المعتادة:
    ـ او ربما ان ِك غطيتي بنوم عميق ومريح ألني كنت بجانبك ولم تصابي بالارق ككل يوم...
    توقع ان ترفع حاجبيها بحدة..ان تهتف به بحنق كالعادة من مزاحه الذي يستفزها...لم يظن ولو للحظة
    ان وجهها سيصبح شديد الاحمرار...وهذه المرة لم يكن احمرار غضب او استياء...بل خجل...وليس هذا
    فقط بل خجل يصاحبه ارتباك ثم تهربها من نظراته نحو الحمام...
    بقي يحدق في باب الحمام ببالهة وهي تغلقه وتختفي خلفه..هل يعقل انها قد شعرت بالخجل؟!!.. حسناً
    اعزائنا المشاهدين..هنا قناة البي البي سي تبثكم اخر انبائها العاجلة والمهمة....ريم سيف ياسين
    اصبحت تتصرف كالفتيات...تم الاكتشاف ان ريم يمكنها ان تخجل..!!!
    عاد مرة اخرى ليهز رأسه رافضاً تلك الفكرة التي احتلت تفكيره..ريم من المستحيل ان تهتم لكالمه
    وتشعر بالخجل..فالذي لا يهتم لنا لن يصيبه اقترابنا بتوتر او خجل بل سيكون غير مبالياً به...ربما هي
    فقط قد تجاهلت كلامه ولم تكن بمزاج يسمح لها بالتشاجر معه الأن فهو يعلم ان مزاجها يكون متعكراً
    دائماً في الصباح..اجل..هذا هو الاستنتاج الأخير الذي توصل اليه ادم...!
    اغلق شاشة حاسوبه واتجه نحو المطبخ ليعد فطاراً شهياً بهذه المناسبة المميزة..فريم ستشاركه الفطور
    لأول مرة فلما لا تكون مناسبة مميزة؟!.. وايضاً هو يعلم ان زوجته العزيزة حمقاء فيما يخص الطبخ لذلك
    هي بالتأكيد لن تجيد اعداد شيء رغم محاولاتها العديدة في الفترة الأخيرة من اجل تعلم الطبخ..كان
    يشجعها بكلمات حماسية وينهي صحنه كله من اجل دعم ثقتها بطبخها رغم ان طعم الاكل كان
    مقرفاً!..لدرجة انها كانت تعترف بذلك والتنهي صحنها ولكنه كان يدعي تلذذه به.. فهذا سيجعله يشاهدها
    كل يوم في المطبخ تعد الطعام من اجله...هناك شيء على الاقل تفعله من اجله..شيء ان فعلته قد يشغل
    ادم تفكيرها وهي تفعله..قد تفكر مثلا )هل سيعجبه ام لا؟ هل سيمدحني ككل يوم؟ هل سينهي صحنه هذه
    المرة ام سيتنازل عن نصفه ولن يستسيغ طعمه؟ هل يحب هذا النوع من الطعام؟(..وحتى لو تكن كذلك..
    حتى لو كانت مثلا )سأضع الكثير من الملح كي اجعله يترك الغداء ويبقى جائعاً..سأنساه دون بهارات كي
    يكون من دون طعم حتى يعد طعامه بنفسه من الأن فصاعداً او يحضره من المطعم(..حتى لو كانت تفكر
    بهذه الطريقة فلابأس...المهم انه هو داخل تفكيرها...فكما يقول شيكسبير" ان كنت تحبني او تكرهني
    فجميعها مفضلة لدي.. ان كنت تكرهني سأكون دائماً في عقلك وان كنت تحبني فسأكون دائماً في
    قلبك"... اليهم كيفية تفكيرها نحوه..المهم انها تفكر به..كان هذا كفيلا ليمنحه جناحان يحلق بهما عالياً
    في سماء السعادة...فكلما وضعت الطعام امامه لم تكن تمد يدها الى صحنها قبل ان يأكل هو وتحدق فيه
    منتظرة رأيه..اليهم ان كان الطعم كثير الملوحة او خالي من الملح تماماً..اليهم ان كان محترقاً او ان
    اللحم لايزال نيئاً بعض الشيء..فما ان يرى تلك النظرة المرتقبة لرأيه داخل عينيها حتى يمنحها ابتسامة
    عريضة ويثني بكثرة على لذة طعامها رغم ان معدته توشك على طرحه خارجاً..عندها فقط كانت تطرح انفاسها براحة ورضا لأنه اعجب بطعامها...في تلك اللحظة بالذات تنمو له الجناحان ..فهذا يعني ان رأيه
    مهم بالنسبة لها...!!
    .

    ردحذف
  53. خرجت من الحمام بعد دقائق وقد غسلت وجهها ونظفت اسنانها..وبالطبع نظفتهن ببطئ شديد كي تتأخر
    اطول فترة ممكنة داخل الحمام حتى تتهرب منه..ولكنها على الاقل
    في هذه الدقائق قد اعطت لنفسها درساً طويلا وهي تحدث نفسها بالمرآة وتزجرها ان لا تضعف هكذا
    مجدداً وان تتخلص من تلك الشحنات الكهربائية الغبية التي تصعقها لأول مرة في حياتها..معجب بها؟!..
    وان يكن؟؟..هل هو اول شاب يعجب بها؟!..هناك الكثيرون من قبله ولم تبالي بأحد فيهم..وعليه ان يكون
    مثل الباقين.. لا بل واسوأ منهم..فهو ابن اسرة مراد...!
    شجعت نفسها ومدتها بالقوة ثم خرجت من الحمام وقد تخلصت بالفعل من تلك الشحنات الكهربائية
    وعادت لترتدي قناع البرود وعدم الاهتمام..وماان رأها ادم بهذا الشكل حتى تأكد من ظنونه.."اجل..من
    المستحيل انها قد خجلت قبل قليل.."
    دخلت نحو الثلاجة وفتحتها لتخرج منها قنينة ماء وادم واقف امام الطباخ يرمي البيض بمهارة في
    الهواء ليتقلب وكأنه لاعب جمباز ثم يعود مجدداً ليرتمي في المقلاة..فقال في اثناء ما كانت ترتشف
    المياه:
    ـ ريم؟!..هلا جهزتي اكواب الشاي بينما انهي البيض..
    فأكملت المياه واتجهت نحو الاكواب بصمت لتحضرهم فرن في هذا الأثناء هاتفه..اجاب عليه وهو لايزال
    يحضر بالبيض فأسنده بكتفه على اذنه وهو يقول:
    ـ اهلا مايا..!
    عند هذه الكلمة توقفت ريم لوهلة عن وضع السكر داخل الكوب وهي تشعر ان جميع حواسها مشدودة
    من دون سبب لتلك المكالمة..فأن ارادت ان تمنح جائزة "الأكثر اتصالا على ادم" فبالتأكيد مايا من
    ستربحها.. صحيح انهما شريكان في العمل ولكن اليعقل ان كل الشركاء الذين معهم يتصلون ببعضهم
    بهذا الشكل!.. انها حتى تتصل به اكثر من والدته واخته!!!... لحظات تسمر فيها جسد ريم عن الحركة
    الى ان صرخ بها عقلها مذكراً اياها بالمحاضرة الطويلة التي كانت تلقيها على نفسها قبل الدقائق في
    الحمام فجذبت حواسها جبراً عنه لتعود لإكمال ما كانت تفعله رغم انها لم تمتلك السيطرة والقوة الكافية
    كي تمنع اذنيها عن الاستماع لبقية حديثه ولكنها اجبرت نفسها ان تكون غير مهتمة..
    اطفئ ادم نار الطباخ وهو يكمل حديثه:
    ـ انا بخير كيف حال ِك انتي؟...!
    اطلق ضحكة خفيفة قبل ان يعود ليكمل:
    ـ دع ِك من الدراما الكالسيكية المبتذلة فهي لن تنطلي علي...
    عاد ليضحك مجدداً ثم سكت لأجزاء الثانية مستمعاً لها وبعدها قال:
    ـ نخرج الى اين؟..!
    وعادت لتتوقف مرة اخرى وتتسمر في مكانها الى ان كرهت انتباهها المشدود اليه من دون سبب واضح
    فأخذت الاكواب وخرجت من المطبخ تماماً هاربة منه ومن تلك الشحنات التي على مايبدو ان التيار
    الكهربائي قد عاد لها مجدداً..!!
    ح ّضرت المائدة بوجه مقتضب لحين قدوم ادم من المطبخ يحمل بيديه صحون البيض..بالطبع لم يستنتج
    سبب اقتضاب وجهها فهي طوال الوقت بهذا الشكل...بل ولا حتى هي ادركت سبب هذا المزاج السيء
    فجأة..!!
    جلست ببرود تتناول طعامها دون ان ترفع بصرها اليه او تتبادل معه اي حديث...قطع هذا السكون
    واخيراً صوت ادم وهو يسألها بأهتمام:
    ـ متى اخر مرة زرتي فيها قبر هزيم؟
    رفعت بصرها اليه بأستغراب فأكمل فوراً:
    ـ لاحظت منذ قدوم ِك الى هنا ان ِك في كل يوم خميس تذهبين لزيارة قبره..ولكن البارحة كان الخميس ولم
    تذهبي..
    بقيت تحدق فيه بذهول وهو يتكلم...انه يحفظ مواعيد ذهابها رغم انه لا يرافقها..!!
    يوم واحد مضى على موعدها فأنتبه فوراً لعدم ذهابها..!
    والأهم من ذلك.. لم يكن يمانع او يتضجور من ذهابها بل يبدو غير راضياً الأن لأنها تخلفت عن
    موعدها..!!
    لما لا يستطبع بحق السماء ان يعاملها كحفيدة ياسين كما تعامله هي كحفيد مراد غير مبالية ابداً
    بشخصيته الحقيقة وماهو عليه فعلا؟...
    بقيت تتطلع فيه لثواني وقد نسيت تماماً امر الطعام الذي في فمها والذي لم تمضغه بعد...استوعبت ذلك
    بعد فترة فأبتلعته وهي تستجمع حروفها لتنطقها دون ان تنتبه حقاً الى ما تقول..فعقلها ارسل اليها
    الاجابة فأخرجتها فوراً من فمها من دون تدقيق وتنقيح..فكل انتباهها لايزال داخل عينيه وهي تحدق
    بداخلهما:
    ـ أ..ألبارحة اتصلت نسرين.. وقالت انها ستأتي لرؤيتي..ولكنها اتصلت بي في الليل لتتعذر لي عن
    قدومها فـ..فلم استطع الذهاب بعدها..
    ـ اذاً ما رأي ِك ان نذهب اليوم لزيارته؟..وان لم تكوني تمانعي فأنا ارغب بمرافقت ِك..
    هزت رأسها ببطئ بالنفي ثم قالت:

    ردحذف
  54. لا بأس..يمكنك ذلك..
    منحها ابتسامة امتنان عريضة وانزل انظاره نحو صحنه مجدداً كما فعلت هي...ثواني حتى غزا موضوع
    اخر عقلها فأقتضب وجهها مجدداً لتتخلص من ذلك الذهول الذي كان يسيطر عليها ورفعت ابصارها اليه
    وهي تقول بهدوء وبنبرة جافة:
    ـ ان لم اكن مخطئة..ألم تتحدث قبل قليل مع شريكتك تلك مايا حول خروج ما..فهل سترافقني وتتركها؟
    اجاب بتلقائية وعدم اهتمام:
    ـ اجل..طلبت ذلك ولكني اعتذرت لها ولن اخرج..
    انزل ابصاره مرة اخرى الى صحنه ليكمل تناول طعامه ولكنه فجأة هو من توقف عن المضغ هذه المرة
    ورفع نظره ببطئ اليها مفكراً بينما هي كانت مشغولة بالأكل غير منتبهة له...تلك النبرة..وتلك التعابير..
    وطريقة السؤال..أيعقل انها....!!!..عاد ليهز رأسه بالنفي مرة اخرى طارداً فكرة غبية اخرى عن عقله
    وعاد ليكمل طعامه دون ان يلاحظ ان ذلك الاقتضاب الذي كان يحتل وجه ريم قد اختفى تماماً بعد جملته
    الاخيرة...!
    انتهى الفطور وتولت ريم امر غسل الصحون ثم بدأت بتجهيز نفسها..وبالتأكيد قد اتشحت بالأسود
    بالكامل فحتى حذائها حرصت ان يكون لونه اسود.. ارتدت بنطال طويل وقميص قد فتحت اول زر من
    ازراره لتبرز قالدتها الماسية بين عظمي رقبتها ورتبت شعرها ورفعته كله نحو الاعلى كعادتها..
    خرج ادم في اللحظة ذاتها التي خرجت فيها من غرفتها فأصابه الشلل التام في كل انحاء جسده وهو
    ينظر اليها...
    بكل حالاتها.. وبأي شيء ترتديه..فلابد ان تأسر عقل ادم..هذه الفتاة لديها ميزة الجمال في كل شيء
    تلبسه!..هي من تعطي للمالبس جمالها وليست الملابس من تعطيها الجمال.. فحتى وان ارتدت قطعة
    قماش ممزقة كانت ستبهره وستبدو فاتنة...فهي تستحوذ على تفكيره بأبسط افعالها واعظمها..بأناقتها
    تارة وبأهمالها لنفسها تارة اخرى...بهدوئها لحظة وغضبها فجأة في اللحظة التالية...بكل شيء فيها ادم
    مأسور..واقع بغرام ابسط تفاصيلها..!!
    جلست على المقعد الامامي المجاور له وجلس هو خلف المقود لينطلقا بأتجاه المقبرة...
    انقضى الطريق بصمت كالعادة الى ان وصلا بالقرب من قبر هزيم فوضعت ريم يدها على مقبض الباب
    تريد فتحه ولكنها توقفت فجأة وكأنها انتبهت للأمر لتوها والتفتت نحو ادم الذي اطفئ السيارة لتوه ويهم
    بأخراج المفتاح من مكانه ولكنه تجمد فجأة عن الحركة وابقى يده فوق المفتاح دون ان يسحبه وهي
    تسأله: ادم!..كيف عرفت اين بالضبط قبر هزيم لتحضرني الى هنا مباشر ٍة دون ان ارشدك؟..!
    حدق في وجهها بجمود قليلا ويده لاتزال فوق المفتاح لم يسحبه حتى ثم اجاب بهدوء وملامح وجهه
    لاتزال ثابتة لا تحمل اي تعابيير:
    ـ لقد اتينا الى هنا انا وانتي مسبقاً لذلك بالتأكيد سأعرف مكانه..
    ـ وهذا مااسألك عنه!..انا اسألك عن المرة الماضية..لقد كانت المرة الأولى التي احضرك فيها الى قبره
    فكيف عرفت مكانه من دون ان ارشدك؟..!
    سكت قليلا ثم اعتلت ابتسامة غريبة وجهه لم تفهم معناها وهو يجيبها بهدوء بينما يسحب المفتاح من
    مكانة:
    ـ لفد حالفني الحظ فحسب في التخمين..
    ثم وضع نظارته الشمسية فوق عينيه وفتح بابه ونزل معلناً اختتام النقاش معها في هذا الموضوع.. كما
    يفعل دائماً!...زفرت بضيق ولم تشأ اعطاء الموضوع اهمية خاصة..فهي الى هذه اللحظة يرعبها ان تهتم
    بموضوع يكون ادم طرفاً فيه لذلك تجاهلته فحسب حتى وان كان فضولها سيقتلها...
    فتحت الباب ونزلت من بعده واتجهت فوراً نحو قبر اخيها بينما هو بقي واقفاً بالقرب من السيارة يريد
    ان يمنحها بعض الخصوصية بمفردها لتتحدث بحرية مع قبر هزيم وللغريب وجدت نفسها لا تصرخ هذه المرة..ولا تجهش ببكاء وكأن هزيم مات لتوه..بل انسابت دموع اشتياق دافئة بهدوء فوق وجهها وهي
    تمنحه ابتسامة بسيطة بينما تحدق في القطعة الرخامية التي نقش عليها اسمه وهمست له قائلة:
    ـ مرحباً ياعزيزي..اعتذر لأني لم احضر الاسبوع الذي مضى..ولكن ذلك بسبب اختنا الكبرى الحمقاء..!
    ضحكت ضحكة بسيطة وهي تكمل وكأنه اجابها:
    ـ اجل لاتزال كعادتها تتأخر عن مواعيدها..!
    وقت اخر استغرقته في الصمت لا تفعل شيئاً سوى التحديق الى ان قالت بدفئ:
    ـ لقد...لقد بدأت اتخلص من ادماني اخي.. اعني...ادم من بدأ يخلصني منه..!
    سكتت لثواني لا ترغب في قول الجملة التالية.. ولكنها مجبرة..فهي لا تخفي اي شيء عن
    اخيها!
    ـ أ..أنه لطيف معي...وهو نوعاً ما يذكرني بك!..فلوكنت انت مكانه كنت ستفعل الشيء ذاته معي...ستفعل
    معي مالم يهتم الآخرون بفعله!....لكن لا تتفائل لست واقعة بغرامه او ماشابه..أ..أنا فقط.....فقط ممتنة
    له...ولن امنحه سوى الامتنان..!

    ردحذف
  55. مرت عليها دقائق اخرى وهي تهمس بعباراتها التي تحملها موجات الهواء نحو قبر اخيها الى ان
    اسكتها خطوات آدم التي تقترب من القبر..سكتت عن الحديث من دون ان تلتف اليه الى ان اقترب عطره
    كثيراً منها وامتدت يده بباقة زهور التوليب المغلفة بأتقان ووضعها فوق القبر....تبسمت بدفئ وقالت له:
    ـ أتعلم...كان يحب هذه الزهور كثيراً..!!
    قال لها بنبرة هادئة بينما يجلس قربها يحدق معها بشاهد القبر:
    ـ أحقاً؟..!
    اومأت كأجابة ثم اردفت:
    ـ ان اراد ان يهدي لأحدهم زهوراً فلم يكن يختار سوى هذه..!
    نظر نحوها آدم بنظرة دافئة دون ان يجد مايعلق به...هو اكتفى بالنظر الى تلك الملامح الهادئة
    والحزينة...تلك الملامح التي سيفعل اي شيء في سبيل ان يجدها تتبسم..!
    مضى بعض الوقت جلست امام القبر يجاورها آدم يتبادلان بعض الحديث من حين لآخر.. كلمات تخفي
    خلفها جمل عديدة كلاهما يفهمانها من دون ان ينطقها االخر..!
    ركبت السيارة بالمقعد المجاور له فسألها بينما يدير المفتاح ليشغلها:أتودين الذهاب لرؤية سامي؟..!
    تغير برودها الى تعجب فوراً قبل ان تغتال هذه الدهشة بأجابتها المرتبكة:
    ـ أ..أجل..اود ذلك..!
    تبسم بينما ينطلقا بالسيارة:
    ـ حسناً..سأخذ ِك اليه..
    تبسمت بدورها وهي تعود للتحديق من خلال نافذتها..ولكن هذه المرة لم تسحبها ذكرياتها نحو
    ماضيها..بل سحبتها نحو ذلك المليء بالمفاجأت الذي يجاورها..!
    ـ ها قد وصلنا..!
    قالها آدم بعد ان اوقف سيارته امام بوابة منزل اسرتها الحديدية الضخمة ففتحت بابها وهمت بالنزول
    ولكنها اخرجت قدماً واحدة فقط بينما الأخرى لاتزال بداخل السيارة وهي تلتفت اليه بتساؤل بعد ان
    ادركت قراره بعدم النزول وهي لا تراه يطفئ محرك السيارة او يهم بالخروج مثلها بل كان يبدو انه ينتظر
    خروجها ليرحل..
    ـ ألن تنزل؟..!
    قالتها بأستغراب فألتفت اليها رافعاً حاجبيه بتعجب:
    ـ أاا...لااظن ان ذلك سيبدو جيداً.. اعني..انك قد تحتاجين بعض الخصوصية مع اسرتك..لذلك سأذهب
    واعود لأخذ ِك عندما تنتهين..
    سألته بجمود:
    ـ هل ستذهب لمقابلتها؟..!
    قطب حاجبيه بأستغراب:
    ـ مقابلة من؟..!
    ـ مايا..!
    بالكاد كبح ابتسامته وهو يقول مصطنعاً البرود والجدية بينما رغبة القفز بالأرجاء من فرط السعادة
    تجتاح كيانه:
    ـ لست ذاهباً لمقابلة احد ريم!..سأذهب نحو الشقة ألبقى هناك ومتى اردتي العودة فقط اتصلي بي
    وسأعود لأصطحاب ِك..
    حافظت على تعابيرها جامدة من دون غضب او فرحة...هدوء او توتر..كانت تنظر له ببرود وبساطة..!
    الداعي ان تذهب ثم تعود...انا ذاتاً لن اتأخر اكثر من ساعة لذلك رافقني الى الداخل وسنعود سوية نحو
    الشقة..!
    هل سيرفض؟..بالتأكيد لا!...فريم هي من طلبت..واوامر هذه الفتاة تأتي في الدرجة الأولى لا يجرؤ على
    ان يرفض لها طلباً..!!
    اطفئ المحرك ونزل من مقعده ليزيد اندهاشه وهو يراها تقف عند باب السيارة تنتظره ولم تتجاهله
    كالعادة وتتقدمه تاركة اياه خلفها... هل يعقل انه خلق خطوة جديدة ستقربها منه؟..!فتحت البوابة ودخلت
    يسير آدم بجوارها ولكنه توقف في منتصف الطريق فجأة وهو يستوقفها قائلا:
    ـ صدقيني الاظن ان هذه فكرة جيدة..قد تستاء الآنسة ميسم لرؤيتي ولا اريد ان افسد فرحتهم بقدوم ِك
    بزيارتي هذه..!
    تأفأفت بضيق وهي تقول:
    ـ كف عن هذه الحساسية آدم!..ميسم لا تفكر بهذا الشكل..!
    رفع كتفيه بأستسلام وهو يقول:
    ـ حسناً اذاً..ظننتهم يشبهون تفكير ِك..

    ردحذف
  56. اطلقت نظرة نارية نحو ابتسامته الساخرة ودفعت اقدامها جبراً لتسير بعيداً عنه.... هل ماقاله
    مضحك؟!...لا!.. لما هي اذاً تبتسم..!!
    غريب ذلك الشعور الذي يدخل خلسة كاللص الى صدورنا ويجعلنا نرى اشياءاً كنا نتعمد غض البصر
    عنها او انها لم تكن تثير اي اهتمام لدينا..وفجأة نجدها محط انتباهنا الشديد.. نركز بالنبرة..نتمعن
    بالكلمات..نحلل النظرات!.. معكم مركز شرطة الحب ياسادة..!!
    طرقت الباب الداخلي عدة مرات حتى فتحت لها الخادمة التي رحبت بها بهدوء وبآدم الذي يدخل لمنزلهم
    ألول مرة بعد ان اخذ ريم قبل اكثر من شهر من هنا..!!
    دخلت ريم قبله خطوات الى الداخل وهو يتبعها..هو يعرف شعوراً كهذا..انه شعور صعب قد لا يتقبله اي
    احد..فهذه الاسرتين لم يحل التآلف بينهما بشكل كامل بعد واليعرف كيف سيكون رد فعل االغلبية من
    زيارته هذه..!
    قفز سامي من فوق الأريكة فور رؤيته لريم واتجه اليها راكضاً والتي بدورها جثت على ركبتيها فوراً
    تفتح ذراعيها على اوسعها لتستقبله بين احضانها وتغرقه بأشتياقها وحنينها له كما يفعل هو.. وآدم
    يراقب بذهول شخصية ريم المرحة التي يراها لأول مرة...اذاً هذا الطفل هو الوحيد القادر على استخراج
    ريم القديمة من تحت الأنقاض؟..!
    احاطت ريم وجه سامي بين راحتي يديها وهي تقول بلهفة:كيف حالك ايها الشقي الصغير؟..!
    ـ انا مشتاق لك جداً عمتي..
    ـ وانا اكثر يااميري العزيز..!
    ثم ادار بصره فجأة نحو آدم وانطلق اليه بحماس ووقف عند قدما آدم ورفع بصره اليه بأبتسامة وهو
    يقول:
    ـ مرحباً بك عم آدم..لقد انتظرتك في المرات السابقة ولكنك لم تأتي مع عمتي..!
    رفعه آدم من فوق الارض على غفلة فوق ذراعه وقبله بخفة فوق خده الوردي وقال:
    ـ وها قد اتيت هذه المرة من اجلك..!
    ـ هل ستلعب معي؟..العم آدهم يلعب دائماً معي انا وهيلين ..!
    ـ أحقاً؟..ومن هو العم ادهم هذا؟
    ـ انه والد هيلين..
    ـ اهاا...ومن هيلين هذه؟..
    ـ انها ابنة العمة نسرين..
    اووه..ومن العمة نسرين؟..
    فحاولت ريم كتم ضحكتها على منظرهما الطفولي وهي تهدده قائلة:
    ـ آدم..!
    نظر نحوها مدعياً البرائة وهو يقول:
    ـ ماذا؟!..انا اسأله فقط؟..
    اومأت مدعية الجدية:
    ـ اووه حقاً؟!...وانت لا تعرف نسرين وهيلين؟..!
    ـ رجال يتحدثون مع بعضهم لما تستمر النساء بحشر انفسهم بهذه المواضيع؟..!
    قطع عليهم مناقشاتهم اللامتناهية صوت بلقيس وهي تخرج من المطبخ وتجفف يديها وتقول بلهفة:
    ـ يااهلًا وسهلًا بكما..!
    صحيح انها تعجبت من زيارة ادم ولكن تعجبت بشكل مفرح..فمن منظر وقوفه مع ريم يبدو ان عالقتهما
    في تحسن!!..ولكن ليس هذا مااثار قمة دهشتها..بل كانت ابتسامة ريم وهي تلتفت اليها لتلقي عليها
    التحية!!..تلك الابتسامة التي لم تكن تمنحها لأحد سوى سامي وهبتها لأمها ببساطة وهي تقول بهدوء:مرحباً امي..!
    تقدمت امها خطوات نحوها وضمتها اليها وهي تقول:
    ـ مرحباً ب ِك صغيرتي..لم تزورينا منذ فترة..!
    رفعت ريم يديها بتردد واسكنتهما فوق ظهر والدتها وشعور دفئ غريب يتسلل الى داخلها... لا تعلم لماذا
    ولكن زيارتها لأسرتها تبدو مختلفة هذه المرة!...ربما انها اشتاقت لهم بالفعل او ربما بسبب ادم وتلك
    نسمات الدفئ والأمان الهادئة التي يبثها بداخلها متى ما كانت بجواره...او ربما هم السببين معاً..!!
    صافحت بلقيس آدم بأبتسامة والذي لم ينزل سامي بعد من بين ذراعيه...ولسبب غريب لم يفهمه
    الأغلبية وجدو ترابطاً غريباً يجمع مابين ادم وسامي...رابطاً كان لآدم الفضل في انشائه منذ زيارته تلك
    لريم قبل زواجهما..!
    خطوات فوق السلم جعلت الثالثة يلتفتون بترقب...انها ميسم!!
    سينقبض وجهها ماان ترى آدم..ستقطب حاجبيها..ستمنحه نظرات نارية..ستلوم ريم على احضاره...هذه
    هي التوقعات التي خطرت ببال الثلاثة...توقعات ذهبت ادراج الرياح وهم يشاهدون ميسم تتقدم نحو آدم
    بأبتسامة وتمد يدها للمصافحة وهي تقول بلطف:
    ـ مرحباً بك آدم..جيد انك اتيت..

    ردحذف
  57. مد آدم يده وهو يحول نظرات الاستغراب مابين عينيها وعينا ريم التي لا يقل استغرابها عنه..!
    صافحها بهدوء وهو يقول:
    ـ اهلا ب ِك انسة ميسم..
    ـ ارجوك!..ميسم فقط..الداعي لهذه الرسمية فأنت لست غريباً..
    " بإطلاق
    تبسم آدم وهو ينظر نحو ريم..ضحكة تعرفها ريم جيداً....سيبدأ "المعلق الرياضي
    السخريات..ضيق مابين عينيه وهو يقول:
    ـ يااللهي ريم...من اين ورثتي انتي اطباع ِك بالضبط؟..!
    ضحكت ميسم وهي تلتفت نحو ريم وتقول:
    ـ مرحباً حبيبتي...!
    عانقتها ريم وهي تعلق ابصارها المقتضبة بآدم وقالت:
    ـ اهالً عزيزتي..!
    جلسو في الصالة يتبادلون الحديث والضحكات والجميع الحظ الحيوية التي بدأت تعود شيئاً فشيئاً لجسد
    ريم بعد ان كانت دائمة الخمول والاقتضاب..صحيح لم تكن تضحك او تلقي النكات كما يفعل ادم وكانت تكتفي بالصمت اغلب الوقت ولكنها على الاقل كانت تبتسم بين الحين والآخر..ابتسامة لم تشاركها اياهم
    ابداً في الماضي...والجميع لاحظ تأثير آدم على ريم...الجميع عدا ريم نفسها..!!
    مرت دقائق حتى اصر سامي على آدم ان يخرج معه الى الحديقة كي يلعبان رمي كرة البيسبول..بقيت
    ريم جالسة حيث هي..ولكن نظرها لم يكن حيث كان!..ادارت رأسها بأتجاه نافذة الصالة تراقبهما...بل
    تراقبه!...يملك بنية رياضية..ابتسامة مميزة..عيون فيروزية ساحرة..يملك شخصية تتناسب مع كل
    الشخصيات التي تحيطه...صغار او راشدين.. معقدين مثلها او لطفاء مثل ميسم....لحظة... ميسم؟!!..
    لم تكن تطيق ادم بالسابق ولم تكن تخرج من غرفتها ان حضر..ولكن الأن بدت لطيفة جداً معه ولم تمانع
    علاقته القوية هذه بسامي!!..التفتت ريم اليها بأستغراب حيث كانت تجلس على الأريكة المقابلة تتحدث
    مع بلقيس..اطالت لتحديق بها...تبدو مرتاحة والوجود للضيق ابداً على محياها..ريم تعرفها جيداً..فميسم
    ذات قرارات ثابتة نادراً ماكانت تتراجع عن قراراتها..وبالتأكيد هذا الـ"نادراً" لم يكن يحصل سوى مع
    هزيم..!
    لم تهتم ريم كثيراً للأمر ووجدت راحة غريبة تغزوها من ان آدم انسجم بسرعة مع افراد اسرتها..!
    ـ ميسم عزيزتي؟..أليس من الأفضل ان تأخدي معطف سامي اليه بدل ان يصاب بالزكام مع هذا البرد
    القارص..!
    ـ اجل..اظنك محقة عمتي..!
    قامت من مكانها لتخرج المعطف تلبسه لسامي بينما اتجهت ريم مع امها للطبخ تساعدها بأعداد وجبة
    خفيفة..
    خرجت ميسم الى الحديقة واول ماشاهد سامي المعطف بين يديها تذمر بسخط وهو يقول:
    ـ امي ارجو ِك!..انها ليست بتلك البرودة..!
    تبسمت ميسم بينما تلبسه المعطف وتقول:
    ـ كف عن التذمر ايها المشاكس...اذهب لتلبس قفازاتك ايضاً..
    ـ ان لبست القفازات هل ستشترين لي ذلك القطار اليوم؟..!
    ـ يالك من فتى عنيد حقاً...اخبرتك اني سأشتريه ماان نذهب نحو المركز التجاري..
    عبس وجهه وهو يقول:
    ـ ولكني اريده اليوم..!
    ـ يمكـ..يمكنني اصطحابه ان لم تمانعي لأشتري القطار له..
    نظرت ميسم بأبتسامة نحو آدم المتردد بطلبه.. هل ستسلم ابنها لأحد افراد العائلة التي قتلت زوجها؟..نعم
    هي اكثر لطفاً من ريم في تعاملها معه ولكن لن يصل الأمر الى سامي بالتأكيد سـ..
    هذا لطف منك آدم شكراً لك..
    رفع حاحبيه بتعجب وهو يقول:
    ـ الا بأس بذلك؟..هل ستتركيه يذهب معي ببساطة؟..
    كتفت يديها امام صدرها وضيقت عينيها بمزاح وهي تقول:
    ـ ماذا؟!..ألم تتوقع ان اوافق؟..لذلك مثلت دور الشهم والان تراجعت عندما اصبح الأمر جدياً؟..
    فبادلها مزاحها وهو يحك ذقنه ويمط شفتيه ويقول:
    ـ علي ان افكر مستقبلا قبل ان اتبرع بهذه التوصيلات المجانية واخسر اموالي على الألعاب..!
    فضحكت ونظرت نحو سامي وهي تقول:
    ـ اذهب بسرعة لتلبس قفازاتك قبل ان يغير العم آدم رأيه..!
    ومن دون تعليق ركض سامي الى الداخل فقال ادم:
    ـ يااللهي!!..يالكم من عائلة طماعة..!
    ضحكت ميسم ثم ابتعدت الضحكة رويداً رويداً عن وجهها الى ان تحولت الى ابتسامة دافئة وهي تحدق
    بآدم وبعدها قالت بنبرة ذات معنى:

    ردحذف
  58. سامي فتى عنيد..انه يشبه اباه كثيراً بهذه الصفة..ان اراد شيئاً لابد ان يحققه.. الا توافقني الرأي
    آدم؟..!
    نظر اليها وتلكأ في حديثه لتتبعثر الحروف فوق شفتاه من دون ان تصل لمسامع ميسم التي اكملت
    بأبتسامة اكثر دفئاً:
    ـ اذاً...مر وقت طويل ياادم..!!
    عند هذه النقطة بدأ الارتباك يظهر بوضوح على تقاسيم وجهه ثم تبسم باستسلام في
    النهاية وهو يقول:
    ـ اذاً..فقد تذكرتني .!
    ـ في البداية لا!.. وبعدها شككت بأمرك.... فأخرجت بعض صوره التي كان يحتفظ بهن في مكان خاص
    ووجدتك....وتذكرتك..!
    قلب بصره فوق الارض قليلا وهو يعبث بالعشب بطرف حذائه وتمتم بتردد:
    ـ اذاً....هل ستخبريها؟..
    وبعدها نظر اليها بترجي ليردف:اتمنى ان لا تفعلي!
    ـ لما لا؟...هذه ستكون نقطة لصالحك... اعلم انك تحبها بشدة وتود منها ان تبادلك احساسك هذا...ألن
    يكون هذا من جانبك؟..
    تبسم ابتسامته العاشقة وصورة ريم تتخاطر على عقله وهو يقول:
    ـ نعم!..ستسامحني..وربما ستحبني..ولكن لااريدها ان تحبني وانا الفتى الصالح.. اريدها ان تحبني رغم
    ماتظن اني امتلكه من اخطاء وذنوب..اريد ان تحبني كما انا مثلما احببتها انا مثلما هي!...ان احبتني
    وهي تراني الجحيم بحد ذاته..عندها سأطمن انها لن تتركني الى الابد..!!
    تبسمت وهي تفهم مقصده لتقول:
    ـ تحبك وانت الفتى السيء لتتمسك بك اكثر عندما تكتشف انك الفتى الصالح..!
    ضحك وهو يقول:
    ـ شيء من هذا القبيل..!
    انفتح باب المنزل من جديد ليخرج منه سامي متدثراً بوشاحه حول رقبته وقفازيه الصوفيتين ونزل
    المدرجات ليتوجه نحو الحديقة حيث يقفان.. اعادت ميسم بصرها بأتجاه آدم وقالت له قبل ان يرحل هو
    وسامي:ريم كالمحارة ياآدم...قد تبدو لك صلبة من الخارج...ولكن مابداخلها الشيء سوى النقاء
    والبياض...قسوة الحياة معها هي من جعلتها ترتدي ذلك القناع الجليدي....لذلك لا تتخلى عنها ابداً
    ارجوك...اعطها فرصة فقط وانا متأكدة انها ستقع بغرامك عن قريب..!!
    ـ اتخلى عنها؟؟!!...هل جننتي ياميسم؟!...بعد كل هذه السنين اتركها بهذه البساطة؟..!
    تبسمت بأمتنان وهي تقول:
    ـ اعلم انك لن تفعل..واعلم انها لن تجد افضل منك..!
    ـ انا جاهز عم آدم هل نذهب؟..!
    اخترقهما صوت سامي فرفعه أدم فوق كتفيه وهو يقول:
    ـ هيا بنا اذاً جلالة الملك..!
    خرجا من البوابة وميسم تراقبهما بأبتسامة!.. رفعت يدها لتتلمس بأطراف اصابعها قلادتها التي تحتوي
    صورة هزيم...رفعت الميدالية نحو انفها وكأنها تستنشق رائحة هزيم من خلال صورته وهمست له
    بحب:
    ـ لقد اشتقت لك كثيراً ياحبيبي العنيد..!
    دخلت ميسم بأبتسامة خفيفة فوق ثغرها وذكريات هزيم عالقة في عقلها تشعل نار الاشتياق بقلبها طوال
    ايام حياتها من دونه..!!
    دخلت نحو المطبخ تساعد ريم وبلقيس في مايفعلانه وهن في اثناء ذلك يتبادلن اطراف الحديث
    والابتسامات دون ان تدرك ريم برحيل آدم وسامي

    ردحذف
  59. ودون ان تدرك ميسم ان مافعلته بسماحها لآدم بأخد سامي سيغير حياة آدم وريم الى الابد!!...
    لاتحكم...قبل ان تسأل!..
    لاتنستنتج...قبل ان تستفسر!..
    ولاتمنح الكره........قبل ان تمنح الحب!..
    لابأس ان نبض قلبك..فلهذا السبب الرب قد اودعه داخل صدرك...كي ينبض!..كي يحب!.. كي يشعر!...انت انسان...فتصرف على هذا الاساس لوسمحت!..

