الأحد، 30 يوليو 2017

الحنين بقلم رؤى صباح مهدي

الفصل الاول
مرت من تحت كرمة انبثقت من باطن تربة خصبة فتناثرت ورقاتها الخضراء العريضة على ساند خشبي صنع بمهارة شديدة ليوضع على طول الطريق المؤدي إلى باب المنزل الخارجي. رحمة ابنة الشيوخ قادتها أقدامها إلى غرفة عمها المنزوي على سرير فاخر من الخشب الأصلي صنع منذ سنوات ليلائم شيخ العشيرة في أيام عزه الذاوية.


لم يصادفها أيا من عائلة عمها فقط الدادة القائمة على المنزل فتحت لها الباب ثم هرعت لتراقب طبختها التي تستوي بإتقان على الموقد.
تنهدت رحمة حزنا على عمها الشيخ راهي وقد اكل المرض لحمه ودق عظمه. تساءلت في نفسها وهي تغير له المحلول الملحي:
"يا للدهر ونوبات السنين! شيخ العشيرة الذي يهابه القاصي والداني كيف هزمه المرض بلا هدنة"
أكلت نفسها حسرات عليه فقد كان يحبها ويدللها كما يدلل ابنته الصغرى التي تقاربها عمرا بيد إن مواساتها لحزنها على عمها المحبوب كانت بمداراته (مثل المي بالصينية) وأحست أنها فعلت الصواب عند ولوجها معهد التمريض وسماع نصيحته كأنه كان يعلم يقينا أنها ستكون يوما ما ملاكه الذي يسهد على راحته.
فتح عينيه الغائرتين يطالع وجهها الحنطي ذو الخدين الأحمرين بفعل لهيب ظهر ذلك اليوم. هتف بصوت خامل:
"رحمتي!"
انشرحت أساريرها وولدت ابتسامه رحيمة على شفتيها وساعدته كي يجلس بارتياح بتكويم وسائد خلف ظهره لتسنده. تمتمت تحاول إن تبعث الأمل في قلبٍ شائخ:
"عمي! لقد قررت إن أزوجك فانت اليوم تبدو أصغر سنا واشد أزرا "
ضحك الشيخ وقال لها وهو يرقبها تضع حبات الدواء في كوب بلاستيكي صغير وتصب قدح ماء عذب:
"بعد الحاجة يرحمها الله ويسكنها فسيح جنانه لا حاجة لي في النساء فهذا القلب قد تفرغ بعد موتها للترحم عليها وتذكر ما جادت به يدها وما أحسن به لسانها"
هزت رحمة راسها إيجابا فقد كانت تتذكر لمحات من تلك المرأة الطيبة الودود. أعطت الحبوب لعمها فزلطها بدون تردد وأنهى كوب الماء فقالت له رحمة:
"هل تود التنزه في البستان وان كان الجو حارا في الخارج فان الكرمة قد فاءت ورش قليل من الماء سيعيد ذكريات جلوسك مع الحاجة المرحومة"
لطالما عرفت رحمة إن لرائحة التراب المرشوش توا بالماء أثرا علاجيا على حواس عمها المتعبة. هي نفسها ورثت عنه ولائها لمن تحب وعشقها لرائحة التراب المبللة.
بعد إن وافق عمها على الخروج طلبت منه الانتظار ريثما تنادي على مسعود ابنه الأكبر كي يساعدها في نقله إلى الكرسي المتحرك الذي يستعمله للتنقل.
هرعت إلى مسعود بقلب ينبض ويد مرتجفة فلطالما كان حضوره قويا أمامها منذ صغرها. هو مقل الظهور في مجالس أقربائه من النساء ولا يجد حاجة في نفسه إلى زيارة بيت عمه بتلك الكثرة التي قد يقوم بها البعض لذا فلقيا رحمة بمسعود كانت قبل عيادة عمها نادرة الوقوع. بعد إن بدأت تشرف على العناية بالعم تواترت لقاءتهما سويا وقد تلتقيه في أي مكان في المنزل بدون سابق إنذار ومع هذا ظلت تلك الرجفة من وجوده موجودة.
ركضت تبحث عنه وضفيرتها المتأرجحة خلف ظهرها تتراقص يمنة ويسرة في تناغم تحت الشال الأسود الذي لا يخفي نصف النخلة الباسقة التي تدلت بالمقلوب.
وأخيرا وجدته يراجع بعض الأوراق في غرفة المكتب الملحقة بالمنزل فطرقت الباب المفتوح كي تنبهه إلى وجودها. رفع عينيه البنيتين بغضب فهتفت:
"أريد مساعدتك فعمي ينشد الجلوس تحت الكرمة"
نهض بلا تردد وسابقها إلى غرفة والده. قبل يده اليمنى ثم حمله بين ذراعيه وأجلسه على الكرسي في مشهد مكرر لرحمة بقدر مرات اقتراحها على عمها الخروج من غرفته. بابتسامة شغوفة ونظرات متطلعة إلى مسعود سارت خلفه بينما يدفع هو كرسي الأب برشاقة فلاح يقفز على أشجار النخيل ليجلب التمر من اعثاقه. وضعه على الجهاز الخاص لإنزاله من الدرجات ورافقه في نزوله للأسفل. بعد إن تموضع الشيخ راهي في الحديقة سأل مسعود رحمة على جنب بصوته الملحمي الشبيه بصوت مذيعي الراديو:
"كيف هو الشيخ اليوم"
أجابته رحمة محاولة إن تكون إجابتها مهنية:
"أفضل بكثير، رغم الهزال ولكن حالته في تحسن اعتقد إن نكبته ستنتهي قريبا"
لاحت ابتسامة على وجه مسعود بعد سماعه هذه الأخبار ونظرة امتنان لابنة عمه التي ما برحت تطبب أباه منذ إن أصيب بنحول وتعب مفاجئين قبل شهر ونصف. 
أحست بالخجل من نظراته المبطنة. احمر خديها ثم تبسمت. حضوره القوي يسبب لها خجلا وارتباك وقد ألف ذلك فزاد في حركات القوة التي يفتعلها أمامها باحتسابها طفلة مطيعة.
نعم أنها رحمة ذات أل 20 ربيعا ابنة الشيخ معصوم المساعي ثاني كبير بعد أخيه راهي المساعي. تلك العشيرة الضخمة التي تتوزع في أصقاع البلد وأرباعه المختلفة الأبعاد يقودها عم الفتاة ذات الضفيرة والعيون البندقية التي لا يظهر لها لون إلا تحت شعاع جريء من الشمس يدخل عينيها فتغلقها ويفشل الشعاع في مهمته.
تخرجت من معهد التمريض ولكنها لم تعمل ابدأ خارج المنزل إلا في حملات التبرع بالدم والتي تعود الشيخ راهي على إقامتها بين الفينة والأخرى يدعو لها شباب القرية ويعلي من هممهم ليتبرعوا بدمائهم كدليل على حسن نيته وإكمالا لأعماله الخيرية التي يحب الانغماس بها بحكم منصبه.
لديها أخ واحد أكبر منها وهو رزاق. واجهت والدتها صعوبات جمة كي تحصل على طفلين ثم قررت ألا تخاطر بصحتها وان تكتفي بهما بعد إن سكبت براميل دموع على ما فقدت من أجنة. في النهاية رضيت بالمقسوم واستكانت لتربية فلذتي كبدها وكرست كل حياتها لهما ومن اجل سعادتهما وحمايتهما وترسيخ مكانتهما بين القوم. 
ورثت رحمة حب العائلة والاستماتة من اجل حمايتها من والديها كما انتهجت نهج الثقة الزائدة بعائلة عمها فكل القرارات التي يأخذها الكبير كبيرة وسارية ولها أحقية ونفوذ.
عندما كان جدها يتولى رعاية قريته وعشيرته شهدت العشيرة ازدهار وغنى وصدحت سمعتها في أرجاء المعمورة وجلب لهم احتراما ونفوذا لازالت له آثارا إلى هذا اليوم. بعد ذلك بدا نفوذ العشائر يقل وسلطتها تخبو ويتجه الناس في اتجاه معاكس لاتجاهات القبيلة أقرب للرغبات الفردية والتطلعات الأنانية وحب النفس وإعلائها على حب الجماعة وانتهى الذوبان في كيان العشيرة ليتجلط إلى استئثار المرء بنفسه مع بقاء صلة رفيعة له بعشيرته. مع هذا بقي الكثير ممن يكنون ولاء لكبير العشيرة وشيخها.