    انشغلت ريم بالحديث مع ميسم الوقت الكافي الذي يجعلها تنسى تفقد آدم وسامي في الحديقة...خرجت من المطبخ بعد نصف ساعة تقريباً وهي تجفف يديها بمنديل قطني ولكنها لم تجلس..بل اقتربت من النافذة لتراقبهما...توسعت حدقتيها تدريجياً وهي تجول ببصرها في جميع ارجاء الحديقة الخالية من آدم وسامي....هل رحل؟!..
    التفتت نحو ميسم التي جلست لتوها على آريكة الصالة تتصفح احدى المجلات

    ـ ميسم؟!..

    ـ اجل عزيزتي؟!..

    ـ اين آدم...اعني...سامي وآدم؟!..

    رفعت ميسم رأسها من فوق صفحة المجلة وقالت ببساطة:

    ـ لقد خرجا...اخذه آدم كي يشتري له ذلك القطار الذي يصدع سامي رأسي به منذ البارحة!..

    عندها انقبض قلب ريم فوراً مثلما اقتضب وجهها وقطبت حاجبيها وهي تقول بنبرة عصبية:

    ـ ماذا؟!..خرجا؟...جعلته يذهب مع آدم؟

    فقالت ميسم بعدم فهم:

    ـ اجل..ماالمشكلة؟!..

    فضربت ريم المنديل بغضب فوق الارض وهي تهتف بها بصراخ مجنون:

    ـ "ماالمشكلة"؟؟!!...هل فقدتي عقلكِ ياميسم؟..تسلمين ابنكِ له؟!...ومطمئنة ان يعود ابنكِ لكِ؟..هل عاد زوجكِ عندما ذهب اليهم؟!..كيف سمحتي لنفسكِ ان تفعلي شيئاً كهذا؟!..

    نطقت عبارتها الاخيرة بصرخة اعلى فقامت ميسم من فوق الاريكة وحاولت قدر الامكان ان تحافظ على اعصابها امام هذا البركان الهائج:

    ـ ريــم!...آدم لم يأخذه نحو منزل اسرته لأخاف عليه...لقد اخذه نحو المركز التجاري فحسب!..

    ـ اوه حقاً؟..وانتي مطمئنة انه سيأخذه الى هناك من دون ان يؤذيه لينتقم منا؟..

    فأجابت ميسم بثقة:

    ـ اجل مطمئنة!..

    ـ ولماذا؟! .

    ـ لأنكِ منذ اكثر من شهر تعيشين معه ولاارى ان آدم قد آذاك!ِ..

    فصرخت بها ريم بصوت اعلى لدرجة ان وجهها يكاد ينفجر من الدماء التي تصاعدت اليه:

    ـ لأن دائرة الانتقام تدور حول الرجال فقط ياحمقاء!..

    ـ اجل الرجال...وليس الاطفال!..

    ذلك لم يكن صوت ميسم...كان صوته!..

    ردحذف
  60. التفتت ريم اليه دفعة واحدة وصدرها يرتفع وينخفض بجنون من شدة غضبها ولمحت سامي يقف خلفه يحمل بين يديه ذاك القطار الذي اراده...منذ متى وهو هنا؟..ماذا سمع؟..مع اي مقطع وصل؟..
    اقترب آدم منها بوجه تراه منه للمرة الاولى.. وجه يحمل هذا المقدار من الغضب والاستياء.. والحقد!..
    وقف امامها مباشرة لاتفصلهما سوى خطوة او اقل وهمس لها بعصبية ممزوجة بخيبة امل منها:رغم ماعانيته من الانتقام ولكني لم ادخل دائرته يوماً ولم الوث يداي بدم احدهم..ثم في النهاية الوث يداي بدم طفل بريء؟!...هل تريني حقير ووحش لهذه الدرجة ياريم؟!.. أأنا مجرم ودنيء لهذا الحد بنظركِ؟!..

    ثم اقترب اكثر ليهمس في اذنها قائلاً بنبرة مخيفة تحمل خلفها نيران كان طوال الوقت يحاول اخمادها:

    ـ ولو فكرت يوماً ان انتقم...فجدك هو الاول والوحيد الذي لن اتردد ولو للحظة في قتله وليس سامي!..

    ثم نظر نحو عينيها بنظرة اخترقت قلبها لأول مرة.....لتشعر بالذنب لأول مرة!..وبعدها استدار ورحل عن المنزل تاركاً اياها متسمرة في مكانها لتقوده قدماه الغاضبة نحو الخارج.. ولكنها لم تبقى متسمرة في مكانها لوقت اطول بل ومن دون توقعها وتوقع الجميع وجدت نفسها تتبعه!..

    خرجت مسرعة من الباب تسير خلفه تهتف بأسمه ولكنه لم يلتفت اليها وخرج من البوابة الحديدية نحو سيارته التي يركنها امام المنزل.. استطاعت اللحاق به قبل ان يفتح بابه لتسرع اليه وتقول بأنفعال تدافع عن موقفها:

    ـ ماذا كنت تتوقع مني ان افعل وسامي معك؟.. انه اخر ماتبقى لدي من هزيم..أتريدني ان اتهاون بأمره ببساطة؟!....ضع نفسك في مكاني ولو لمرة!..

    عند كلمتها الاخيرة هذه التفت اليها بعصبية وهو يهتف بها بنفاذ صبر من تكرار نفس الجملة على مسامعه:

    ـ اتمنى لوكنت مكانك!....ولكني في مكان اسوأ منكِ.....ان كان للجحيم وجود فما اعيشه هو الجحيم بحد ذاته..ولكنك لاتريني...لاتستطيعين رؤيتي ياريم!..كل مايعميكِ هو الانتقام والكره فلم تعودي قادرة على رؤية من حولكِ!..

    ثم اقترب منها بخطوات سريعة وقبض على يدها بقوة وقال بغضب:

    ـ أتحبين ان تري اين اقف انا بين دائرة الانتقام هذه؟!......تعالي لأريكِ اذاً!..

    ثم سحبها بقوة غير آبهاً بأعتراضاتها وتألم يدها تحت قبضته القاسية...فتح باب المقعد المجاور له وادخلها بقوة الى السيارة واغلق بابها بعنف ثم استدار نحو مقعده وانطلق بالسيارة بسرعة جنونية يقودها لأول مرة في حياته!!..

    ـ الى اين نذهب؟!..

    تجاهل سؤالها وهو يركز بصره المشتعل بالنيران على الطريق امامه ويعصر المقود بقوة بين قبضتيه يكاد يهشمه...ولأول مرة ايضاً تخاف منه لهذا الحد!!..
    تفاجئت بالطريق الذي يسلكانه...انه طريق المقبرة!..التفتت اليه بأقتضاب تخفي خلفه خوفها واستغرابها:

    ـ اين تأخذني؟!..

    لم يعلق ايضاً!..اوقف السيارة ونزل منها ولكنها بقيت في مقعدها الى ان فتح بابها وسحبها من يدها جبراً فحاولت ان تنتزع نفسها من بين يديه وهي تقول بعصبية وترجي:

    ـ آدم انت تؤذيني!..

    لم يبدو ان آدم كان يستمع لأي شيء تقوله في هذه اللحظة واستمر بسحبها خلفه الى ان اوقفها امام قبرين وافلت يدها ليلتفت اليها وترى الجحيم اشتعل بوجهه وهو يقول:ماهو اسمي ياريم؟..

    فصاحت بوجهه بينما تدلك يدها المتألمة من قبضته:

    ـ هل فقدت عقلك؟..ماالذي اصابك؟..

    فقبض على كتفيها بقوة اكبر وهزها بعصبية ليزجرها قائلاً:

    ـ انطقيه!..

    انتفض جسدها برعب ولم تملك الجرئة في لحظتها لتعانده فقالت بتلكأ:

    ـ آدم...آدم رامز مراد!..

    فوجدت بعض الدموع تلمع فوق حدقتيه قبل ان يقول بصوت اضعف من نبرته العالية قبل ثواني:

    ـ اقرئي القبور ياريم!..

    ازدردت ريقها بتوتر وانقبض قلبها بشدة.. ترجت الرب بيأس في لحظتها ان لايكون ماتتوقعه صحيح..استدار رأسها من دون ارادة منها نحو القبر لتتوسع عينيها بصدمة وهي تقرأ المكتوب...."رامز مراد".."مصطفى رامز مراد"..
    لحظات صمت مرت على المكان لاتسمع فيه ريم شيئاً سوى انفاسها ودقات قلبها التي تنقبض للحظة وتنبض بقوة في اللحظة التالية!..
    اعادت انظارها بتردد نحو صوته الذي اضعفه بكائه وحدقت بصدمة داخل عيونه ودموعه وهو يقول لها:

    ـ كان ذلك قبل خمسة عشر عاماً ..... في الخامس من اغسطس..الساعة الرابعة والنصف بعد الظهر...خرج ابي مع اخي الصغير مصطفى الذي بالكاد بلغ عمره الثالث..كنا سنحتفل بعيد ميلاده بعد يومين...اخذه نحو المركز التجاري القريب من منزلنا ليشتري له البوضة...ولكن كلاهما لم يعودا!....كلاهما حصل على رصاصة في قلبه....ابي كان قتله متعمداً..ولكن اخي قتل عن طريق الخطأ في محاولتهم لقتل ابي..

    ثم تقدم نحوها خطوة وشرارات الغضب والحقد تعود لعيناه وهو يقول:

    ـ أتعلمين من قتله؟!..

    بقيت تحدق داخل عيناه بضياع تعجز عن النطق بحرف وتعجز حتى عن ايقاف دموعها فقال لها وهو يقبض على زندها بقوة:

    ـ كان جدكِ!..

    عند هذه النقطة توسعت عيناها بصدمة اكبر ليكمل آدم:

    ردحذف
  61. جدكِ هو من بدأ دائرة الانتقام ياريم!.... اراد ان ينتقم لموت اخيه توفيق الذي أكدت الشرطة والادلة وحتى كاميرات المراقبة ان جلال هو من قطع اشارة المرور تلك وتسبب بذلك الحادث الذي جمع بينه وبين سيارة ابي..ولكن جدك بقي مصراً ان ابي هو من قتله.... لذلك قرر ان ينتقم.....فقتل ابي...وقتل اخي الصغير ياريم!..

    شهقت بفزع وهي تضع يدها على فمها تكتم صرختها غير مستوعبة ما تسمعه فأكمل آدم بغضب اشد:

    ـ انتي لم تتحملي فراق هزيم وانتي كنت شابة بالغة ورأيتي ان حياتكِ تحطمت بسببنا.. ولكن انا كنت مجرد طفل ياريم!...طفل وجد نفسه بين ليلة وضحاها امام أم مدمنة لم تتقبل حقيقة ان زوجها وصغيرها ماتا....امام اخت صغيرة لاتعرف حتى كيف تربط شريط حذائها...وجدت نفسي قد كبرت فجأة وانا اتحمل مسؤولية عائلة كاملة.. وجدت نفسي اصبح الام والاب والاخ في الوقت ذاته!..

    ردحذف

  62. ثم قبض على يدها بقوة اكبر وهو يقول:

    ثم قبض على يدها بقوة اكبر وهو يقول:

    ـ أتدركين كم كان صعباً مامررت به؟..ان افقد امي وابي واخي في الوقت ذاته؟..فأمي بالكاد كامت تسمى حية من كمية المهدئات التي تتناولها بل وانها ذات مرة كادت ان تودي بحياتها بسبب جرعة مفرطة....ابعدوها عنا لشهور داخل مركز اعادة التأهيل لنعش انا واختي الصغيرة في منزل جدي....لقد ضاعت طفولتي..ضاع مني ابي..ضاع اخي..وكنت عاجزاً عن مساعدة امي..

    وعاد ليهزها بعنف اكبر وهو يقول:

    ـ وجدكِ هو من فعل بي هذا!..

    وبعدها عاد خطوتين الى الوراء ليعود صوت بكائه ليضعفه مرة اخرى وهو يقول بنبرة ادركت ريم كم تحمل بداخلها من حزن وآلم:

    ـ لكني لم ابالي بكونكِ حفيدته..لم اسُمعك في يوم كلمة تجرحك...فأن كان ياسين مجرم فليس لكِ ذنب بمافعله هو!...

    ثم رفع زاوية فمه بأبتسامة يسخر بها من نفسه وهو يكمل:

    ـ بل حتى اني وقعت بغرامكِ وانتي حفيدته.. ولم يهمني ذلك ولست نادم عليه ولااتهرب من مشاعري هذه اتجاهكِ!..

    حدق داخل عينيها قليلاً قبل ان يردف:

    ـ سألتني في تلك المرة في المحكمة لو ان احد افراد اسرتك قد قتل عزيز علي فهل كنت سأطيق النظر اليكِ؟!.......نعم سأطيق النظر اليكِ ياريم....بل وحتى عندما قتلو عزيزان علي وضيعو طفولتي لازلت اطيق النظر اليكِ...

    ثم زفر بضيق وهو ينظر الى السماء ليسيطر الغضب على نبرته من جديد وهو يقول:

    ـ ولكن انتي!..

    وعاد لينزل ابصاره نحوها ليكمل:

    ـ انتي رغم هذا تتقززين حتى من ذكر اسمي وتريني مجرماً حقيراً فقط كوني انتمي لتلك العائلة!..

    ثم اقترب منها ليقول بغيظ:

    ـ ان كنتِ تريني بكل الحالات اني مجرم وانه علي ان اتحمل ذنب مافعله غيري فأنتي مجرمة ايضاً ريم...وان كنتِ تريني قد قتلت اخاكِ رغم اني لم افعل..فأنتي ايضاً قتلتي اخي وابي حتى وان لم تفعلي.....لذلك اظن اننا متعادلان!..

    ثم تركها ومر بجانبها فتضاربت اكتافهما وهو يسير بغضب بأتجاه سيارته فجعل هذا توازنها يختل وتعود بضعف خطوتين نحو الوراء وهي لاتزال تحدق بصدمة امامها تعجز عن ايقاف تلك الدموع...وتعجز عن ايقاف نزيف قلبها..... لقد خسرته...فأدركت انها احبته!...

    ردحذف
  63. سمعت صوت محرك سيارته يخترق هدوء الاجواء ولكن من دون ان تنطلق السيارة.. فأدركت انه بأنتظارها!...سحبت قدميها رغماً عنهما الى السيارة وفتحت الباب بجسد خامل وكأنه يسير بلا روح!..جلست بجواره على المقعد فأنطلقت السيارة بذات السرعة..ولكن هذه المرة بأتجاه شقتهما!..
    طوال الطريق كانت تحدق بيديها المتشابكة على حجرها رغم ان عقلها لم يكن مع يديها على الاطلاق...كان مع كل الكلمات الجارحة التي نطقتها بحقه دون ان يجرحها بالمقابل ..مع كل اتهاماتها التي رمته بها من دون ان يدافع عن نفسه في الوقت الذي كان بأمكانه ذلك!..ولاتعلم لماذا ولكن عقلها كله كان مع يوم المحكمة ذاك وهي تتذكر غضبه المفاجئ وطلبه منها ان تغلق الموضوع مع انه كان بأمكانه اشعارها بالذنب وهو يخبرها بحقيقة جدها...كان بأمكانه خوض الطريق السهل ليكسب ودها ومشاعرها.. فلما فضل الطريق الصعب وهو يبقي نفسه المذنب دائماً امامها؟!..
    انقضى الطريق بصمت وكل واحد فيهما مشغول بعالم منفصل وماضي مؤلم!!..

    اوقف السيارة عند اسفل البناية من دون ان يطفئ المحرك...التفتت اليه بتردد وهي تقول بنبرة ضعيفة اقرب الى الهمس:

    ـ ألن تنزل؟!..

    منحها اجابة سريعة ومقتضبة من دون ان يلتفت اليها:

    ـ لا!..

    ـ آدم مـ..

    ـ ريــم!..انزلي لو سمحتي!..

    نبرته المستائة وملامحه المنقبضة كانت كفيلة بأخراسها!..
    فتحت الباب ونزلت واول مااغلقته انطلق بالسيارة بعيداً عنها وهي تراقبه بصمت لايكسره سوى دموعها!..
    صعدت الى الشقة وهي تشعر بالوحدة لأول مرة بعيداً عنه وتكره تلك الاجواء الصامتة التي تكتنف المكان من دون صوته أو طيفه!..
    اغلقت الباب ليكسر صوته الاجواء وتقدمت بخطوات مجهدة نحو اريكة الصالة لترمي ثقل جسدها عليها لتتسمر هناك من دون حركة تحدق بشاشة التلفاز المطفئة امامها وكأنها تعرض لها سلسلة احداث تبقيها داخل الصدمة لأطول فترة ممكنة!!..
    كيف واجه الامر؟...امه...ابيه....واخيه الصغير!...وكلما تذكرت ذلك الطفل كلما افرزت عينيها المزيد من الدمع وهي تتخيل طفلاً صغيراً بالكاد يتمكن من نطق بضع حروف قد اغتالته رصاصة الانتقام...كيف عساه ان يقع بغرامها؟..كيف عساه انه احبها؟..اي قلب غريب يمتلكه داخل صدره؟!..
    ومع هذه الفكرة انتفضت من مكانها لتتجه نحو غرفتها وتجلس فوق سريرها تكمل بكائها وانيهارها بصوت مسموع ولاشيء يقتلها سوى تخيل ذلك الصغير مقتول وصورة امه رزان!!!..
    كرهت نفسها بشدة كونها تنتمي لأسرة كهذه.. وكرهت نفسها اكثر لأنها لم تمنحه مسامحة قد منحها ذاتها!!..

    نزل الليل بظلامه ووحشته على الشقة.. رغم انوارها ألا انها خانقة بالنسبة لها!...خرجت من الغرفة لتجد باب غرفته لايزال مفتوحاً ولكنها خالية منه!....تنهدت بضيق وذهبت نحو الحمام لتغسل وجهها ولتنشط عينيها المتورمتين من البكاء!..
    خرجت من الحمام تجفف وجهها دون ان تبعد نظرها عن غرفته..تتمنى لو انه هناك!...تتمنى لو انه يجلس على الاريكة كعادته ليعبث بحاسوبه وينطلق تذمره من كثرة العمل بين فترة واخرى!..زفرت بيأس واتجهت نحو المطبخ لتعد العشاء لعله يحضر في موعده!..
    ارتدت مريلة المطبخ التي تُشد فوق الخصر فقط وبدأت بتقطيع البطاطا..
    توقفت السكين فوق اللوح الخشبي فجأة وارتجف قلبها بتوتر وهي تسمع انفتاح باب الشقة وخطواته الهادئة بأتجاه غرفته!..
    ازدردت ريقها بأرتباك واخذت نفساً عميقاً لتبث جسدها ببعض الثبات ثم قررت واخيراً وهي تترك السكين من يدها وتخرج من المطبخ!..
    اتجهت نحو غرفته التي لايزال بابها مفتوحاً وشاهدته جالساً على طرف السرير ينزع حذائه بنفس ملامحه الصباحية المقتضبة ولكنه بدا اكثر هدوئاً!..
    اتكأت على حافة الباب وهي تجفف يديها بطرف المريلة وقالت بهدوء:

    ردحذف
  64. مرحباً!..

    اخذ نفساً عميقاً قبل ان يمنحها نظرة خاطفة ليجيب:

    ـ مرحباً..

    ـ هل أعد لك الطعام؟

    ـ لا..

    ـ لكنك لم تأكل شيئاً منذ الصباح!..

    ـ وهل اكلتي انتي؟..

    ـ لا..

    ـ اذاً لاداعي لتحاسبيني..

    صمتت من دون تعليق بينما يقف هو لينزع عنه ساعته..فقالت بعد تردد وصراع داخلي:

    ـ لما لم تخبرني؟!..

    صمت هو من دون تعليق هذه المرة وتوقفت اصابعه عن نزع الساعة بينما يحدق امامه ثم التفت اليها ليقول ببرود:

    ـ هل كان سيفرق؟!..

    فقالت بتألم:

    ـ الكثير!..

    ـ اذاً جيد اني لم اخبركِ..

    فحركت عينيها داخل عينيه بعدم فهم ليكمل هو بنفس بروده:

    ـ لقد احببتك لذاتك ولم يهمني سواكِ انتي..ولم يهمني لأي اسرة تنتمين....وودت لو انكِ تفعلين الشيء ذاته معي...ولكن لم يكن يبدو ان هذا ممكنا!ً..

    فقالت بتألم بينما بضع دمعات تفلت من بين عينيها:

    ـ ليس كل الناس مثلك ياآدم وليس كل الناس تفكر بطريقة تفكيرك!...انت عشت معي واعتنيت بي رغم اني حفيدته..ولكن كان صعباً علي ان اتقبل فكرة ان ابادلك اللطف ذاته وانت ابنهم!...لم اكن ادرك حينها مافعلته اسرتي لك آدم!..

    فلم يعلق بشيء ونزع عنه ساعته ليبدأ بفتح ازرار معصم قميصه فهتفت به بعصبية:

    ـ آدم انا اتحدث اليك فلا تتجاهلني!..

    فألتفت اليها بنفس العصبية ليرد:

    ـ ألا يتجاهلك الجميع؟..فلما لاافعل انا ايضاً؟!..

    نظرت داخل عينيه بعدم تصديق وهي تراه يقسو عليها للمرة الاولى بالكلام!...لكنها نوعاً ماقد عذرته...فهي اليوم قد فتحت عليه تقطيب جروح الماضي!.....ولكن في نفس الوقت استنكرت قسوته...لاتريده ان يكون مثل الجميع..فهو مختلف بالنسبة لها!..
    عضت على شفتها السفلية تحاول منع نفسها من التعليق كي لاتجرحه بكلمة وهزت رأسها بتفهم وهي تشغل نفسها بتجفيف يدها بالمريلة وتمتمت بحزن:

    ـ صحيح.....انت محق!..

    ثم تركته وعادت نحو المطبخ ليلعن نفسه مئة مرة لأنه جرحها بهذه الكلمة في الوقت الذي كانت تحاول فيه تهدئة نيرانه وامتصاص غضبه!..
    زفر بضيق وهو يمسح وجهه بأصابعه وكأنه يزيل تعبه..وندمه!

    غير ملابسه بأخرى مريحة وخرج نحو المطبخ
    غير ملابسه بأخرى مريحة وخرج نحو المطبخ.. لاحظ فوراً يدها الى ارتفعت الى وجهها تمسح بقايا دموعها فشعر بضربة قوية تدمي قلبه وهو يشعر انه هو سبب الدموع هذه المرة!..
    وقف خلف الكرسي المقابل لها واتكأ على قمته بمرفقيه وراقبها وهي تقطع الخضار من دون ان ترفع بصرها اليه..كان يبدو كالطفل المذنب الذي اتى ليلتمس الصفح من والدته...فقال بنبرة لاحظت مدى الهدوء واللطف فيها:

    ـ ماذا تعدين على العشاء؟..

    فأجابته بنفس الهدوء وهي تستمر بما تفعله:

    ـ حساء الخضار والمعكرونة بقطع اللحم!..

    ـ احب هذا الصنف..

    ـ اعلم..لذلك اعددته!..

    صمت لوقت قليل ثم قال بندم:

    ـ اسف عما قلته...لم اكن اقصد..

    فأغمضت عيناها بأستياء وهي تزفر بضيق ثم نظرت اليه بنظرة حادة فقال فوراً بتوجس:

    ـ ماذا؟!...انا اعتذر فحسب!..

    ـ كف ان تصبح فيه اللطيف دائماً في الوقت الذي انا فيه مخطئة...فهذا يجعلني اشعر بكوني حقيرة بالفعل!..

    تبسم وهو مستمر بالنظر اليها بينما تعود لتقطيع الخضار الى ان قالت بأحراج من نظراته المعلقة بها:

    ـ توقف عن ذلك!..

    فأدعى البرائة وهو يقول:

    ـ أتوقف عن ماذا؟!...

    فزجرته بضيق بينما كانت بالكاد تكتم ابتسامتها:

    ـ آدم!..

    فضحك بشدة وهو يشيح بوجهه جانباً
    فضحك بشدة وهو يشيح بوجهه جانباً..ياللهي!.. هذا الرجل بالفعل يملك ميزة ان يصبح الطف رجل في العالم....هل مايخفق داخل صدرها الان هو قلب؟!....لما ينبض بهذه القوة وهي تنظر اليه؟!...لما تراه وسيماً هكذا هذه المرة؟!....لطالما كان وسيماً..ولكن هكذا؟!.. ابداً!!..

    ـ توقفي عن التحديق بي!..

    انتفضت بفزع مع نبرته الساخرة هذه وهي تدرك لتوها انها بالفعل كانت تحدق به ببلاهة من دون ان تدرك!...فأنزلت ابصارها بخجل لتكمل تقطيع الخضار ووجها يكاد ينفجر من الاحمرار...بينما هو عاد ببساطة ليستمر بالتحديق داخل وجهها بكل عشق متناسياً الثورة الحربية التي خاضاها هذا اليوم!..انهما بالفعل ثنائي غريب!!

    ردحذف
  65. كم كان رائعاً ذلك الشعور الذي اخترق كيانها فجأة.. تشعر بالراحة والسعادة وشعور غريب بالاطمئنان يغزوها كلما كان بجوارها في المنزل..وكم كرهت اوقات ذهابه للعمل..ولكن ليس بقدر تضجورها من تلك المكالمات الهاتفية التي كان يقضيها مع مايا!....كل ماكانت تركز معه هو مكالماتهما التي تستمر بأوقات متقطعة طوال اليوم...لاسيما ان جلس لينجز عملاً ما على حاسوبه فأنه يقضي وقت عمله كله بمكالمتها ليتحدثا بخصوص ماينجزه!. لاتعلم لماذا ولكنها فجأة بدأت تجد ان مايا مزعجة من قبل حتى ان تلتقي بها...مزعجة هي ومكالماتها الهاتفية!..
    كمكالمة اليوم وهو يجلس بجوارها يتحدث اليها عبر الهاتف...ادعت انشغالها بتصفح التلفاز رغم ان اذنيها تكاد تلتصقان بالهاتف من شدة تركيزها معه....نعم هي ادركت انها بدأت تكن له بعض المشاعر..ونعم هي لاتزال تعاند هذه المشاعر..يمكن اعتبار الامر خجل وكبرياء هذه المرة اكثر من كونه بدافع الكره وتاريخ الاسرتين العريق في الانتقام!...
    رغم انزعاجها من هذه المكالمة ألا انها اسعدتها بشكل ما وهي تراه يحاول اقناعها بتحمل العمل غداً وحدها لأنه سيتغيب عنه...اي سيبقى طوال اليوم برفقتها في المنزل!!... شعور منحها راحة غريبة لم تعرف سببها!!..
    اغلق هاتفه وهو يزفر براحة فقالت مدعية عدم المبالاة وهي تستمر بتقليب القنوات من دون ان تنظر اليه:

    ـ اذاً..هل ستتغيب غداً عن عملك؟!..

    ـ اجل..واخيراً اقتنعت مايا..

    قالت بأمتعاض حاولت قدر الامكان اخفائه ببرودها ونبرتها الهادئة:

    ـ ولما تحتاج موافقتها؟..أهي مديرتك ام ماذا؟!..

    ـ ليست مديرتي لكن نحن شريكان..وهذه الفترة عقدنا للشركة الكثير من الصفقات وهذا يعني عمل غير منتهي.. وان تغيبت انا سيعني ذلك تحملها للعمل بشكل مضاعف..فعملي وعملها سيتراكم عليها فقط!..

    همهمت كأجابة من دون تعليق...الى ان قطع تركيزها بالتلفاز-الذي لم تكن اساساً تركز معه- صوته وهو يسألها:

    ـ هل ستذهبين غداً؟!..

    نظرت اليه وهي تسأله مستغربة:

    ـ أذهب الى اين؟!..

    التقت ابصارهما القريبة وهو يوضح:

    ـ ألى منزل اسرتك...ألم تخبريني البارحة انك تودين زيارتهم اليوم؟!..

    حدقت داخل عينيه لثواني من دون تعليق.. نعم هي ارادت استغلال تواجده في العمل كي تزورهم حتى تقطع مللها بمفردها..ولكنه سيبقى..كيف عساها ان تذهب؟!..هل تخبره انها-ولسبب لايمكنها فهمه بوضوح- لاتريد تفويت ساعة واحدة من يوم الغد بعيداً عن الشقة...لايهم ان قضت اليوم كله داخل الشقة.. فهي كانت تستمتع بوجوده ومكتفية بذلك.. مكتفية بمزاحاته المضحكة...مكتفية بنظراته العاشقة التي توصل اليها رسالة من دون ان ينطقها ان لاامرأة في الوجود تنافس وجودها بداخله..يحبها كما هي ولايطلب الكثير كي تمتلك قلبه.. ان كانت غاضبة او هادئة.. مرتبة او عبثية..صامتة او ثرثارة... يحبها كما هي ببساطة!...شعور لم يمنحه لها اي شخص اخر...يجعلها تتأكد في كل لحظة تمر عليها انه مهما فعلت ومهما تفوهت بكلام غبي فلن يتخلى عنها ويمنحها مسامحة في ذروة غضبه منها!..وكأنها صغيرته المدللة..وكأنها ابنته الوحيدة...وكأنها عشيقته المميزة..وكأنها... زوجته الحبيبة!!..

    ردحذف
  66. ريم؟!..هل انتي معي؟!..

    اعادت ابصارها نحو التلفاز تحاول اخفاء تلعثمها وهي تفكر بعذر واهي تمنحه له كي تبقى غداً معه في المنزل من دون ان يستنتج غاية بقائها:

    ـ أ..أنا سأنتظر قدوم نسرين اليهم كي اراها ايضاً..فأنا لم اراها منذ مدة كما تعلم..

    ـ ولكني اعتقدت انه لهذا السبب انتي ذاهبة لزيارتهم غداً؟..لأن نسرين هناك؟!..

    خفق قلبها بقوة وهي تتذكر ان نسرين هناك بالفعل!...تصاعدت الدماء الى وجهها وهي تشعر به لايزال يحدق بها..ومن دون ان تنظر اليه علمت ان هناك ابتسامة مرتسمة على وجهه لاسيما مع هذا الاحمرار الذي يغزو بشرتها البيضاء..فأدرك فوراً كذبتها...فسمعت همسته الدافئة وهو يقول:

    ـ لن يخدش كبريائك شيء ان قلتي لي انك تودين قضاء الغد برفقتي ولن تذهبي اليهم!..

    التفت اليه بتلعثم دفعة واحدة وكادت ان تنطق كلمات مزيفة كي تخفي خلفها مشاعرها ولكنها اصيبت بالخرس فجأة وهي تلتقي بعينيه الدافئتين المكسوتان بحزن يحمل خلفه خيبة امل!...رأت الضيق بادياً على ملامح وجهه وهو يعيد ابصاره نحو التلفاز دون ان يعلق بشيء اخر....ارادت ان تنطق اي شيء...ان تخبره انه مخطئ..انها لاترغب بقضاء اليوم معه..هي متشوقة لترك الشقة...ولكنها لم تجرأ... قلبها المقبوض منعها من الكذب عليه!..
    اعادت رأسها ببساطة نحو التلفاز ليتابعانه كلاهما بصمت دون ان ينطق اي احد منهما حرف اخر..
    ولكن بالطبع ادم ومزاحاته المستمرة قد عادت بعد ساعة واحدة فقط...رغم انها تشعر ان هناك انسان مهشم بداخله يبكي طوال الوقت ألا انه لايبين ذلك ابداً...يتقمص دائماً دور الممازح الضاحك الذي تنسى كل الآمها معه...متمنية لو ان بأستطاعتها فعل اي شيء كي يتناسى هو الآمه معها..ولكن كل ماتفعله هو الاستمرار بجرحه..وكل مايفعله هو الاستمرار بمسامحتها!..

    خلدت تلك الليلة الى الفراش ومئات الافكار تغزوها جعلتها لاتبقى مستلقية بثبات لأكثر من خمس دقائق وهي تتقلب تارة على يمينها وتارة على يسارها وتارة تحيط رأسها بنفاذ صبر وكأنها تتوسله ان يتوقف عن كل هذا التفكير بدل ان ينفجر!...
    زفرت بضيق وهي تحول نظرها بأتجاه درج المنضدة المجاورة لسريرها وبعد تفكير يتراوح مابين العناد والضعف رفعت جسدها عن فراشها الدافئ وجلست لتفتح الدرج بتردد لتخرج كتاباً لم تكن مهتمة بقرائة محتواه.. بل بأخراج القصاصة التي تستودعها بين صفحاته لسبب تجهله...ولكنها قررت الاحتفاظ بها فحسب!..

    (جذب نظري في المتجر..وكنت متأكد انه لن يليق بسواكِ......آدم)..

    لاتعلم لما يرتجف قلبها كلما قرأت هذه الكلمات البسيطة المبعثرة فوق هذه القصاصة!.. هي مزقت الفسان الذي يرافق القصاصة..بل ومزقت كل الفساتين وباقي المشتريات من دون تردد...ولكن قصاصة الورق الصغيرة هذه تعجز بشدة عن التخلص منها....ولاتمل ابداً من قرائة كلماتها التي حفظتها عن ظهر قلب!.

    ردحذف
  67. ريم أتعرفين اين...