عاد مسعود إلى مخبأه ليكمل تراكمات الأوراق التي يدققها بينما ذهبت رحمة لتحضر لعمها استكان الشاي الذي يذكره بالأيام الخوالي. صادفت في طريقها ابنة عمها فرحة تمطط جسدها الضئيل وتتثاءب بصوت مرتفع ناعس. قابلت رحمة فرحة بابتسامة وسألتها:
"القيلولة وما أدراك ما لقيلولة؟"
ضحكت فرحة قاطعة نصف تثاؤب ولم تجب بل اندفعت إلى الحمام لتنشط حواسها فصاحت رحمة لتعلمها:
"إن أردت الشاي فانا وعمي في الحديقة نتسامر"
جاءها الجواب من داخل الحمام:
"يا منقذتي!"
أخذت رحمة الشاي من المطبخ وأسرعت بتكشيره متفائلة إلى عمها. قابلها بتَنهيده طويلة وراس مطرق ينظر إلى المسبحة الرمادية الفضية:
"إن معصوم محظوظ بك يا رحمة"
أزالت نسمة دخيلة بعضا من خصلات شعرها التي ثارت على الضفيرة وداعبت الخدين بروية ودلع. جلست تطالع وجه عمها المفعم بالسرور في جو البستان الممتلئ برائحة التربة والخضرة. زقزقة من عصفور يقف على غصن النارنج ينادى رفقائه كي ينضموا اليه في فرقة موسيقية عصفوريه ليطربوا أسماع الجالسين ويبهجوا الجو بإيقاع طبيعي. بعض النسمات الدخيلة التي صاحبت وقت العصر جاءت لتنضم إلى الجلسة كما جاءت فرحة.
هتفت فرحة بانتعاش وهي تستنشق رائحة الشاي:
"رائحة الهيل وجلسة العصر لا ينقصها سوى فرحة"
قهقه راهي وهو ينظر إلى فرحته التي يعتبرها صغيرته المدللة. تلك الفتاة المراهقة الجميلة التي تملأ المكان جمالا وبهجة. 
لم يشعر الثلاثة بمضي الوقت فقد كانت جلسة ساحرة تمنت رحمة لو إن ابن عمها توجها وزاد بريقها بحضوره بيد انه اعتكف في المكتب طوال الوقت ينجز أعمال والده ويتم شؤونه. قرب وقت المغرب وبدا الجو يميل إلى الاحمرار واقترب موعد الجرعة الثانية من الدواء فنهضت الصبية من مجلسها وأخرجت ذات الحبات التي أعطتها لعمها قبلا ثم أعطته نفس الجرعة. أزالت المحلول الملحي بكل مهارة فربت العم على كتفها قائلا:
"يدك كيد ملاك يا رحمة"
التفتت اليه مبتسمة ثم طلبت من فرحة إن تأخذه إلى غرفته ريثما تذهب هي لمناداة مسعود ليضعه في سريره. لم تناقش فرحة قرار رحمة فقد كانت تشعر بالانجذاب الخفي لرحمة نحو مسعود رغم انه تجاذب لم يبدو واضحا من جانب أخيها.
ركضت رحمة بتلك الضفيرة المتراقصة إلى مسعود واتجهت مباشرة إلى مكتبه. وقفت لاهثة تنظر بعيون باحثة عنه بين طيات الورق المتراكم على المكتب الخشبي تحاول جاهدة إن ترى وسط الظلمة التي احتضنت الغرفة دون جدوى. تساءلت بصوت خفيض مسموع:
"أين اختفيت؟"
دخلت إلى الداخل وأشعلت الضوء لترى جثة جالسة القرفصاء تتأمل الفضاء المظلم في جو الغرفة الكئيب. انتبه يفرك عينيه عندما دخل نور الفلورسنت اليها فهب واقفا ينظر إلى رحمة بكمد وتمتم:
"ألا حدود لك يا فتاة؟"
ابتلعت ريقها وهي تعلل:
"انه عمي يجب إن يعود إلى سريره قبل إن أغادر"
فرك عينيه للمرة الأخيرة وقد تعودت على الضوء قائلا في عدم راحة:
"وسنرى رزاق من جديد"
ضيقت رحمة عينيها ولم تجبه بل تبعته إلى غرفة عمها حيث وضع مسعود والده في السرير وتركوه الثلاثة لحاله. عاد مسعود إلى الغرفة وأضاء ضوء اقل شدة تاركا أخته وابنة عمه تتسامران ريثما يأتي رزاق كي يقل رحمة إلى المنزل بسبب حلول الليل.
تشتت تفكيره واضمحلت الأفكار التي كانت تجول في خاطره قبل إن تقطعها رحمة عليه. حال العشيرة الذي يقض مضجعه منذ وقت طويل. أين ذهبت أمجاد جده التي رسمها على الصخر؟ كيف وصل الحال بهم إلى أناس عاديين بعد إن حسب لهم الجميع ألف حساب في ماض قريب؟ ا يلوم الشيخ راهي على ضعف قيادته لأهله ام يلوم التطور الذي يرمي بظلاله على شموخ الماضي الذي عاشوه؟ كيف سيعيد تلك الأمجاد ويعيد مكانته ومكانة عائلته للبروز؟ الظلمة تساعده على التفكير وتحثه على اختيار الطرق التي لا يفكر فيها والضوء مشعل. تساعده على إن يغدو طاغية لغرض نبيل فيجبر الكل على سلوك سبله التي في النهاية ستقوده إلى تحقيق العزوة.
وقاطعه مرة أخرى طرقا رجوليا على الباب يعرفه جيدا بسبب ضربات الغل التي يستشعرها منه رغم إنها قد لا تكون حقا موجودة. انه رزاق قد جاء ليقل رحمة إلى المنزل. سمع صوته يجلجل في أرجاء المنزل وهو يتحدث مع فرحة ورحمة يسالهما عن حال عمه بسماحته المبالغ فيها.
لطالما وجد ذلك الصراع بين أولاد العم لسبب أو لأخر والصراع بين رزاق ومسعود صراعا محدد الأهداف. انه لأجل الخلافة.. من سيخلف الشيخ راهي بعد وفاته. تكرر هذا السؤال في الأيام الماضية أكثر بسبب الحالة الصحية التي وصل لها الشيخ راهي وعاد إلى الاضمحلال بعد تحسن حالته ليبقى منه رواسب قليلة. يستشفها الجميع كلما التقى رزاق بمسعود ودارت بينهما محادثة ولو حتى سلام بسيط. 
طلب رزاق من فرحة إن يزور عمه فقادته ورحمة إلى الغرفة. سلم رزاق وقبل يد عمه فقابله راهي ببروده المعتاد ونظرات اللامبالاة التي يرمقه بها لم تتغير. لم يبق رزاق في عيادة عمه طويلا حيث سلم واخذ أخته وهم بالمغادرة فقابل مسعود الذي رسم على وجهه ابتسامة ساخرة من رزاق لقصر المقابلة. تبادلا النظرات العنيفة ثم خرج رزاق تتبعه رحمة وهي حزينة من المعاملة التي تراها تجاه أخيها. لم يتكلما طوال الطريق بل غرق كل من رحمة ورزاق في بحر صمت حزين حتى وصلا المنزل.
دخل رزاق من الباب الرئيسي بينما دخلت رحمة من باب المطبخ فقد توقعت إن والدتها تحضر العشاء وانها بكل الحالات ستزور المطبخ لا محالة.
استقبلتها والدتها بسؤال:
"هل سيموت ذلك العجوز قريبا؟"
لم تبد على رحمة أي علامة من علامات التعجب فهذا السؤال يتكرر يوميا عند عودتها. لطالما كرهت مرجانة والدة رحمة العم راهي. أجابت رحمة وهي تغسل يديها:
"عمي في تحسن اعتقد انه سيبرأ من علته قريبا وسيعاود حياته من جديد"
كانت رحمة تعلم إن والدتها ستستشيط غضبا من جوابها وبالفعل فقد رفعت مرجانة يدها فاتحة كفيها ورمتها تجاه ابنتها في حركة غمة خفيفة فتبسمت رحمة وهي تكور قطع الكباب وتضعه في المقلاة.
في الهول الكبير الذي يحتويه المنزل ذو الطابقين جلس الشيخ معصوم يشاهد برنامجا سياسيا قد حمي فيه الوطيد وبدأ الضيوف يتبادلون الشتائم والتهم. جلس ابنه رزاق على كنبة وثيرة راقية بلون احمر وإطار مذهب وبدا هو الأخر يشتم الضيوف كأنه يفرغ غضبه مما حصل في بيت عمه. لم يستمر البرنامج حيث انقطع للإعلانات بينما استدار معصوم لولده مستفسرا:
"كيف حال عمك اليوم؟"
رد رزاق من تحت أضراسه:
"كعادته بغيض"
عقف الشيخ معصوم حاجبيه رافضا ما قاله رزاق لائما إياه على قلة أخلاقه:
"لا يصح يا ولدي إن تقول هذا الكلام على عمك وكبيرنا"
تنفس رزاق الصعداء وعلل:
"لا افهم لما يعاملني ببرود بينما يعامل رحمة كأنها قطعة من كبده؟"
رنا معصوم إلى ولده غير مجيب. كان يشعر بغصة من أفعال راهي تجاه رزاق ولكنه أيضا يعرف سبب تلك الأفعال وذلك البرود. تنفس قليلا وأجاب ولده ليخفف من غضبه:
"انه عمك من حقه إن يضربك بما في قدمه إن أراد"
حملق رزاق بوجه والده واعترض:
"وهل يحترمك مسعود بربع ما تقول؟"
هز معصوم راسه وأدار المسبحة بين سبابته وإبهامه يستغفر وغادر الجلسة فلا ابنه سيتنازل ولا مسعود وستظل المنافسة بينهما قائمة وهو لا يريد إن يكون جزءا منها.
كونه لا يريد إن يكون جزءا مما بين ابنه وبين مسعود لا يعني انه لن يكون. فلا مكان للإرادة بين سجالات أفراد العائلة ما دامها مستمرة يجب على الأقارب إن يأخذوا طرفا يحاربوا معه ولا مكان للمتفرجين في هذه الدنيا أما معي أو ضدي. أما ابيض أو اسود.
وراهي هو الأخر يجد نفسه رغم مرضه ينحاز إلى جانب ابنه. بعد زيارة رزاق له قرر إن يزيح عن كاهله عبئا ثقيلا ويأتمن ابنه على سر خطير. سر لا يعلمه سوى أربعة أفراد مات منهم واحد والثاني في طريقه. استدعى مسعود بعد العشاء وأجلسه بجانبه على السرير واغلق الباب في سرية تامة ثم طلب منه وعدا:
"عدني يا مسعود إن ما سأبوح به في سكرات موتي لن يخرج إلى العلن إلا إذا استدعت الضرورة"
أجابه مسعود رافضا كلمة موت التي قالها:
"سلامتك يا أبي لا تقل هذا الحديث"
بدا على وجهه المجعد الخشن الكثير من الجدية والخوف أرعبت مسعود وأوصلت له فكرة عن خطورة هذا السر الذي سيفصح به الأب له. بعد أن قدم الابن وعوده قال معصوم بصوت بائس:
"قبل ما يزيد عن الثلاثين عاما كان عمك يعيش في كمد. مرجانة لم يثبت لها مولود ولم تمل من الحمل كي تنجب وليا للعهد. كنت أنا لا أزال عازبا وتصورت إن ولد لها ذكرا فان أبي سيحول الخلافة إلى معصوم وسيصبح هو الكبير بعده. خاب ظن المسكينة وتحملت الكثير من الألم والخيبات حتى جاء الحمل التالي."
ابتلع معصوم ريقه وسعل في تعب سعال مستمر فنهض مسعود ليحضر له كوب ماء وهو واثق إن هذا السر الذي يقلق مضجع والده سيضمن له كما ضمن لوالده إن يكون الشيخ القادم.
ابتلع الشيخ راهي المتعب ريقه وضاقت عيناه وازداد وهنه بسبب الحمل الذي يوشك إن يزيحه عن كاهله. في هذا العمر ومع كل الحكمة التي اكتسبها من سني شبابه وشيخوخته هو يجلس حائرا بين صواب وخطا ما يفعله. لقد وعد أخيه إن هذا السر الذي دخل إلى أذنه لن يخرج من فمه لكنه سبق واخلف وعده عندما أخبر والدة مسعود الراحلة والتي أكدت له خطا إفشائه السر حتى وان كان لها. الآن هو يجلس وفيه غصة مجبر على إن يخلف وعده لمعصوم مرة أخرى ليحفظ الامتداد الدموي الحقيقي لهذه العشيرة التي تتداعى أركانها كلما انقضى شطرا من الزمان. 
أكمل حديثه:
"تهللت أسارير جدك فقد حان موعد لقياه بحفيده الأول وان كان من ابنه الأصغر. ثم خرجت الداية من غرفة مرجانة مرتعبة فقد حصل كما يحصل كل مرة وتدهورت أحوال مرجانة التي أنهكتها ساعات الطلق الطويلة فلم نجد بدا ونحن مجتمعين إلا إن ننقل مرجانة إلى المستوصف. كنا هذه المرة على استعداد تام جميعنا لإنقاذ هذا الطفل وإسعاد قلب معصوم المسكين. نقلنا مرجانة أنا ومعصوم إلى المستوصف القريب ودخلت إلى غرفة الولادة ثم خرجت منهكة متعبة وبيدها لفافة صغيرة لوجه لا يكاد يرى لصغره ولا أثر للسعادة على وجهها الذي كان بلون الكركم. قادتها الممرضة الينا بكرسي متحرك بعد انتظار 5 ساعات قضيناها أنا ومعصوم خارج المستوصف نقتل افكارنا السوداء بدخان السجائر التي كنا ندخنها بشراهة لنقضي على مخاوفنا. أنا كنت خائف على اخي وخيبة امله وهو كان خائف على مرجانة وان يسلب لبها وتفقد عقلها أو تموت اذا ما خسرت الجنين. وفغرنا افواهنا عندما راينا خروج مرجانة الأسطوري من باب المستوصف الضيق في ذلك الكرسي القديم. هرعنا نترقب تلك اللفافة الصغيرة ولا امل لدينا في انه طفل حي ثم تجمدنا في مكاننا. كان الطفل الصغير ينظر إلى مرجانة فاتحا عينيه الواسعتين وفمه يبحث عن طعام يسد به جوعه فلا يجد سوى وجه مرجانة المتجمد المنهك. أخذنا مرجانة من المستوصف إلى البيت ثم تركت الجميع وغادرت لأبشر والدي (جدك) بالبشرى وانا مسلوب الفؤاد بردة فعل مرجانة التي لم افهمها وقتها ووجها الخالي من أي بوادر للفرح بهذا الطفل الذي لطالما انتظرته"
ركز على تعابير وجه مسعود المأخوذة بالحكاية يريد إن يعرف نهايتها فأكمل:
"ثم بانت علائم الحزن على وجه معصوم طيلة فترة الولائم والاضاحي التي ذبحت احتفالا بالمولود. كنت مشغول البال بحالته حتى سألته عن الأمر وألححت فأخبرني إن الطفل الذي يربيه ليس ولده!

هناك 114 تعليقًا:

  1. الفصل الثاني
    فغر مسعود فاه. لم يستوعب الأمر وظل يحملق في والده مشدوها. سال وهو خائف من الإجابة:
    "كيف يعني ليس ولده؟"
    أكمل راهي الحديث وهو يجمع لحيته البيضاء بكفه:
    "عندما وصلت مرجانة إلى المستوصف كان الجنين قد مات وخرج ميتا من رحمها وجزعت هي جزعا جما. رأفت الممرضة بحالها واستغلت ذهاب الطبيبة لتخبر مرجانة عن طفل صغير لا أهل له وجد مرميا في الازبال حسب قولها عمره يومين أو ثلاث وأقنعتها بأخذه بدل طفلها وإرضاعه فهذا الطفل سيموت إن لم يجد أهلا يعطفون عليه. تشويش مرجانة وحالتها النفسية التي كانت بها قد أثرت على رجاحة عقلها فقبلت وأرضعت الطفل وبدا تعلقها به بعدها اتفقت مع الممرضة على كتمان السر وانتهى الأمر. أخبرت معصوم بعد إن استفاقت من صدمة الولادة والفقدان وتحول حال المسكين من بهجة إلى شقاء"
    هز مسعود راسه غير مصدق لهذه الحكاية. كيف لرجل حكيم مثل معصوم إن يربي طفلا لا يعرف أصله ولا أهله. طفلا وجد بين الأزبال؟!!!