    فجأة انتفضت من مكانها واقفة بفزع مسرعة بأخفاء القصاصة خلف ظهرها من دخول آدم المفاجئ الى غرفتها!..بتر عبارته فوراً وقد جذب نظره مااخفته خلف ظهرها..بالطبع لم يتوقع ولو للحظة انها الرسالة التي كتبها اليها ووضعها مع الفستان..فهي اخبرته انها تخلصت من كل المشتريات فعل ستحتفظ بهذه القصاصة؟؟!..ولكنه شك للحظة انها لربما عادت لتتناول المهدئات من دون علمه وان ماخلف ظهرها هو احدى ادويتها قد اخفتها عنه!..
    اقتضبت ملامحه وفتح الباب اكثر ليدخل وشكوكه تتفاقم لاسيما مع توترها وارتجاف اطرافها وهي تنظر اليه بأرتباك وتقول بتلعثم:

    ـ لـ لما لم...لم تطرق الباب قبل دخولك؟!..

    فأجابها ببرود وهو يتقدم نحوها خطوات ثابتة زادت من ارتباكها:

    ـ ليست المرة الاولى التي ادخل من دون ان اطرق الباب!..

    ثم اردف فوراً بنبرة هادئة تحمل بعض حرارة استيائه الذي لايريد فقدان السيطرة عليه قبل ان يتأكد من ظنونه:

    ـ ماذا اخفيتي خلف ظهرك؟..

    هزت رأسها نافية فوراً وهي تزيد من القبض على الورقة بين يديها:

    ـ لـ لاشيء!..

    ـ ارني..

    فقالت بعصبية تحاول ادعائها لتخفي ارتباكها:

    ـ ألا ترى انك تتدخل فيما لايعنيك ياآدم؟!..

    فأجابها بنبرة اعلى قليلاً استوضحت من خلالها مدى استيائه:

    ـ لا...انا ارى نفسي امنعك من هدم كل مابنيناه!..

    قطبت حاجبيها بعدم فهم ليكمل هو موضحاً بغضب:

    ـ هل تحملين حبوب مهدئ خلف ظهرك؟!..

    فقالت بعصبية جادة هذه المرة من اتهامه:

    ـ ماهذه السخافة؟..انت تعلم اني بدأت اقلع عن ادماني منذ اكثر من ثلاثة اسابيع والتزم بجدول الدواء الذي تحدده لي..

    فهتف بها بنفس العصبية:

    ـ اذاً ماذا اخفيتي خلف ظهرك؟..

    لتزجره بحدة:

    ـ لاشأن لك!..

    فلما رأى عنادها وان النقاش معها عقيم تقدم نحوها خطوات سريعة عادت هي مثلها نحو الخلف ولكن المنضدة منعتها من التراجع اكثر لتتفاجئ بيداه تلتفان حولها وتسحبان القصاصة على غفلة من يديها..سحبها بيساره وامسك ريم بيمينه يمنعه من التقدم اكثر لتسحب القصاصة من بين يديه...لحظات لم يتجاوز فيها الوقت الثانيتان حتى انفرج جبين آدم المقتضب والتفت بذهول نحو ريم التي دفعت يده بعنف عنها وذهبت نحو سريرها تدعي انشغالها بترتيبه لتنام مجدداً وقالت بأقتضاب رغم خجلها الذي كاد ان يقتلها في مكانها:

    ردحذف
  68. يمكنك اخذها فأنا كنت سأتخلص منها بأي حال...تفاجئت بها بين اشيائي..يبدو لم انتبه اليها مسبقاً!..

    لم تسمع تعليقه فوراً..يبدو انه لايزال داخل ذهول الصدمة!..ثواني حتى شعرت بخطواته تقترب منها ليزداد قلبها انقباضاً اكثر..شعرت بصوته الدافئ على مقربة منها وهو يقول بهدوء:

    ـ ولكن.. لقد قلتي انك تخلصتي من كل فساتينك.. وانا متأكد اني وضعت هذه القصاصة مع احد الفساتين...فكيف تخلصتي من الفستان دون ان تنتبهي اليها حقاً؟!..

    اغمضت عيناها بتألم وضعف..أتكذب وهي تعلم انها مهما كذبت فأن كذبتها ستكون واهية ولن تتمكن حتى هي من تصديقها؟!..هل تقول الصدق؟..ولكن ماهو الصدق بالضبط؟..لما احتفظت بالقصاصة؟!..هي ذاتاً لاتعرف فبماذا ستخبره؟!..

    ـ ريم؟!..

    كان الطف صوت واحن صوت تسمعه ينطق اسمها منذ سنين...كان صوته مترجياً اكثر من كونه متسائلاً!...نبرة تتوسلها ان تفصح عن شيء يخمد به نيرانه التي تحرقه...ولكنها كانت اضعف من ان تنقذه...لذلك هي تشاهده يتعذب ببساطة!!..
    كست ملامحها بطبقة من البرود والغضب كي تخفي خلفها خجلها وارتباكها وهي تلتفت اليه..
    قطبت حاجبيها وهي تواجه عينيه المتوسليتن والمترقبين لجوابها وقالت بنبرة تعمدت جعلها حادة كي تخفي ضعفها:

    ـ آدم!...كل ماتظنه هو مجرد وهم تقنع نفـ..

    اخرست بقية حروفها فوراً وهي تنظر اليها بدهشة وهو يضع يده فوق فمها ليجعلها تسكت..حدقت داخل عينيه الباسمة من دون ان تتحرك مقدار انش واحد من الصدمة ويده لاتزال تغلق فمها يمنعها من الحديث ألا ان قال بدفئ وهدوء وابتسامة عذبة تزين ثغره:

    ـ دعيني اعيش في اوهامي اذاً...ولاتفسري لي اي شيء ارجوكِ!..

    ثم ابعد يده وهي لاتزال جافلة في مكانها من دون حركة تحدق بنقطة معينة في الجدار خلف كتفه وهي تشعر به ينحني بأتجاه سريرها يضع القصاصة بهدوء هناك ثم استقام ليتمعن في عينيها وهو يقول بذات النبرة العطوفة:

    ـ سأترك لكِ القصاصة لتتخلصي انتي منها!..

    ثم تركها متسمرة في مكانها من دون حركة وخرج من الغرفة ليغلق الباب خلفه بهدوء كهدوء تلك الابتسامة التي تحتل ثغره ولكن مناقضة لضربات قلبه المجنونة!...كان يعلم جيداً انها لن تتخلص من القصاصة...لذلك تركها لديها ببساطة ولم يبيقها عنده!..
    عاد الى غرفته والدهشة لاتزال تسيطر عليه كلياً..لم يستطع فعل شيء سوى الاستمرار بالابتسام وهو يتخيل انها احتفظت بالقصاصة طوال ذلك الوقت!..وكلما تخيل ذلك كلما ركل قلبه قفصه الصدري بعنف اكبر!!..

    "اجل اجل..اعدك اني لن اتأخر....حسناً حسناً مايا"..

    ايقظها صوته المتنقل في ارجاء الشقة من نومها الصباحي العميق...فتحت جفنيها بتثاقل لترمق الساعة المنضدية بنظرة سريعة كي تعرف انها لم تتجاوز الثامنة والنصف بعد!..
    دعكت جفنيها بأءابعها وقامت بتكاسل كي تلبس مئزرها البيتي فوق منامتها وفتح باب الغرفة لتجده انهى المكالمة لتوه مع مايا وقد تهيأ للخروج الى العمل وهو مشغول بضبط رباط قميصه وجمع اشيائه بأستعجال.

    ردحذف
  69. صباح الخير!..

    التفت الى صوتها الناعس بينما يجمع الاوراق داخل ملف واحد وقال فوراً:

    ـ صباح الخير...اسف ان كنت قد ايقظتك بصوتي وحركتي!..

    هزت رأسها نفياً بينما تقترب منه وهي تضم يديها الى صدرها تدفئ نفسها من اجواء الشقة الباردة:

    ـ لابأس...ولكن أليس من المفترض انك لن تذهب للعمل لليوم؟!..

    مط شفتيه بأمتعاض وهو يقول:

    ـ اجل..من المفترض ذلك!...ولكن مستثمرين الشركة الاخرى الذين عقدنا صفقة معهم سيحضرون الى الشركة اليوم ومطالبين انا ومايا بحضور الاجتماع معهم..

    شيء من الضيق تسلل الى صدرها وهي تدرك انه لن يبقى طوال اليوم معها ولكنها لم تبين ذلك وادعت البرود وهي تستمع اليه!..
    شاهدته يحاول اغلاق ازرار معصميه بأستعجال دون ان يملك السيطرة على اغلاقهن بشكل صحيح فتقدمت اليه بهدوء وسحبت يده ببساطة وهي تغلقهم من اجله..سلمها يده وهو يحدق بتفاصيل وجهها الهادئة بدهشة..خفق قلبه بجنون وهي تحوط معصمه بين يديها
    وتتصرف ببساطة كما لوانه شيء اعتادت على فعله دائماً!..
    انتهت مما تفعله ورفعت بصرها اليه لتقول بهدوء:

    ـ هل أعد لك الافطار؟!..

    تلعثمت كلماته يحاول استجماعها وتهرب منه الى ان قال واخيراً:

    ـ لـ لا..سأتأخر ان تناولته هنا...مايا احضرت معها وجبتين من اجلنا سأتناوله هناك معها..

    عصرت قبضتها كي تحافظ على ملامح وجهها جامدة لاتحمل اي ملامح تعكس مايعتمر بداخلها...استدارت عائدة نحو الغرفة وهي تقول بنبرة جعلتها هادئة وباردة قدر الامكان:

    ـ حسناً..سأعود للنوم اذاً!..

    دخلت الى الغرفة واغلقت بابها بهدوء وهو يحدق به بذهول...هل ماحصل قبل ثواني حقيقة؟!...نعم هو شيء عادي بالنسبة لبقية الناس...ولكن بالنسبة له..هو شيء يدفعه للأبتسام طوال اليوم!..هو شيء حوّل يومه الممل الى عالم وردي يحلق في سمائه بأجنحة يفردها على اوسعها!!...

    عادت للفراش..ارتمت فوق الوسادة.. ولكن جفنيها يرفضان ان ينسدلا فوق ذلك البحر الازرق!!....بماذا تشعر بالضبط؟!....لاتعلم!.. ولكن شيء بداخلها منقبض..بعض الضيق يبني عشّهُ داخل قفصها الصدري لاتعلم كي تنفضه..ولاتعرف سببه!!..
    لاتريد ان تفتقده في غيابه..ولكنها تفعل!
    لايهمها امر مايا..ولكن كل مايشغل بالها هو طبيعة العلاقة التي تربطهما!
    لابأس ان لم يتحدث اليها..ولكنها تريد سماع صوته!
    تناقضات عديدة كان صعب عليها ان تجعلها منطقية!!..

    اننظرت خروجه من المنزل كي تخرج من الغرفة..فهي ادركت انها بجميع الاحوال لن تعود للنوم وتلك الافكار تزدحم داخل عقلها!..
    اعدت لنفسها الفطار وتناولته بملل هذا اليوم وقد توقعت بالامس انها ستتناوله برفقته... نعم قد لاتفسر ان مشاعرها حب اتجاهه ولكنها لايمكنها نكران ان مشاعر الارتياح اتجاهه تغزوها!..
    انهت فطارها ولم تجد شيئاً لتفعله..لارغبة لديها للخروج من المنزل لذلك قررت شغل نفسها بداخله...نعم هي لاتنكر ان شقته مرتبة وانيقة..ولكنها تفتقد للمسات انثوية...لمسات لم تضعها ريم على اي شيء منذ سنين وتلك الانثى التي بداخلها تستصرخها بالخروج من هذه العتمة التي تسجنها بها منذ لاتعرف متى؟!..
    رفعت شعرها نحو الاعلى لتبدأ العمل الشاق!..
    كل شيء خضع"لأعادة الترتيب" حسب ذوقها..ولكنها بالطبع لم تجرؤ على دخول غرفته واكتفت بباقي اقسام الشقة!..
    ترتيب وترتيب..حملت هذا لتضعه هناك..وحملت ذاك لتضعه هنا..وتلك يجب ان تتوسط الصالة.. وهذه يجب ان تتخذ ركناً....لتقف في النهاية عند مكتبة صغيرة ذات ادراج لم تفكر بفتحها سوى الان...اخرجت منها صندوق خشبي متوسط الحجم ذو شكل مميز لم تره مسبقاً...فتحته بفضول لتجد مجموعة من الصور قلبتهم بين يديها وعينيها تتجولان فوق معالم الصورة لتقبض قلبها اكثر.... صور لذلك الطفل الصغير ذو الشعر الاشقر والضحكة البريئة.. تارة يلعب كرة..تارة نائم..تارة يحمله طفلاً اخر كان يبدو اكبر منه سناً..بالتأكيد هذا اخيه..هذا واضح من الطريقة التي يعانقه فيها وهو يحمله وذلك الصغير يضحك...لم تستغرق وقتاً في التفكير لتعرف ان هذين هما مصطفى وآدم!!..
    اغلقت فمها بيدها بقوة وسمحت لدموعها فقط بالافصاح عن نفسها وكتمت شهيقها جبراً!..
    تركت الصور جانباً لتتفحص باقي محتويات الصندوق..وجدت لعبة خشبية صغيرة رأت مصطفى يمسكها في احدى الصور...ولكن ماجعلها تنهار هو ذلك القميص المستكين في اخر الصندوق الذي يدل على نعومة صاحبه..قميص صغير الحجم رأت مصطفى يرتديه في اخر صورة له مع آدم!..
    ومن دون ارادة منها ضمت القميص اليها اكثر لتغزوه ببكائها وتشتكي اليه نيران الهبت روحها!.. نزف قلبها من اجله من دون ان تراه حتى او تستمع لضحكاته او تعش معه....فكيف بالذين عاشو معه؟!..
    كيف لطفل بريء كهذا ان يكون ضحية حقد جدها من دون رحمة؟!.....كيف عسى آدم ان يحبها وجدها هو من تسبب بمقتل هذه الزهرة الناعمة المسماة بـ"ممصطفى"؟!..كيف له ان ينظر في وجهها وجدها حرمه من ابيه!!..

    ردحذف
  70. مر وقت ليس بقليل وهي لاتكف عن اعادة النظر في الصور وبالاخص بذلك الصغير الذي يجبرك ان تقع في غرام ضحكته البريئة ويجعل روحك تتعذب وانت تتخيله بهذا العمر مغطى بدمائه ورصاصة قد اخترقت قلبه الصغير!!..
    اعادت الصندوق حيث كان وقامت لتغسل وجهها من اثار دموعها الحارقة!!..
    ساعتين او اقل حتى فتح آدم باب الشقة ودخل خطوة واحدة ونظر حوله بتعجب وهو يقول:

    ـ هل دخلت الشقة الخطأ؟!..

    تبسمت ريم رغم مابداخلها من ألم وقالت وهي تتصفح التلفاز:

    ـ فكرت بأعادة ترتيبها...اتمنى ان لايزعجك هذا؟!.

    رمى جسده بتعب على الاريكة بجوارها وقال:

    ـ بالتأكيد لا!...الان فقط احسست بالحياة تدب في اركانها!..

    سكتت لثواني وهما يحدقان في التلفاز من دون كلمة اخرى الى ان قالت:

    ـ لقد تأخرت اليوم!..

    اطلق تنهيدة ضجر قبل ان يجيب:

    ـ اولئك الحمقى من الشركة الاخرى لايكفون عن طرح الاسئلة ومناقشة الافكار..

    ـ وهل تناولت غدائك؟!..

    ـ اجل..عندما تأخر الوقت اقترحو علينا انا ومايا اكمال الاجتماع بينما نتناول غدائنا..

    كان اسم مايا كافياً ليجعلها تصمت غير راغبة في اكمال الحديث او التعليق بشيء!..
    ثواني حتى تصلب جسدها وارتجف قلبها وفتحت عينيها بدهشة وهي تشعر برأسه يستكين فوق كتفها..

    ـ أأ آد..

    قاطعها بهدوء وعيناه مغمضتان بتعب:

    ـ أيمكنني ان ابقى هكذا لخمس دقائق فقط.. ارجوك؟ِ!..

    لم تعلق بشيء..ولكنها لم تعترض..فأدرك انها قد وافقت!..رغم مشاعرها المتضاربة.. رغم عدم معرفتها بماذا تشعر بالضبط..ألا انه شعور مريح..شعور جميل على نحو غريب!
    مرت عليهما ثواني..دقائق..بل وتعدت الخمس دقائق دون ان يرفع رأسه ودون ان تطلب هي ذلك منه!...شعرت انها واخيراً قد فعلت شيئاً يجعله يشعر بالراحة..فليبقى على كتفها اذاً قدر مايريد...فهي ايضاً قد رحبت بهذه الفكرة وذلك الضيق الذي سبّبه بذهابه للعمل قد تلاشى الان بألتجائه اليها بتعبه!!..

    ـ آدم؟!..

    نطقتها بهدوء وتردد بعد عشر دقائق تقريباً فهمهم كأجابة من دون ان ينطق...سكتت هي لثواني اخرى قبل ان تقول وغصة تسد حنجرتها:

    ـ لقد....لقد رأيت ذلك الصندوق الخشبي.. الذي في درج المكتبة!..

    فتح عينيه يحدق حيثما وقع بصره وعقله ليس في هذا العالم على الاطلاق...مر عليه بعض الوقت من دون ان يتحرك او يرد بشيء لدرجة انها اعتقدت انه لن يجيبها الى ان قال بصوت اضعف من صوتها:

    ردحذف
  71. أحقاً؟!..

    ومن دون توقعها او توقعه وجدت نفسها تستكين برأسها فوق رأسه ليشعر بقطرات المياه الحارة التي تنزل من عينها لتتخلخل بين خصلات شعره القصيرة وهي تقول بهدوء من وسط دموعها:

    ـ اجل...رأيتك....ورأيته!..

    اغمض عينيه بقوة ودمعة ضعيفة تسقط من جفنه وحشر رأسه في كتفها اكثر وكأنه طفل صغير يلتاذ بأمه يشكو اليها ألمه بصمت!..
    بالكاد سيطرت على نبرتها المرتجفة وبكائها وهي تقول له بضعف:

    ـ أ..أسفة....آدم انا اسفة..أنا لا..

    قاطعها:

    ـ لاتقوليها مرة اخرى...لست انتي من فعلها..

    ـ ولكنه جدي!..

    رفع بصره اليها بتلك النظرات الدامعة والملامح المنقبضة:

    ـ اجل جدك...وليس انتي!!..لايهمني من فعلها من اسرتكِ..مايهمني انه ليس انتي!..

    لم تعلق بشيء..بل اكتفت ان ارتمت لتعانقه بقوة تبثه ندمها واسفها بطريقة اخرى..وكأنها تواسيه اكثر مما تواسي نفسها بهذا البكاء...تريد ان تعتذر ولاتعرف كيف..تريد ان تعبر عما بداخلها وتفشل..ولكنها ولسبب ما كانت مطمئنة من انه يفهمها تماماً..وكم احبت هذا الشعور!!..وكلما تخاطرت الى افكارها صورة مصطفى كلما ازداد بكائها.. وكلما ازداد بكائها كلما مسح على شعرها برفق اكثر وهو يقول بعطف:

    ـ كفي عن هذا البكاء...انا حقاً اكره رؤيتك تبكين!!..

    منحها بعض الوقت لتفرغ دموعها فوق كتفيه الى ان هدأت وابتعدت عنه لتمسح دموعها بأناملها الرقيقة وهي تقول في اثناء ذلك:

    ـ اسفة لأني تحدثت معك بهذا الخصوص..اعلم كم هو مؤلم هذا الامر...فأنا قد جربته!..

    شاركها بمسح بدموعها بأبهامه بلطف وهو يقول:

    ـ ان نتشارك بشيء ما لهو شيء جميل بالفعل.. حتى وان كان آلماً!!..

    تبسمت رغم دموعها وقالت بعد صراعات داخلية وتردد:

    ـ أ..أعتقد انه بأمكاننا ان نكون اصدقاء.. يمكننا ذلك صحيح؟!..

    اتسعت ابتسامته اكثر وهو يقول وابهامه لايزال فوق خدها:

    ـ وهل هذا شيء اجرؤ على رفضه؟!..

    ـ حتى بعد ان تتزوج...يمكننا ان نظل كذلك.. ولاداعي ان ننهي صداقتنا..فما فعلته من اجلي لايمكنني رد جميله اليك مهما فعلت!..

    تلاشت ابتسامته تدريجياً وانقبض قلبه مع كلماتها الاخيرة...اذاً هي لاتكن له سوى مشاعر الصداقة والامتنان..ولن يكون اكثر من ذلك...ولن تسمح له ان يفكر بأبعد من ذلك او ان يطمع بكسب قلبها....ففكرة الزواج لاتزال تستكين بعقلها بأصرار!..
    سحب ابهامه بتردد من فوق وجهها وهو يبقي عينيه داخل عينيها...كيف لهما ان تمتلكا هذا المقدار من السحر لجعله يقع بغرامها بهذا الجنون وتدفعه للتمسك بها اكثر رغم ابتعادها عنه اكثر؟!..
    تنهد بهدوء وابتسم بمرارة محاولاً اخفاء تضايقه عنها...فأن لم يكسب قلبها...لايريد خسارة صداقتها!..

    قام من مكانه يصارع من اجل ابقاء الكلمات في صدره لتحترق هناك ببطئ كباقي رفيقاتها كي لايجرح مشاعرها او يغضبها...منحها ابتسامة هادئة وهو يقول:

    ـ سأدخل لأستحم واغير ملابسي..ما رأيكِ ان تعدي لنا بعض القهوة كي نشربها سوية فصداعي يكاد يقتلني!..

    قامت من مكانها بأبتسامة وهي تقول:

    ـ حسناً..سأفعل..

    ـ ولكن لاتحرقيها..

    ـ آدم؟!..

    ضحك رغم ألم قلبه وهو يقول:

    ـ حسناً حسناً لن اعلق بشيء...

    ثم تركها ضاحكاً ودخل نحو غرفته...وياليته كان بأستطاعته الاستماع لنبضات قلبها المتراقصة والمتلهفة للجلوس معه..لكان قد تغير كل شيء...فحتى وان لم تدرك هي هذه المشاعر فكان هو سيصر على التمسك بها اكثر الى ان يجعلها تعترف بهذا!!..

    وقفت امام الطباخ وابتسامة لاتعرف سببها ترتسم بهدوء فوق شفتيها!...
    اطفأت الطباخ بعد عشر دقائق تقريباً واتجهت نحو الثلاجة لتخرج قنينة ماء لتشربها بينما دلف في هذه الاثناء آدم الى المطبخ يجفف شعره من قطرات المياه العالقة بخصلاته ويمسك هاتفه باليد الاخرى...ولكن بملامح جامدة ومتوجسة تحمل خلفها تردد..عكس الشخصية التي كانت بجوارها منذ دقائق...انزلت القنينة عن شفتيها وحدقت داخل عينيه المترقبة وقالت بأستغراب وهي تعرف انه يحمل بين طياته خبراً ما:

    ـ ماالامر؟!..

    انزل المنشفة عن رأسه وبلل شفتيه بلسانه يستعد بنطق كلمات كان يعرف رد فعلها جيداً اتجاهها...كان يحاول قدر الامكان ابقائها مرتاحة وسعيدة...ولكن القدر يخطط عكس رغباته!..

    ـ ريم...غداً..

    وبتر عبارته وهو ينظر لعينيها فقالت تستحثه على المواصلة:

    ـ اجل...؟!..

    ـ نحن..انا وانتي...مدعوين الى الغداء..

    ـ اين؟!..

    سكت لفترة اطول هذه المرة الى ان قال بتردد:

    ـ في...في منزل جدي!..

    انتظرت لثواني بينما تستوعب كلماته..وماان فعلت حتى انقبض قلبها وارتخى جسدها لتنساب قنينة المياه من بين قبضتها لتترك ذلك الصدى فوق الارض وتتناثر المياه وقطع الزجاج معاً وهي تنظر اليه بصدمة.....لتبدأ ثورة جديدة لم يخوضها مسبقاً مع ريم!

    لتبدأ ثورة جديدة لم يخوضها مسبقاً مع ريم!

    ردحذف
  72. كان صوت الزجاج فوق الارضية كافياً ليخرس الافواه ولتبدأ النظرات تحتدم ببعضها تفسر رد فعل الطرفين..
    بدأ وجهها الشفاف يكتسي بطبقة حمراء لم يراها تغزو ملامحها منذ اسابيع...انه غضبها الذي كان يتحاشاه!..
    قالت له بنبرة عصبية حاولت قدر الامكان ابقائها منخفضة:

    ـ هل هذه مزحة ياآدم؟!..

    تقدم لها خطوة وهو يقول بنبرة متوسلة:

    ـ ريم!...لقد طلبت جدتي مني ذلك..وانا لم ارفض لجدتي طلب في يوم!..

    فصرخت به بأنفعال:

    ـ هذه مشكلتك انت انك لاترفض لها طلباتها ولكني لست مضطرة ان اخضع لكم جميعكم ولن تجبرني على الذهاب!..

    ـ انا لااجبرك ياريم..انا اطلب ذلك منك..

    ـ وطلبك مرفوض ياآدم!..

    زفر بضيق محولاً بصره الجهة الاخرى محاولاً قدر الامكان ان يحتوي غضبها بدل ان ينفعل مثلها..عصر قبضته بقوة يفرغ بها شحناته المتوترة ثم التفت اليها بملامح جامدة وهو يقول:

    ـ لااريدك ان تجيبي الان انما فكري بالامر لعلك ستقتنعي!.

    تقدمت نحوه خطوات اخرى لتقول بعناد وغيظ:

    ـ لن افعل..ولن اذهب!..

    ـ لن نتأخر اكثر من ساعات قليلة..واعدكِ هذه ستكون المرة الاولى والاخيرة..

    ـ اخبرتك اني لن اذهب ياآدم ومستحيل ان اعدل عن رأي هذا!

    ـ انا اعلم ان الامر صعب فقد جربته..ولكنه ليس مستحيلاً!..

    ـ هكذا اذاً؟؟!!....لأنك دخلت الى منزلنا تريد اجباري الان ان ادخل منزلكم؟!..

    ـ ليس لـ..

    قاطعته بحدة:

    ـ ام حان الوقت لأرد لك افضالك بأطاعة طلباتك الغبية؟!..

    فتح فمه ليعلق ولكنه صمت فوراً مع كلمتها الاخيرة هذه وتغيرت ملامح وجهه فوراً لتلك الشخصية الغاضبة التي تبث الرعب بداخلها والتي لاتخرج ألانادراً!..
    تقدم نحوها خطوات سريعة ورفع يده يريد ان يمسكها بقوة ولكن قلبه لايطاوعه ان يقسو عليها لاسيما مع نظرة الخوف تلك التي تزايدت في عينيها ماان رفع يده....عصر قبضته بغضب ورفع اصبعه في وجهها مهدداً وهو يقول:

    ـ انتبهي لألفاظك معي ياريم...لم يجرؤ احد ان يحادثني بطريقتك او يقلل من احترامي مثلما تفعلين...لذلك لاتستغلي مشاعري لكِ!..

    ثم استدار بغضب وخرج من المطبخ قبل ان يفقد اعصابه بشكل اكبر معها!..
    ماان خرج حتى اطلقت انفاسها المرتجفة وتحرك جسدها المتصلب لتمرر اصابعها من بين خصلات شعرها بتوتر واستياء..
    انها في حالة غضب فظيعة لم تتعرض لها طوال حياتها...غضب ممزوج بغيض من امر ذهابها وندم بسبب ماتفوهت به!..
    دخلت الى الغرفة وعجزت عن البقاء ثابتة.. تتحرك ذهاباً واياباً من دون ان تجلس..احدى يديها تسندها على خصرها والاخرى تقضم اضافرها بفمها من شدة التوتر والتفكير!..
    نظرت الى صورة اخيها بينما كانت تسير وقالت بتذمر

    ردحذف
  73. انا لن اذهب..هذا مستحيل...انا بالكاد اعتدت عليه فكيف سأعتاد اسرته؟!..

    تخلخلت اصابع كلتا يديها بين خصلات شعرها وقبضت عليهن بقوة وابقتهما فوق رأسها وكأنه سينفجر ان ابعدت يديها!..
    اغمضت عينيها تحاول استجماع افكارها المتناقضة وازداد ضغط اصابعها على جمجمتها الى ان انزلت يديها بقوة ونفثت انفاسها بعصبية ومن دون تفكير او حتى ان تعرف لما هي تفعل ذلك وجدت نفسها تفتح باب غرفتها لتتجه الى غرفته!..
    طرقت بابه بشكل سريع وقوي واول مااطل عليها وجه آدم اطلقت كلماتها مرة واحدة تخشى حبسهم داخل صدرها فتقتلهم الى الابد تأبى اخراجهم:

    ـ سأذهب معك ولكن بشرط..

    اغرق يديه داخل جيوبه وقال:

    ـ تفضلي..

    ـ لااريدك ان تبتعد عني ولا حتى لدقائق..لااريد ان ابقى بمفردي بينهم!..

    ضم شفتيه ليكتم ابتسامته ثم قال وهو يتكأ بكتفه على الباب:

    ـ أهذه مكافأة ام شرط؟!..

    ـ انا جادة!..

    ـ وانا كذلك!..

    تنهدت بعمق لتقول:

    ـ أتعلم شيئاً..انت اكثر انسان متغـ..

    رفع حاجبيه بتحذير لتبتلع باقي حروفها بخوف وغضب واستدارت نحو غرفتها كطفلة متذمرة!..هز رأسه بيأس منها وهو يضحك ثم عاد لغرفته بأوسع ابتسامة ترتسم على وجهه بعد ان اعلنت قبولها وخضوعها له بشكل غير مباشر....هذه الريم بدأت تتغير بالفعل!..

    حل اليوم التالي بشمس مشرقة ولكن بنسمات باردة..الشتاء يبدو بارداً هذه السنة اكثر من غيرها!..
    دفئ آدم يديه بزفيره وهو يكورهما امام فمه بينما ينتظر اكتمال القهوة!..

    ـ صباح الخير!..

    نظر لها بأبتسامة وهو يقول:

    ـ صباح الخير!..

    نظر لها وهي تتجه الى الثلاجة ثم اعاد بصره للقهوة قائلاً:

    ـ ارتدي شيئاً دافئاً بدل منامتكِ هذه..قد تمرضين!..

    ـ لاتقلق..لاامرض بسهولة!..

    قالتها ثم ارتشفت الماء الذي اخرجته..اعادت القنينة حيث كانت واقتربت من الطباخ حيث يقف وقالت بينما تجهز كوبها:

    ـ أيمكنك ان تعد لي كوباً معك؟..

    وماان انهت جملتها عطست فنظر لها بلوم فوراً فلوحت بيدها وهي تقول:

    ـ حسناً حسناً سألبس ملابس دافئة..

    ـ من الاساس جهزي نفسك...سنذهب بعد نصف ساعة..

    ـ ولكني لم افطر بعد!..

    ـ سأعد لكِ شطيرة...لقد استيقظتي متأخرة ولم يتبقى سوى ساعتين على موعد الغداء..يجب ان نذهب قبل الموعد بساعة على الاقل..

    ردحذف
  74. تنهدت بضيق وهي تتجه الى الغرفة لتغير ملابسها..وقفت امام خزانتها محتارة بالذي سترتديه واخيراً استقر رأيها على بنطال من الجينز وبلوزة بنية ضيقة!....
    خرجت من الغرفة لتجده امامها يمد صحن الشطير اليها وماان مدت يدها لتأخذها حتى اعاد يده للخلف وهو يرمق ملابسها بنظر حادة فقالت بعدم فهم:

    ـ ماذا هناك؟!..

    فأشار بذقنه نحوها وهو يقول:

    ـ تنوين الخروج بهذه الملابس سيادتك؟

    نظرت نحو ملابسها تتفحصهم بعينيها ثم نظرت له وهي تقول:

    ـ ومابها ملابسها؟..

    ـ ألا تجدينها ضيقة؟!..

    ـ عفواً؟!...هل ستتدخل بملابسي ايضاً؟!..

    فقال بشيء من العصبية:

    ـ مادمتي زوجتي فنعم سأتدخل بملابسكِ ولن اسمح لكِ الخروج بهذه السخافة!...

    فأعادت كلمته بغضب:

    ـ سخافة؟؟!!.....منذ متى وانت تعترض على ملابسي بالضبط؟..

    ـ منذ اننا ذاهبون نحو منزل اسرتي انا حيث هناك ابناء عمي الكثر...ولسنا ذاهبون لمنزل اسرتك حيث لايوجد هناك شاب غريب!...وحتى امام ابناء عمكِ انتي غير مسموح لكِ ان ترتدي هذه الملابس ابداً....وادخلي لتغيريهم فوراً بدل ان افقد اعصابي..

    عصرت قبضتها بغيض وكادت ان تعاند ولكنها تراجعت...فهي لن تستطيع ابداً مجاراة عناده هو!..
    عادت الى غرفتها بقلة حيلة يشوبها غضب واستبدلت ملابسها هذه بفستان ازرق باهت يغطي ركبتيها وحذاء طويل يغطي ماتبقى من ساقيها ورفعت شعرها نحو الاعلى ليبرز جمالها المخبئ تحت خصلاتها الفاحمة!!..
    فتحت الباب لتجده في مكانه ينتظرها واول مااطلت عليه توسعت عيناه بذهول وهو يطالع جمالها ثم تمتم بتذمر:

    ـ لو ابقيتك على ملابسك القديمة لكان افضل لي!..

    ـ ماذا؟هل ستعترض على هذه ايضاً؟..

    تنهد بقلة حيلة وهو يناولها صحن شطيرتها ويقول:

    ـ يبدو ان النقاب هو الحل الوحيد الذي سيحل مشكلتكِ!..

    ثم تركها وسط علامات الاستفهام والتعجب ودخل الى المطبخ!..
    اكلت شطيرتها وتبعته لتجده يجهز لهما كوبين من القهوة فتناولت كوبها من امامه من دون تعليق وبدأت بأرتشافه فنظر لها بنظرات دافئة مع ابتسامة عذبة تحتل شفتيه جعلتها تتوقف عن احتساء القهوة لتنظر له بتساؤل وارتباك فقال فوراً بينما يقبض برفق على اصابع يديها:

    ـ شكراً لكِ ريم!..

    حاولت قدر الامكان ان تدعي الثبات امامه واوهامه ان يده الممسكة بيدها لاتؤثر بشيء على ضربات قلبها المجنونة..ولكنها فشلت!.. فقالت بينما وجنتيها تشعان احمراراً:

    ردحذف
  75. ـ عـ على..على ماذا؟

    ـ لأنكِ تفعلين هذا من اجلي!..

    فأشاحت ابصارها لأي مكان بعيداً عن تلك الفيروزيتين اللاتي يحدقن بها وقالت بتلعثم:

    ـ ليس..أأ أنا ليس..

    اكمل جملتها المبعثرة:

    ـ لم تفعلي هذا من اجلي؟!..

    نظرت اليه لتجد تلك الابتسامة الواثقة تزين ملامحه ليكمل فور ان التقت ابصارهما:

    ـ من اجل من فعلته اذاً ياريم؟!..

    لم تجد ماتعلق به..فأي كلمة منها ستكون غبية.. فمن اجل من قد فعلته لسواه هو؟!..
    ارتجف قلبها بين ضلوعها وهي تدرك ماتقحم نفسها به من مشاعر قد حرّمتها على نفسها لاسيما معه هو..فسحب يده من فوق اصابعه وقال بينما يتجه خارج المطبخ:

    ـ انهي قهوتك ووافيني الى السيارة..سأنتظرك هناك!..

    اول ماخرج ازدردت ريقها بصعوبة واصابعها لاتزال معلقة في الهواء وكأنه لايزال يمسك بها...حدقت بأناملها بأستغراب...وبأستنكار!.. تكره شعور الاطمئنان الذي يغزوها ماان يكون بقربها..تكره تلك النبضات الغبية التي تتزايد يوماً بعد يوم ماان تلتقي ابصارهما او يلمس اصابعها ليبثها ذلك الدفئ داخل جسدها البارد منذ سنين!!..انها داخل عالم فوضوي لاتعلم بدايته من نهايته!..

    احتست قهوتها ولكنها لاتزال تشعر بالارتعاش يهز لها اطرافها...ارتجاف ارتباك وخجل وليس برد!!..
    نزلت نحو السيارة لتجده قد انهى قهوته لتوه وهو يتحدث عبر الهاتف....انصتت جيداً بينما ترتدي حزام الامان...لم ترتخي عضلات جسدها المتشجنة ألا بعد ان ادركت انه يتحدث مع اخته سلوى..وليس مايا!..
    انطلقت السيارة وسط السكون الذي لايخترقه سوى صوت الاغنية...وهذه المرة ركزت في الاغنية التي دائماً مايشغلها آدم عندما تركب معه...لا تعلم أهو متعمد لتشغيل هذه الاغنية بالاخص عند ركوبها..او انه معتاد على ذات الاغنية!...ولكن ماتعرفه انها ركزت بها جيداً ليتم سحبها نحو عوالم اخرى من الرومانسية لم تطرق ابواب قلبها منذ سنين!!..

    ـ لقد وصلنا!..

    نطق هذه العبارة بعد نصف ساعة تقريباً لينقبض قلبها وتلتفت دفعة واحدة نحو ذلك المنزل القابع على يسار آدم....تسارعت انفاسها واصبح صوت زفيرها مسموعاً وانقبضت ملامحها المشرقة وهي تحدق بذلك المنزل وعيناها تجدح شرراً وومضة من الماضي تضيء في رأسها...ومضة تعود لثلاث سنوات مضت..

    ( وقفت ريم امام مراد بأنفاس متسارعة ودموع جفت من كثرة الهطول ووجه اختفت منه كل ملامح البراءة واللطف التي كان يحملها قبل ايام فقط!...ولكن موت هزيم جعلها تصبح شخصاً اخر خلال ساعات فحسب!!..
    كان افراد العائلة ينظرون نحوها مابين المتأسي لحالها ومابين البارد الذي لايهتم بما تعانيه هذه الشابة من فقد اخيها...ومابين الشامت ببكائها!!...ولكن مراد لم يكن اياً من هؤلاء...كان يقف امامها بصلابة يقدم يديه امامه ليرتكز على عكازه وخلفه يقف بعض ابنائه وينظر نحوها بجمود وهدوء غير مبالياً ولاغاضباً من صراخها عليه الذي يملأ المنزل منذ ساعة!!..
    تقدمت نحوه خطوة وهي بالكاد تلتقط انفاسها من العصبية ورفعت اصبعها امام وجهه مهددة بصوت يحمل كل الحقد خلفه:

    ردحذف
  76. ان كان جدي سمح لدم اخي ان يذهب هدر...فأنا لن اسمح بذلك...أتسمعني يامراد؟.. سأذيقك من ذات الكأس الذي اذقتني منه!..

    قال بهدوء لايناسب عصبيتها:

    ـ ايتها الشابة...تأكدي ممن قتل اخاكِ وبعدها ارفعي اصابع الاتهام هذه!..

    ـ انه واحد منكم ايها الاوغاد..ان كانت الشرطة صدقت نكرانك فمن المستحيل ان اصدق انا!!..

    لم يعلق مراد بشيء بل حول نظره بهدوء الى يساره حيث يجلس هناك ذاك الشاب الذي كان يبدو في حالة صدمة من شيء ما..شاب يرتدي الاسود وكأن العزاء في اسرته...ذلك الشاب الذي توسل جده قبل مقابلته لها ان يترفق بالحديث معها ولايسمعها مايجرحها......آدم!)

    ـ ريم؟!..

    صوت همسته ويده التي تقبض على يدها كانتا كفيلتان بأخراجها من دوامة ماضيها لتلتفت الي اليه وهو يقول:

    ـ أننزل؟!..

    اخذت نفساً عميقاً وفتحت بابها لتنزل..لم يتقدمها بخطوات بل فضّل ان يسير بجانبها ليدخلا معاً..
    فتح الباب ليدخلا معاً نحو الحديقة الضخمة حيث افراد الاسرة-لاسيما النساء- يجتمعون هناك!..
    شعر بأرتباكها من حركات يدها المتوترة فمد يده وقبض على يدها فنظرت له دفعة واحدة ليقابلها بأبتسامة وهو يقول:

    ـ اذاً..انتي بخير؟!..

    تبسمت وبعض الاطمئنان يتخلخل قلبها وبدل ان تسحب يدها قامت بشد قبضتها اكثر على يده لتمد نفسها ببعض الشجاعة لاسيما وان البعض بدأ يتوجهون اليهم!..
    كن بعض النساء تتقدمهم سلوى ورزان..هنا شعرت ريم ببعض الراحة انها تعرف اثنين على الاقل..سحبتها رزان اليها لتعانقها ولكنها ابقت يدها بداخل يد آدم وهي تلقي عليها التحية.. لما انتهت رزان نظرت نحو أدم وقرصته من خديه بقوة وهي تقول:

    ـ ارى ان وزنك بدأ يقل ياولد؟..

    فأجاب ممازحاً:

    ـ الامهات الطبيعيات يلقين التحية ويسألن عن الاخبار قبل ان يقسن اوزان ابنائهن...من اي كوكب انتي ياامرأة؟!..

    ضحكت وهي تضمه اليها وتقول:

    ـ من ذات الكوكب الذي رماك الينا!..

    كان دور سلوى لتعانق ريم وهي تبتسم من منظر يديهما المتعانقة..ولكنها لم تعلق بشيء خشية ان تصيبها بالاحراج..لذلك اكتفت بألقاء التحية والتعبير عن شوقها لها ولآدم...
    تقدمت الفتيات بمختلف الاعمار ليلقين التحية..مابين المراهقة ومابين الشابة ومابين التي بالكاد بلغت سنها العاشرة...كلهن لم يجذبن نظرها...بل واحدة من بين الجميع ركزت معها...كان سلامها بارد ولم تصافحها حتى.. ولكنها رغم هذا القت تحية شوق كبيرة وسلام خاص على آدم.....سوزان ذات ال24 عاماً!..بعد ان عانقت آدم التفت نحو ريم من دون قصد فوجدها تنظر اليه بحدة..اختفت ابتسامته فوراً مستغرب هذه النظرات....جعل النساء يبتعدن عنهما قليلاً ليسألها:

    ردحذف
  77. ماذا هناك؟!.

    سحبت يدها من يده وقالت وملامحها لاتزال متجهمة ونبرتها حادة:

    ـ لاشيء!....ولكني اتسائل متى سألتقي برأفت فحسب..

    قطب حاجبيه ليسألها:

    ـ ولماذا؟

    ـ لأعانقه كهذا العناق الذي منحته اياك تلك الفتاة!..

    سكت لثواني يحاول ضبط اعصابه ثم تبسم وقال:

    ـ جربي ذلك..

    ثم اختفت ابتسامته فوراً ليقول بأستياء:

    ـ كي أدعكِ تجربين شعور كسر العظام ايضاً!..

    كتمت ابتسامتها لاتريد ان تفسد غضبها امامه فأشحت وجهها لتتفاجئ بيده تقبض على يدها مرة اخرى ويسحبها معه وهو يقول:

    ـ دعكِ من سوزان ودعيني أخذك للأجمل منها!..

    قطبت حاجبيها وهي تتخيل فتاة شابة قد تكون ابنة عمه او ابنة عمته..قد تكون حازت على قلبه في يوماً ما ولكن زواجه منها منعه من زواجه بتلك...ولكنها رفعت حاجبيها بدهشة وهو يأخذها لأريكة في الحديقة تجلس عليها عجوز ذات وجه بشوش تستكين المسبحة بين يديها البيضاء..التفت اليه بتفاجئ لتجد تلك الابتسامة الدافئة التي تحتل ملامحه..فأدركت فوراً انها جدته رباب التي يعشقها!!..
    ماان اقتربا من الاريكة حتى انسابت اصابعه من بين يديها ليجلس بجوار جدته ويعانقها بقوة وهو يقول:

    ـ اشتقت لكِ كثيراً يافتاة!!..

    ضحكت وهي تقرصه من كتفه وتقول:

    ـ اخرس يااحمق!...ابتعد عني ودعني ارى تلك التي سلبت عقلك وجعلتك تنسى رباب!..

    عانقها بقوة اكبر وهو يقول:

    ـ لاشيء يشغلني عنكِ حبيبتي!..

    ـ متأكد؟!..

    ابتعد عنها قليلاً وهو يقول ممازحاً ليغيظها:

    ـ بالطبع لا..مابالك لايمزح معكِ احد؟!..

    ضحكت ريم على طريقة لقائهما فأشارت لها رباب ان تأتي وتجلس بقربها فأطاعتها ريم فوراً وجلست بقربها...نظرت نحوها رباب بأبتسامة دافئة ثم قبلتها برفق فوق جبينها وهي تقول:

    ـ ليحفظ الرب هذا الجمال الذي تملكيه ياصغيرتي!..

    انقبض قلب ريم وشعرت بغصة تسد حنجرتها من هذا اللطف الذي استقبلتها به عائلة آدم لاسيما جدته رغم ان ابنها وحفيدها قد ماتا على يد جدها....لطف لاتعرف بأي تصرف تقابله سوى انها ابتسمت بأمتنان لرباب وهي تقول بخجل:

    ـ شكراً لكِ سيدتي!..

    فسمعت ريم تنهيدة آدم العاشقة وهو يقول:

    ـ لو اني اعلم منذ البدء ان جدتي ستجعلكِ خجولة هكذا لأحضرتها لتسكن معنا في الشقة!..

    فنظرت ريم له فوراً بحدة تطلب منه ان يغلق فمه قليلاً ويكف عن هذه التعليقات ولكنه ابتسم واشاح وجهه الناحية الاخرى مدعياً عدم فهم المغزى من نظرتها
    وبالطبع لم يكف عن التعليقات بل وقد اكتشفت انه ورث هذه التعليقات من جدته..احدهما يطلق تعليق والاخر يجيبه لتغرق هي بنوبة ضحك صامتة تحاول قد الامكان كتمها ولكنها تفشل..وكلما فشلت كلما زادت سعادة آدم من سرعة انسجامها مع جدته.....ولكنها سعادة لم تدوم!..
    فسرعان ماتغيرت ملامحها بحظور جده يتبعه حمزة...حمزة الذي كان من المفترض ان يتزوج هو ريم وليس آدم!..
    شاهد سرعة تغير ملامحها فجأة فألتفت خلفه ليرى جده!..
    وقف هو وريم وكلاهما تحولا فوراً للجدية... صافح مراد آدم واستطاعت ريم بسهولة ملاحظة الاحترام المتبادل بين الطرفين!..ثم حوّل بصره نحو ريم..تبادلا نظرات جامدة لاتحمل اي تعبير من طرف مراد ولكنها تحمل الاستياء والبرود من طرف ريم!..

    مد يده اليها ليصافحها فأنزلت انظارها ببرود نحو يده ثم رفعت بصرها اليه بحدة وبعد مصارعات داخلية وتردد ونظرات مشجعة من آدم مدت يدها بأتجاه مراد لتصافحه!..قال مراد بهدوء:

    ـ اهلاً بك بيننا!!..

    شعرت بنيران تلهب روحها ماان صافحته وكرامتها تدعس تحت اقدامها...والاهم من ذلك صورة هزيم تحت ذلك المطر!..فسحبت يدها فوراً واغمضت عينيها بألم وهي تشيح وجهها جانباً..احترم مراد رد فعلها وتركها من دون تعليق اخر وجلس بجوار رباب...ابقت ريم عينيها مغمضة تحاول قدر الامكان السيطرة على مشاعرها وان لاتفقد اعصابها لتقلب الامور رئساً على عقب....في تلك اللحظة شعرت بما يشعر به آدم عند دخوله لمنزلها..ولكنه رغم هذا لم يبين هذا لها ابداً!!..
    أحست بأقترابه منها ولامس ذقنه جانب شعرها ويده امتدت بهدوء ليقبض على يدها يحاول اطفاء نيرانها وهو يعرف مايعتمر بداخلها فهمس لها:

    ـ هل كل شيء بخير؟!...أتريدين ان نرحل؟!..

    اخذت نفساً عميقاً واستدارت بوجهها اليه ليستكين ذقنه فوق جبينها وهي تقول له هامسة:

    ـ لا...لااريد افساد الامور بعد كل هذا!..

    تبسم بأمتنان وهو يقول:

    ـ شكراً لكِ عزيزتي!..

    كانت تلك المرة الاولى التي يناديها بهذا الشكل...كلمة ارجفت قلبها بقوة جعلتها تخمد كل تلك النيران التي اشعلها حضور مراد!!..
    ابتعد آدم قليلاً عنها ليذهب لمصافحة حمزة لتشعر بذلم الفراغ فوراً ويده تترك يدها... نظرت نحو حمزة الذي نظر نحوها بأزدراء واكتفى بالقاء التحية على آدم فقط دون ان يبالي بها...او حتى ان تبالي هي به!...

    ولكن هل هذا كل شيء؟!... وماالذي سيغيره حمزة من مشاعرها اتجاه آدم؟!... وكيف ستكون نهاية هذه الزيارة؟!..

    ردحذف
  78. كان وجود حمزة ومراد كافياً ليجعل آدم يسمح لأمه بأبعاد ريم عنه كي تنضم لهن!..
    جلست وسط النساء وهن يقمن بتحضير الدجاج فوق الشوايات اللاتي يصطفن في الحديقة وجلست في هذا الوقت تلاعب ريناد وتتبادل اطراف الحديث مع سلوى فأنضمت لهما في هذه الاثناء ريهام زوجة عم آدم...اظنكم تذكرونها؟..ريهام الفضولية الثرثارة؟!..

    ـ اذاً ياريم..كيف هي اوضاعك مع آدم؟!..

    اكتفت ريم بأبتسامة لطيفة وهي تجيبها:

    ـ جيدة!..

    ـ بالطبع ستكون كذلك..فلايوجد من هو الطف من آدم هنا..انه رجل بمعنى الكلمة!..

    داعبت هذه الكلمات قلبها وهي تشعر بهذا الاحترام الذي يكنه افراد العائلة لآدم وشعرت انهم بالفعل يعاملونه معاملة خاصة ويحترمونه احترام كان واضحاً منذ بدء دخوله!..

    ـ هل عرفتي من ذلك الشاب الذي كان برفقة السيد مراد؟!..

    نظرت ريم بأستغراب نحو جهة مراد وآدم لتقع عينيها على حمزة ثم اعادت بصرها نحو ريهام وهي تقول:

    ـ لا..لم اعرفه..

    فأجابت ريهام بأبتسامة غريبة:

    ـ انه حمزة!...الشاب الذي كان يفترض ان تتزوجيه لولا ان طلب آدم ان يتزوجكِ هو!!...

    أعادت انظارها من دون ارادة منها بأستنكار تطالع حمزة..شكله..هيئته..شخصيته.. كل شيء فيه لم يكن ينال استحسانها ابداً..وتحولت ابصارها في ذات اللحظة نحو آدم لينبعث الدفئ داخلها وهي تراقب طريقة حديثه مع جده وهيئته المرتبة وشخصيته القوية التي يفرضها على الجميع هنا...فنظر آدم اليها بالصدفة بينما يتحدث مع جده ليلاحظ تلك النظرات الدافئة التي تراقبه بها..تبعثرت الحروف فوق فمه وهو يراها تبتسم فجأة له قبل ان تعيد ابصارها نحو سلوى!..

    ـ عمتي ريهام اظن ان امي تناديكِ!..

    ادارت ريهام بصرها بأتجاه رزان ووجدتها مشغولة بترتيب الفحم فقالت سلوى فوراً:

    ـ اظنها تحتاجكِ..

    فقامت ريهام وقالت:

    ـ حسناً سأرى ماذا تريد..

    وماان رحلت ريهام حتى قالت سلوى بأبتسامة:

    ـ لو بقيت بجانبنا فلن تكف عن الثرثرة والاسئلة ابداً..

    ضحكت ريم على خطة سلوى واستغرقت ثواني من الصمت مدعية عدم المبالاة بالسؤال التالي الذي ستطرحه...التفتت اتجاه سوزان وقالت:

    ـ سلوى؟!..من تلك الفتاة؟!..

    نظرت سلوى حيث اشارت ريم ثم قالت:

    ـ اها...انها سوزان...ابنة عمنا!..

    همهمت ريم كأجابة ثم قالت بينما تشغل نفسها بملاعبة شعر ريناد

    ردحذف
  79. تبدو...تبدو مقربة منكما!..

    ـ ليست مقربة كثيراً مني ولكن علاقتنا جيدة نوعاً ما!..

    ـ و....وآدم؟!...

    عندها ادركت سلوى ماتحاول ريم الوصول اليه ولكنه حاولت قدر الامكان كتم ابتسامتها وهي تقول:

    ـ اكثر مني نوعاً ما..

    التفتت ريم اليها وهي تقول:

    ـ الى اي مقدار اكثر؟!..

    فنظرت لها بأبتسامة وضيقت عينيها بمكر وهي تقول:

    ـ أيهمكِ ان تعرفي؟!..

    تلعثمت ريم بحروفها الى ان قالت واخيراً:

    ـ بالطبع لا..كان فضولاً عابراً فحسب!..

    ـ حسناً ياسيدة فضولية..بأمكانك ان تسألي آدم الى اي مقدار قد وصلت علاقتهما...فهو الأدرى بعلاقاته..

    تعمدت سلوى عدم منح ريم الراحة بخصوص هذا الامر..هي امرأة ومشاعر كهذه تدركها بسهولة كغيرها...ريم سارت الخطوة الاولى في بدأ اهتمامها بآدم حتى وان انكرت ذلك!..
    لذلك فضّلت سلوى ان تدفعها نحو الخطوة الثانية بأساليب غير مباشرة!..

    ـ بماذا تهذيان منذ ساعة انتما الاثنان؟!..

    رفعتا كلتاهما رأسهما بأتجاه آدم الذي رفع ريناد من مكانها وبدأ بدغدغتها وملاعبتها..فقامت سلوى من مكانها فوراً بضحكة وسحبت ريناد من بين يديه وهي تقول ممازحة:

    ـ أذ لم تدرك فهذه التي بين يديك بشرية صغيرة..كف عن ملاعبتها كما لوكانت مصارع!..

    ثم نظرت نحو ريم لتكمل:

    ـ سأذهب لأطعام ريناد عن اذنك حبيبتي..

    تبسمت ريم بهدوء لترد:

    ـ لابأس عزيزتي!..

    رحلت سلوى متعمدة تركهما معاً بمفردهما من دون حتى ريناد!.جلس آدم بجوارها وهو يعانق قبضتيه مرتكزاً بمرفقيه على فخذيه ونظر نحوها بنظرة لطيفة وهو يقول:

    ـ اذاً...هل اعجبكِ المكان؟!..

    تبسمت ريم وهي ترجع احدى خصلاتها خلف اذنها..كعادتها عندما تخجل..وقالت:

    ـ اجل..يبدون لطفاء!....لاسيما جدتك!..

    ـ اجل..حتى بالنسبة لي انها اكثر من وقعت بغرامها..

    لم تستطع ريم ان تسأله بشكل مباشر عن سوزان فهو سيدرك الامر فوراً لذلك اتخذت طريقاً فرعياً وهي تقول:

    ـ لكن تلك الفتاة المدعوة سوزان على مايبدو ان وجودي هنا غير مرحب به بالنسبة لها!..

    فقال آدم فوراً بأعتراض:

    ـ من؟..سوزان؟!...هذا مستحيل!...انها لطيفة جداً ان تعرفتي عليها!..

    نظرت له نظرة امتعاض جانبية وهي تقول:

    ردحذف
  80. لاداعي لكل هذا الدفاع..انا لم اقل شيء يستحق!..

    ـ لست ادافع..انا احاول توضيح صورتها الحقيقية امامك كي لاتظني ان احدهم يمقتكِ او ماشابه!..

    ـ لايهم مااظنه عنها....فكما وعدتني هذه ستكون زيارتي الاولى والاخيرة..

    زفر بضيق وهو يقول:

    ـ لاتقلقي..لم انسى!..

    لم تشأ اغضابه او اثارة استيائه ولكن كلما حاولت تفادي هذا كلما وقعت فيه اكثر معه..
    بقيت ساكنة بقربة تراقب حركاته بسرية تامة تخشى من نظراتها ان تتعلق به لدقائق اكثر من ثواني فيفتضح امرها..ولاتعلم السر ولكنها وجدت نفسها سعيدة بشكل غريب ان آدم هو من تزوجها دوناً عن البقية!.

    ـ هل ستستمرين بمراقبتي بهذا الشكل؟!..

    ارتج جسدها بفزع وكأنه وجدها متلبسة بجريمة لاتغتفر وتأتأت بحروف غير مفهومة تجعلها فاشلة بأخفاء خجلها وارتباكها وهي تقول له:

    ـ أأأ أنا لست انظر..انت متـ متوهم!..

    نظر اليها بنظرة سريعة وعاد ليحدق امامه من دون تعليق....نعم..انه ذلك الصمت الذي يفجر به تلك السدود المنيعة التي تحجز غضبها!..

    ـ آدم...اعتقد ان عليك القدوم لمكتب جدي!..

    رفع آدم بصره ببرود اتجاه حمزة الذي يقف امامهما وحدق داخل عينيه من دون تعليق وكلاهما يتبادلان حروفاً صامتة عن طريق تلك النظرات وكأنهما يتقاتلان بعنف!..لم تفهم ريم سبب التغير المفاجئ هذا من آدم بأتجاه حمزة وقد كانا اعتياديان قبل قليل..ولكنها استنتجت ان حديثهما بقرب جدهما قبل قليل قد كان السبب في ذلك!..
    نهض آدم من مكانه ومن دون ارادة منه ومن دون توقع منها وجد نفسه يمد اصابعه ليلمس خدها برفق وكأنه يحاول طمأنتها بأبتعاده وهو يقول:

    ـ لن اتأخر!..

    علقت ريم ابصارها به متناسية مايدور حولها وكل ماتركز به هو تلك اللمسة الخفيفة فوق خدها التي اشعلت النار بوجهها!...
    سار مبتعداً عنها وعيناها تراقبه ولم ينتشلها منه سوى تلك الهمسة المحملة بأبشع انواع القسوة وهو يقول لها:

    ـ لو كنت انا مكانه...لكانت صفعتي الان مكان هذه اللمسة الغبية..

    جفلت مع جملة حمزة هذه ونظرت اليه بأستنكار دون ان تنكر ذلك الفزع الذي تولد بداخلها من كلماته تلك ونظراته!..
    قطبت حاجبيها بكره وهي تحدق بوجهه القاسي وقالت له ببرود وسخط:

    ـ اذاً من الجيد اني لم ارتبط بهمجي مثلك!..

    تقدم خطوة نحوها فقامت بفزع من مكانها وتراجعت خطوتين نحو الوراء ليصل صوته الى مسامعها ليجعل قلبها يرتجف بقسوة:

    ـ لست آدم لأحتمل حماقتك ولسانك السليط..لذلك اختاري كلامك معي بحذر!..

    ثم رمقها بنظرة حادة قبل ان يسلك الاتجاه الذي سار فيه آدم قبل ثواني...
    ازدردت لعابها بخوف وكرهت بالفعل غياب آدم من جوارها لتضطر لمحادثة امثال حمزة!..
    ماان رحل حمزة حتى اطلقت سراح انفاسها وتمتمت بسخط من هذه الزيارة التي لم تفضلها من البداية!..

    ردحذف
  81. بقيت جالسة بمفردها تكره الاختلاط بالاخرين لاسيما ان رزان مشغولة بالعمل وسلوى مختفية عن الحديقة قد اخذت ريناد نحو الداخل..ادارت ابصارها في الارجاء ليقع على رباب التي سارعت لتشير لها ان تأتي وتجلس بقربها!..قامت من مكانها بأبتسامة واتجهت نحو رباب لتجاورها في الاريكة فقامت الاخيرة بالقبض على يد ريم برفق وهي تقول:

    ـ اعلم ان مجاورة عجوز ليس بالامر الممتع ولكنه افضل من الجلوس هناك بمفردك..

    تبسمت ريم لتنفي كلامها فوراً:

    ـ بالعكس تماماً..يسعدني مجاورتك حتى لولم اكن اجلس بمفردي!..

    مسحت رباب على شعرها برفق وهي تتمتم بهدوء وشفتاها مرسومتان بأبتسامة بسيطة:

    ـ ليبارككِ الرب حبيبتي!..

    ثم اردفت فوراً بينما عادت اصابعها لتقلب حجرات المسبحة بين يديها:

    ـ قولي لي..كيف يعاملك ذلك الاحمق آدم؟!..

    ضحكت قبل ان تجيب:

    ـ انه لطيف معي!..

    ـ ان اغضبكِ في يوم اخبريني كي ألقنة درساً!..

    ثم اقتربت منها لتهمس لها بأبتسامة ماكرة:

    ـ مع اني لست واثقة من ان قلبه سيطاوعه ليؤذيكِ..

    احمّر وجه ريم اول ماادركت الى ماذا تلمح رباب وانزلت اصابعها نحو قماش فستانها تعبث به تحاول عن طريقه اخفاء عينيها المشرقتين!..
    اطلقت رباب تنهيدة ألم دفعت ريم للنظر اليها وهي تقول لها:

    ـ ياليت الامور لم تصل لهذا الحد...ياليت ماحدث لم يكن قد حدث!..

    رفعت ريم زاوية فمها بأبتسامة مريرة وهي تقول:

    ـ كلنا نعترض..ولكن القدر اكثر منا عناداً!..

    نظرت له رباب بنظرة عميقة وهي تقول:

    ـ ولربما كان القدر متعمداً جمعكما بهذه الطريقة...فالحب الذي يخلق من الالم يكون اقوى من ذلك الذي يزورنا بأوقات سعادتنا..

    اومأت نافية اقتناعها وهي تقول بأبتسامة:

    ـ لااظن ان التي مثلي قد تشعر بالحب... وعلاقتي انا وآدم لايمكن لها الاستمرار مهما حاولنا..

    ـ ان وقعتي بالحب ياصغيرتي لن تمنعك الاسباب ولن يوقفكِ المنطق....انتي ستغدين مجنونة....مجنونة بكامل قواها العقلية!..

    قلبت ريم بصرها داخل عيون رباب الباسمة وقد سحرتها تلك الكلمات ولكن رغم ذلك لايمكنها ان تصدق انها قد تقع بالغرام..لاسيما غرام آدم!.. انه امر من الاستحالة ان يحصل لها لذلك هذا الكلام مجرد اساطير منحوتة داخل القصص الخرافية التي لن تكون هي بالتأكيد اميرتها المثالية!..

    ردحذف
  82. رغم الاحاديث الممتعة التي خاضتها ريم مع رباب ولكنه غير قادرة على منع بصرها من التجول في الارجاء بين دقيقة واخرى مترجية ظهور آدم الذي اختفى منذ اكثر من15دقيقة!..

    ـ قومي لتناديه ياصغيرتي!..

    التفتت ريم اليها بأرتباك لتقاطعها رباب قبل ان تحيب:

    ـ لاشيء يدعو للخجل ان افتقدني زوجكِ عزيزتي..لذلك قومي لتجاوريه او تطلبي منه ان يأتي لمجاورتكِ...فهذا هو دخولكِ الاول الينا وبالتأكيد تحتاجين لمجاورة شخص تعرفيه جيداً ان احتجتي الى شيء قد تخجلين طلبه من البقية!..

    ارادت ان تعترض وتبين عدم اهتمامها بوجوده او عدمه..ولكنها لم تستطع!..انها بالفعل تريده ان يبقى بجوارها لتطمئن بدل بقائها هنا وحدها لاتعرف احداً المعرفة الجيدة!..
    تبسمت بأمتنان لرباب وهي تهب واقفة لتقول:

    ـ سأذهب لأعرف اين هو فقط فقد تأخر..

    اومأت رباب بأبتسامة من دون تعليق فشفاهها مشغولة بالتسبيح!..
    دخلت الى المنزل الذي لم يكن يحوي سوى بعض الاطفال مابين الذي يعلب ومابين من يطالع التلفاز واغلب البالغين في الحديقة يهيأون للغداء...كادت ان تسأل احدهم عن آدم لولا ان سمعت صوته الغاضب ينساب من احدى الغرف!..
    وقفت امام الباب لتنساب اليها الاصوات جاعلة يدها متجمدة في الهواء عاجزة عن اكمال طريقها لتطرقه من اجل رؤيته....لم تفهم جيداً ماقاله آدم بتلك النبرة الغاضبة ولكن عند وقوفها امام الباب كان اول من وصلها تالياً صوت حمزة المقيت وهو يتحدث لآدم بأستياء:

    ـ لقد رأيتك كيف تعاملها وأياك ان تنكر...انت لاتتصرف معها كما لوكانت دية لديك!..

    ليرد آدم بعصبية:

    ـ انا لاانكر هذا ولست متردداً من الاعتراف به..نعم انا اعاملها كزوجتي وستحترموها انتم كزوجتي دون ان يجرؤ احد منكم على الاساءة اليها بأي شكل من الاشكال وألا سيواجه عواقب غضبي في وقتها..

    ـ هل نسيت مافعلته اسرتها بنا؟..

    ـ اجل اسرتها...وليست هي!....ولست انت من مسموح لك معاقبتها..فالذين ماتا لايعنياك بقدر مايعنيناني انا..ولم يؤذيك فراقهما بقدر مااذاني...وانا قد صفحت عنها فما دخلك انت بالضبط؟!..

    ليرتفع صوت ثالث لم تعرف ريم لمن هو ولكنه بالتأكيد لأحد اعمامه او ابناء عمه:

    ـ بهذه البساطة؟!..تصفح عنها بهذه البساطة وكأن شيئاً لم يكن؟!....أتعلم شيئاً...انها افضل منك...فهي مخلصة لموت اخيها اكثر مما انت مخلص لأبيك واخيك...فهي لهذه اللحظة لاتطيق ان تنظر بوجهك او وجهنا وتعلن كرهها بنظراتها بكل صراحة...اما انت فتنظر لها كما لوكانت ملاكاً خطف انفاسك متناسياً كل آلامك...منذ متى اصبحت بهذا الضعف امام فتاة؟؟!!... وهل علي ان اذكرك ايضاً انها تنتظر زواجك بشوق من غيرها لتفارقك وتتخلص منك؟..هل تدرك كم تكرهك ايها الاحمق الذي يتعلق بها كالطفل الساذج؟!!..

    ردحذف
  83. ضربة قوية فوق سطح المكتب يليها صياح آدم:

    ـ نعم ادرك انها تكرهني..اعلم انها تنتظر ان اتزوج بغيرها ولكن كل هذه ليست اسباب منطقية لجعلي اكرهها!..هذه هي حياتي انا وغير مسموح لأحد بأملاء رأيه علي وتعليمي كيف اعيش مع زوجتي!..

    ـ بل مسموح لنا ان كان الطرف الاخر من حياتك هذه هي حفيدة ياسين!..

    ـ لقد تم زواجنا لننقذ الاسرتين من الدماء.. ألم نفعل ذلك؟!...فلما لاتزالون تحملون الحقد عليها وتريدون مني أذيتها؟!..ماالفائدة اذاً من زواجنا ان كانت الكراهية ستسمر بين الاسرتين؟!..الى متى علينا ان نعيش داخل مستنقع الانتقام الذي يسحبنا واحد تلو الاخر؟!..

    ـ انت تعـ..

    ليقاطع صوت مراد هذا المتحدث الاخير وهو يقل بحدة:

    ـ هـذا يــكفــي!!..هذا الموضوع غير مسموح لأحدكم مناقشته مع آدم من الان فصاعداً... هو الذي ضحّى من بينكم ليتزوج بهذه الطريقة ويعيش هذه الحياة...وهو الوحيد المسؤول عن اتخاذ قراراته بخصوصها!..

    سكون اختلج المكان فجأة لتهدأ زوبعة الصراخ التي احتدمت هنا منذ مدة!...لم يكسر هذا السكون مرة اخرى سوى صوت آدم وهو يقول بنبرة تحذيرية:

    ـ غير مسموح لأي احد فيكم ـ وانا اعني اي احد من دون اي استثناء ـ بأسماعها كلمة تجرحها او التعرض لها بأي شكل من الاشكال..وان تمت اهانتها بشكل مباشر او غير مباشر هنا فسأعتبر هذه الاهانة موجهة لي وحينها ليست ريم فقط من لن تدخل هذا المنزل مجدداً...بل وحتى انا!..

    وفجأة فتح باب المكتب على غفلة ليفزع جسد ريم وهي تحدق بأرتباك بوجه آدم الذي اطل عليها والذي بدوره انقشعت عنه حمرة الغضب فوراً وارتخت ملامحها وابصاره تتعلق بأبصارها بدهشة وتمتم بتلعثم:

    ـ مـ..منذ متى انتي هنـ..

    قاطعته فوراً بينما تشابك اصابعها ببعض من شدة التوتر:

    ـ كـ كنت قادمة للـ للبحث عنك!..

    ورفعت ابصارها بتردد نحو اولئك المجموعة في المكتب الذين يحدقون بها بنظرات بعضها لامبالية وبعضها حارقة..فأغلق آدم الباب خلفه فوراً كي لاتجرحها احدى نظراتهم وبقيا بمفردهما ليقول لها بهدوء معاكس لصراخه بهم قبل ثواني:

    ـ هل انتي محتاجة لشيء؟..

    ـ لا..

    ـ انتي بخير؟..

    ـ اجل..

    ـ تريدين ان نعود؟..

    ـ لا..

    ـ لما اتيت للبحث عني اذاً؟..

    ـ اعتقد ان هذا كان شرطي للقدوم وانت وافقت عليه..ان لاتبتعد عني حتى لو للحظة.. فلما لاتلتزم بوعدك معي؟!..

    تبسم بهدوء وهو يشابك اصابعه مع اصابعها ويسحبها ليسيرا معاً وهو يقول:

    ـ اسف سيدتي انها المرة الاولى التي اعمل فيها في الحراسة!..

    وبدل ان تسحب يدها من يده قامت بالقبض عليها بخفة وهي تجاوره في المسير وتقول بابتسامة:

    ـ من يراك الان لايصدق انك الشاب ذاته قبل ثواتي في المكتب معهم..

    تنهد بعمق وهو يتمتم:

    ـ اجل معهم...ولكن ليس معك!

    عندها قبضت على يده بشكل اقوى وصلبت قدميها فوق الارض لتتوقف وتوقفه معها... نظر اليها بأستغارب ونحو تلك العيون المغطاة بطبقة دمع خفيفة تجاهد بأبقائها حيث هي وقالت:

    ـ آدم؟!..

    حدق داخل عينيها بترقب دون ان يعلق بشيء لتكمل هي بمرارة:

    ـ اياك ان تقع بغرامي ارجوك!..

    وسع حدقتيه بدهشة لتكمل هي غير منتظرة منه تعليق:

    ـ اتفقنا ان نكون اصدقاء...لذلك لاتفكر بي اكثر من هذا القدر ولاتقع بغرامي..فهذا سيؤذيك!.. فأنا لن استطيع مبادلتك المشاعر!..

    تبسم بهدوء وهو يجيب:

    ـ اعلم..

    ـ ولاتتوقع ان الزمن سينسيني رويداً رويداً لأقع في غرامك في المستقبل..