    استمر راهي بعد إن اخذ نفسا طويلا:
    "ثرت بعد إن علمت بهذه المصيبة. يجب إن ينسب الطفل لأهله وان يعرف إن معصوم ومرجانة ليسا امه وأبوه الحقيقيين. معصوم أخبرني انه أشفق على زوجته وحالها فأقنعته إن تخبر الجميع بالأمر فور إن ترزق بمولود أو مولودة. ووافق هو على مضض ووعدني انه سيكشف الأمر فور إن يرزق بطفل من صلبه. لم اهتم حينها لان رزاق كان صغيرا جدا وخفت على غض رضيع من نائبات الزمان إذا ما تخلى عنه أخي فبقي الأمر طي الكتمان فقد وعدت عمك ألا أخبر أي انسي بالأمر حتى مضت 5 سنين تبعتها سنين أخر والأمر يقض مضجعي. عندها فقط رزق عمك برحمة. هببت أطالبه بتنفيذ وعده لأجده أكثر من زوجته تعلقا بذلك الفتى. لم يعد يفرق عنده إذا ما كان رزاق من صلبه أو لا لقد كان يحبه بدون شروط. أقنعته إن الأمر غير جائز وان الولد يعود إلى أبيه فوافق على مضض إن يبحث معي في ماضي الفتى. عدنا إلى المستوصف نبحث عن الممرضة فاكتشفنا أنها قد هاجرت إلى خارج البلد ولم نسأل أحد أخر كي لا نفضح امرنا بدون سبب. عاد معصوم إلى زوجته وحاول إقناعها بان تخبره أي معلومة عن الفتى قد أخذتها من الممرضة بيد أنها أنكرت معرفتها باي شيء وهددت زوجها إن تقتل نفسها إن اخذ الفتى منها. مع إصرارنا أنا ومعصوم على إيجاد عائلة الفتى بدأت تهمل مرجانة طفلتها وتضمر لا اكل ولا شرب فقط دموع حتى بدأت والدتك تتساءل عما يجري. عندها فقط أفشيت السر كي احصل على مشورتها. لكم لامتني على إفشائي لهذا السر ثم طلبت مني ألا أتدخل بين معصوم ومرجانة وان ادعهما يتخذان القرار المناسب لهما وكفى المشورة التي قدمتها لهما. انتهى تدخلي في هذا الأمر رغم عدم تقبلي لرزاق أبدا مما أجج حقد مرجانة ضدي إلى الأن"
    سعل الشيخ متعبا وقد شعر إن الحمل الذي يحمله قد زاد ولم يقِل كما كان يتصور. أحس بعصرة في صدره بينما قال مسعود مصدوما:
    "يجب إن يعلم الجميع بالأمر"

    ردحذف
  2. رفع راهي يده أمرا ابنه بالسكوت:
    "كلا! أنا لم أخبرك بالسر لتفشيه بل.. لتحمي المشيخة من رزاق"
    ثم تنفس قليلا وأكمل:
    "لا أريد منك أن تضع عمك في موقف الضعيف أبدا ويجب ان تبقى العائلة قوية وموحدة. أن اضطررت أن تخبره بمعرفتك افعلها فقط أن احتجت لذلك. ولا تدخل بينكما الغرباء أبدا"
    غادر مسعود غرفة والده بعد إن وعد بان لا يفشي السر وان يحتفظ به في قلبه غير انه قالها بلسانه ولم يصدقه قلبه القول.
    في طريقه إلى غرفته رأى فرحة جالسة تحت ضوء القمر. تبسمت له عندما لمحته فبادلها ابتسامة شاردة. نظرت إلى النجيمات التي في السماء. تتلألأ ببريق أخاذ وتبسمت. كانت تتذكر حديثها مع رزاق . رغم اقتضابه قد ترك اثرا عليها كما يفعل كل مرة. ابن عمها الذي يأسرها بلمحة الحزن التي على وجهه تعلو كلما دخل منزلهم. تشفق عليه من تعامل والدها الخشن معه وتجاهل مسعود له رغم انه يكبره سنا. وتساءلت هل يا ترى يكره عائلتها على برودهم معه وصدهم له بلا داعي؟ نهضت عائدة إلى غرفتها فقد زاد البعوض حولها وبدا يدخل في انفها وأذنها. رقدت على سريرها كما رقد الجميع متأملة أن الغد سيجلب حظا أفضل لرزاق ولها.
    بدأ اليوم التالي بمكالمة هاتفية لم يتوقعها مسعود. كان يجلس جلسته الشريرة في ظلام الغرفة التي أسدل ستارها يفكر بما قاله له والده عن رزاق. ثم أخرجه رنين الهاتف الملح عن إطراقه. نظر إلى رقم المتصل فوجده رقما مخفيا. خمن المتصل واسرع إلى الإجابة اتاه صوتا مستريحا خشنا من الجانب الأخر فهتف:
    "سيادة الوزير! يشرفنا حضورك"
    لقد كان المتصل الوزير حسان المطبك يطلب زيارة الشيخ راهي للاطمئنان على صحته وحدد الموعد في الغد. قال مسعود كطفل يريد اثبات وجوده بين الكبار:
    "سيدي احضر العائلة بأكملها فسنقيم الولائم على شرفكم"
    قهقه الوزير بأريحيه قائلا:
    "لا داعي يا ولدي لندع الولائم عندما تتحسن صحة الشيخ راهي ولتكن هذه المرة قهوة فقط"
    ثم انهى الاتصال المقتضب. خرج مسعود إلى فرح والقائمة على منزلهم واخبرهم بزيارة الوزير. اخبرهم أن الزيارة ستكون ليلية وطلب منهم تحضير ما يلزم. هو لم يكن لديه شك أن دادة ام موسة ستقوم بالواجب فقد اختبرها في مناسبات كثيرة ولم يخيب ظنه.
    هتفت فرحة فور سماعها باسم الوزير حسان:
    "كم أكره هذا الرجل! لقد جلب لنا فالا سيئا منذ زيارته السابقة لنا"
    حملق بها مسعود فقالت:
    "لا تنظر لي هكذا يا أخي كأنك لا تتذكر كيف انتكست صحة والدي فور خروجه وابنه غريب الأطوار من منزلنا"
    ضحك مسعود ولم يجب أخته فقد كانت تميل لتضخيم الأمور.
    عاد إلى مكتبه ليجري بعض الاتصالات الهاتفية وأجرى اتصالا لعمه معصوم يخبره بأمر الزيارة وطلب حضوره لمجاملة الوزير ولم يأتي على ذكر رزاق متمنيا لو انه لا يحضر.
    مرر كفه بين شعراته الكثيفة المصففه وهو يفكر بزيارة الوزير المفاجئة والسريعة. هذا الرجل الغامض الذي بدأت علاقته مع الشيخ راهي قبل سنتين. كان حينها وزيرا أيضا لكن لحقيبة وزارية مختلفة. لم يستسيغه راهي أبدا وقد كانت جلساتهما تتسم بالمجاملات الواضحة وعدم ارتياح راهي له لم يخف على احد ما عدا مسعود. ورنت كلمات فرح التي نعتت الوزير بجالب الحظ السيء وهي تذكر زيارته السابقة لراهي وسرية حديثهما. وقتها خرج مسعود من الغرفة بأوامر والده وبقي الوزير وابنه لنصف ساعة وخرجا غاضبين. كل ما يعرفه مسعود أن الوزير يستجدي دعم العشائر من اجل الانتخابات القادمة. وخمن أن والده الذي يكره التدخل بالسياسة قد رفض رفضا قاطعا أن يكون له أي صلة بهذا الطريق الوعر.
    تنفس مالئا انفه العريض بالهواء ثم فرك عينيه بيده اليمنى تائها في الوضع المتبعثر الذي يعيشه. نزلت يده من عينه لتحك لحيته السوداء التي يطلقها بأناقة. قرر أن يذهب لغرفة والده كي يخبره بأمر الزيارة وجرجر الخطى اليه.
    كانت رحمة برفقة عمها تتضاحك معه بينما تحضره لجولة في المزرعة. لم تنتبه لمسعود الذي اندفع إلى الغرفة كصاروخ فجفلت وسقط من يدها كوب الماء والحبيبات التي تعطيها لعمها على الأرض. امسك راهي بمعصمها كي يهدئها بينما وقف مسعود هو الأخر ينظر اليها مندهشة تمسك صدرها بيد بينما اليد الأخرى بيد عمها. شعر بالخجل قليلا من إجفالها. ثم طلب منها بعد هنيهة أن تخرج من الغرفة فخرجت. أخبر مسعود والده بأمر الوزير فانقبض واصفر. لم يرتح لتلك الزيارة لكنه لم يستطع أن يفعل شيئا فلا يمكن لمسعود أن يلغي الدعوة بلا سبب.