    ـ اعلم..

    ـ وحياتك معي لن تكون بتلك السعادة التي تتوقعها..

    سكت هذه المرة ولم يعلق لتعيد هي جملتها بأصرار اكثر هذه المرة:

    ـ لذلك ارجوك لاتقع في غرامي!..

    اقترب منها واغمض عينيه بألم ليهمس في اذنها قائلاً:

    ـ ان كنتِ تعرفين طريقة لجعلي اكف عن حبكِ فرجاءاً علميها لي.....فأنا معذب بالفعل!..

    ازدردت ريقها بصعوبة واحس بأرتجاف اصابعها بين قبضة يده فتبسم وهو يستقيم من انحنائه وقال:

    ـ لا اريد خوض هذا النقاش معكِ ارجوكِ... لستِ مضطرة ان تبادليني مشاعري ولست مضطرة على تقبل هذه المشاعر..ولكن لاتمنعيني من الشعور بها ارجوكِ...ولاتقلقي حبي لكِ لن يؤثر في وعدي الذي قطعته لكِ من امر زواجي...وماان اجد الفتاة المناسبة حتى سأرتبط بها وارحل!..

    شيء ما اعتصر قلبها بقوة منعها من التعليق بشيء واجبرها على الانقياد معه وهو يسير ويسحبها من يدها ليكملا طريقهما!..

    بالتأكيد كان يوماً طويلاً..اختلطت فيه مشاعر ألم وارتياح معاً...اشخاص احبت التواجد معهم..واشخاص رفضت حتى رمقهم بنظرة..ولكن الاهم من بين الجميع كان ذلك الذي لم يبتعد عنها مجدداً...ذلك الذي آلفت قربه بشكل غريب وكرهت ابتعاده بشكل اغرب!....لم تدرك ان عالم الاساطير بأمكانه ان يصبح حقيقة دون ان تدرك ذلك!!

    ردحذف
  84. كانت السيارة هادئة لاتحتوي سوى عطاس ريم الذي ينطلق بين لحظة واخرى ونظرات آدم التي تمزج القلق مع اللوم في طياتها وهو يلتفت اليها في كل مرة تعطس فيها متجنباً ملامتها الان ثم واخيراً لم يتحمل السكوت اكثر وقال لها موبخاً:

    ـ اخبرتك ان لاتبقي بملابسك تلك في هذا الجو قارص البرودة!..

    مسحت انفها بالمنديل لتجيبه بصوت شبه مبحوح:

    ـ انا بخير..انه مجرد عطاس ياآدم لاتبالغ!..

    ـ وان مرضتي؟..

    ـ اخبرتك اني لاامرض بسهولة..

    ـ أأنتي جادة؟؟...هذه الفتاة ستدفعيني لفقدان عقلي بالفعل!...لقد ملأت سيارتي بجراثيم عطاسها وتقول انها لاتمرض بسهولة!!!...

    ـ وهل ستصاب سيارتك بالعدوى مثلاً؟!..لأني في الحقيقة لم اشاهد سيارة تعطس من قبل... ولكن من يعلم!..قد تكون سيارتك غريبة مثلك!!..

    اطلق ضحكة مصطنعة ليسخر منها وهو يردف:

    ـ يااللهي ما كل هذه الظرافة!!...امعائي ستتمزق من الضحك!..

    ثم ضرب جانب رأسها بأصبعه وهو يقول:

    ـ صاحب السيارة هو من سيصاب بالعدوى يا ظريفة!..

    وقبل ان تجيبه قطع حروفها عطستين متتاليتين ليردف هو فوراً:

    ـ حسناً لن اتحمل اكثر..سأخذكِ الى المستشفى!

    فرفعت حاجبيها بدهشة وهي تلتفت اليه قائلة:

    ـ أأنت جاد؟!...وستخبرهم بماذا؟!..زوجتي تعاني من العطاس؟!..

    ومع انطلاق كلمة"زوجتي" من بين شفاهها من دون وعي منها اصدر قلبه وخزة كهربائية لجميع انحاء جسمه جعل ابتسامة غير ارادية تظهر فوق شفاهه هو!!..
    اكتفى بالصمت يحاول شد كل حواسه نحو ذلك الشعور اللطيف الذي غزا ثناياه..نحو تلك النسمات الدافئة التي عصفت بقوة داخل روحه!
    لفت صوتها انتباهه مجدداً وهي تقول:

    ـ خذني الى الشقة فأنا متعبة جداً واريد ان ارتاح!..

    ـ هل أغير طريق مدينة الملاهي اذاً؟..

    نظرت له بعدم فهم ليضحك هو ويقول:

    ـ واين تريني اخذك غير الشقة ياذكية؟..

    كتمت ضحكتها بزفير حنقها المصطنع وهي تقول:

    ـ كنت اقصد لاتأخذني الى المستشفى... يااللهي!!..لو فقط تكف عن هذه التعليقات الساخرة!..

    وقبل ان يجيبها قطع عليهما حديثهما صوت رنين هاتفه لتكون المتصلة مايا...لتزفر ريم هذه المرة بحنق جدي!...

    ردحذف
  85. اجل مايا..كيف حالك؟...اجل عدنا لتونا منهم..

    عصرت قبضتها لتحافظ على اعصابها..هل كانت تعلم بأمر زيارتهم؟ وهل يخبرها بكل شيء ولايقتصر الامر على العمل فقط؟!..وعادت لتركز في حديثه تحاول التقاط كلمات لتجمع الاستنتاجات الشيطانية في عقلها!..

    ـ اجل...اها...نعم نعم..وهل حضرو؟!.. جيد...20دقيقة بينما اوصل ريم وأوافيكِ الى مكاننا المعتاد!..

    نظرت له ريم نظرة جانبية حادة كادت ان تحرق وجهه بها دون ان تدرك بالتحديد ماالذي يدفعها لهذا القدر من الغضب!!..اعادت ابصارها امامها ونفثت انفاسها بقوة وهي تكتف يديها امام صدرها كمن خاض شجار عنيف لتوه!..

    لاحظ وجوم وجهها وصمتها المفاجئ فسألها بعد دقائق من انهاء المكالمة مع مايا:

    ـ أأنتي بخير؟..

    اجابته بأقتضاب:

    ـ ولما لااكون كذلك؟!..

    ـ لااعلم..ظننت هذا!..

    لتردف بأجابة بعيدة تماماً عن السؤال:

    ـ انا جائعة!..

    رفع حاجبيه بأستغراب من طلبها هذا ولم يمضي اكثر من ساعتان على تناولهما الغداء!..فأعاد طلبها بتأكيد:

    ـ جائعة؟؟!!..

    ـ اجل..

    ـ حـ..حسناً...سنصل للشقة وأعدي لنفسكِ شيئاً..

    ـ ولكني قلت لك اني متعبة!..

    ـ حسناً..وماذا تطلبين مني الان؟..تريدين ان أعد لكِ الطعام؟ ام انك تطلبين مني احضاره لك من المطعم مثلاً؟..

    ـ انت مخير في ذلك!..

    نظر نحو ساعته وهو يتنهد ويتمتم ببضع كلمات فهمت من خلالها ان فعل ذلك سيتأخر مع موعده مع مايا....وهذا ماارادته بالضبط!..
    ادار عجلة القيادة يريد تغير اتجاه السيارة فمنعته من ذلك بنبرتها المعترضة:

    ـ ماذا تفعل؟!..

    اوقف السيارة في وسط الطريق وقال بعدم فهم:

    ـ أخذك نحو المطعم كي اشتري لكِ وجبة ما!..

    لتجيبه ببرود وعدم مبالاة:

    ـ للمرة الثالثة...انا متعبة!...اوصلني نحو الشقة واحضر لي الطعام!..

    استدار بنصفه العلوي نحوها وهو يضيق عينيه بتساؤل ويقول:

    ـ متى موعد انتهاء صلاحية العقد؟..

    سألته بعدم فهم:

    ـ اي عقد؟!..

    ليمط شفتيه ساخراً ويقول:

    ـ الذي عقدته مع سيادتكِ للخدمة!..

    تبسمت وهي تعيد ابصارها امامها وتقول بثقة وهي تعلم جيداً اجابته:

    ـ حسناً...ان كنت سأأخرك عن موعدك فأوصلني الى الشقة فحسب ولااريد طعام..

    ردحذف
  86. ليطلق تنهيدة طويلة وهي يعيد السيارة نحو اتجاهها الاول ويقول:

    ـ حسناً حسناً...انتظريني ولاتنامي سأحضر الطعام لكِ!..

    ادارت وجهها نحو نافذتها كي تخفي عنه ابتسامة الانتصار والزهو تلك التي ستحتل كل انثى في موقف كهذا....ولكنه لن يحتلها مالم يكن الطرف الاخر رجل يهمها امره!!..

    وصلا الى الشقة لتنزل هي بينما ينطلق هو نحو المطعم كي يحضر طلبيتها التي لم تكن لها رغبة بها من الاساس..ولكنها الوسيلة الوحيدة التي تمتلكها!..
    انتظرت في الصالة موعد قدومه وعقلها يتراقص بالافكار عكس جسدها الثابت...قد يحضر الطلبية ويكون لديه الوقت ليصل على الموعد مع مايا...ما الفكرة الاخرى التي ستتبعها؟!..بل ولما هي من الاساس مصرة على تأخيره؟..مع هذا السؤال الاخير تلاشت ابتسامتها شيئاً فشيئاً وهي تدرك الان فقط مافعلته....ومااحست به!....ولكنها بشكل ما احبت هذا الاحساس...ولابأس احياناً من معاندة عقلنا لنرضي قلبنا....فالجنون مطلوب لتحويل الامور الى المنطقية!..

    فتحت باب الشرفة وخرجت لأستنشاق الهواء ورغم برودته فقد انعشها بشكل ما واسرى رعشة خفيفة في اطرافها جعلت شعيرات جسدها تقشعر تطالبها بالدفئ الذي منحتها اياه عن طريق فرك يديها ببعضهما!..

    كثير من الاشياء لم تكن تبالي بهن من قبل ولكن الان احبتهن بشكل ما!.. بعض الامور تتغير بشكل بطيء وتدريجي بداخلها دون ان تدرك ذلك ألا بعد ان تقارن نفسها القديمة بنفسها الجديدة!..تغيير احبته بطريقة ما ولكنها خافت منه في الوقت ذاته!...تخشى من مشاعرها..وتخشى من مشاعره التي تضعفها!..تخشى ذلك الاهتمام الذي يمنحه لها من دون مقابل...فهذا هو السبب الذي جعل قلبها يتحرك بين فترة واخرى!

    ـ اجل..هذا بالضبط ماكان ينقصكِ!..

    التفتت بفزع نحو آدم الذي لم تدرك بالضبط متى عاد فسحبها من مرفق يدها وهو يدخلها ويقول:

    ـ أذ لم تصابي بالزكام بشكل كافي في الصباح فستصابين به الان من وقوفك في الشرفة وسط هذا البرد!..

    ثم ناولها كيس الطعام قبل ان يترك لها مجالاً للكلام واتجه نحو غرفته ليخرج منها قرص مدمج وخرج منها متجهاً نحو الباب وهو يقول:

    ـ سأذهب الان...وداعاً!...

    بقيت واقفة كالبلهاء تحدق بهذه الزوبعة قصيرة المدى الذي دخل على غفلة وخرج فجأة!..
    انزلت ابصارها نحو الكيس بخيبة امل وهي ترى خطتها قد فشلت ولم تكن كافية لأبقائه معها في المنزل!...ربما لو انها تصارحه بشكل علني بتلك الاحاسيس الغريبة التي بدأت تنتابها بشأنه....لو انها اخبرته انها تكره كثرة لقائه بمايا...لوانها اخبرته انها تريد بقائه بقربها....لربما كان معها الان دون ان تلتجأ الى هذه الطرق الفرعية التي تبوء بالفشل!.. ودون ان تضطر ان تأكل اغلب قطع البيتزا التي احضرها الان كي لاتثير شكوكه بأبقاء الطعام كما هو....ولما كانت قد احتاجت لثلاث اقراص من الدواء لتعالج سوء الهضم الذي اصابها بسبب التخمة!!...

    ردحذف
  87. ماالداعي لكل هذه العصبية؟...انتي ذاتاً مريضة ونائمة ولم تعدي العشاء لتغضبي الان بسبب تركي له!...انا ذاتاً من عرضت على مايا ان نتناوله سوية في المطعم فلم اشأ ارهاقكِ بأعداده وانتي متعبة اليوم!..

    فسحبت يدها بعصبية منه لترد بعناد:

    ـ وانصحك بعرضه عليها غداً ايضاً فأنا لن اعد اي وجبة غدا!ً..

    وحاولت مرة اخرى تخطيه ولكنه اعادها ايضاً وهو يهتف بها بذات عصبيتها:

    ـ ريـــم!!...لاداعي ان تحوّلي كل الايام الجميلة في بادئها الى كابوس في نهايتها وانتي تختلقين اعذار واهية لتتشاجري معي فقط!!..

    فصرخت بوجهه بنفاذ صبر وهي ترفض البوح له بالحقيقة وتعجز عن تحمل العقبات بعدم فهمه:

    ـ لست اختلق اعذاراً واهية!..

    فقال ساخراً:

    ـ اذاً ماذا؟..تغارين مثلاً؟!..

    ولكن ملامحه الساخرة بهتت فوراً وهو يلاحظ ذلك التوتر الغريب الذي احتل عيناها فجأة!..فقطب حاجبيه بعدم تصديق واقترب منها خطوة وهو يعيد كلامه مؤكداً:

    ـ لحظة....هل تغارين؟!..

    واستمر تحديقها به لثواني وكل ثانية تمر تزيد
    دقات قلبه جنوناً متمنياً لو ان اجابتها تكون "اجل"!...

    ـ كفّ عن هذه الافكار السخيفة آدم!...اخبرتك اني لن احمل لك اي مشاعر في يوم..وبالتالي بالتأكيد لن اشعر بالغيرة عليك!..

    كان كبريائها كافياً ليمنحها الثبات المناسب امامه ويجعله يصدق ماتقول..وشكرت الرب في لحظتها انه غير قادر على سماع ضربات قلبها التي ستجعله يفهم تماماً ماتحاول انكاره حتى عن نفسها!..
    بدأت ملامحه تتغير شيئاً فشيئاً وكلمة واحدة لها صداها في اذنه.."افكار سخيفة"..مهما فعل ومهما حمل لها من حب فهي لن ترى ذلك سوى"افكار سخيفة"...

    لم يعلق بشيء وفهمت من تعابيره انها تمادت في جرحه هذه المرة فأبتعلت باقي حروفها وطعنات خفيفة تلكز لها قلبها تؤنبها على كثرة اغضابه..وكثرة مسامحته لها!..
    اكتنف الصمت المكان لعدة ثواني الى ان قال ادم بصوت حاول قدر المستطاع جعله هادئ كي لاتصلها حمم براكينه:

    ـ اعذري مشاعري" السخيفة" واستنتاجاتي الغبية!..

    ثم تركها ودخل غرفته مغلقاً الباب خلفه بعنف جعل جسدها يهتز فجأة بفزع!...هذا الشاب بالفعل يتغير كلياً عندما يغضب!..
    عضت شفتها السفلية بلوم واغمضت عينيها بندم وهي تهمس لنفسها مؤنبة:

    ـ ألم تكن الـ"نعم" ستحل كل شيء ايتها الخرقاء؟!!..

    ثم زفرت بحنق ودخلت الى غرفتها وشيء مايعصر قلبها جعلتها لاتنام بأطمئنان...ولولا الحمى التي عصفت بجسدها واضعفته لتنام بسرعة لكان الارق قد اصابها لساعات وساعات طويلة!!..

    ردحذف
  88. اشرقت صباح اليوم التالي دون ان تملك القوة الكافية لتبرز من بين الغيوم الكثيفة وتقهر هذا البرد القارص..استيقظت من نومها ولفت حول نفسها مئزر قطني كثيف لتدفئ جسدها الذي وعلى مايبدو ان الحمى قررت احتلاله لوقت اطول وبشكل اقوى!..
    قامت من سريرها ليختل توازنها فجأة فأستندت على المنضدة لتمنع جسدها من الهبوط ارضاً..عادت لتجلس مرة اخرى بينما تستعيد تماسكها وهي تفرك صدغها بأصابعها لتزيل صداعها القوة ولتتفاجئ بسخونة بشرتها!!...
    قامت مرة اخرى بروية كي لاتصاب بالدوار مجدداً وخرجت من الغرفة وهي تضم يديها لصدرها تحافظ على جسدها دافئ!..
    وجدت آدم يقف امام شاشة التلفاز يرتشف بعض الشاي الساخن ويتابع نشرة الاخبار...استنتجت من بلوزته الصوفية التي تغطي رقبته وبنطاله البيتي انه لاينوي التحضر للخروج نحو العمل..التفتت بأتجاه الساعة لتجد انه من الاساس قد مر الكثير على موعد ذهابه..اقتربت الى ان وصلت بجانبه وقالت بصوت هادئ يحمل خلفه مقدار خمولها:

    ـ صباح الخير!..

    اجاب من غير ان يلتفت:

    ـ صباح الخير!..

    ـ ألن تذهب للعمل اليوم؟!..

    ولازال يصر على ابقاء تلك الفيروزيتين معلقة بشاشة التلفاز من غير ان يلتفت اليها:

    ـ نشرات الاخبار أكدت على عدم التجول بسبب الامطار الغزيرة التي ستهطل بعد قليل..لذلك اليوم عطلة رسمية!..

    ـ آدم؟!..

    همهم كأجابة وهو يتابع مايقوله المذيع..فعادت مرة اخرى لتناديه فألتفت اليها ولكنها لم تتحدث فوراً فقال:

    ـ ماذا؟!..

    ـ انظر الي عندما اتحدث اليك!..

    ثم تركته وسط استغرابه واتجهت الى الحمام وقد اشبعت ناظريها بتلك الفيروزيتين اللتان حرمهما عنها منذ البارحة!..حرك رأسه بيأس وابتسامة مترددة تظهر فوق شفتيه وهو يتمتم:

    ـ ستجعليني افقد عقلي بالفعل ايتها المجنونة!..

    مضت دقائق اخرى خرجت فيها ريم من الحمام وعادت لتستلقي بكسل فوق الاريكة تود لو انها تكمل نومها من شدة خمولها..فرجت جفنيها قليلاً وهي تسمع صوت آدم يتحدث اليها:

    ـ ألن تفطري؟!..

    اجابت بضعف:

    ـ قليلاً فقط واقوم..خمس دقائق فحسب!..

    زفر بضيق وهو يتقدم اليها وجلس القرفصاء بجانب اريكتها لتستشعر برودة يده فوق جبينها جعلت قلبها يضخ الدم بقوة وهو يحرك كفه فوق جبينها وعلى خديها واخيراً قال بأستياء:

    ـ حرارتك مرتفعة!..ألم تأخذي دوائكِ البارحة؟!..

    اجابت بهدوء:

    ـ لقد نسيت!..

    زفر بضيق وهو يتذمر قائلاً:

    ـ لو كنت اعتني بطفل لكان اطاعني اكثر منك!ِ..

    ردحذف
  89. لتجيب بحدة:

    ـ لم اطلب منك ان تعتني بي!..

    وفجأة توسعت حدقتيها بدهشة وتشنج كامل جسدها وهي تستشعر انفاسه تتخلخل خصلات شعرها بينما يهمس لها:

    ـ اعلم...ولكن مشاعري"السخيفة" تمنعني من اهمالك!..

    وتعمد وسط صوته الدافئ ان يؤكد على كلمة "سخيفة" ليثبت لها اكثر ان هذه الكلمة رغم بساطتها في النطق قد سببت جرحاً مؤلماً في داخله...مسح على شعرها برفق وهو يقول لها بينما ينهض:

    ـ ابقي نائمة...سأعد لكِ الفطور!..

    واول مااحست بأبتعاده وقعت دمعة ضعيفة من جفنها وضمت شفتيها الى بعضهما تمنع صوت بكائها من الارتفاع...انه بالفعل لايستحق معاملة كهذه منها!..

    دقائق اخرى أحست بجلوسه على طرف الاريكة يحمل في يده شطيرة البيض وكوب الشاي..وضعهن فوق المنضدة وساعدها في الاعتدال بجلستها وقدم لها طعامها..تمتمت بينما تأخذ الشطيرة:

    ـ شكراً لك..

    ـ طعاماً هنيئاً!..اكمليها وتناولي دوائك!..

    ـ حسناً..

    وبدأت تأكل شطيرتها بينما هو يعبث بحاسوبه بجانبها لاتفصل بينهما سوى بضع انشات..
    مرت ساعات اخرى بهدوء وآدم لازال يجلس على الاريكة وريم مستلقية على ذات الاريكة..التفت اليها بعد ان انهى عمله فوجد جبينها يقطر العرق بغزارة فزع من مكانه فوراً وامتدت يده اليها ليجد ان حرارتها بأرتفاع متزايد!.. أبعد الغطاء قليلاً عنها ومسح على خدها برفق بينما يناديها بهدوء:

    ـ ريم؟..ريم؟..أيمكنك سماعي؟..

    حاولت اجابته ولكن حروفها خرجت بأنين بينما عينيها بالكاد مفتوحة تنظر اليه..

    ـ حرارتك مرتفعة جداً..دعيني اخذك الى المستشفى!..

    اجابته بصعوبة:

    ـ ألم يفرضو..حظر التجول؟..

    لعن من بين اسنانه وقد نسي تماماً امر الامطار الغزيرة التي تهطل في الخارج والتي يكون القيادة فيها امر شبه مستحيل...اسرع الى المطبخ وملأ اناء حديدي بالماء وقطع الثلج وعاد اليها بسرعة ليصنع لها كمادات...وضع واحدة فوق جبينها وواحدة حول رقبتها وابعد الغطاء عنها كي لاتزيد حرارتها وبدأ بتمرير قطع الثلج اسفل قدميها...بدأ جسدها يرتعش من البرد وتأن بألم تحاول تدفئة نفسها وتفشل بينما هو يشجعها على المقاومة قائلاً:

    ـ تحملي قليلاً حبيبتي...فقط قليلاً!..

    غير الكماداث ثلاث مرات ورغم تشنج يده من البرد ألا انه استمر بأمساك قطع الثلج لتمريرها على اقدامها لعل حرارتها تنخفض..ولكن لافائدة..كانت في تزايد...ارتعب وهو يضع يده على جبينها ليكتشف انه اصبح كجمرات متقدة..قام من فوره بأتجاه هاتفه ليتصل بوالدته..تحرك ذهاباً واياباً دون ان يملك القدرة على البقاء ثابتاً من شدة توتره واول ماوصله صوتها قال دفعة واحدة بنبرة تحمل كل القلق:مي..ريم مريضة ماذا افعل؟..لقد احضرت العلاج وحرصت ان تتناول طعامها..لقد وضعت لها الكمادات ولكن لايبدو..

    .

    ردحذف
  90. فقاطعته رزان فوراً:

    ـ لحظة لحظة على مهلك ياعزيزي لاافهم شيئاً..

    ـ ريم...ان حرارتها مرتفعة..ماذا افعل؟..لقد وضعت لها الكمادات ولافائدة..وقطع الثلج ايضاً لافائدة..ان حرارتها في تزايد وانا قلق جداً عليها!..

    ـ أهي مرتفعة كثيراً؟..

    ـ اجل..لدرجة اني سأفقد عقلي ان استمرت هكذا!..

    ـ حسناً عزيزي اهدأ ولاتقلق..قم بملئ حوض الاستحمام بماء بارد وضع فيه بعض قطع الثلج وادخل جسدها فيه لمدة عشر دقائق على الاقل!..

    فهتف بها فوراً:

    ـ افعل ماذا؟؟!!...هل تدركين برودة الطقس؟ وتريدين ان اضعها في ماء بارد؟..

    ـ عزيزي جسدها حار ولاطريقة اخرى لخفض حرارتها سوى هذه..لاتقلق لن يحصل لها شيء..ارتفاع الحرارة اكثر قد يكون له نتائج سلبية تضرها لذلك لاتسمح لعاطفتك بالتأثير عليك ان طلبت منك اخراجها او ارتجفت..فلتتحمل قليلاً كي تشفى!..كنت استخدم هذه الطريقة معك انت واختك وهي طريقة فعالة جداً!..

    تردد آدم في القبول ولكنه خضع لهذا في النهاية فلايوجد لديه حل اخر!..
    ملأ حوض الاستحمام وقلبه يؤلمه وهو يستشعر برودته ويتخيل وضع ريم فيه بعد دقائق وهي لم يكن بأمكانها تحمل حتى ابعاد الغطاء عنها!..
    احضر بعض قطع الثلج من الثلاجة واغرقهن في الحوض لتزداد برودته ثم اغلق الصنبور وخرج نحو الصالة حيث حبيبته ترتجف هناك فوق الاريكة...مسح فوق شعرها برفق وهمس لها:

    ـ عزيزتي؟...سأحملك الان نحو الحمام...اريدك ان تتحملي قليلاً..اتفقنا؟..

    ثم وضع يد تحت ركبتيها واخرى تحت عنقها من الخلف وحملها بين يديه بينما جسدها ينكمش اكثر وتضم يديها ورأسها الى صدره اكثر لتستشعر بعض الدفئ...وصل الى الحمام وضمها اليه اكثر كي يسيطر على حركة جسدها من رد فعلها المتوقع!...انزلها بهدوء داخل الماء لتصدح شهقة فزعها في ارجاء الحمام وارتفعت يديها لتتعلق برقبته اكثر تحاول رفع نفسها عن الماء..فقال بينما ينزلها اكثر:

    ـ اششش...اهدأي حبيبتي...تحملي قليلاً من اجلي لتكوني بخير..

    بكت بألم وهي تتوسله بضعف وصوت مرتجف:

    ـ آدم ارجوك...انا اشعر بالبرد..

    ادخل جسدها تماماً داخل الحوض ولكنها لم تبعد يديها من حول رقبته فأنغمست يديه معها داخل الماء واحاط ظهرها ليعانقها ويبث لها بعض الشجاعة بينما يقول:

    ـ فقط تحملي قليلاً...اعلم انك تتألمين..ولكن عليك ان تتحملي!.

    ازداد ارتعاشها وتقطعت انفاسها وهي تشعر ان رئتيها توقفتا عن العمل وتشنج جسدها بالكامل..هناك سكاكين وهمية تطعن سائر جسدها تبثها ألم مضاعف عن سابقه..انها برودة لايمكن لجسدها ان يتحملها..ولكنها تحملتها... تحملتها طالما آدم يضمها اليه..هي ستتحمل!.
    لم يستطع تحمل انينها وارتجافها لمدة عشر دقائق لذلك اخرجها قبل ذلك الوقت...حملها بين يديها لتبلل له ملابسه بالكامل دون ان يهتم بذلك..اخرجها نحو الصالة ووضعها مجدداً على الاريكة وذهب مسرعاً نحو الموقد ليبث النار فيه واسرع نحو غرفتها كي يحضر لها رداء قطني اخر وغطاء صوفي اكثر سمكاً..عاد اليها ليحملها مجدداً واجلسها على الارض قرب الموقد..البسها الرداء القطني وهي تسند جبينها على صدره عاجزة حتى عن رفع رأسها ولاشيء يصدر منها سوى الانين..دثرها بردائها جيداً ثم لف الغطاء الصوفي حولها وضمها اليه وبقي بجوار الموقد كي تحظى بالدفئ...وماهي ألا ثواني حتى غطت بنوم عميق بسبب مسحه بلطف فوق شعرها جعل الخدر يدب في اوصالها الضعيفة من الاساس بسبب الحمى!..
    بقي جالس في مكانه يضمها اليه من دون حركة توقظها واستمتع بشعور انتظام انفاسها بين يديه واطمأن قلبه وهو يستشعر انخفاض حرارتها تدريجياً بين فنية واخرى...اغمض عينيه براحة واستند بذقنه فوق قمة رأسها وزاد من قوة ضمها اليه!..
    ساعة كاملة وهما على الوضع ذاته الى ان بدأت ريم بالتحرك فأدرك انها استيقظت..فتح عيناه يحدق بأبعد نقطة عن مد بصره وقد تأكد من استيقاظها..ولكنها لم تتحرك..ولم تبتعد عنه..تبسم براحة وقال لها بهدوء:

    ـ انتي بخير؟!..

    زادت من اغراق جسدها بين يديه كطفلة صغيرة تطالب والدتها بالدفئ..فلم يبخل عليها بأحكام يديه حولها اكثر لتهمس له:

    ـ اجل..افضل بكثير الان..

    وبقيت على وضعها من غير ان تسحب نفسها من بين يديه فلاتريد ان تفقد هذا الدفئ لتلفحها برودة الجو..ثواني من الصمت حتى قالت:

    ـ آدم؟!..

    همهم كأجابة لتردف:

    ـ لم اكن اقصد مافهمته!..

    صمت هو لثواني معدودة قبل ان يقول بذات هدوئه:

    ـ وماذا قصدتي اذاً بتلك الكلمة؟..

    احس برأسها ينغمس اكثر فوق صدره ويديها تقبض على قميصه وهي تغمض عينيها لتكمل:

    ـ لايهم ماقصدته..المهم انه ليس مافهمته!..

    احست بأرتفاع صدره بقوة ثم زفير هوائه الحاد من فوق رأسها فعرفت مدى تضايقه ولكنه رغم ذلك قال:

    ـ حسناً..لاتشغلي بالك بالامر كثيراً..

    ردحذف
  91. لم يستطع تحمل انينها وارتجافها لمدة عشر دقائق لذلك اخرجها قبل ذلك الوقت...حملها بين يديها لتبلل له ملابسه بالكامل دون ان يهتم بذلك..اخرجها نحو الصالة ووضعها مجدداً على الاريكة وذهب مسرعاً نحو الموقد ليبث النار فيه واسرع نحو غرفتها كي يحضر لها رداء قطني اخر وغطاء صوفي اكثر سمكاً..عاد اليها ليحملها مجدداً واجلسها على الارض قرب الموقد..البسها الرداء القطني وهي تسند جبينها على صدره عاجزة حتى عن رفع رأسها ولاشيء يصدر منها سوى الانين..دثرها بردائها جيداً ثم لف الغطاء الصوفي حولها وضمها اليه وبقي بجوار الموقد كي تحظى بالدفئ...وماهي ألا ثواني حتى غطت بنوم عميق بسبب مسحه بلطف فوق شعرها جعل الخدر يدب في اوصالها الضعيفة من الاساس بسبب الحمى!..
    بقي جالس في مكانه يضمها اليه من دون حركة توقظها واستمتع بشعور انتظام انفاسها بين يديه واطمأن قلبه وهو يستشعر انخفاض حرارتها تدريجياً بين فنية واخرى...اغمض عينيه براحة واستند بذقنه فوق قمة رأسها وزاد من قوة ضمها اليه!..
    ساعة كاملة وهما على الوضع ذاته الى ان بدأت ريم بالتحرك فأدرك انها استيقظت..فتح عيناه يحدق بأبعد نقطة عن مد بصره وقد تأكد من استيقاظها..ولكنها لم تتحرك..ولم تبتعد عنه..تبسم براحة وقال لها بهدوء:

    ـ انتي بخير؟!..

    زادت من اغراق جسدها بين يديه كطفلة صغيرة تطالب والدتها بالدفئ..فلم يبخل عليها بأحكام يديه حولها اكثر لتهمس له:

    ـ اجل..افضل بكثير الان..

    وبقيت على وضعها من غير ان تسحب نفسها من بين يديه فلاتريد ان تفقد هذا الدفئ لتلفحها برودة الجو..ثواني من الصمت حتى قالت:

    ـ آدم؟!..

    همهم كأجابة لتردف:

    ـ لم اكن اقصد مافهمته!..

    صمت هو لثواني معدودة قبل ان يقول بذات هدوئه:

    ـ وماذا قصدتي اذاً بتلك الكلمة؟..

    احس برأسها ينغمس اكثر فوق صدره ويديها تقبض على قميصه وهي تغمض عينيها لتكمل:

    ـ لايهم ماقصدته..المهم انه ليس مافهمته!..

    احست بأرتفاع صدره بقوة ثم زفير هوائه الحاد من فوق رأسها فعرفت مدى تضايقه ولكنه رغم ذلك قال:

    ـ حسناً..لاتشغلي بالك بالامر كثيراً..

    ـ أ..ألست غاضب مني؟..

    ـ لست كذلك..

    ـ آدم؟..

    ـ نعم..

    ـ لاتغضب مني..

    تنهد قبل ان يجيب:

    ـ أيمكننا ان لانتكلم في الامر الان؟!..

    ـ أدم؟......انا اسفة!..

    خفق قلبه بقوة وهو يلتمس اعتذارها الصادق للمرة الثانية...فـ"اسفة" هي احدى الكلمات المحرمة التي لاتنطقها ريم بسهولة..احست بضغط يديه حولها اكثر وذقنه يستند على قمة رأسها وهو يقول لها هامساً:

    ـ تعلمين كم انا ضعيف امام هذه الكلمة!..

    تبسمت وقالت:

    ـ هل هذا يعني انك سامحتني؟..

    ـ وهل اجرؤ على ان لاافعل؟!..

    كانت تعلم انه قد سامحها بالفعل...ورغم انها ارادت ذلك بشدة ألا ان الامر كان يؤلمها بشدة اكبر..مسامحته تلك التي يغرقها بها تجعلها تعيش حالة صراع داخلي لاتحسد عليه!..

    حل المساء والمطر قد قرر واخيراً ان يرتاح قليلاً!..
    عادت القوة بالشكل الكافي لجسد ريم سامحة لها ان تنهض لتغير ملابسها وتستلقي على سريرها لتكمل نومها بعد ان تناولت العشاء منذ فترة مع آدم!..
    فتحت عيناها بقوة في منتصف الليل وهي تستمع لصوت الرعد وشاهدت البرق يضيء غرفتها..قامت مفزوعة من فراشها وحدقت بنافذتها برعب وذكريات سوداء تتوافد الى رأسها...انها تكره بشدة هطول المطر اثناء الليل..تكره ذلك الشعور الذي يكتنفها من الخوف يجعلها تغدو كالمجنونة...تبكي فوراً..تعجز عن التنفس...يتخيل لها دم هزيم يغطي لها جسدها وملابسها!....كتمت فمها فوراً بيدها تمنع صرخة الجزع تلك..لتغتسل اصابعها بدموعها الغزيرة!..
    فتحت اضواء غرفتها ولكن الخوف لايزال يدب في اوصالها...سابقاً كانت تلتجئ لغرفة ميسم تعانق سامي وتغفو بجواره..فلايوجد طريقة اخرى لينسدلا جفناها وتخضع لسلطان النوم...والان تحتاج الى اي احد بجوارها... تحتاج آدم!..
    حملت وسادتها وغطائها وخرجت من الغرفة على اطراف اصابعها..فكبريائها لايزال يمنعها من طلب المساعدة او التجائها اليه بشكل علني!..
    فتحت باب غرفته بهدوء شديد واقتحمت ابصارها الارجاء الى ان وقعت على وجه آدم يغط بنوم عميق..شجعها هذا ان تفتح الباب اكثر وتدخل بروية الى ان وصلت بجانب سريره فوضعت وسادتها ارضاً والتحفت بغطائها جيداً كي تقي نفسها من برودة الارض..عندها فقط شعرت بأطمئنان عندما احست به على مقربة منها..واول مااغلقت جفنيها رفع رأسه ليطمئن انها نائمة بشكل جيد...فهو قد استيقظ منذ ان دخلت ولكن لم يشأ اشعارها بهذا فهو اكثر الناس معرفة بكبريائها..أعاد اغماض عينيه بأبتسامة دافئة وهو يراها يوم بعد اخر تعتاد وجوده في حياته وتتقبله بشكل ايجابي..

    ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
    متشووووووقة لرأيكم

    ردحذف
  92. كيف تعرف انك وقعت بالغرام؟؟!!!!.... لاتتفائلو بالمعرفة..لاتتحمسو للأجابة...فأنتم لن تعرفو ابداً!..وان عرفتم فوراً ففي الحقيقة انتم لستم واقعين في الغرام بالفعل!..
    ستجد نفسك تعيش داخل تناقضات تجعلك متوتر ومشدود الاعصاب بشكل غريب...ستضحك لسبب تافه..ولكن ستبكي لسبب اكثر تفاهة.. هذا ماسيراه الناس..دون ان يعرفو ان ذكراه دفعتك للأبتسام والشوق اجبرك على البكاء!..
    ان نقع في الغرام هو ان نهتم بتفاصيل تافهة لانهتم بها مع سواه...ان تغضبنا اشياء لاتستحق وتفرحنا اشياء بدون معنى!..
    ستلتقي اعيننا لتوصل احاديث مكتومة نخشى الافصاح عنها..لذلك من يتجنب النظر اليك اعلم انه واقع بغرامك بشدة ويخشى من عيناه ان تفضحاه!...ستجده شديد..ولكنه يصبح ضعيف امامك!...عنيد..ولكنه يطيعك!...يحب الصمت.. ولكنه سيعشق الثرثرة بجوارك!....الحب عبارة عن تناقضات جميلة ومشاعر غريبة تجتاحنا ليعصف بداخلنا شيء نختبره للمرة الاولى.....نبضات!!..

    (نزلت ميسم من سلم البناية المتواجدة فيها شقتها..بناية لطيفة..ولكن ليست فخمة بكل تأكيد!..بناية تعكس بوضوح الحالة الاجتماعية المضطهدة التي يعيشها اصحابه!..
    انشغلت بوضع اشيائها الاخيرة داخل الحقيبة لتحكم اغلاقها جيداً قبل ان تنطلق مسرعة بأتجاه المتجر قبل ان تتأخر وتنال ثرثرة ليست بحاجة اليها من مديرتها منذ هذا الصباح الباكر!..

    ـ صباح الخير!..

    التفتت دفعة واحدة بأتجاه هزيم الذي يقف بجوار سيارته امام بناية شقتها..رغم نبضات قلبها التي تسارعت بمجرد رؤيته ألا انها لم تتفاجئ بهذا الظهور..فهي معتادة على ظهوره فجأة امامها كل يوم على مدار شهر كامل..في مركز التبضع،في معرض الفنون الاخر،في الساحة العامة،هذا من غير ظهوره اليومي في المتجر!..
    مطت شفتيها بملل ثم زفرت بتضايق وهي تكتف يديها لصدرها وتقول:

    ـ انت بالفعل عنيد..أليس كذلك؟!..

    اقترب منها وهو يدس يديه داخل جيوبه وقال بأبتسامته العذبة وهو يغوص داخل عينيها بشوق وكأنه لم يراها منذ سنة وليس وكأن اخر لقاء جمعهما كان في الامس!!..
    قال بعد ان وصل اليها:

    ـ لقد حذرتك من اني اكثر انسان عنيد ستقابليه في حياتك!..

    قاومت بشدة تلك المشاعر ورفضت ان تسيطر عليها بأي شكل من الاشكال لذلك ابقت ملامحها جامدة خالية من اي ابتسامة وقالت بنبرة تحمل بعض الاستياء:

    ردحذف
  93. ـ سيد هزيم..وانا اخبرتك منذ البداية ان الطريق الذي تسير فيه لانهاية له وانك ستتعب كثيراً.. لذلك انصحك بالاستسلام والبحث عن غيري..

    ـ في الحقيقة حاولت..ولكن القياسات قد نفذت!..

    فقالت بنبرة اكثر حدة:

    ـ هزيم انا جادة!..

    ندمت فوراً على فقدان اعصابها وهي تشاهد ابتسامته تتوسع اكثر ليقول:

    ـ واخيراً لفظتي اسمي من دون "سيد"!... يااللهي!..اول مرة ادرك ان اسمي جميل هكذا!..من الان فصاعداً سأسعى دائماً لأغضابك لأسمعه منكِ!..

    اشاحت وجهها جانباً لتتحكم بأرتباكها قليلاً ثم اعادت بصرها اليه وقد شاهد بعض الالم داخل عينيها وهي تقول بترجي:

    ـ سيد هزيم...انا اتوسل اليك ان تتركني وشأني..

    سكت هو لثواني هذه المرة لتشاهد انعكاس آلمها داخل عينيه ايضاً وهو يجيبها بنبرة لاتحمل اي نوع من المزاح:

    ـ أتظنيني لم احاول؟!..

    صمتت تاركة المجال له ليتحدث من دون ان تقاطعه..فقال بأبتسامة يسخر بها من نفسه:

    ـ حاولت ذات مرة...اردت ان اتأكد من طبيعة مشاعري نحوك..ربما هي مجرد اعجاب..ربما لااحمل لكِ هذا الحب الذي اتخيله والذي لااعرف مصدره ولاسببه..

    ثم اقترب خطوة اخرى منها يقلب عينيه داخل عينيها ليكمل بهدوء:

    ـ هذا الحب الذي لم يصيبني طوال حياتي..والذي لم اتوقع ان له وجود في الواقع..لم اتخيل ان النظرة اكثر من كافية لتجعلني اغرق فيكِ اكثر!..

    تحولت نظراته لدفئ اكثر وهو يرفع يده ببطئ نحو وجهها ولكنه اوقف اصابعه على مقربة من خدها ولم يلمسها..عصر قبضته بقوة واعاد لينزل يده غير سامحاً لضعف مشاعره ان تغضبها..فأكمل:

    ـ لذلك..حاولت شغل نفسي في العمل لمدة يوم كامل..حاولت بشدة ان لااراكِ...ولكني لم استطع...هناك شيء ماينقصني اذ لم اراكِ..اشعر بفقدان شيء..اشعر ان يومي غير مكتمل..

    لم يتسطع اخفاء الحزن بنبرته وهو يكمل:

    ـ انا اكره هذا الضعف فهو يؤذيني....يؤذيني لأني اعرف انكِ لاتبادليني هذه المشاعر وان نهاية الامر قد تكون مؤلمة جداً لي..ولكني ببساطة لااستطيع ترككِ فحسب!!..

    ارتجف فكها السفلي يخفي خلفه عبرة مكتومة وقالت بصوت مهزوز:

    ـ رائع...من اي كتاب بالضبط حفظت هذا الكلام واتيت لتلقيه على مسامعي؟..

    فقال بأستنكار:

    ـ عفواً؟؟!!..

    فأجابت بغضب شاهده يكتسحها للمرة الاولى:

    ـ سيد هزيم انظر حولك...انظر للحي الذي اسكنه..للبناية التي اقطنها..انظر بتمعن واخبرني ماذا ترى؟..اجابها بحزم:

    ـ انا لاارى سواكِ..

    ـ ولكن مجتمعك سيرى!...ويوماً ما انت سترى ايضاً!...سترى تلك الفتاة من الطبقة الفقيرة التي تقبض راتباً شهرياً ربما يعادل مصارفيك الاسبوعية!...انا وانت غير مناسبين لبعضنا ابداً...لأني اعرف انك في الحقيقة لاتحبني!..

    فهتف بها بحدة:

    ـ ماذا؟؟!!..

    لتجيبه بحدة اكبر:

    ـ هذه هي الحقيقة حتى وان انكرتها بل وحتى وان لم تدركها....ماتحمله نحوي هو مجرد كبرياء رجل ثري لم يتحمل رفض فتاة له..ستفعل المستحيل لتكسب حبي فقط من اجل ارضاء غرورك..

    ـ لو انك فقط تكفين عن مشاهدة الافلام لكنا بخير الان اقسم لكِ!..

    ومن دون ارادة منها وجدت ضحكة تنطلق وسط هذا الغضب كتمتها فوراً وهي تضم شفتيها لبعضهما وتشيح وجهها جانباً...تحكمت في نفسها قليلاً ثم عادت تنظر اليه مدعية الثبات وهي تقول:

    ـ سيد هزيم انت فـ..

    ـ انا احبكِ!..

    بترت عبارتها فوراً بمقاطعته هذه..ازدردت ريقها بصعوبة وهي تشعر بقلبها يسد لها حنجرتها!...تحركت شفتاها تريد نطق كلمات تجعلها تدعي الثبات وعدم تأثرها بهذه الكلمات التي سمعتها عشرات المرات من غيره من دون ان تتأثر ابداً ولكن صوتها خانها عن الخروج!..اقترب خطوة اخرى منها وهو يكمل:

    ـ لا...انا اعشقكِ.....لاتسأليني كيف؟ومتى؟ ولماذا؟...انا لااعرف....انا احبكِ فحسب... احبكِ بجنون!..

    قالت بتلعثم وصوت مرتجف:

    ـ كـ كـ كف عن..عن هذه السخافة!..

    فأجابها بثقة:

    ـ ميسم....هل تحبيني؟!..

    ـ بـ بـ بالتأكيد لسـ..

    وقبل ان تكمل قاطعها وهو يضع يده برفق على فمها...ثواني وانزل يده ليقول:

    ـ لااريد سماع اجابتك الان..فأنا متأكد انك ذاتاً لاتعرفين طبيعة مشاعركِ نحوي..

    ادخل يديه مرة اخرى في جيبيه ليتنهد ويقول:

    ـ ربما سنة كافية لجعلك تفهمين طبيعة مشاعركِ نحوي!..

    قطبت حاجبيها بعدم فهم ليكمل بأسى:

    ـ بعد اسبوع سأسافر لأدرس معهد ادارة الاعمال خارج البلاد..لذلك سنة كاملة لن تريني فيها..وبالتأكيد ستعرفين طبيعة مشاعرك في هذا الوقت..

    لايمكنها ان تنكر الالم الذي احست به يعتصر قلبها وهي تتخيل ان سنة كاملة ستمر من دون ان تراه!..قلبت عينيها في الارجاء بعيداً عنه كي لايشاهد خيبة الامل تلك التي سيطرت عليها وقالت بهدوء:

    ـ هل...هل ستدرس لمدة سنة؟..

    ـ في الحقيقة انهما سنتين!..

    فألتفت اليه دفعة واحدة يغلف الاستنكار ملامحها...استنكار دفعه للأبتسام فوراً وادرك ماتحاوله هذه الفتاة نكرانه...قال لها موضحاً:

    ردحذف
  94. ستمر سنة وسأعود لأسألكِ ذات السؤال... وحينها فقط يمكنني ان اعرف..هل ستكونين برفقتي بسنتي الدراسية الثانية ام سأكون وحدي!..

    سكتت وهي تنكس رأسها بحزن تحاول قدر الامكان اخفائه وتفشل!..

    ـ ميسم؟!

    رفعت رأسها اليه ليقول بأبتسامة:

    ـ أيمكنك قبول دعوتي لأحتساء كوب قهوة معاً...اعتبريها هدية وداعي قبل السفر!..لقد تواعدت انا واختي ريم في الالتقاء باحدى المقاهي بعد نصف ساعة..مارأيك ان تنضمي لنا؟؟!

    لاتعلم كيف سيطرت على دموعها....ولاتعلم كيف خدعتها ابتسامتها وارتسمت فوق محياها تعلن ضعفها التام له هكذا ببساطة!..
    قالت بأسف صادق:

    ـ اتمنى منحك هذه الهدية سيد هزيم..ولكن عليك ان تعذرني فسوف اتأخر عن عملي..

    .

    ردحذف
  95. حدق داخل عينيها قليلاً ليردف بنبرة مترجية:

    ـ ألا..ألايمكنك التغيب عنه اليوم فقط؟!..

    شعرت بالضياع داخل عينيها وكل شيء بداخلها يتوسلها ان تقبل..ولكن عقلها كان اكثر عناداً..

    ـ أنا..لا..

    ثم بترت عبارتها وهي تشاهد خيبة الامل تغطي له وجهه فأعتصر قلبها بقوة متحدياً عقلها...لتعاند المنطق لأول مرة في حياتها وتفعل شيئاً هي غير مقتنعة به..ولكن قلبها يريد ذلك بشدة..يريد ان يستغل كل دقيقة وكل ثانية برؤيته قبل رحيله!..
    تبسمت وهي تقول:

    ـ حسناً...لاارى ضرر من تغيبي اليوم!..

    رفع حاجبيه بدهشة ليهتف بأبتسامة تشبه ابتسامة طفل قررت اسرته اخذه نحو والت ديزني فجأة:

    ـ أأنتي جادة؟؟!!..

    استدارت تكتم ابتسامتها وسارت بضع خطوات وهي تقول:

    ـ حسناً ان لم تصدقني فلتنسى الامر!..

    ركض ليقف امامها ويوقفها قائلاً:

    ـ لالالا اصدق...اقسم لكِ اني اصدق!!..

    لايعلم كيف قاد السيارة طوال الطريق..بل وكيف سارت السيارة من الاساس فوق الطريق بدل ان تحلق عالياً من شدة سعادته!..

    جلسا في المقهى متقابلين وميسم تحاول شغل نفسها بشرب القهوة كي تتهرب من نظراتها التي تتعمق داخل وجهها تكاد تتعلق به الى الابد...مرت دقيقة..ساعة... وساعات.. دون ان يشعر احدهما بالوقت حتى!..

    ـ الاحمق هنا يعيش جو رومانسي وانا انتظر تحت الشمس!!..

    التفت كلاهما نحو ذلك الشاب الذي اخترق صمتهما فجأة وهو يقف بجانب الطاولة يسند يديه فوق خصريه متأهباً لقتل هزيم.....ومن غيره صاحب التعليقات الساخرة....ادم!!..
    التفت اليه هزيم بفزع ثم حول نظراته بسرعة مابينه مابين ميسم يحاول تنبيه ان يكون لبقاً بوجودها...فقال وهو يكز على اسنانه بغيظ ماالذي تفعله هنا يامفسد اللحظات؟!..

    فسحب ادم كرسياً وجلس عليه من دون سابق انذار وهو يقول:

    ـ ألم نتفق اليوم على الذهاب نحو المركز الرياضي يااحمق؟..

    رفع هزيم عينيه نحو الاعلى يحاول التذكر ثم نظر نحو ادم وقال:

    ـ أهو اليوم؟..

    مط ادم شفتيه بسخرية وهو يقول:

    ـ لا بعد شهر يامدلل امك الصغير..

    ضربه هزيم فوق قدمه من تحت الطاولة سراً يحاول تنبيهه لميسم التي تجلس معهم تراقب لقائهما الغريب هذا فألتفت ادم نحوها وهو يقول ليوقع هزيم في مشكلة:

    ـ اهاا..فهمت الان لما ضربتني...وهذه اي واحدة منهن بالضبط؟!..أهي سكرتيرتك أم ابنة شريك ابيك ام تلك التي ستسافر معك؟!.. اووه لالا تذكرت هذه هي حبيبتك من النادي..صحيح؟!..

    بقي هزيم يدير وجهه مابين ادم ومابين ميسم التي تنظر نحو هزيم بأستنكار تكاد تقلب الطاولة فوقهم وتخرج فهتف بأدم فوراً بتلعثم:

    ـ عن ماذا تتحدث انت يااحمق؟..

    ثم نظر الى ميسم ليكمل:

    ـ اقسم لكِ لاشيء مما قاله صحيح!..

    فقهقه ادم ضاحكاً وهو يقول:

    ـ كنت امزح فقط!...اردت ان انتقم من هذا المزعج بسبب وقوفي في الشمس طوال تلك المدة....انتي ميسم صحيح؟!..

    تبسمت ميسم بأرتياح وهي تجيبه بلطف:

    ـ اجل..

    ـ وانا صديقه الجميل واللطيف والرائع ادم!!..

    فأرتكز هزيم بمرفقيه على الطاولة وقال بأبتسامة:

    ـ ثواني قليلة وستصبح ذو الوجه المشوه ادم ان لم تضبط لسانك!..

    فنظر نحوه مدعياً البرائة:

    ـ ماذا؟!..ماذا قلت انا الان؟!..

    ـ هزيم؟؟!!..

    نظر الثلاثة نحو الصوت الانثوي الذي اخترقهم هذه المرة..جميعهم نظرو بأعتيادية..عدا واحد فقط تعلقت ابصاره بتلك العيون الزرقاء.. بذلك البحر الذي اغرقه من دون رحمة...وكانت تلك هي المرة الاولى التي التقيا بها ريم وادم...ورغم انها لم تنظر اليه سوى نظرة خاطفة ألا انه تعلق بملامحها بشدة!...ترك المكان وخرج اول ماجلست كي لاتكتشف ان اخيها لديه صداقة مع احد افراد اسرة مراد.. ترك المكان بسرعة ولكن ملامحها لم تترك مخيلته بذات السرعة ابداً..)

    كانت ليلة عاصفة بشدة..هطلت الامطار من دون توقف طوال الليلة المنصرمة مما دفع ريم للبقاء مستيقظة فترة اطول..فما ان تغفو عينيها لدقائق حتى يوقظها صوت الرعد القوي يدفعها للفزع من فراشها بقوة ولكنها تكتم صوت شهيقها المرتعب كي لايكشف ادم وجودها..دون ان تعلم ان جفنيه لم تغمض ولو لدقيقة واحدة وهو يشاهد هذا الخوف الذي يحتلها..تمنى ان يجلس ليطمأنها ولكنه خشي من رد فعلها وعنادها من ان تترك غرفته وتخرج لتبقى مرعوبة وحدها في غرفتها..لذلك اكتفى بالصمت وادعاء النوم ألى ان غلبها النعاس لتنام وعندها فقط تمكن هو من النوم!..
    لذلك وبسبب الارق الذي اصابها بالامس نامت بعمق في الصباح ولم تستيقظ على خروجه والذي تعمد ان يجعله هادئاً كي لايزعجها!!.

    ردحذف
  96. فتحت عيناها بتثاقل وانتقلت ببصرها في الارجاء..احتاجت لثواني قليلة حتى استوعبت اين هي؟! ولما هي هنا؟!...قامت بفزع من فراشها لتجد فراشه خالي..اغرقت وجهها بوسادتها بحرج وهي توبخ نفسها وتلومها:

    ـ غبية غبية...جبانة غبية وحمقاء!!..

    ثم حملت غطائها ووسادتها وخرجت من الغرفة واطراف الخجل والاحراج تتبعها!...دعت الرب بكل جوارحها ان تكون الليلة الفائتة هي اخر ليلة سيهطل فيها المطر....ولكن الرب رفض عنادها هذا!!..

    غيرت ملابسها وتناولت فطارها تحاول قضاء ملل الصباح لحين عودة آدم... قطع عليها هدوئها طرقات ضعيفة فوق باب الشقة فقامت بأستغراب وهي غير معتادة ابداً على استقبال الزوار في وقت خروج ادم من المنزل!..
    مضغت مابفمها من طعام واسرعت نحو الباب لفتحه...اول ماالتقت عينيها بعين الزائر غير المتوقع توسعت حدقتيها بذهول واقتضبت ملامح وجهها رغم ملامحه الهادئة...تمتمت من بين اسنانها بغيظ:

    ـ مراد؟!!..

    تقدم مراد خطوتين ليدخل حدود الشقة وعكازه الخشبي يتقدمه ليبقيه ثابتاً...وقف امامها مباشرة وحياها بلطف وادب:

    ـ مرحباً!..

    لتجيبه ببرود وحدة:

    ـ كيف تجرؤ على القدوم هكذا ببساطة؟.. وماالذي تفعله من الاساس هنا وانت تعلم ان ادم في العمل في هذا الوقت؟!..

    دخل الشقة وهو يجيبها بثقة:

    ـ أما عن جرئتي في الحضور فلااظن ان هناك شيء يمنعني من زيارة منزل حفيدي...

    ثم التفت اليها ليكمل بحزم:

    ـ أما عن سبب زيارتي فهي ليست من اجل ادم..لقد اتيت لأتحدث اليكِ انتي!..

    اغلقت الباب بعنف لتجيبه بحدة:

    ـ أنا وانت لن تجمعنا احاديث..هل فهمت؟...مايجمعنا هو الثأر فقط!..

    في تلك اللحظة فقط ادركت من اين ورث ادم هدوئه وصبره معها وهي تشاهد مراد يتجه بخطوات رجل عجوز نحو اريكة الصالة ليحتلها بجسده وهو يقول بهدوء:

    ـ مارأيك ان نتحدث بتفاهم انا وانتي لمرة واحدة؟!...فكما تعلمين عجوز مثلي لاقدرة له من الان فصاعداً لخوض الشجارات!..

    بقيت تحدق به بجمود تقلب الفكرة برأسها مابين عناد وقبول ألا ان تبسم مراد بلطف وهو يقول:

    ـ مارأيك ان تعدي من اجلنا بعض القهوة كي نكمل حديثنا بعدها؟!..

    زفرت بضيق واتجهت للمطبخ على مضض..ليس من اجل مراد بالطبع ولكنها لم تشأ تخييب ظن آدم ان تجاوزت حدودها مع جده..لذلك خضعت للأمر أكراهاً!!
    غلت القهوة فوق الطباخ وقلبها يغلي معها.. انه امر اصعب من ان تطيق تحمله..مراد هو الخط الاحمر الذي لن تقبل يوماً النقاش بأمره ابداً!!..
    حملت القهوة له وجلست على الاريكة المقابلة لأريكته تضع ساقاً فوق اخرى وتكتف يديها الى صدرها في وضع التحفز والتهيأ لحديثه الذي اتى من اجله...مد يده الى الفنجان بينما الاخرى تستكين فوق العكاز وقال بينما يقرب الفنجان من شفتيه:

    ردحذف
  97. أتمنى انكِ لم تضعي فيه السم؟..

    فأجابته بملامح مقتضبة:

    ـ ولماذا أمنحك الراحة واحرم عنك هذا الجحيم الذي اعيشه؟!..

    تنهد من دون جواب واكتفى بشرب القهوة بصمت..كسر السكون من جديد صوت الفنجان وهو يستقر داخل صحنه ليعيد مراد كلتا يديه فوق عكازه وهو يتنهد بحسرة...صمت لثواني يرتب كلماته وريم تراقبه من دون اي رد فعل او تحثه على الحديث ألى ان قال:

    ـ أتظنين ان هذا هو التصرف الصحيح؟!..

    قطبت حاجبيها بتساؤل وهي تقول:

    ـ اي تصرف؟!..

    ـ ان تحملي كل هذا الكره لنا؟!..

    استفزتها هذه الكلمة كثيراً لتقول له بحدة:

    ـ عندما افقد اخي الوحيد..فنعم هذا التصرف صحيح!..

    اومئ برأسه متفهماً قبل ان يردف بضعف خلفه غصة دموع يكتمها:

    ـ أتفهم شعوركِ هذا..

    ثم نظر لها بانكسار ليكمل:

    ـ ولكن هل بأمكانك انتي ان تتفهمي مشاعر من فقد ابنه البكر وحفيده الصغير؟!..

    فجأة انقبضت معدتها وهي تتخيل صورة مصطفى وتفجرت الدموع داخل عينيها من دون ارادة منها لينكسر كل حصن منيع بنته حولها مدعية به القوة.. فقال لها فوراً:

    ـ انا اقدم اعتذاراتي..لم اقصد اذيتك بكلامي ولااشعارك بالذنب...ولكن اردتك ان تعرفي ان هاوية الثأر سحبت من كلانا اعزاء على قلوبنا... سحبتهم من بيننا ونحن نقف نتفرج ولانتعظ!..

    مسحت دموعها بأطراف اكمامها وقالت بصوت مهزوز:

    ـ لايمكنني التخلص من تلك النيران التي تجتاحني بفراقه...انت لايمكنك ان تدرك ماكانه يعنيه هزيم لي!..

    ـ بل اعرف ايتها الشابة...اعرف جيداً!...وموت هزيم كسرنا بقدر ماكسركِ ياابنتي..

    نظرت اليه بأستغراب وهو يتنهد وذكريات من الماضي تتخاطر على عقله ليكمل:

    ـ ذلك الشاب من الاشخاص الذين تخلدو بقلبي قبل ذاكرتي!..

    فقالت ريم بعدم فهم:

    ـ لحظة..أكنت تعرفه؟..أعني معرفة شخصية؟..

    استمر بالنظر اليها لثواني قبل ان يجيب:

    ـ هزيم كان الشاب الوحيد من اسرة ياسين الذي كانت تربطنا به صداقة قوية...وهذه الصداقة كان الفضل لهزيم بتكوينها لرغبته الشديدة في انهاء الدم بين الاسرتين!..

    فهزت رأسها بعدم تصديق وهي تقول:

    ـ هذا مستحيل..مستحيل ان تربطه صداقة بكم..لكنت عرفت بذلك قبل الجميع!..

    ردحذف
  98. بالعكس تماماً..انتي اكثر الاشخاص الذين اصر هزيم ان لاتعرف بشأن دخوله الى منزلنا وعلاقته بأفرادنا!..

    قطبت حاجبيها بأستغراب ليكمل موضحاً:

    ـ هو كان يدرك جيداً قلقك عليه..وان عرفتي بهذا الامر فمن المستحيل ان تسمحي بأن يستمر بلقائه بنا تخشين عليه من الاذية وان اقتضى الامر ستخبرين الجميع كي يمنعوه وبذلك سيتهدم كل مابناه..ومن اجل هذا اخفى الامر عنكِ.. كي يحقق هدفه!..

    قلبت بصرها فوق الارض لثواني قبل ان ترفعه نحوه بحدة لتقول:

    ـ هل تقول هذا فقط كي تثبت برائتك من قتله؟!..أتظنني سأصدقك؟..

    ـ ايتها الشابة انا لاانوي اثبات شيء..وبرائتي تم اثباتها امام الشرطة ولست احتاج اثبات شيء اخر وكل ماافعله الان هو فقط من اجل اخيكِ.. فهذا الكره الذي يغلي بداخلكِ اتجاهنا يؤذيكِ اكثر مما يؤذينا!..

    ثم اخرج صورة من جيبه ووضعها فوق الطاولة ليردف:

    ـ عرفت انكِ لن تصدقي...ربما هذه ستكون كفيلة لتجعلكِ تصدقين!..

    سحبت الصورة فوراً وتوسعت عينيها بصدمة وهي تشاهد هزيم يجلس بين رباب ومراد وخلفه بعض افراد اسرة مراد ...صورة عكست ابتسامتهم العريضة واجواء السعادة التي تحيطهم..كتمت فمها بيدها ودموعها تنزل من غير رحمة وهي تشاهد صورة جديدة لهزيم..وكأنه حي ولكن في مكان اخر..وكأنها في الامس فقط قد فقدته...لاتزال ابتسامته تلك مطبوعة في ذاكرتها لم يستطع شيء محيها ابداً...تلك البلوزة التي اهدتها لها لاتعرف اخر مرة رأته فيه يرتديها!..تصفيفة شعره المميزة.. عينيه العطوفة..كل شيء في قد افتقدته بشدة ووجدت غايتها بهذه الصورة!..

    ضمت الصورة بقوة اليها واحنت صدرها فوق فخذيها لتجهش ببكاء اقوى وهي تتمتم بأسم اخيها..
    رق قلب مراد لها فقام من مكانه ليجاورها وهو يمسح على شعرها بلطف ويقول بألم:

    ـ يختار الثأر اعزائنا ليأخذهم منا ويتركنا شبه احياء من بعدهم!!..

    فقالت من وسط نحيبها:

    ـ سأدفع اي شيء مقابل رؤيته ولو لدقيقة واحدة...لضمه الي لثانية من الزمن....اريد ان استيقظ لأجد ان كل هذا مجرد كابوس مزعج وسينتهي...اذهب الى قبره في كل مرة متمنية ان اقرأ الاسم بالخطأ واكتشف ان القبر لايحوي جثمان اخي الشاب الذي سلبه الموت مني جبراً!.....انا اشتاق اليه...اشتاق اليه بشدة!..

    اطلق تنهيدة تعكس نيرانه المستعرة وهو يقول:

    ـ اراد بشدة اصلاح الامور بين الاسرتين..وكاد ان ينجح...ولكن الموت اغتاله قبل هذا!..

    رفعت رأسها اليه ونظرت نحوه من وسط دموعها وهي تقول:

    ـ من قتله؟!!..ارجوك اخبرني..انا اتوسل اليك!..

    ردحذف
  99. هز رأسه بيأس وهو يجيبها:

    ـ اقسم لكِ اني لااعرف ياابنتي...ولااحد يعرف ماحصل في تلك الليلة بالضبط...انا لااحاول نفي الادانة عن افراد اسرتي بالعكس..نحن نجهل الحقيقة جميعنا...قد يكون احد افراد اسرتي من فعلها وقد لايكون..وربما هو مجرد قاتل غريب لايمت للأسرتين بأي صلة وقرابة.. وربما نعرفه....جميع الاستنتاجات مرتبطة ب"ربما"...فلا احد يعرف الحقيقة ومازال موت هزيم يحير عقولنا ونريد ان نعرف من هو الذي له مصلحة بقتله...فبالتأكيد من فعل ذلك لم يشأ ان تنتهي دائرة الانتقام وهزيم كان يوشك على اصلاح كل شيء بين الاسرتين...لذلك تخلصو منه!..

    شهقت بجزع وكتمت فمها بيدها ليزداد بكائها قوة فأكمل مراد بعطف:

    ـ لذلك حاولت انا ان اكمل حلم اخيكِ..حلم اخيكِ بتوحيد الاسرتين معاً...لذلك اصررت على اختيار الدية امرأة بعد حادثة اغتيال ابني معتز ولم اطلب مال او نقوم بعملية اغتيال مماثلة... وجدتها فرصة لتحقيق ماكان يتمناه هزيم بكف الدماء بين الاسرتين..لعلي سأحقق رغبته الاخيرة..لعلي بهذا اشكره عما فعله ولااجعل تضحيته تذهب سدى!..

    عاد ليمسح على رأسها بعطف وهو يقول:

    ـ نحن نعرف كم كان هزيم يحبكِ لذلك ياابنتي انتي امانته التي لدينا..ونحن لانريد ان نشاهد امانته هذه التي استودعها لدينا تتعذب دون ان فعل شيء!..

    صمتت وهي تمسح دموعها وتحاول التماسك وتهدئة روعها قليلاً ثم نظرت له بترجي وقالت:

    ـ أيمكنني الاحتفاظ بهذه الصورة؟!..

    تبسم وهو يجيبها:

    ـ بالطبع يمكنك ذلك!..

    فقالت بأمتنان:

    ـ شكراً لك!..

    وفي هذه الاثناء فُتح باب الشقة ودخل ادم ليتفاجئ برؤية جده هنا!..القى التحية دون ان ينجح في اخفاء استغرابه من حضوره غير المتوقع..ادار بصره نحو ريم ليشاهد تورم عينيها من البكاء لينقبض قلبه بقوة ويعتصر بقسوة....فهذه القطرات الفضية هي نقطة ضعفه من دون منازع غيرها!..
    قال بعد ان احتل الاريكة المقابلة لهما:

    ـ متى اتيت جدي؟..

    فأجاب مراد:

    ـ قبل نصف ساعة تقريباً!..

    ـ ولايزال كلاكما على قيد الحياة؟؟!!..

    رغم الحالة السيئة التي كانت تسيطر على ريم ألا انها لم تستطع منع نفسها من الابتسام من تعليقاته الساخرة التي لايكف عنها ابداً..فقال مراد يبادله مزاحه:

    ـ كنت انوي الان قتلها ولكنك حضرت في اللحظات الاخيرة!..

    فضرب ادم يديه ببعضهما مدعياً الاسف وهو يقول:

    ـ تباً للحظ...لو اني تأخرت خمس دقائق فقط!..

    ضحك مراد ونهض من مكانه قائلاً:

    ـ حسناً تولى انت هذا الامر...انا سأذهب!..

    ثم نظر نحو ريم بأبتسامة ليكمل:

    ـ اتمنى ان يكون لقائنا القادم قريب..

    اومأت بأبتسامة لطيفة من دون ان تعلق فودعها واوصله ادم نحو الباب ليودعه هناك ثم عاد نحو ريم التي تجلس على الاريكة وجاورها قائلاً بلطف:

    ـ أأنتي بخير؟!..

    وقعت دمعتان من مقلتيها وهي ترفع رأسها اليه لتومئ بأبتسامة ضعيفة:

    ـ اجل...افضل بكثير!..

    تبسم وهو يمسح خدها بطرف ابهامه برقة ويقول:

    ـ سعيد بهذا!..

    ومن دون توقعها كالعادة او توقعه وجدت نفسها تستكين برأسها فوق صدره وتلف يديها حول خصره وقالت بضعف:

    ـ أيمكنني ان ابقى هكذا قليلاً؟!..انا بالفعل احتاج لهذا الان!..

    ضمها اليه بقوة ليهمس لها قائلاً:

    ـ ياليتك لو تبقين العمر كله هكذا!..

    لاتعلم لما فعلت هذا..ولاتعرف طبيعة المشاعر التي تسيطر عليها في لحظتها...ولكن كل ماتعرفه انها تحتاج احداً ما بجوارها...تحتاج ادم بالاخص اكثر من اي شخص اخر!!

    ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

    ردحذف
  100. يُقال انه لايمكننا اخفاء الحب مهما حاولنا....فالرجل تفضحه الغيرة....والمرأة يفضحها الاهتمام!!

    ~~~~~~~~~~~~

    وقفت ريم في المطبخ تحظر وجبة الغداء مشغولة بتقطيع الخضار واضافته للحساء وهي تتذوقه بين ثانية واخرى لتصنعه كما يحبه ادم تماماً!...دخل في هذه الاثناء ادم بعد ان استحم وغير ملابسه ووقف على الجهة المقابلة للطاولة التي تقف هي امامها..فقال بينما يأخذ قطعة جزر من بين يديها ويبدأ بقضمها:

    ـ ريم؟!..

    همهمت كأجابة دون ان تتوقف عن تقطيع الخضار او ان ترفع عينيها من فوق لوح التقطيع الخشبي فأكمل:

    ـ عن ماذا تحدثتما انتي وجدي؟..

    رفعت زاوية فمها بأبتسامة بسيطة وهي تقول:

    ـ وما شأنك انت؟؟!!..

    فضحك وقال:

    ـ هكذا اذا؟؟!!..

    فنظرت له قائلة بأستفزاز:

    ـ اجل..هكذا!..

    ـ هل انتي متأكدة؟؟..

    ـ اجل متأكدة..

    فقال بنبرة ذات معنى لم تفهمه:

    ـ ريم؟؟!!...هل انتي متأكدة انك متأكدة من انك لن تخبريني؟!..

    ضحكت من طريقة كلامه واجابت:

    ـ اجل..متأكدة اني متأكدة اني لن اخبرك!..

    فقال بأبتسامة مهددة:

    ـ حسناً...ولكنك ستحتاجيني وسأعرف كيف اعذبكِ حينها!!..

    فقالت بضحكة مستهزئة:

    ـ انا؟؟..احتاجك انت؟؟..من الذي اقنعك بهذا؟..

    ـ المذيع في الراديو!..

    قطبت حاجبيها بعدم فهم وهي تسأله:

    ـ ماذا؟؟..وما دخل مذيع الراديو بالامر؟..

    فأجاب بذات ابتسامتها المستفزة التي استخدمتها قبل قليل:

    ـ لأن هذا الرجل الطيب الرائع أكد قبل قليل ان الامطار هذه الليلة ستكون أشد من البارحة!..