    ردحذف
  3. كانت رحمة برفقة عمها تتضاحك معه بينما تحضره لجولة في المزرعة. لم تنتبه لمسعود الذي اندفع إلى الغرفة كصاروخ فجفلت وسقط من يدها كوب الماء والحبيبات التي تعطيها لعمها على الأرض. امسك راهي بمعصمها كي يهدئها بينما وقف مسعود هو الأخر ينظر اليها مندهشة تمسك صدرها بيد بينما اليد الأخرى بيد عمها. شعر بالخجل قليلا من إجفالها. ثم طلب منها بعد هنيهة أن تخرج من الغرفة فخرجت. أخبر مسعود والده بأمر الوزير فانقبض واصفر. لم يرتح لتلك الزيارة لكنه لم يستطع أن يفعل شيئا فلا يمكن لمسعود أن يلغي الدعوة بلا سبب.
    تلك الدعوة لم تعجب معصوم أيضا. لم يرتح يوما لحسان المطبك قبل حتى أن يكون وزيرا. لطالما دعاه رجل بلا مبادئ وكره ابنه سامر الذي يبدو ببدلته السوداء وأكتافه العريضة مخيفا. قرر أن يكلم مسعود ويخبره بعدم حضوره ثم عاد ولغى الفكرة.
    لم يكن راهي ومعصوم كوالدهما أبدا. على عكسه، كرها السياسة ومالا إلى الانعزال ومفهومهما عن الحياة العشائرية كان منفتحا قليلا وغير متزمت. معصوم لم يكن يوما رجلا عصبيا بل سمحا متساهلا. وراهي كان اقل تسامحا وتساهلا من معصوم مع انه لم يك أيضا عصبيا. قد يكون تساهلهما بأمور العشيرة هو ما أدى إلى تراجعها وتدهور أحوالها في السنين الأخيرة.
    رن هاتفه معلنا اتصال ابنه رزاق. كان يخبره بشأن حمولة التمر التي باعها بنجاح وكسب عليها ضعف السعر. لطالما حاول رزاق أن يبهر والده ويجتهد بعمله في المزرعة كعامل أو فلاح وليس كمالكها. لم يشعر يوما انه يملكها والفضل يعود لمسعود وعمه راهي. العم بسبب الماضي ومسعود بسبب الخوف من منافسه والغيرة منه. كان يعرف جيدا أن رزاق منافسا أفضل منه إذا ما جاء وقت المشيخة فهو ودود ويعرف العمل بحذافيره بفضل معاشرة الموظفين ومتابعة العمل المكتبي مذ كان صغيرا بينما مسعود هو أكثر رجل تفكير وتنظيم لا يحب العمل بيده بل يحب التفكير أكثر.
    هذه المنافسة بينهما بدأت وقت المراهقة حيث دارت المعارك الطاحنة بينهما ولم تخفى على أحد وفي كل مناسبة يلتقيان بها يتناحران ويتجاذبان الحديث السلبي عن بعضهما البعض فيفوز مسعود بسبب والده وتحيزه له.
    لطالما فكر رزاق بسبب لهذا التحيز ولكن لم يكن له أي سبب من وجهة نظره. سمع صوت أخته من بعيد تناديه بينما كان يحمل صناديق الخضار في البيك أب البيضاء التي يملكها كي يأخذها للسوق. لوحت له وبيدها عمها العابس تدفعه بينما فرحة تنظر على استحياء له. مسح عرقه بقميصه المفتوح الأزرار بسبب الحر ثم بدا يغلق تلك الأزرار كي يهندم نفسه أمام عمه. سار باتجاههم بينما هم يقتربون. ادخل قميصه في بنطاله الجينز الممزق الخاص بالعمل ثم مسح عرقه من وجهه الذي ازداد اسمرارا بفعل الحرارة والعرق. هتف من بعيد:
    "عمي! لقد أشرق المكان"
    ثم امسك يد راهي وقبلها بينما قال راهي:
    "أين بقية العمال؟"
    أجاب رزاق مثبتا عينيه على عمه وكالعادة خائبا من ردة فعله:
    "لا يوجد عمل كثير اليوم فقررت أن لا داعي لصرف مبالغ إضافية"
    همهم راهي ثم سال:
    "ألن تتعب لوحدك؟"
    امسك عضلات يده التي قوت بفعل العمل وحمل الصناديق الثقيلة وتفاخر:
    "لا يوجد شيء لا يمكن لهذه العضلات حمله"
    كانت فرحة تسترق النظر له بعينين حالمتين. ياله من رجل! قالت له متسائلة:
    "ماذا يوجد في هذه الصناديق؟"
    كانت تريد منه أن ينظر لها ولم تهتم مطلقا بالصناديق وخاب ظنها عندما أجاب وهو ينظر لعمه:
    "طماطم"
    قالت رحمة له تشجعه:
    "ارايت يا عمي كيف يسير العمل كالساعة بفضل رزاق"
    هز العم راسه فلا يمكن نكران تكريس رزاق نفسه للعمل واجتهاده فيه بدون حتى أن يطالب بالأجر. كل ما يشغل تفكيره هو إرضاء عمه وان يصبح مؤهلا ليكون شيخا للعشيرة يعرف كل صغيرة وكبيرة.
    طويل بشكل مبالغ فيه واسمر اكثر من اللازم ذو شعر خفيف يحلق

    ردحذف
  4. لحيته كي يظهر وجهه النحيف ذو الفك المدبب. هذا ما يراه الناس بينما ترى فرحة رجل تشفق عليه وهكذا بدا حبها له من شفقتها عليه. أو ليس الأشفاق في الحب اصل للرومانسية.
    استدار رزاق بعد أن قرر العم أن يتحرك ليرى بقية المزرعة وظهرت على شفاه شبه ابتسامة. في لحظات تركيزه على عمه كان في الحقيقة يشعر بنظرات فرحة له ومحاولتها الحديث معه. كان يشعر بلذة الانتصار عليها لانه لم ينظر لها عندما أجاب. استدار متظاهرا برفع صخرة من على الأرض كي يراها بدون أن تراه فهذا ما يفعله منذ وقت طويل. يراقبها بصمت وهو يعرف جيدا أن عمه وابن عمه سيذلانه أن تقدم لخطبتها لذا هو منتظر عسى أن يتخلص من احدهما قريبا.
    رجع لعمله المتعب الذي يجد فيه راحة عقلية في نهاية اليوم عندما يشعر انه انجز عملا ناجحا وحقق مكاسب جيدة لعائلته.
    عادت رحمة بعمها وفرح إلى المنزل حيث قرر راهي اخذ قيلولة بينما جلست فرحة ورحمة تتسامران في الهول الكبير أمام مكيف الهواء.
    تعالى صوت ضحكاتهما وهما تقلدان مسعود, تارة صوته وأخرى نظرته الغاضبة. و اكثرت فرحة تقليد اخيها حتى تعالت قهقهات رحمة وجذبت انتباه مسعود. لكم حنق على تلك الفتاة المسماة رحمة. انها تضغط على اعصابه وتقود اخته إلى تصرفات لا عقلانية أو هذا ما تصوره. نهض من مكتبه الذي يحبس نفسه فيه طوال الوقت يتعامل مع العمل الذي تركه والده والخاص بشؤون المزرعة والذي يكرهه ولا يجيده مطلقا. سارع الخطوات إلى الهول الذي يحتضن ضحكات رحمة وفرحة وهو لا يعلم أن محور المسرحية الكوميدية هو ذاته. وقف متفاجئا وهو يرى رحمة تلبس على راسها شالها بالشكل الذي يلبس هو كوفيته البيضاء وتكشر عن اسنانها مصطنعة وجه شبيه بوجهه مع ضفيرتها على خديها كانها لحيته. كانت تجيد ذلك بالشكل الذي هو نفسه عرف نفسه!
    صرخ بها مجلجلا :
    "من هذا أن شاء الله؟"
    توقفت رحمة وهي ممتحنة بصوته العالي. قالت فرحة وهي تمون على مسعود لانها تعرفه جيدا وتعرف أن كل مظهره الخارجي ليس سوى تمثيل ليحوز على مكانة مخيفة بين الناس:
    "حبيب رحمة"
    وشهقت رحمة من قلة عقل ابنة عمها الذي لفته غمامة المسلسلات التركية التي تراها فنسي حدوده. تلعثم مسعود الذي لم يدر أن اخته تمزح بلا أساس للمعلومات التي قالتها. تقرب من رحمة التي اصفر وجهها خجلا وخوفا من مسعود. امسك بضفيرتها الطويلة وسحبها بلطف وروية مستمتعا بما يفعل قائلا:
    "هذه الضفيرة سأقطعها لك أن لم تعتدلي، تصرفاتك هذه قد يتقبلها اخوك ال..."