    وماان لاحظ جمود ملامحها واختفاء اللون من وجهها قضم الجزر وترك المطبخ ضاحكاً تاركاً اياها في حالة لاتحسد عليها وقد فهمت لما يلمح بالضبط فسمع هتافها خلفه:

    ـ ادم!.. انت بالفعل اكثر شخص مستفز اكرهه في حياتي كلها!..

    فمد رأسه فقط من الباب وقال بضحكة ليغيضها:

    ـ حقاً؟؟..وهل تحبين معانقة الذين تكرهيهم دائماً؟!..

    فتلون وجهها بألوان الطيف السبعة وكادت النيران ان تخرج من انفها من شدة غضبها وهي تكز على اسنانها وتقول:

    ردحذف
  101. اغرب عن وجهي قبل ان ادع السكين تتفاهم معك!..

    ضحك بقوة اكبر هذه المرة وترك المطبخ قبل ان تنفذ هذه المجنونة تهديدها!...ماان خرج حتى ضحكت بخفوت وهي تحرك رأسها بيأس منه...بداخل هذا الشاب بالفعل هناك طفل يرفض ان يكبر!!..

    جهزت مائدة الغداء بأطعمة تحمل اشهى الروائح..فطبخها قد تحسن كثيراً في الاونة الاخيرة!..
    احتل ادم الكرسي المقابل لها وباشرا بالاكل لاشيء يقطع سكونهما سوى صوت الملاعق تتضارب بخفة داخل الصحون...اصوات كسمفونية الحرب بالنسبة لريم...فأبسط شيء في هذه اللحظة يستفزها وهي تشاهد ادم يأكل بيمناه ويكتب الرسائل النصية بيسراه!..ركزت معه جيداً وراقبات تعابير وجهه بعمق...راقبت تلك الابتسامة التي ترتسم بين لحظة واخرى..ذلك الاهتمام الذي يمنحه لمحتوى الرسالة...تلك النظرات الدافئة التي تحتل عيناه....لم تتحمل دقيقة اضافية الى ان سألته مدعية عدم الاهتمام وكأنه سؤال عابر لفتح موضوع ما تقطع به ملل الصمت هذا:

    ـ أليس من الافضل تأجيل مراسلتك مع اصدقائك لما بعد الغداء؟!..

    نظر لها بينما يمضغ طعامه وقال بأبتسامة:

    ـ انه موضوع مشوق!...

    بقيت تنظر اليه بجمود فهي لم تصل لغايتها بعد.. ولن تنتظر اكثر ليوصلها هو فسألته:

    ـ اهاا...أهو احد اصدقائك؟!..

    ـ لا...انها مايا!..

    بقيت تحدق به بذات الجمود والبرود من دون ان تضيف اي حرف..ولكنها هذه المرة لم تتجاهل الموضوع كعادتها بل تركت الملعقة من يدها وشابكت اصابعها ببعضهم واسندت ذقنها فوقهم ثم قالت بجدية:

    ـ ادم؟...مانوع العلاقة التي تربطك بـ مايا هذه؟!..

    قطب حاجبيه بأستغراب من سؤالها هذا ولكنه قال:

    ـ اخبرتك انها زميلتي في العمل ونحن شريكان..اي عملنا دائماً معاً....ونحن منذ سنين معاً!..

    ـ فقط؟؟!..

    ـ ماذا تعنين بـ"فقط"؟!..

    ـ طبيعة العلاقة التي تربطكما لااظنها صداقة عمل فحسب!..

    حدق داخل عينيها بعيون باسمة ومفكرة..ولكنه لم يستعجل بأستنتاجاته..بل ولم يستنتج اي شيء كي لايخيب ظنه لاحقاً فقال:

    ـ لا....انها اكثر من ذلك!..

    شعرت بحرارة ما تسري في صدرها لاتعرف مصدرها ولاتعرف كيف تطفأها..كل ماتعرفه انها تمنعها من التنفس براحة!..فقالت بهدوء لايعكس ابداً تلك الثورة التي اجتاحتها:

    ـ اذاً لما لاترتبط بها؟؟...أنت رفضت الفتاة التي احضرتها سلوى لأنك لم تراها مناسبة لك.. وحسب ما رأيته انا وماقلته انت الان فأنت ومايا تربطكما علاقة مميزة..فلما لاترتبط بها؟..

    ردحذف
  102. هي في الحقيقة لم تكن تسعى لأقناعه بفكرة الارتباط كما ادعت الان ولكنها ارادت سماع جوابه حول امر ارتباطه بمايا لتعرف طبيعة علاقتهما بالضبط كي تغتال تلك التسؤالات التي تقلق مضجعها دائماً!....شاهدت ملامح وجهه تتغير تتدريجياً لترتسم خيبة الامل داخل تلك الفيروزيتين اللاتي يسحرانها بشكل غريب!.. اخذ نفساً عميقاً وطرحه بهدوء دلالة على تضايقه من فتح الموضوع ذاته في كل مرة فقام من الطاولة وقال:

    ـ ان كان وجودي يزعجك لهذا الحد في المنزل فسأحرص على حل هذه المشكلة بطريقة اخرى ولست مضطر ان استعجل بزواجي كي ترتاحي من رؤيتي..

    فقامت فوراً بأعتراض تريد ان تنفي توقعه فقاطع حروفها الخرساء فوراً بنبرة اكثر حدة اقرب الى الصراخ:

    ـ ولذلك...امر ارتباطي غير مسموح لكِ انتي بالاخص ان تتدخلي به من الان فصاعداً!... عندما اجد الفتاة التي اجدها انا مناسبة سأرتبط بها ولست احتاج الى رأيك فيمن المناسبة لي!..

    ثم ترك الطاولة واتجه نحو غرفته صافعاً الباب خلفه بحدة فتهاوى جسدها فوراً بأسى فوق كرسيها وهي تحيط رأسها بيديها وتخفضه نحو الاسفل...ولأول مرة تسقط دمعة من مقلتيها تكون من اجله...من اجل مشاعره التي تدمرها من غير قصد...من اجل مشاعرها التي لاتفهم طبيعتها بعد!....هي لاتعلم هل كانت تحبه؟ اما انها معجبة به فقط؟..ام ان كل هذه المشاعر مجرد نتيجة لأهتمامه بها ومعاملته الجيدة معها!!..

    حملت الصحون نحو المطبخ وكلاهما لم يأكل سوى الشيء اليسير من طعامه!..
    وضعتهم فوق المغسلة وبدأت بغسلهم بعصبية تحاول افراغ شحناتها السلبية بهم!..بين ثانية واخرى يكاد صحن ان يقع من بين يديها او كوب ينكسر بين قبضتيها..ولم يرحم الصحون المسكينة منها سوى رنين هاتفها المتواصل!... جففت يديها واسرعت نحوه حيث تركته هناك على منضدة الصالة...حملته لتجد اسم اختها نسرين يضيء الشاشة فأجابت فوراً:

    ـ اهلاً نسرين!..

    ليصلها صوت اختها محملاً بالاشتياق:

    ـ اهلاً ياصغيرتي كيف حالك؟..

    ـ بخير..ماذا عنكِ؟..وكيف حال هيلين وادهم؟..

    ـ كلاهما بخير..هيلين تبعث لكِ قبلاتها وادهم يبعثِ لكِ سلامه..

    ـ هل سافر مجدداً؟..

    ـ اجل هذا الصباح..

    ثم اردفت فوراً:

    ـ اتركينا الان من ادهم..لماذا لم تأتي؟..

    ـ اتي الى اين؟..

    ـ ألم اطلب منك الاسبوع الماضي ان تأتي اليوم لمنزل الاسرة كي نتقابل؟..

    تنهدت بضيق وهي تتذكر بالفعل ذلك فقد ارادت رؤيتها هي وهيلين بشدة ولكن مشكلة اليوم لم تبقي لديها اي رغبة في الخروج او مقابلة احد فقالت متعذرة لنسرين بأي عذراً واهي:

    ردحذف
  103. اعتذر عزيزتي ولكني مضطرة لتأجيل قدومي ليوم اخر..انتي بكل الحالات ستبقين لمدة ثلاثة ايام على الاقل..أليس كذلك؟..

    فأجابت نسرين بخيبة امل لعدم حضورها:

    ـ اجل..ولكن لماذا ليس بأمكانك القدوم اليوم؟!..

    ـ في..في الحقيقة..أنا مشغولة بعض الشيء هذا اليوم..

    ـ حسناً عزيزتي كما تشائين....ولكني لن اسامحكِ ان لم تحضري غداً!!..

    تبسمت هي وتجيبها:

    ـ بل سأتي غداً اعدكِ فأنا مشتاقة جداً لرؤية سامي وهيلين..

    ـ حسناً اذاً عزيزتي سننتظرك!..

    ثم انهت المكالمة مع شقيقتها والتفتت لتتفاجئ بآدم يقف عند باب غرفته يستند على حافته ويكتف يديه الى صدره مستمعاً الى حديثها....ظلت ابصارهما متعانقة لثواني من الزمن دون ان ينطق احدهما بشيء وكلاً تجتاحه مشاعر تختلف عن الاخر!...انفرجت شفتاها اكثر من مرة تريد التحدث ولكن ملامحه الجامدة لاتشجعها على هذا...فاكتفت بالصمت واتخذت طريقها بأتجاه المطبخ مرة اخرى لتنهي عملها...ثواني حتى أحست بوقوفه عند باب المطبخ يراقبها بصمت قطعه بعد فترة قائلاً:

    ـ أنهي غسيل الصحون وغيري ملابسك كي اخذك الى اسرتك!..

    التفت اليه وقالت بهدوء:

    ـ لارغبة لي بالذهاب اليوم..سأذهب غداً..

    ـ ألم تقولي انك مشتاقة لرؤية سامي وهيلين؟..

    اعادت ابصارها امامها لتغسل يديها بعدما انهت غسيل الصحون وقالت:

    ـ لا فرق بين اليوم والغد..

    أحست بخطواته تقترب منها الى ان اصبح بجانبها مباشرةٍ..التفتت اليه لتلتقي ابصارها المتوترة بأبصاره الثابتة..بتلك العيون ذات النظرة المميزة التي يخصها بها وحدها!!..مد يده ومسح على جانب وجهها برفق وهو يقول بندم:

    ـ اسف لصراخي عليكِ بذلك الشكل...لم اكن اقصد!..

    ومع جملته هذه فقدت السيطرة التامة على دموعها التي كانت كافية لتعبر عن ندمها هي ايضاً بأغضابه دائماً...ضمها اليه برفق فلم تمانع ذلك بل وقد احتاجت لهذا بشدة..احتاجت لعناق يحويها من الضياع الذي هي فيه في هذه اللحظة!...قالت بهمس ضعيف من بين دموعها:

    ـ ادم انا بالفعل اسفة..

    ابتعد عنها قليلاً كي يتمكن من رؤيتها وكوّب وجهها بيديه وقال بحنان بينما يمسح لها دموعها بأبهاميه:

    ـ اخبرتك مائة مرة اني اكره بشدة رؤيتك تبكين..فلما تبكين الان؟..

    ـ لااعرف!..

    قالتها وانفجرت ببكاء اشد وهي تكمل:

    ـ انا بالفعل لااعرف اي شيء ادم..وكلما حاولت ان اكون لطيفة بالحديث معك كما انت معي اجد نفسي قد فشلت ببراعة وبدلاً من خلق تفاهم بيني وبينك استمر بأغضابك من دون قصد..لااعرف كيف اعبر عما بداخلي ولااعرف كيف اتجاهله..انا اريد ان اتغير..انا بالفعل اريد الناس ان تفهمني ولكني اجد اني ذاتاً افشل بأفهام نفسي لهم..انا لا..

    ردحذف
  104. فقاطعها بأبتسامة وهو يضغط على وجهها اكثر بين يديه:

    ـ انا اريدكِ ان تبقي كما انتي!..

    قطعت بقية حروفها فوراً وهي تنظر له بتلعثم فأكمل:

    ـ نعم انا اعترف انك اغضبتني..ولكن لابأس... انا اريدكِ ان تبقي هكذا كما انتي تماماً..ريم العنيدة... العصبية..والطفولية!..

    ثم اعاد بعض خصلات شعرها خلف اذنها وكأنه يتحدث مع طفلته الصغيرة واكمل:

    ـ لاتتغيري من اجل احد ياريم ولاحتى من اجلي...والذي لايتقبلكِ عما انتي عليه لايستحق البقاء بجوارك!..

    ادخلت جملته الاخيرة هذه سعادة غريبة من نوعها الى قلبها فعانقته بقوة تعبر عن امتنانها هذه المرة...وكأن هذه الفتاة بالفعل تعجز التعبير عن مشاعرها بالكلام!..

    قالت له بضعف اثناء ذلك وبضع دمعات اخيرة تسقط تعلن نهاية البكاء:

    ـ يا ليتنا بالفعل التقينا بظروف مختلفة... ياليتك فقط كنت موجوداً معي قبل ثلاث سنوات ياادم!..

    ضمها اليه بقوة اكثر وهو يقول:

    ـ المهم اني معك الان...ولن اترككِ ابداً!!..

    نعم..هذا هو المهم بالنسبة لها..انه معها الان!!..هناك شخص يحبها كما هي..شخص يفعل المستحيل كي يراها سعيدة.. شخص بالفعل يتأذى لبكائها.....شخص ربما اوشكت على الوقوع بغرامه!!..

    بعد ساعة مما حصل كان ادم وريم في طريقهما الى منزل اسرتها..فبالتأكيد آدم كان الاكثر عناداً هذه المرة واجبرها على الذهاب كي تزورهم فهو يعلم مدى اشتياقها للصغيرين.. ولكنها بالطبع لم توافق على الذهاب ألا بعد ان وافق هو على مرافقتها ويبقى معها هناك لحين انتهاء الزيارة!..

    كانت الزيارة لطيفة بادئ الامر لاسيما ان العائلة بأكملها موجودة..انشغل ادم بالحديث مع سيف تارة واللعب مع هيلين وسامي تارة اخرى...وبالتأكيد شخصيته كانت محط اعجاب الجميع لاسيما عندما لاحظو التغيير الذي احدثه في ريم!...لكن كما يقال الامور الجيدة لاتستمر حتى النهاية...وهذه المرة النهاية حضرت بسرعة...انقلبت الموازين كلها بحضور غير متوقع....زائر بعث الذكريات السوداء وفتح كل الجروح المقطوبة.....عم السكون فجأة على المكان مع صوت العكاز الخشبي فوق المرمر!..
    انقبض قلب ريم فوراً وهي ترفع بصرها بأتجاه ادم الذي تجمد في الحال عن الحركة وركز بصره بحدة حيث الجميع ينظر....ياسين!!..

    وقف ياسين يقلب ابصاره الثاقبة فوق وجوههم المتفاجئة بحضوره الى ان اوقفه فوق وجه ادم الذي تكاد نظراته فقط دون شيء اخر تنحر ياسين وتقتله!!..
    قام سيف فوراً يحاول خلق حديث جديد بعد هذا الصمت المفاجئ وقال فوراً مرحباً بأبيه:

    ـ اهلاً بك ابي....تفضل ارجوك!..

    فقال ياسين بصوته الخشن وهو يتقدم خطوات ثابتة اليهم ويركز بصره على ادم فقط:

    ـ ارى ان رائحة آل مراد بدأت تملأ منزلكم!..

    ومع هذه الكلمة قام ادم من مكانه دفعة واحدة ولم تكن ملامح وجهه تبشر بخير فقامت ريم فوراً متجهة اليه لتقمع ثورته وهي تعانق كف يده بكلتا يديها وهمست له بهدوء:

    ـ دعنا نخرج...ارجوك!..

    اغمض عينيه ليسيطر على انفعالاته وقد نجحت ريم بالفعل في جعله يفعل ذلك...فهي استغلت في هذه اللحظة كونها نقطة ضعفه وقربها منه كافياً ليجعل نيرانه تخمد قليلاً!...
    حملت حقيبتها دون ان تترك يده ودون ان يعترض احد على رحيلهما..فالجميع ادرك ان هذا هو الافضل بدل ان تقام الان حرب لن يستطيع احد اخمادها بين هذين الاثنين!..
    بقيت متمسكة بيده بقوة وهما يمران من جانب ياسين يريدان الخروج...خفق قلبها بقوة متمنية ان يمر كل شيء بخير فقط لحين خروجهما..ولكن ياسين لم يصمت...ما ان مر ادم وريم من جواره حتى قال وهو يثبت بصره امامه من دون ان ينظر اليهما:

    ـ يا للفظاعة..انت تملك وجه ابيك تماماً!..

    وعند هذه الجملة استدار ادم بغضب عائداً اليه وهو يصرخ به:

    ـ ايها الـ..

    فأوقفته ريم قبل ان يكمل طريقه وقبل ان يكمل كلامه وهي تقف بوجهه فوراً وتمسك احدى يديه بقوة ويدها الاخرى تسكنها فوق خده بلطف وهي تسند جبينها فوق جبينه وتقول له بصوت هامس وخائف:

    ـ دعك منه...ارجوك دعنا نخرج...استمع لصوتي فقط ارجوك وتجاهله!..

    اغمض عينيه وهو يتنفس بحدة من شدة غضبه الذي لم يعرف كيف تحكم به ولم يفقد السيطرة....ولكن قربها كان كافياً بالفعل ليضعفه!...نعم هي جعلت ادم يصمت..ولكنها لم تصمت..ودافعت عنه هنا كما دافع هو عنها في منزل اسرته....فألتفتت الى جدها بأستياء وقالت بغضب لتجيبه عما قال:

    ـ من الجيد انه يشبه والده...لعل هذا سيذكرك بالشناعة التي ارتكبتها!..

    فألتفت اليها ياسين بحدة ليقول:

    ـ ماهذه الحماقة التي تتفوهين بها؟!..

    ـ هذه ليست حماقة...هذه هي الجانب الاخر من القصة والذي لم ترووه لنا يوماً!!..

    ـ وانتي صدقته؟..

    فأقتربت خطوة من جدها وقالت بثقة:

    ـ اجل...صدقته!..

    ثم تركت الجميع وسط ذهولهم دون ان تستمر بالنقاش اكثر وخرجت هي وادم الذي لاتقل دهشتهم عنهم...ولكن غضبه كان اكثر من ان يسمح بالاعتراف بدهشته من ردة فعلها هذه!!

    ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

    ردحذف
  105. سارت السيارة بصمت يكسره زفير ادم الحاد يخفي خلفه نار يعجز عن اخمادها.. تجولت ريم ببصرها المتوجس فوق معالم وجهه المتجهمة لتنقل كرتا عيناها بعد ذلك نحو يداه اللتان تقبضان كلتاهما على المقود بقوة يكاد يقتلعه من مكانه!..لاتحتاج الى سؤاله لتعرف مدى الغضب الذي يسيطر عليه في هذه اللحظة وتدرك جيداً ما اعتمر بداخله من رؤية ياسين..فهو قد اصر بشدة في يوم عقد قرانهما على عدم حضور ياسين..لم تفهم السبب يومها ولم تكن مهتمة بالسؤال..اما بعد معرفتها بالقصة كاملة بدأت تعذره على كرهه هذا اتجاه جدها!..
    تنهدت بعدم راحة وهي تقول بأعتذار:

    ـ ماكان علي الاصرار على دخولك معي!..

    لم تلقى منه جواباً ولم يزح بصره عن الطريق وابقاه ثابتاً حيث هو...قالت مرة اخرى بهدوء:

    ـ ادم..تحدث الي ارجوك ولاتبقى صامتاً بهذا الشكل!..

    وهنا لم تتوقع ريم ماحصل وهي تشاهد ادم يلتفت اليها ليصرخ بوجها قائلاً:

    ـ ألا يمكنك اغلاق فمك قليلاً؟!...لا اريد التحدث مع احد ولااريد سماع صوت احد..ألا يمكنني ذلك؟!..

    انتفض جسدها بفزع من انفجاره بهذا الشكل المفاجئ وبقيت تنظر اليه بعدم تصديق.. ولكنها لم تتراجع...هي قد مرت مسبقاً بحالات كهذه ولازالت تمر...هي تدرك ان الصراخ..الغضب.. البرود..كل هذه مجرد اقنعة مزيفة يستخدمها الانسان ليخفي فيها ضعفه الحقيقي واحتياجه لمن حوله...فأجابته بذات عصبيته:

    ـ انا لست اي احد ادم!...ان كنت تريد ان تصرخ فهيا اصرخ واكسر ولكن لاتبقى صامت وتتجاهلني وكأني لست موجودة بجوارك!..

    فأوقف سيارته بشكل مفاجئ ونزل منها ليغلق الباب خلفه بعنف..نظرت حولها لتجد انه احضرهم لساحل البحر دون حتى ان تنتبه انهم لم يكونو يسيرو في طريق الشقة منذ البداية.. فتحت بابها ونزلت خلفه وكان قد تقدم بضع خطوات بأتجاه البحر واول ماوصلت قريب منه التفت اليها ليجيب تعليقها الاخير قائلاً بغضب اشد:

    ـ هذا كل مايهمك أليس كذلك؟.. ان لااتجاهلك؟!..

    تقدمت بضع خطوات اخرى منه واستغلت عدم وجود ناس حولهم ليتحدثا بحرية ربما لم يكونا سيتحدثا بها حتى في شقتهما..فقالت بأستياء:

    ـ ليس وانت غاضب...ليس وانت حزين.. ليس وانت تحتاجني..لاتتجاهلني في هذه الاوقات ادم!..

    تقدم خطوة منها ليصبح شديد المقربة ويقول بهمس يحمل لهيب غضبه وحقده الذي اعماه في هذه اللحظة:

    ـ انا لااحتاج احد...ولاحتى انتي...بل وبالاخص انتي!..

    مع هذه القسوة التي ابداها لم تتحمل كتمان دموعها اكثر فأفلت بعضهم وهي تقول:

    ـ ماالذي جرى لك؟..هل جننت؟!..

    ليصرخ بها بصورة اشد:

    ـ اجل جننت!...عندما ارى قاتل ابي واخي الصغير امامي يتبختر دون ان افعل شيء فنعم انا بالتأكيد جننت...عندما تسيطر علي حفيدته وتضعفني بقربها لتخرسني عن الرد بأي شيء فأنا بالتأكيد لست انسان عاقل!..

    ردحذف
  106. ثم استدار عنها ليكمل صراخه الغاضب قائلاً:

    ـ ماكان علي ان اقبل بهذا الزواج...ماكان علي ان اوافق على الارتباط بكِ!..كنت اعلم ان هذا الارتباط سيجعلني التقي به يوماً ما..لتقتلني رؤيته لايزال حي وانا اقف عاجزاً تحرقني نيراني من دون ان املك القدرة على اطفائها!..كان علي رفضك..كان علي تركك!..

    وضعت ريم اطراف اصابعها فوق فمها لتكتم صوت شهقاتها العالي وتفجرت دموعها من غير رحمة وهي تستمع بعدم تصديق له!... فالعالم الوردي الذي بدأ يتسلل لظلام عالمها اكتشفت انه لاوجود له..وان في النهاية الجميع سيتخلى عنها والجميع سيتعب من حالتها...وادم بالتأكيد سيكون من ضمن هؤلاء "الجميع"!.. فها هو الان يعلن ندمه الصريح على تواجده معها.. دون ان تدرك مقدار الالم الذي دفعه لقول شيء كهذا...شيء لم يقصده ابداً كما عبّر عنه لتفهم هي بصورة خاطئة تماماً!..
    استدارت وسارت خطوات مرتعشة مثل جسدها نحو السيارة لاتتحمل سماع باقي الحديث ابداً!..
    اوقف سير خطواتها فجأة يده التي احاطت يدها لتسحبها اليه!..دفعته من صدره بقوة لتصرخ به من وسط دموعها:

    ـ اتركني ادم...اتركني وارحل..انا اكرهك.. انت كالباقين!..

    امسك يديها مرة اخرى ونزلت دموعه عما سببه لها من الم وحاول بكل طريقة التحدث اليها ولكن صراخها لم يسمح له بأن يكمل حروفه المبعثرة..دفعته بقوة من صدره وهي تصرخ به:

    ـ ماذنبي انا؟..قل لي ماذنبي انا؟...انا اعيش هذا الجحيم معك....بحق السماء فليشعر بي واحد فقط اني اعاني ايضاً!..

    عند هذه الجملة لم يتحمل وتجاهل ضرباتها وسحبها ليضمها بين ذراعيه بقوة وهو يهمس لها بصوت منتحب:

    ـ انا اسف..اقسم لكِ اني اسف...لم يكن يجب علي قول ذلك!..

    ليضعف جسدها عن المقاومة اكثر وتستلم بين يديه وهو تجيبه ببكاء اشد:

    ـ ماذنبي انا انهم خططو لهذا الزواج؟!.. ماذنبي انا ان انت ندمت؟!...لما لا يمكنكم ملاحظة اني مجبرة؟!..لما لايشعر احدكم بالجحيم الذي اعيشه انا؟..

    ـ شششش...اهدأي..انا اسف...اسف.. اسف..

    وبقي يردد هذه الكلمة دون ان يكتفي.. ودون ان يشعر انها قد اطفأت النيران التي اشعلها بداخلها!...نعم هو كره الضعف الذي تسببت له به..ولكن ماذنبها انه قد وقع بغرامها بقوة لتكون نقطة ضعفه؟!...

    ~~~~~~~~~~~~

    لم تكن حالة والدتها بلقيس بأفضل من حالتها بعد خروج ياسين قبل دقائق فقط.. كانت تجلس في الصالة وسط افراد عائلتها ولكن عقلها ليس معهم على الاطلاق..جذبها اليهم صوت نسرين وهي تسألها:

    ـ امي؟..هل انتي بخير؟!..

    جعل هذا السؤال الجميع يلتفت نحو بلقيس منتظرين اجابتها...زفرت بضيق وهي تقول:

    ردحذف
  107. أرايتم شكل ادم عندما خرج؟..كان غاضب جداً واخشى ان يعكس غضبه هذا على ريم!..

    تبسمت نسرين بسخرية وهي تجيبها بأستهزاء:

    ـ أحقاً؟!..تفكرون بهذا الان؟..ألم تفكرو بهذه الاشياء عندما قررتم ان ترتبط به؟..انه لربما سيعكس مشاكل الاسرتين عليها؟!..

    فهتفت بها امها بنفاذ صبر:

    ـ نسرين لاتبدأي!...انتي تعلمين ان هذا الزواج كان لابد منه لنوقف الدماء بين الاسرتين!..

    فقال سيف قاطعاً عليهما نقاشهما الحاد:

    ـ اهدأي يابلقيس... لااظن ان ادم من هذا النوع وبالتأكيد لن يؤذيها!..

    فأجابت ميسم مؤكدة:

    ـ عمي محق...وثانياً انتم تحرصون على معاملة ادم بلطف وبصورة جيدة وبالتأكيد سيضع هذا في عين الاعتبار في معاملته مع ريم كما اردتم!..

    زفرت بلقيس بضيق وهي تقول:

    ـ لااعلم..انا بالفعل لااعلم...ربما كنا مخطئين بهذا الارتباط منذ البداية..لايبدو ان العائلتين بأمكانهم الانسجام ابداً...نعم نحن عاملنا ادم بلطف..ونعم هم عاملو ريم بلطف...ولكن هل يقتصر الامر على ادم وريم فقط؟...ماذا عن باقي الافراد؟..أليس من المفترض ان تتحسن علاقة الاسرتين؟..فهل رأيتم الان رد فعل جدكم وادم؟!..لااظن ان قرار الزواج بأمكانه حل المشاكل في يوم!..

    قطب سيف حاجبيه بأستنكار واغلق الجريدة التي لم تعد تثير اهتمامه كحديث بلقيس وقال يحاول استشفاء مقصدها:

    ـ الى ماتحاولين الوصول بلقيس؟!..

    سكتت لثواني تثبت عينيها داخل عينيه الى قالت بحسم:

    ـ ربما من الافضل لهما ان ينفصلا!..

    ~~~~~~~~~~

    حل المساء وكلاهما يحرص على عدم محادثة الاخر بعدما حصل قرب الساحل....هو يخشى ان يسيطر غضبه عليه مرة اخرى وهي تخشى سماع مايجرحها...جرح لايمكنها تحمله عندما يصدر منه هو بالاخص!..
    تكورت حول نفسها في غرفتها والصقت ركبتيها على صدرها ونامت على سريرها من دون حركة..من دون اي صوت...لاشيء سوى الدموع تغزوها وكلماته تأبى مفارقة رأسها لتبعث الفوضى بروحها وتبعثر مشاعرها... لتعود لحالة الضياع..لتغزوها"عدم الثقة" مجدداً..
    رفعت بصرها فجأة بفزع لنافذتها مع تراطم اول رياح ببعضها وانبعاث البرق في الارجاء... عضت على شفتها السفلية تكتم صرختها واغمضت عينيها بقوة تفرز دموعها... انها المرة الاولى منذ شهور يعود شعور الوحدة ليسيطر عليها!... وقعت اول قطرة مياه من السماء.. ثواني ولحقنها رفيقاتها...دقائق واغرق المطر الشوارع وملأ الرعد الارجاء بالضجيج!..
    خوفها توسلها ان تلتجأ اليه...ولكنها خشت ان يبعدها عنه..ان يرفضها كما حصل عند الساحل!..
    طرقات خفيفة فوق باب غرفتها جعلت جسدها يتوقف عن الارتعاش فوراً وحدقت بنقطة معينة في الجدار امامها وهي تستلقي على جانبها بأتجاهه ومولية الباب ظهرها..لم تبدي اي حركة اخرى ولم تجيب طرقاته..بل بقت كما هي!...ثواني واحست بأنفتاح الباب وخطواته تقترب منها ليقف بجوار سريرها..ولازلت مصرة على عدم الحركة..وعلى عدم اسدال جفونها ايضاً!..

    ردحذف
  108. احست بجلوس جسده فوق الارضية وظهره يتكأ على سريرها بجوارها...عصرت قبضتها بتألم وهي تستمع لهمسه لها يشوب نبرته بعض الارتجاف دليل على المه هو ايضاً...وربما بكائه!..

    ـ اعرف انك تخافين المطر..واعرف انه بعد ماحصل لم تكوني ستأتي الي كالمرة السابقة!..

    سكت لثواني قبل ان يكمل:

    ـ ياليت بأستطاعتي جعلك تنسين تلك الكلمات التي تفوهت بها..ياليته بأمكاني جعلك تنسين كل مايجرحكِ!..

    ثم ضم ركبتيه الى صدره ليبدأ ببكاء كان صعب عليه كتمانه..وصعب عليه اظهاره...وقال بألم:

    ـ ياليته بأمكاني نسيان الماضي انا ايضاً...انا اتألم ياريم.. اتألم بشدة!...لذلك ارجوكِ لاتتركيني!..

    عندها لم تتحمل اكثر واستدارت اليه لتحوطه بذراعيها وتسند رأسها فوق ظهره وهي تقول ببكاء اشد منه:

    ـ لن افعل...اقسم لك اني لن افعل..فقط ابقيني انت بجوارك..فقط تحدث الي ولاتبقى صامتاً!..

    احاط رأسه بيديه بقوة وهو يقول:

    ـ لاااريد...لااريد التذكر..لااريد التكلم..لااريد لتلك الايام ان تعود!..

    زادت من ضغط يديها حوله لتطرد ضعفه الذي كرهت بشدة رؤيته يسيطر عليه..لطالما اعتادت عليه القوي الذي يسندها ان تهاوت.. كرهت بشدة ان تستشعر احتياجه دون ان تملك اي شيء لتمده بالقوة الكافية عن طريقه!... ارادت ان تفعل اي شيء ولكنها عجزت..وكلما عجزت كلما زادت من ضغط يديها حوله تحاول اشعاره انها بجانبه..دون ان تعلم ان هذا كان كل مايحتاج اليه في لحظتها!!..

    حل صباح اليوم التالي وانشغلت ريم في تحضير الفطور وهي تراعي هدوء خطواتها في السير كي لاتوقظ ادم الذي نام هو هذه المرة على ارضية غرفتها!..
    صنعت فطور مثالي هذه المرة ورتبت المنزل بشكل جذاب كي يشعر بالراحة عند استيقاظة لتبعد عنه الهم الذي خلق في صدره البارحة.. لتبقي دموعه حبيسة عينيه وترسم الابتسامة على ثغره كما كان يفعل هو معها في حالات كهذه!..

    ـ صباح الخير!..

    التفت بلهفة نحو صوته الدافئ الذي اخترق سكون المطبخ وقالت بأبتسامة مشرقة:

    ـ صباح الخير!..

    جلس على الكرسي واستند بمرفقيه على الطاولة التي امامه وقال بابتسامة ضعيفة:

    ـ ما كل هذا النشاط اليوم؟!....منذ متى تستيقظين قبلي لتعدي الفطور؟..

    فأعادت بصرها بأتجاه البيض تكمل ماتفعله وهي تجيبه ممازحة:

    ـ وكيف عساي ان استمر بالنوم وهناك مزعج يحتل ارضية غرفتي!..

    اكتفى بالابتسام من دون تعليق..الامر الذي آلمها بشكل غريب واشتاقت بشدة لمزاحه..ولاتعرف كيف تعيده كما كان فشخصيتها الانطوائية لاتساعدها في النجاح بهذا ابداً..ولكنها استمرت بالمحاولة رغم هذا!.. اطفأت نار الطباخ والتفت اليه قائلة:

    ردحذف
  109. هيا قم لتغتسل فالفطار كاد ان يجهز!..

    بقي يحدق داخل عينياها بصمت..الامر الذي اربكها ودفعها لتعود بأبصارها نحو الطباخ شاغلة نفسها بأي شيء بعيداً عن عينيه..
    انقبض قلبها بقوة وهي تستشعر خطواته تتجه اليها بدل اتجاهه للحمام..ثواني واحست بجبينه يستند على كتفها من الخلف..تماماً كطفل مذنب..قال لها بهمس:

    ـ هل قلت لكِ اني اسف؟..

    تبسمت وهي تقول:

    ـ أتعني عدا السبعون مرة التي سمعت فيها هذه الكلمة البارحة؟..فنعم انت قلت..

    ـ انا لم اقصد بالفعل مافهمته!..

    ـ لاعليك...انا اتفهمك..فأنا اكثر انسانة تتفوه بأشياء لاتعبر عما تقصده بالفعل...لذلك لاتقلق!..

    اطلق تنهيدة متألمة وهو يكمل همسه:

    ـ ياليتك لوتعرفين فقط!..

    صمتت لثواني ثم قالت:

    ـ اعرف ماذا؟!..

    وفجأة ابتعد عنها وهو يتمتم:

    ـ لاشيء...انسي!..

    تنهدت بتضايق وقتلت فضولها فوراً دون ان تصر على المعرفة!..فأحياناً لغة العيون..الهمسة..احتضان من نحب..كلها اشياء تكون ابلغ من الكلام..لذلك هي عبرت عن اهتمامها به بطريقة اخرى..وهو بالتأكيد قد فهم هذه الطريقة!..

    خرج بعد الغداء في مشوار لم يخبرها لوجهته ولم تسأله هي ايضاً الى اين!..
    جلست في الصالة بملل تشاهد التلفاز من غير اهتمام الى ان طرق الباب ينبأ عن زائر غير متوقع!..فتحت الباب لترفع حاجبيها بدهشة وهي تقول بفرحة وعدم تصديق:

    ـ رأفت؟؟!!..

    تبسم رأفت وهو يحك رأسه بأحراج وقال:

    ـ تأكدت من خروج ادم واتيت لأراكِ..