    وكاد أن يقول ما يندم عليه ولكن طفرة عقلية استوقفته فجاءة فترك ضفيرة رحمة واكمل:
    "انت لا حل لك يا رحمة. الا تفهمين أن بعضنا لديه عمل كما أن عمك مريض! اخفضي صوتك أو اذهبي إلى منزلك"
    وانقلب الضحك إلى جد! غابت ضحكات البنتين وغادر مسعود إلى كهفه كخفاش منعدم النظر.
    شعرت رحمة بالخجل والذل. حتى مع كلمات فرحة التي حاولت بها التخفيف عن رحمة الا أن دموع احتبست في عينيها واحساس بالذنب اكل قلبها. انها هي سبب أذية العائلة. لطالما شعرت ذلك الاتهام في نظرات مسعود لها. قالت فرح وهي تحاول منع رحمة من المغادرة:
    "لا تتركيني مع فارس الظلام لوحدي ارجوك يا رحمة. أن اخي يمر بوقت عصيب وهو يرمي بضيمه على أي احد لانها دائما مشكلة شخص أخر أن مخططاته تفشل"
    بدأت رحمة تبتلع ريقها بصعوبة كمن يبكي من الداخل فيبتلع دمعه المالح ليختلط مع دمه ولحمه فيبنى ويشتد من معاناة وأشجان.
    جلست على الأريكة وهي تعلم جيدا انها أن خرجت الأن سيتحتم عليها العودة من اجل دواء عمها المسائي. بينما جلس مسعود عاقدا حاجبيه في غرفة المكتب يفكر في زيارة الوزير وكيف عليه أن يتصرف اذا ما أراد منه والده الخروج في مرحلة ما من تلك الزيارة لمناقشة أمور سرية يتوق هو لمعرفتها. ثم شوش عليه تفكيره الموقف الذي حصل قبل قليل. هز راسه كانه ينفض عن كاهله الإحساس بالذنب. مشاعره تجاه ابنة عمه متناقضة. ومنذ القدم كانت تشوش عليه رغم قلة المرات التي كان يراها فيها وعدد المرات القليلة التي زار منزلهم فيها والتي اغلبها كانت لرؤية الخاطبين الذين دخلوا ذلك المنزل مرة واحدة ولم يعودوا. لقد تأكد هو وراهي من ذلك. وها هو الأن يكرهها لانها تسيطر على أفكاره وهو يريد أن يصفي ذهنه. ركز محاولا طردها كليا من عقله ثم عاد إلى زيارة الوزير المرتقبة.

    ردحذف
  5. ذلك الوزير الذي تنقل بين الوزارات يفكر الأن أن مجرد وزير لم يعد يكفي. حسان المطبك رجل ممتلئ بالطموح والمكر. جمع حوله ابنته وهد وابنه سامر وعلمهما بطرق قاسية كيف يعيشان حياتهما في عالم كثرت فيه المطامع والشكوك حتى كبرا وقد طورا ما ورثاه عن والديهما من مكر وطمع في كنف حسان بعيدين عن أمهما المنفصلة عن والدهما والتي تعيش حياتها حذرة من أن تقربهما إلا ما ندر.
    ركب حسان سيارته المظللة المضادة للرصاص في سرية مع ابنه سامر وحارسين شديدين احدهما السائق في تمام الموعد المقترح مع مسعود. وصلا إلى البيت الكبير الذي في معظمه بساتين بعضها يانع والبعض الاخر ذاوي فنظر سامر إلى المدخل وهو يتذكر خريطة المنزل في راسه. مدخل ضيق ثم هول واسع يؤدي إلى مطبخ وغرفتين ومكتب ثم درج خشبي يؤدي إلى الطابق الثاني ثم درج مرة أخرى وسطح كبير. هو يعرف جيدا أن عليه أن يضع الحارسين في مكانين مناسبين باستراتيجية ذكية يتقنها جيدا. اعطى أوامره إلى احد الحراس أن يطوف حول المنزل بينما كان موقع الحارس الثاني السطح كي يراقب. ادخلهما مسعود إلى غرفة استقبال الضيوف المهيبة حيث كان كل من معصوم ورزاق يجلسان مع راهي ينتظرون قدوم الوزير. بعد المجاملات جلس الوزير متضايقا من وجود هذا العدد من الناس ولم يدخل إلى الموضوع الذي جاء لاجله بل دار حوله مبينا موقفه من التالفات السياسية التي تتواجد على الساحة معطيا رايه في تصرفات بعض السياسيين بينما نفاذ صبر معصوم تراقص على وجهه فقرر أن يستأذن بعد ساعة من القصص المملة التي يعرفها والاكاذيب الواضحة التي يؤلفها الوزير. قال معصوم لابنه هامسا:
    "لنغادر!"
    ثم اعتذر بلباقة وغادر مع رزاق الذي تبعه مرغما وسط نظرات مرتاحة من الوزير ومسعود. قابلا سامر خارج الغرفة ينزل الدرجات قادما من الطابق العلوي. تبادل رزاق مع سامر النظرات ولم يرتح رزاق لسامر بل شعر بقوة سلبية تنبعث منه. شخصية غريبة بنظرات مريبة وتعابير غير مفهومة تثير كل من يراها. استأذن رزاق ذاهبا إلى الحمام بينما قال سامر لمعصوم :
    "كنت اتاكد من الامن في الاعلى أن كل شيء بخير"
    هز معصوم راسه غير مبالي بما يقوله سامر فهو لا يريد أن يتدخل باي شيء يخص هذا الوزير ولا اولاده. انتظر الشيخ رزاق في حديقة المنزل الكبيرة حيث خرج وسامر يقوده إلى هناك يحدثه في مواضيع لا تروق لشيخ في عمره. عاد رزاق بعد دقائق وغادر مع والده.
    بعد ربع ساعة طلب الوزير من الشيخ راهي الانفراد فانفرد براهي وهذه المرة بقي الوزير وراهي لوحدهما بينما انتظر سامر مع مسعود خارجا. سال مسعود سامر كانه يتلمس طريقه وسط الظلمة:
    "هل انت تعمل بصفة حكومية مع والدك؟"
    أجاب سامر مبتسما ابتسامة مجنونة:
    "بالطبع فانا رجل المهمات الصعبة"
    رنا مسعود للحظات يفكر بمعاني هذه الصفة. فضحك سامر وقال ليزيل الضبابية عن كلامه:
    "أنا احافظ على امن والدي الوزير"
    هز مسعود راسه رافعا حاجبيه كانه منبهر بما سمع بينما قاطعهما صوت الباب يفتح من الغرفة التي يجتمع فيها راهي وحسان ليخرج الأخير غاضبا ممتعضا وغادر.
    في منزل الحاج معصوم وصل الرجل الاشيب مع ابنه يتناقشان بمواضيع شتى أهمها زيارة الوزير لراهي. وصلا إلى المنزل حيث كانت فرحة عند بيت عمها مع رحمة تتلاطفان بطيب الكلام وضحكاتهما تتعالى في المنزل الفارغ الا من مرجانة. دخل معصوم فاستقبله صوت الضحكات فتبسم. كم يطربه سماع صوت فتاتيه تتضاحكان فرحتين. حب حياته ابنته رحمة وابنته الأخرى فرحة. صاحت مرجانة بالبنتين"
    "لقد وصل الرجال"

    ردحذف
  6. سكتتا فلام معصوم زوجته على ما فعلته:
    "دعيهما يا مرجانة لتضحكا قبل أن تثقل الدنيا قلبهما بهمومها"
    لم تعلق مرجانة على ما قال بل سألته عن زيارة الوزير فلم يفدها باي معلومات كانت تتوق لها فاتجهت إلى ابنها. سألته وهي تعطيه كاس ماء:
    "ماذا حصل؟"
    أجابها ممتعض:
    "لقد غادرنا في بداية الجلسة. لا اعرف اكثر مما قاله أبي لك"
    لوت شفتيها بتهكم وتمتمت:
    "والدك سيجلب لي الجلطة"
    وتركت ابنها يذهب إلى غرفته فمر من غرفة اخته القريبة من غرفته حيث كان الباب نصف مفتوح وهي مع فرح تتكلمان. لم يمنع نفسه من سرقة النظرات لابنة عمه الصغيرة وهي تضحك مع اخته على صورة كانتا تتكلمان بشانها. ثم سمع اسمه بعد أن مر بضع خطوات مبتعدا فتوقف. استرق السمع فقد كان بالتأكيد الموضوع بشانه. قالت فرحة لرحمة:
    "هل تؤمنين بالحب"
    وتذكرت رحمة ما حصل لها مع مسعود والجملة التي قالتها فرح فاختفت الابتسامة وحل محلها هما. اجابت ناصحة:
    "فرحة لا تكثري من المسلسلات التركية اتوسل اليك, ولا تقولي هذه الكلمة أمام رجال العائلة لانه عيب"
    عقفت فرحة حاجبيها متعجبة من كلام رحمة واجابت:
    "كيف وابي يجاهر بحبه لوالدتي المرحومة في كل مناسبة وكذلك عمي معصوم قالها في مناسبات عدة لخالتي مرجانة؟ أن رجال هذه العائلة يعترفون بالحب ويقدسونه والا لتزوج أبي بعد وفاة والدتي"
    تنفست رحمة بتعب ففرحة لا تريد أن تتعقل. أكملت فرحة :
    "ماراي رزاق بالامر؟"
    بحلقت فيها رحمة متعجبة وصرخت:
    "لما لا تسأليه ألست متيقنة من أن رجال العائلة مختلفين، لا تلوميني على الكف الذي ستتلقينه منه"
    تبسم رزاق بهدوء! كم يحب شخصية فرحة العفوية المحتشمة. هذه الفتاة التي ينتظر أن يصبح الوقت مناسبا كي يملك عصمتها. قرر أن يتدخل فسعل بصوت عال كي ينذر الفتاتين لوجوده كأنه يمر من أمام الغرفة ومر على مهل وتظاهر انه رآهما فسلم على فرحة وردت على استحياء سلامه. قال لرحمة:
    "هل تعشيتما؟"
    اجابت رحمة التي تلاحظ نظرات اخوها الحانية لفرحة منذ فترة :
    "نعم واعتقد أن وقت عودة فرحة قد حان فهل ستوصلها ام تنتظر مسعود ؟"
    هتف رزاق وهو يضرب بيده على صدره:
    "أنا سأوصلك، تحضري ونادي علي"
    ضحكت فرحة بدلال بينما غادر رزاق لتتحضر فرحة للخروج. قالت لرحمة بعد أن خرج رزاق :
    "سأسأله في الطريق وسنرى ما يقول"
    هزت رحمة راسها يمنة ويسرة مبتسمة على مضض فهي تعرف أن فرحة مندفعة قليلا وصغيرة.
    خرجت فرحة تتبع ابن عمها في خطوات تملاها الحياء ويكسوها الغنج حتى وصلت منتصف الطريق بين المنزلين. قالت بصوت متلعثم بينما تسير خلف رزاق السريع الخطوات:
    "رزاق! ما رايك بالحب؟"
    عقف رزاق حاجبيه مبتسما وهي لا تعلم بفعله فالظلام غطى على وجهه كما انه يسير امامها. أجاب بعيدا عما يفكر فيه :
    "ما هذا الكلام يا فرحة؟ احتشمي"
    شعر بخيبة املها من اجابته. سكتت ولم تزد حرفا فقال مرتجفا خائفا مما سينطق به لسانه:
    "لذيذ مخيف وملئ بالخيبات!"
    فغرت فاها. ركضت لتصبح بمحاذاته وهتفت:
    "وتحت ضوء القمر يصبح اجمل. هل تعتقد انه عيب أن نجاهر بهذه المشاعر علانية؟ أنا أرى أبي يجاهر بها امامنا دائما وانا اعتبره مثالي الأعلى"
    نظر لها عاقدا حاجبيه محاولا استجوابها متلهفا لها:
    "وهل انت تحبين يا صغيرة؟"
    خجلت وغرق وجهها باللون الأحمر وأحست بحرارة خلف أذنيها وتباطأت حركتها لتصبح خلفه مرة أخرى. ضحك وهو يهز راسه وتوقف عن مضايقتها بأقواله. بعد لحظات قال لها:
    "لم تجيبي سؤالي "
    وتوقف عن المسير وتخصر وهو يحملق فيها فلم تجبه بل طأطأت راسها. قال مكملا كلامه:
    "انظري الي! هل في قلبك الصغير احد"
    دمعت عيونها وأحست أن اندفاعها كان خطا وان ابن عمها هو بالضبط كما كل رجال قريتها وعشيرتها وليس كوالدها وعمها. قطعت عليه نظراته بالقول:
    "ارجوك لا تخبر أحدا بامر هذا الحوار فقد كان غلطة"
    وضحك ملئ شدقيه.

    ردحذف
  7. هو يملك قلبا قد رف لها منذ وقت طويل. هو أيضا تربى ليرى عمه الذي لطالما عامله بلؤم يعشق زوجته ويجاهر بحبها ويكرمها في كل مجلس. هو أيضا عاش اكثر منها في هذه العائلة ليعلم أن رجالها يعشقون نسائهم فالأخوين راهي ومعصوم احبا زوجتيهما وزرعا ذلك الحب في بذور افعالهما تجاه السيدتين.
    قال لها بعد أن انهى ضحكته:
    "حبي ولكن لا تنحرفي. اعشقي بحدود, وتزيني بالعاطفة الذكية. وتذكري أن حب الرجل لزوجته واكرامها من اصفى واطهر أنواع المحبة ولكنه مختلف عن الحب الذي بدون زواج . انه حب التعلق وحب الرغبة وحب التعود. حب ينعكس على الأجيال القادمة ويبني معها احتراما ليس فقط للعلاقة الزوجية بل أيضا لكيان الرجل والمراة"
    كان تاثير كلامه بائنا على وجهها فاكمل:
    "أنا أؤمن بالحب وفي قلبي انثى صغيرة اشعر باكتمالي فور رؤيتها. اشعر بانها تحت ضوء القمر تبدو خيالية كانها خرجت من قصص الف ليلة وليلة وحلقت دهورا لتضيء حياتي بابتسامتها. لا تساليني عنها! لانك في داخلك موقنة من تكون"
    خجلت من كلامه وهي ترى يديه تشيران نحوها كلما قال جملة من جمله الغزلية. تجرأت أخيرا وسالته :
    "لا اعرف من تكون انت اخبرني يا ابن عمي"
    تبسم وازداد اجتياح عواطفه وهو يرى نظرات الخجل على وجهها بصعوبة تحت الضوء الفضي:
    "كل ما فيك فيها, وخجلها الأن يزيد في نيران الوله"
    ثم سار بخطواته السريعة وهو يشعر بالراحة بعد هذا الاعتراف. تبعته هي وكأن عالمها قد تحول إلى عالم وردي. انه يقصدها هي بلا شك !
    وصلا إلى المنزل حيث توادعا بالنظرات والابتسامات ودخلت فرحة بينما بقي رزاق ينظر اليها حتى اختفت وأغلقت الباب.
    توجهت إلى غرفتها وبقيت ساهرة تفكر بما حصل. يال سعادتها بما حصل. انه عهد جديد في حياتها سيبدأ. عهد الحب!
    استيقظت في اليوم التالي وقد كانت الشمس في كبد السماء على صوت صراخ مسعود ونواح رحمة. ضرب قلبها تسارع وتنفسها تشنج وتخلخل انتظامه. أبعدت شعرها عن عينيها وهتفت :
    " يارب استر يارب"
    نهضت وهي ترتجف لترى رحمة تنوح أمام غرفة راهي ومسعود يصيح داخل الغرفة بوجع وحسرة:
    "لا تتركنا يا شيخ لا تتركنا"

    ردحذف
  8. الفصل الثالث
    كان يوما عاديا كباقي الأيام في المزرعة والقرية بصورة عامة. روتين في روتين. نهضت رحمة من اجل الذهاب لبيت عمها ومارست نشاطها اليومي كما تفعل كل صباح. قبلت جبهة راهي واعطته دواءه ثم ذهبت إلى مسعود مستبشرة كي يساعدها في نقل والده على الكرسي الذي يستعمله للتنقل. كانت ستاخذ عمها في جولة طويلة في القرية ثم تعود به وقت الغداء ليرتاح.