    ضمته اليها بشوق وهي تقول:

    ـ جيد بما فعلت!..فأنا بالفعل مشتاقة لرؤيتك ايها الصغير!..

    فقال بتذمر طفولي:

    ـ ريم!..انا بالفعل اصبحت كبير!..

    ضحكت وهي تسحبه من يده لتدخله وتقول:

    ـ حسناً ايها الكبير تفضل بالدخول!..

    جلس في الصالة وهي في المطبخ تعد من اجله بعض القهوة...قدمتها له وجلست بجواره وهي تقول:

    ـ كل هذه المدة تغيب ولاتفكر بزيارتي ايها المتعجرف؟!..

    ضحك وهو يرتشف من القهوة قليلاً ويقول:

    ـ لقد حاولت اكثر من مرة مقابلتك عندما تزورين منزلكم ولكن ادم كان يرافقكِ..وكما تعلمين انا وهو لانتفق...لذلك فكرت بمراقبة الشقة وزيارتك عند خروجه!..

    ردحذف
  110. ضحكت وهي تجيبه:

    ـ اصبحت جاسوساً محترفاً يافتى!!..

    ـ ياعزيزتي لااحد يقّدر مواهبي في هذه الايام!..

    ـ اجل اجل صحيح!..

    وبقيا يتبادلان المزاح والاحاديث لبعض الوقت ورأفت متعجب من الحالة الجيدة التي اصبحت عليها ريم عكس المرة الاخيرة التي قابلها فيها!...
    عم السكون على المكان قليلاً قبل ان يقول رأفت بتردد:

    ـ اذاً...سمعت انكِ زرتي منزلكم البارحة؟!..

    انقبضت ملامحها قليلاً وهي تتذكر زيارة البارحة ثم اخذت نفساً عميقاً ونظرت اليه وقالت:

    ـ اجل..فعلت!..

    فأكمل:

    ـ سمعت...انك تشاجرتي مع جدي!..

    اطلقت ضحكة ساخرة قبل ان تردف:

    ـ يالسرعة انتشار الاخبار في اسرة ياسين!..

    ـ لما فعلتي ذلك ريم؟..

    فنظرت له بحدة وقالت بأستنكار:

    ـ فعلت ماذا؟!..

    ليجيبها بشيء من الغضب:

    ـ كيف تقفين مع حفيد مراد ضد جدك؟..هل تدركين الغضب الذي سببته لأفراد الاسرة؟.. جدك؟اعمامك؟..هل تدركين خيبة الامل التي تعرضو لها بسببكِ؟!..

    فأنتضفت من مكانها بغضب لتعيد جملته بسخرية:

    ـ اقف مع ابن مراد ضد جدي؟؟....أذ كنتم نسيتم فحفيد مراد هذا يكون زوجي...وهل تريدون ان اذكركم اي زوج؟..انه الزوج الذي اجبرتموني على الارتباط به كي يحل السلام بين الاسرتين..هل بأمكانك ان تقول لي اين هو هذا السلام الذي صنعه جدك؟...انه لايفعل اي شيء سوى تحويل الامور للأسوأ!..

    فقام من مكانه ليقابلها قائلاً:

    ـ ريم!..كلامي هذا لايعني اني بجانب جدي او ضد زوجك...ولكن تخييب ظنهم ليس من مصلحتك...ولامن مصلحة ادم!..

    قطبت حاجبيها فوراً لتقول:

    ـ الى ماذا تلمح بالضبط؟!..

    ـ بعض الافراد لايريدون اتمام الصلح بين الاسرتين...وعندما تثبتين لهم ان علاقتك جيدة مع ادم فهذا سيصب ضد مصلحتك بأبقاء الامور بخير!..

    اقتربت منه خطوة وقالت بتوجس وعلامات الاستنكار تغلف وجهها:

    ـ هذه الجملة قالها مراد قبلك...قال ان هناك بعض الافراد الذين لايريدون اتمام الصلح بين الاسرتين....ماالذي يعرفه الجميع ولااعرفه انا؟!..

    حدق داخل عيناها بجمود لثواني قبل ان يردف بنبرة صلبة وواثقة:

    ـ وهذا مااسعى لمعرفته...مايخفيه عنا الجميع!..

    ـ لحظة...انا لاافهم شيء!..

    فقال بنبرة اقرب للتحذيرية:

    ـ ريم..انا لاافهم ايضاً..ولكن هناك همسات غريبة داخل العائلة..هناك اتفاقات سرية وماضي اسود يخفونه عن الجميع!...شيء ما لايعرفه سوى البعض!..

    سكت لثواني ليشد انتباهها اكثر واكمل:

    ـ ذاك الشاب تحت المطر الذي رأيته قبل ثلاث سنوات في يوم موت هزيم.....لم اعد واثقاً انه ينتمي لأسرة مراد من الاساس!..

    شهقت بجزع ثم قالت فوراً:

    ـ ماذا تعني؟!...هل يمكن ان..

    ـ لااعرف...هذا مااحاول اكتشافه...قلت لكِ ان هناك شيء غريب...وانتفاضة اغرب حصلت بين افراد العائلة بعد ان عرفو بأمر دفاعكِ عن ادم....لااعلم لماذا ولكنهم يرفضون وبشدة ايضاً ان تفكري في يوم الوقوع بغرامه!...وليس من اسرتنا فقط...هذا الشيء يسعى اليه افراد مجهولين من كلا الاسرتين... لذلك اتيت لتحذيركم!..

    رفعت اصابعها لتعيد بعض خصلاتها نحو الخلف والصدمة تسيطر على كل كيانها وتعجز عن تفسير هذه الامور الغريبة التي بدأت تكتشفها مؤخراً!..

    مسح رأفت برفق فوق شعرها وهو يقول لها:

    ـ لست متأكداً من شيء بعد..ولكن اي معلومة سأعرفها سأتي لأخباركِ..

    تبسمت له بأمتنان وهي تقول له:

    ـ شكراً لك كثيراً رأفت!..

    بادلها ابتسامتها وهو يجيب:

    ـ لاداعي لتشكريني عزيزتي...المهم ان تكوني بخير دائماً... حسناً..والان علي الذهاب !..

    ـ ياليته لوكان بأمكانك البقاء!..

    رفع كتفيه وانزلهما قائلاً بأبتسامة اوسع:

    ـ من يعلم!..ربما سيأتي اليوم الذي يتصلح فيه كل شيء لأكون انا وادم صديقين مقربين!..

    ـ بالفعل اتمنى هذا!..

    وفجأة تجمد كلاهما بأنفتاح باب الشقة ودخول ادم!!...حدقت ريم فيه وادركت ان عاصفة غيرة شديدة على وشك هدم الشقة عما قريب وهو يحدق بها بتلك النظرات القاتلة!!

    ردحذف
  111. ماهو الجنون المنطقي الوحيد في هذا الكون
    ؟؟!!!.... انه الحب!

    ~~~~~~~ ~~~~~~~~~~
    ازدردت ريم ريقها بتوتر وادارت بصرها من دون ارادة منها بين هؤلاء الاثنين...وفهمت جيداً تلك النظرة التي رمقها بها ادم قبل ان يثبت ابصاره داخل عيون رأفت الذي قال بشيء من الاستياء:

    ـ حسناً ريم...سأذهب انا الان!..

    ثم التفت نحو ادم الذي اجابه ببرود واستهزاء بدلاً من ريم :

    ـ لازال الوقت مبكراً...ام ان حضرت الملائكة غابت الشياطين؟..

    فتبسم رأفت بأستخفاف ليجيب:

    ـ انت بالتأكيد تقصد ان حضرت الشياطين غابت الملائكة؟..

    ـ بل اقصد ماقلته اولاً ياظريف!..

    زفر رأفت بضيق وهو يلتفت نحو ريم ليقول:

    ـ سأذهب انا الان عزيزتي قبل ان اتهور!..

    فتقدم اليه ادم ليقول بشيء من العصبية:

    ـ "عزيزتي"؟؟...وتظن انك انت من ستتهور الان؟؟!!...

    فعصر رأفت قبضته ليسيطر على غضبه وقبل ان يرد بشيء امسكته ريم فوراً من مرفقه وهي تقول بحسم:

    ـ رأفت!...من الافضل ان تغادر الان وسنلتقي لاحقاً!..

    استمع رأفت لها ولم يعلق بشيء بل اكتفى برمق ادم بنظرة غضب حادة وترك الشقة صافعاً الباب خلفه بعنف تاركاً ريم وحدها مع شعلة النار تلك التي ستلتهمها في اي لحظة!..

    بقيت واقفة في مكانها تقلب عينيها في الارجاء تشغل بصرها بأي شيء عدا تلك الفيروزيتين الغاضبة التي تحدق بها!...قلبت بصرها..وقلبت..وقلبت..واخيراً اوقعته وكأنها اوقعته بالصدفة داخل عينيه فقط لترى ملامح وجهه في هذه اللحظة..واول ما تعانقت ابصارهما قال فوراً بحدة وعدم تصديق:

    ـ بالله عليكِ؟؟!!.. رأفت؟؟!!!..

    فأجابت بتلعثم تحاول السيطرة عليه وادعاء الثبات ولكنها تفشل:

    ـ ماذا؟..ابن عمي واتى لزيارتي..ليس بالأمر المهم لتغضب بشأنه!..

    فأجابها بعصبية فوراً:

    ـ أحقاً؟؟..بالنسبة لكِ هذا امر اعتيادي؟!..

    لتبادله عصبيته:

    ـ بالطبع اعتيادي!...ام انك ستمنعني حتى من هذا؟!..

    فتقدم خطوتين بأتجاهها وهو يزمجر بها بغضب لتعود هي خطوتين نحو الخلف بخوف:

    ردحذف
  112. ريـــم!.. لاتجعليني افقد اعصابي الان!..

    لترد عليه بأرتباك:

    ـ وماالشيء الخاطئ الذي فعلته الان لتفقد اعصابك بسببه؟!..

    ـ كيف تسمحين له القدوم الى هنا؟!...ومن دون الجميع رأفت؟؟!!..

    فتقدمت نحوه بعصبية لتقول له بأستياء سيطر عليها في هذه اللحظة ليمحي كل خوفها من غضبه:

    ـ هذا يكفي ياادم!...كفاك تناقضاً...انت طلبت مني مسامحة اسرتك وتحسين معاملتي معهم بحجة ان الطرفين تعرضو لخسائر بسبب ذلك الانتقام اللعين وبدأت تجسد لي دور الناصح المتفهم ومن ثم تأتي الان لتتعامل بكل عنصرية مع افراد اسرتي...أهذا عادل؟..

    فكز على اسنانه بغيظ وهو يجيبها:

    ـ فليزورك كل افراد اسرتك الى هنا ولن اغضب بل ومن المحتمل اني قد اتقبل زيارة جدك لكِ في غيابي...ولكن ذلك المعتوه لااريد رؤيته هنا!..

    ـ لايمكنك منعي من هذا..انا ورأفت تربطنا علاقة قوية منذ طفولتنا وليس لأنك لاتحبه تفرض علي عدم مقابلته!..

    ـ بل سأفعل!..

    ـ اوه حقاً؟..ولماذا؟..

    تلعثمت الحروف بادئ الامر فوق مخارج صوته يحاول ترتيبهم بشكل ما ليكوّن جملة يخفي به غيرته من رأفت بسبب هذه العلاقة القوية التي تربطه بريم...والاهم من ذلك عناقه لريم ذات مرة امامه!!..
    فقال بأكثر عذر غبي فكر به في هذه اللحظة:

    ـ لأن هذه شقتي واظن اني املك الحق في استقبال من وعدم استقبال من!!..

    رفعت حاحبيها بعدم تصديق ثم ضحكت على نفسها ضحكة مرارة اكثر من كونها ساخرة وهي تقول له:

    ـ أتعلم....اظنك محقاً...هذه هي شقتك.. ووجودي كافي لتتحمله ولست مضطراً لتتحمل زواري ايضاً!..

    فأراد ان يجيب فرفعت يدها فوراً تمنعه من ذلك وهي تقاطعه قائلة:

    ـ انا بالفعل لااتحمل كلمات اخرى منك..اعتقد انه علينا ختم المناقشة عند هذا الحد...وسأعرف حدودي من الان فصاعداً في تصرفاتي داخل "شقتك"!..

    ثم تركته واستدارت نحو غرفتها ولكن جملته اوقفتها:

    ـ ليس هذا ماقصدته!..

    فألتفت اليه لتهتف به بنفاذ صبر:

    ـ ريم انا نادم على الزواج منكِ ولكن لاتحزني فأنا لااقصد اني بالفعل نادم...ريم غير مسموح لكِ استقبال من تريدين هنا لأن هذه هي شقتي ولكن لاتغضبي فلست اعني ان زوارك الذين لاينالون اعجابي غير مرحب بهم هنا...

    ثم اردفت وهي تنظر اليه:

    ـ هلا نورتني اذاً بتفسيرك سيد ادم ولتعذر غبائي وعدم فهمي لـ"قصدك الواضح"!.

    ردحذف
  113. وتعمدت ان تشدد حروف جملتها الاخيرة كي تبين له استهزائها وعدم جديتها فيما تقوله!.. لم يخرج من فمه سوى التأتأة والارتباك وهو ينظر اليها تنتظر اجابته...وعندما لم يتحدث بشيء هزت رأسها بتفهم وهي تقول بسخرية بينما تستدير:

    ـ وكما توقعت!..

    سارت خطوتين وتجمدت فوراً بمكانها مع همسته المترددة التي انطلقت من بين شفاهه:

    ـ لأني..اغار!..

    عجزت عن التنفس..عجزت عن التحرك...ودقات قلبها..لابد انهم 250نبضة في الدقيقة!... 72 نبضة؟؟..لا يااعزائي انها للبشر في الحالة الطبيعية...اما ما تمر به ريم في هذه اللحظة فهو الجنون بحد ذاته...جنون عاقل يحمل التناقض داخل منطقه...انه الفوضى بحد ذاتها... انه الحب!!..
    ازدردت ريقها بصعوبة شديدة ولكن فمها لايزال جافاً..وقلبها مرتجف..وجسدها بارد... لابد ان يكون بارداً وألا لماذا يرتعش بهذه الطريقة؟!...
    لم تكن تملك القوة الكافية لتستدير اليه.. ولكنه امتلك تلك الجرئة ليتقدم اليها..نحو ذلك الجسد المتصلب من دون اي حركة او ردة فعل!....استند بجبينه على رأسها من الخلف ليغزو عطر شعرها تجويفه الانفي جعل روحه تتنشط ذاتياً ويتراقص قلبه ليتسابق مع قلبها وهو يكمل همسه بينما يغمض عينيه ليشعر بكل احساس يمر به في هذه اللحظة..ليستشعر كل كلمة...ليتمعن بكل حرف:

    ـ لايهمني ان كان هو من حاول اغتيال عمي معتز ام غيره..لايهمني ان كان معي او ضدي.. لايهمني حتى وان كان صديقي المقرب!... مايهمني ان ذلك المعتوه عانقكِ ذات مرة امامي...تجرأ ولمسكِ!..حتى وان كان يصغركِ بسنين... حتى وان كنتما اصدقاء طفولة...سأكره كل من يتجرأ ويفعل ذلك... سأود ان اقتله واقطع جسده ارباً.... فأنتي لي... لي انا وحدي!!...

    ـ أأنـ..

    ـ ششش...ابقي هكذا قليلاً...لااريد سماع صوتك المزعج الذي بالتأكيد سينطلق ليفسد هذه اللحظة الجميلة بكلمات متهورة!!..

    كتمت ضحكتها بصعوبة امام هذه الرومانسية الغريبة التي يتفوه بها...وبقيت صامتة كما طلب منها تحاول ان تعيش هذا الشعور الذي سببته كلماته لاطول فترة ممكنة وابتسامة دافئة ترتسم فوق ثغرها تعجز عن محيها وتعجز بشدة في هذه اللحظة عن ادعاء الجدية!..

    لم تقطع ريم اللحظة.....ولكن مايا فعلت!..بأتصالاتها التي تستمر لمدة 24ساعة في اليوم وسبعة ايام في الاسبوع وثلاثون يوم في الشهر!...
    عصرت قبضتها بقوة وكزت على اسنانها بغيظ وهي تلتفت اليه تراقب وتستمع لمحاورته مع مايا وحاولت بصعوبة شديدة السيطرة على ردة فعلها ولكن جسدها كان ضد ارادتها وبدأ يرسم لاارادياً علامات الاستنكار لهذه المكالمة الهاتفية!..

    ـ حسناً حسناً مايا لست غبياً لدرجة ان تعيدي علي الجملة خمس مرات...يكفي اربعة!..

    ضحك ليردف:

    ردحذف
  114. حسناً اخلاقي العالية ستمنعني من الرد على بلهاء مثلك...لا..بلهاء ليست شتيمة... انها تعتبر من الصفات!....لا المعتوه تعتبر شتيمة!...لماذا؟..لأني قلت هذا!..

    واكمل ضحكه غير منتبه اساساً لكتلة النار التي تستعر بجانبه...حسناً ربما من الافضل وصف نظراتها انها اقرب للأفتراس وليس الاشتعال فقط!..
    انهى مكالمتة ليشاهد تلك النظرة الحادة تحتل عيناها فقال فوراً بأستغراب:

    ـ مابكِ؟!..

    وهنا حان وقت الانتقام..فقالت ببرود:

    ـ انا افكر!..

    ـ تفكرين بماذا؟!..

    ـ بما ان وجود رأفت سيزعجك هنا فأني سأقابله من الان فصاعداً خارج الشقة...

    بقي يحدق بجمود لثواني داخل عيناها ثم فجأة ابتسم وهو يقول:

    ـ فكرة جيدة عزيزتي..افعليها!..

    ثم فجأة اختفت ابتسامته ليقول بحدة كما في المرة السابقة:

    ـ كي اكسر لكِ عظامكِ العزيزة الواحد تلو الاخر!..

    عقدت يديها امام صدرها لتتذمر بسخط:

    ـ جميل جداً!..انت تقابل وتتحدث مع من تعجبك وانا تمنعني حتى من رؤية ابن عمي؟!..

    فرفع كتفيه وانزلهما وهو يقول ببرائة وبساطة:

    ـ اجل...فأنا اغار عليكِ...ولكن هل تغارين انتي علي؟..

    فردت بأرتباك فوراً:

    ـ بالطبع لا!..

    ـ اذاً اغلقي فمك ولاتتدخلي فيمن اقابل او مع من اتحدث!..

    وتركها وسط نيرانها ودخل الى غرفته!..زفرت بضيق كالاطفال ودخلت الى غرفتها هي ايضاً وصفعت الباب خلفها بعنف لتسمع صوته يهتف بها من غرفته:

    ـ احسنتي!..انتي تصفعين باب الغرفة وابن عمك المعتوه يصفع باب الشقة..شهر واحد وستتكسر ابواب منزلي بسببكم!..

    غلب استيائها ابتسامتها واغتالها فور ظهورها فوق ثغرها!..
    سارت كالمجنونة في ارجاء الغرفة وهي تتحدث كعادتها مع صورة هزيم التي تضعها على المنضدة بجوار سريرها:

    ـ انه اكثر احمق مستفز قابلته في حياتي كلها واياك ان تدافع عنه!..

    ثم التفتت اليه وكأنه اجابها:

    ـ ماذا تعني بأنه من حقه ان يغار؟...هو من حقه وانا لا؟ رائع...يتحدث مع تلك المايا بحرية ويقابلها بحرية ومن المفترض اني لن اعترض؟!..

    ثم اطلقت تنهيدة سخط وهي تكمل:

    ـ اريد ان اعرف اين هو الجميل بالضبط في الحب كما كنت تقول لي؟...انه مجرد تحطيم للأعصاب واتلاف خلايا المخ ببطئ!..

    فجأة صمتت واتسعت حدقتيها بصدمة وهي تتمتم بأرتباك:

    ـ لحظة..ماهذه السخافة التي اتفوه بها؟!..

    ردحذف
  115. ثم نظرت نحو صورة هزيم وكأنها تخيلت كيف نظرته في هذه اللحظة فقالت بتلعثم:

    ـ لالا...انا لست احبه....انها مجرد كلمة عابثة نطقتها سهواً!..

    وفجأة سمعت صوت ادم من خلف بابها:

    ـ مع من تتهامسين؟..هل اتصلتي برأفت؟!..

    فهتفت به:

    ـ ياليته بأمكاني الاتصال بملك الموت ليأخذني ويخلصني منك!..

    ـ ستجدين رقمه في الدرج الثاني في المطبخ في جهة السكاكين....انها اسرع طريقة للوصول لملك الموت!..

    هزت رأسها بيأس منه وهي تضحك...ضحكة تحولت لأبتسامة دافئة وهي تجلس على طرف السرير قريب من الصورة تقلب عينيها بحيرة داخل عينا اخيها الباسمة!....رفعت يديها ببطئ الى قلبها واستكانت بكفها الرقيق فوق ضرباته العنيفة وتمتمت بشرود:

    ـ أهكذا يكون اذاً؟!..

    ونزلت دمعة لاتعرف سببها من عينيها..مسحتها بأطراف اصابعها وهي تنظر اليها بذهول....هي لاتعرف بالضبط سبب هذا الدموع التي تغزوها في هذه اللحظة..فهي ليست حزينة وليست سعيدة... انها مشتتة فقط!!..
    رمقت اخيها بنظرة ألم باكية وهي تقول:

    ـ انا لااحبه...من المفترض ان يكون زواجنا على الورق فقط....انا لااريد ان اكون ضعيفة ياهزيم...والحب يجعلنا ضعفاء...يجعلنا حمقى... وفي النهاية سيتركني!...انا متأكدة من ذلك....سيجعلني اقع في غرامه وسيتخلى عني كما فعل الباقين!...

    سكتت لثواني وهي تجفف دموعها ثم اكملت حوارها مع اخيها:

    ـ انا في النهاية حفيدة ياسين...حبه لي سيسبب له الالم اكثر من السعادة واظنك رأيته كيف تصرف ذلك اليوم قرب الساحل لمجرد انه تأكد ان مشاعره اتجاه حفيدة قاتل ابيه لن تتغير وستستمر بأضعافه!..

    اومأت لرد وهمي من هزيم في عقلها واكملت:

    ـ اعلم انه محق بغضبه ذاك...فأنا كنت اتصرف مثله وكنت سأكره نفسي وبشدة ايضاً ان احببت حفيد قاتل اسرتي!...انه عكسي..انا لست واثقة ممن قتلك..ولكنه واثق ممن قتل ابيه واخيه...اتعجب كيف عساه ان يحبني بهذه الطريقة وهو يعرف جيداً ان جدي هو من قتلهم؟!..

    ثم نظرت نحوه بخيبة امل:

    ـ لذلك اقول لك ان حبه لي سيسبب له الالم وسيتخلى عني في النهاية...لأنه سيستمر بكره مشاعره هذه اتجاهي كلما قابل جدي... وبالنهاية سيكرهني...وسيتركني... كما فعل الجميع!!..

    استلقت فوق السرير وغطت وجهها بكلتا يديها بتعب وهي تتوسل لنفسها ان تكف عن هذا البكاء الذي لاتزال تجهل سببه وتجهل كيف توقفه!..

    رن هاتفها في الوقت المناسب تماماً...فالمتصل كان ميسم!..اجابت بكسل:

    ـ اهلاً ميسم!..

    ردحذف
  116. ليصلها صوت ميسم الناعم:

    ـ اهلاً حبيبتي...كيف حالك؟..

    ـ بخير..نوعاً ما!..

    ـ ولما"نوعاً ما"؟!..

    تنهدت قبل ان تجيب:

    ـ لااعلم!..

    ـ حسناً...مارأيك ان نعلم هذا سوية؟..

    ـ كيف؟..

    ـ انا اشعر بالملل..مارأيك ان تقابليني في الحديقة العامة التي اعتدنا على الذهاب اليها مسبقاً؟!..

    فكرت قليلاً قبل ان ترفع جسدها عن السرير فوراً وقد استساغت الفكرة وهي تجيب:

    ـ حسناً...سأوافيكِ الى هناك حالاً!..

    انهت المكالمة واتجهت نحو الخزانة من فورها...اخرجت قطعة الثياب الاولى تتمعن فيها ثم سرعان ماالقتها بعيداً وهي واثقة من ان ادم لن يوافق ان ترتديها..اخرجت الثانية لترميها بجوار زميلتها التي سبقتها...وهكذا الى ان استقرت واخيراً على ملابس ستنال رضا ادم وسيقبل ان ترتديهم...ربما!..
    فهو غريب حقاً في امر رضاه حول الملابس ان كانت ستخرج لوحدها ولا يرضيه اي شيء بسهولة!..
    خرجت من باب غرفتها وكان هو لتوه قد خرج من المطبخ يمسك بيده كوب من القهوة...رمق ملابسها بعدم رضا لأدراكه انها ستخرج!..

    قالت بينما تضع الاشياء الاخيرة داخل حقيبتها:

    ـ سأذهب لمقابلة ميسم!..

    فقال بهدوء:

    ـ حسناً...كما تشائين!

    ـ هل ستبقى في الشقة؟

    ـ لااعلم...ربما لا...من المحتمل ان اخرج لمقابلة بعض الاصدقاء!..

    بالكاد سيطرت على نفسها كي لاتسأله ماان كانت مايا من ضمن هؤلاء الاصدقاء ام لا!.. اخذت نفساً سريعاً وهي تقول:

    ـ حسناً...سأذهب اذاً!..

    ثم تركته وخرجت من الشقة وعقلها ـ ولسبب ما ـ بقي كله معه!..

    وصلت الى الحديقة ووجدت ميسم تجلس على المسطبة ذاتها التي اعتادتا الجلوس عليها سابقاً!...

    تبسمت واقتربت منها لتلقي التحية.. اغلقت ميسم الكتاب الذي كانت تطالعه وقالت بلطفها المعتاد:

    ـ اهلاً عزيزتي...كيف حالك؟!..

    جلست ريم بجوارها وهي تنزع حقيبتها عن كتفها وتقول:

    ـ بخير..

    فأكملت ميسم بأبتسامة:

    ـ نوعاً ما؟!..

    بادلتها ريم ابتسامتها بأخرى اوسع ثم حولت بصرها في الارجاء تبحث عن سامي وعندما لم تجده عادت بنظرها نحو ميسم وقالت:

    ـ واين هو سامي؟..

    ـ ذهب برفقة نسرين وهيلين نحو المركز التجاري قبل اتصالي بكِ ومن المحتمل انها ستأخذهما نحو مطعم الوجبات السريعة كما ارادا...لذلك سيتأخرون في العودة فلم انتظره!..

    ردحذف

  117. اومأت بتفهم وقلبت ابصارها في الجوار تحدق بكل شيء حولها عدا عينا ميسم التي تتطلع فيها بترقب شديد وابتسامة لطيفة فوق شفتاها لاتفارقها ابداً!...اعادت بصرها نحو ميسم التي قالت تحثها على الحديث:

    ـ اذاً؟!..

    فقالت بأرتباك بينما تدس خصلات شعرها خلف اذنها:

    ـ اذاً ماذا؟!..

    ـ لاتبدين طبيعية اليوم...أهناك شيء ما؟!..

    ازدردت ريقها بتوتر وتحركت قدمها من دون ارادة منها تضرب ضربات سريعة فوق الارض بأرتباك وهي تحرك عينيها يميناً ويساراً وكأنها تبحث عن حروفها الضائعة واخيراً رفعت بصرها بتردد نحو ميسم وقالت بتلعثم:

    ـ عـ...عندما هزيم...كيف عرفتي انك كنتِ.. أم لم تكوني؟!..كيف ادركتي ذلك؟..

    ضحكت ميسم بخفة ثم قالت:

    ـ لما لم تخبريني اننا سنلعب لعبة الكلمات المتقاطعة كي احظر ورقة وقلم معي؟..

    ضربتها ريم على كتفها وهي تقول بضحكة:

    ـ ليس وقت استفزازك ياميسم واجيبيني!..

    ـ دعيني افهم كلماتك المبعثرة كي استطيع اجابتك يامجنونة!..

    وماان رأت ميسم طبقة خجل حمراء تغلف وجه ريم ادركت فوراً ماتقصده فهزت رأسها بتفهم وهي تقول بأبتسامة:

    ـ اهاا...أظن اني عرفت!..

    نظرت لها ريم بتوتر وتمنت لو انها لم تفهم..لو انها لم تأتي...لو انها تختفي الان فجأة ولتبقى في تشتتها فهي لن تبالي في هذه اللحظة.. فستفعل اي شيء لتتخلص من تلك الرعشة الخفيفة التي سيطرت على اطرافها ومن تلك الضربات العنيفة التي رفضت مفارقة قلبها الذي لم يعتد على عاصفة بهذا الشكل الغريب تبعثر لها كيانها!..
    فقالت ميسم بلطف وهدوء:

    ـ كيف عرفت اني احب هزيم؟..

    فأومات ريم بـ"نعم" من دون ان تتكلم واحمرار وجهها في تزايد وكأنها ارتبكت اثم لايغتفر تخجل البوح به!..
    فأكملت ميسم بذات نبرتها الهادئة وهي ترفع كتفيها بعدم معرفة:

    ـ ببساطة انه شعور لن تعرفيه!..

    فقطبت ريم حاجبيها بعدم فهم لتكمل ميسم:

    ـ ستحصل لك اشياء لم تحصل مسبقاً... سيبدأ قلبك طوال الوقت بالنبض بشكل مجنون كلما خطر من تحبيه على بالك...ستبدأين بكره كل الفتيات اللواتي يحيطونه من صديقات وزميلات عمل...ستجدين نفسك تشتاقين لصوته..لأبتسامته..ستنتظرين لحظة رؤيته بفارغ الصبر وسيزعجك بشدة ابتعاده عنكِ.. ستشعرين بأمان غريب قربه رغم انه لايوجد خطر يحيط بكِ!..ببساطة انتي لن تشعري بمرور الوقت بجانبه ولن يصيبك الملل ابداً من كثرة ثرثرتكما مع بعضكما....ببساطة انتي ستدركين من دون ان تعرفي الاسباب انكِ واقعة في الغرام فحسب!..

    زادت كلمات ميسم من تشتت ريم ووجدت نفسها في متاهة اعمق عن ذي قبل... فهي الان قد تيقنت انها بالفعل تحب ادم!!..جملة خطرت على بالها بشكل عابر ولكن ميسم نطقتها بثقة:

    ـ اذاً هل تحبين ادم؟!..

    التفتت اليها بأرتباك لتنفي بتلعثم:

    ـ لا..انا بالتأكيد..لست..اعني..انها مجرد..

    تبسمت ميسم اكثر فأدركت ريم انه لامهرب من الامر حتى وان انكرته الف مرة..فتنهدت بأستسلام وقالت:

    ـ اجل...اظن اني كذلك!..

    ثم اردفت فوراً:

    ـ اعني..لااعرف...ولكن...اظن ذلك!...

    ضحكت ميسم وهي تمسح على شعرها بلطف وتقول:

    ـ الحب ليس جريمة ياريم لتخجلي من البوح به...ولااعلم ماالذي يخيفكِ بالضبط اتجاه هذا الحب ولكن كوني واثقة دمتما تحبان بعضكما الاخر ستتخطيان كل الصعاب معاً!..

    تبسمت ريم بأرتياح ورغم انها لم تخبر ميسم بمخاوفها ولكن شعرت انها قد فهمتها بشكل ما!...واطمئنان غريب تسلل الى داخلها يخبرها بأن كل شيء سيكون على مايرام!..

    انقضى الوقت بأستمتاع مع ميسم وهن يتبادلن الاحاديث الطريفة التي تنسي كل واحدة فيهما ذلك الجحيم الذي اجبرهما الواقع على عيشه!..

    عادت بعد ثلاث ساعات تقريباً نحو المنزل لتتفاجئ بسيارة ادم لاتزال اسفل البناية....هذا يعني انه عاد او انه لم يخرج من الاساس..اياً كان فهو لايهم..مايهم انها ستجده في الشقة.. سبب كافي ليجعل ابتسامة سعادة ساحرة تزين وجهها وهي تصعد بأتجاه الشقة...ابتسامة لم تدم طويلاً!..
    فتحت باب الشقة لينساب الى مسامعها صوت...ولكنه لم يكن صوت ادم....بل صوت انثوي لم تسمعه مسبقاً!..

    دلفت الى الداخل وعلامات الاستفهام تحوطها من كل الجهات الى ان وصلت الى الصالة لتكتشف ان هذا الوجه لم تراه ايضاً وليس الصوت فقط!..
    كانت شابة جميلة في حدود الـ26من عمرها ذات شعر اشقر طويل وعيون عسلية جذابة جعلت الشياطين كلها تجتمع بداخل رأس ريم في هذه اللحظة!..
    تجهم وجهها وادارت بصرها ببرود واستفهام بأتجاه ادم الذي قطع حديثه مع هذه الفتاة فور حضور ريم والتفت اليها يحدق بداخل عيناها اللاتي على وشك نخر عظامه من نظرتها الحادة!...
    قامت تلك الشابة من مكانها لتقطع عليهما تواصلهما البصري وهي تقول بأبتسامة لطيفة وحماس:

    ـ لابد من انكِ ريم!..

    لم تبادلها ريم اي ابتسامة وهي تجيب ببرود:

    ـ اجل..وانتي؟!..

    سعل ادم بخفة كي ينبه ريم على طريقة حديثها ولكنها لم تبالي واستمرت بأرتداء قناع البرود ذاك...فتقدمت تلك الشابة اليها وهي تمد يدها للمصافحة وتقول:

    ـ انا مايا!.

    ردحذف
  118. انا مايا!..

    اسم اكثر من كافي ليجعل ريم ترفع حاجبها بحدة وتنظر بأستياء اتجاه ادم الذي شغل نفسه بحك رأسه او فرك رقبته ليتهرب من نظراتها.. اعادت نظراتها غير المبالية بأتجاه مايا وانزلتها ببرود اتجاه يدها الممدودة اليها للمصافحة... قلبها..جسدها..حبها..غيرتها الانثوية...كلها اتحدت معاً لتجعلها تقتنع بتجاهل يدها..ولكن عقلها حثها على المنطق والتصرف بلباقة.. فأخضع جسدها لرغبته وجعلها تمد يدها لتعانق كف مايا الرقيق في مصافحة غير ودية على الاطلاق من جانب ريم!..

    ـ اهلاً!..

    كانت تلك الكلمة الوحيدة التي انطلقت من بين شفاه ريم قبل ان تسحب يدها لتستمع لبقية ثرثرة مايا:

    ـ لقد اخبرني ادم بالكثير عنكِ لذلك كنت متشوقة جداً لمقابلتكِ!..

    فقالت ريم بأستهزاء:

    ـ لهذا اتيتي وانا خارج المنزل؟..

    سعل ادم للمرة الثانية يطلب منها بطريقة غير مباشرة الانتباه لكلماتها ولكن مايا ضحكت ظناً منها ان ريم تمزح!..فقالت فوراً:

    ـ لا في الحقيقة لم اكن ادرك انكِ خارج المنزل!..

    فنظرت ريم بأتجاه ادم لتجيب بنبرة ذات معنى:

    ـ اجل...وادم ايضاً لم يخبرني انكِ قادمة!..

    ثم اعادت بصرها نحو مايا التي لاتزال مستمرة بثرثرتها:

    ـ المهم اني تعرفت بكِ الان ولم اذهب من دون رؤيتك!..

    بالكاد تبسمت ريم بمجاملة قبل ان تعيد نظرتها الحادة بأتجاه ادم وهي تقول:

    ـ سأدخل لأغير ملابسي...عن اذنكما!..

    وسارعت الخطى نحو غرفتها لتدخل وتغلق ال