    عادت برفقة مسعود لتصدم برؤية العم قد دخل في تشنجات جاحظ عينيه ينظر بألم نحوهما لا يقوى على الكلام ولا التنفس. هرعا اليه فقامت رحمة مرعوبة ومصدومة من حالته بعمل احتياطات طبية له لكنه كان قد فارق الحياة قبل حتى أن تبدأ في إسعافاتها له. فقدت اعصابها وارتجفت يداها ثم لطمت وجهها كمدا بينما ركض مسعود إلى والده مشدوها لا يعرف ما يفعل. صرخ بها:
    "ماذا حصل؟ ماذا فعلت بوالدي؟"
    هزت راسها مختنقة بدموعها تقرص خديها بقسوة قائلة:
    "لقد مات! لقد مات! "
    نظر لها مسعود حائرا ووجه لها اصبعه السبابة:
    "هل قتلت عمك؟ "
    ثم بدا يهز والده بلطف ويصرخ متوسلا:
    "يا شيخ لا تتركنا يا شيخ! انهض يا شيخ ارجوك"
    وبعد محاولات من مسعود لم يجد استجابة من والده فانهار بجانب السرير ينشج كطفل. كانت هذه اول مرة ترى فيها رحمة مسعود بهذه الحالة البائسة الضعيفة. حزينا كطفل خائف من أن يتيه اذا ما ترك يد والده ضغط على اليد الباردة البارزة العروق. يغلي كقدر على نار عالية احرقته . بانت في عيونه المحمرة المجنونة نظرات الانتقام. ترك يد والده أخيرا وصرخ على رحمة بقسوة فاقدا عقله فانهارت باكية:
    "لقد قتلت عمك! ا يصل الانحاط بك إلى هذا المستوى. كان على ما يرام البارحة فهل رزاق اقنعك بقتله ام انها فكرتك انت؟"
    لم تفهم ما يقوله مسعود. هل يتهمها بقتل عمها؟ هل يعقل؟ نهضت وهي تمسح دمعها بأذيال انكسارها وغادرت هاربة مسرعة أمام دهشة فرحة التي خرجت من غرفتها لا تدر ما حصل. صرخ مسعود بها وهو يهددها:
    "لن ينتهي الأمر على خير يا رحمة"
    عادت رحمة راكضة إلى منزل والدها وحالتها الغير طبيعية ارعبت والدتها التي كانت لوحدها في المنزل. صرخت بها:
    "ماذا دهاك يا رحمة؟"
    صرخت رحمة مرتعبة باكية مرتجفة:
    "لقد مات عمي ومسعود يتهمني بقتله"
    لم تدر مرجانة اتفرح لهذا الخبر ام تحزن. لطالما كرهت راهي لعلمه بسر ابنها وها هو قد مات واعتقدت أن السر ذهب معه إلى قبره. بانت على وجهها الأسمر العريض وعينيها السوداوين الواسعتين إمارات حزن وقلق. عدلت عصابة راسها وتمتمت:
    "ليرحمه الله ويرحمنا من ابنه. ما احببته يوما ولكن موته سيجلب الأن عدم استقرار للجميع. ابنه لن يترك المشيخة بسهولة لوالدك"
    نظرت رحمة بعيون مستغربة لوالدتها. ولم تعلق على كلامها. هي الأن في حالة مشتتة من الحزن والخوف. لقد مات عمها وانها بشكل أو باخر متورطة بالامر. قالت لها أمها:
    "ما بك؟ كان رجلا عجوزا ومريضا وقد حان يومه فلا تولي بالا لكلام ابنه المجنون. سيهدأ بعد حين ويتعقل ويرى أن لا دخل لك في وفاة راهي بل أن يومه قد حان وردت الأمانة"
    ثم عدلت العجوز عصابتها وتمتمت:
    "لنذهب إلى منزلهم كلمي والدك ورزاق واعلميهما بالخبر"
    اقتنعت رحمة جزئيا بكلام والدتها ثم نهضت لتفعل ما أُمرت به. وفكرت كيف أن ذلك المسعود دائما يشعرها بانها مسئولة بشكل أو باخر عن مشاكله وهمومه.

    ردحذف
  9. انقلبت القرية كلها تلبس السواد على الشيخ راهي. عم حزن عام في ثنايا العشيرة عليه فقد كان محبوبا من الكل رغم بعض الاختلافات بينه وبين البعض.
    انهارت فرحة عند معرفتها بموت والدها. تلك الفتاة الصغيرة التي لم تبلغ العشرين بعد. بشعرها الأسود وعيونها البنية وبشرتها البيضاء تبث حزنها دموعا وتتجرع فقدانها لوالدها سما والما. عادت لها ذكرى وفاة والدتها قبل سنوات والتي علقت في ذكرياتها رغم صغر سنها انذاك. تركت ابنتها وحيدة ولكم احتاجتها بعدها في مواقف شتى. وهي الأن في عمرها هذا اخذت على حين غرة بفقدان والدها لتصبح بلا والد ولا ام. شهقت لاطمه خدها الذي صار احمرا من كثرة الضرب عليه. جزعت وهي تسمع مسعود يتوعد لرحمة فكيف بامكانه الاعتقاد أن صديقة عمرها والوحيدة التي ساندتها وساندت راهي قد تقدم على فعله شنعاء كهذه. كره مسعود لبيت عمها معصوم يقتلها ويزيد المها وشوقها لوالدها. كيف ستتمكن من العيش مع اخيها الغير متوازن. كل يوم له شان لا تعرف كيف تقرأ تصرفاته. وعادت لتبكي بجزع على الفقدان. صاحت بصوت يقطع اللب:
    "لمن تركتني يا شيخ! يا والدي يا اغلى من روحي. فض فيَ أن ضحكت من بعدك ذات الضحكة. لا رغبة لي في حياة لست فيها يا تاج راسي. لا رغبة لي في حياة لست فيها يا نور عيني. خذني معك. ادفن دونك يا والدي ... ادفن دونك"
    وصرخت بآه الحزن وعلى نواحها أبكت من اجتمعن لمواساتها والتحضير للمأتم. امسكت بها مرجانة تحاول تهدئتها وتكلمت معها بتعقل محاولة أن تصبرها على المها بيد أن فرحة كانت بعيدة عن الصبر قريبة إلى الجزع على والدها.
    في ركن المطبخ جلست رحمة خائفة من مواجهة مسعود تستجمع قواها كي تعود إلى العمل على التحضيرات الخاصة بالمأتم. كانت على قدميها طوال النهار وقد اقترب وقت العصر وهي لا تزال تعمل في المطبخ منتظرة اخبار من المستشفى التي نقل لها جثمان الشيخ راهي للفحص بأوامر من مسعود.
    ثم أرهفت السمع بقلب مرتجف عبر باب المطبخ المؤدي إلى الحديقة حيث سمعت والدها يتكلم مع مسعود بنفاذ صبر:
    "لندفن الشيخ راهي ثم نتكلم عن جنونك الذي لا يبدو له نهاية يا مسعود. لا تفتعل الفضائح فلا حاجة لنا بها وتذكر أن رحمة ابنة عمك وقد سهرت على رعاية المرحوم لفترة طويلة فاحترمها ولو قليلا وكفاك شكوك باطلة"
    سمعت رد مسعود على عمه :
    "رحمة هي سبب وفاة والدي. ولن يغير أي كلام سواء منك أو منها أو حتى من المستشفى أي شيء, ساخرج الجثمان من المستشفى اليوم فلنعجل بالدفن فلا يصح لابي الذي عاش عزيز قومه أن يهان أو يفتح مشرط جسده وهذا هو السبب فقط وليس لأني اصدق كلام رحمة"
    ابتعدت رحمة وهي تلعن حظها بينما ضرب معصوم على كتف مسعود بخفة يشجعه على ما قال وزاد:
    "لا داعي للفضائح يا مسعود. أن ما تفعله عين العقل وان رحمة لبريئة مما تقول وكذلك رزاق فلا يمكن لهما أن يفكرا بأذية راهي ولو قطعهما اربا دع هذه الأفكار الغريبة وركز على الدعاء لوالدك بالمغفرة انت ابنه ويقع على عاتقك الكثير من المسئولية من بعده"
    ثم ابتلع ريقه واكمل باقتضاب:
    "نحن عائلتك وحري بك ان تصفي النية تجاهنا يا ولدي"

    ردحذف
  10. نظر مسعود نظرة فيها كثير من الريبة ثم همس لمعصوم:
    "سنتكلم بعد الدفن فقد اخبرني والدي قبل وفاته بالكثير كانه شعر بقرب اجله"
    وترك معصوم باهتا للطريقة التي كلمه بها مسعود وايقن أن مسعود سيفعل المستحيل ليحل محل والده في هذا المنصب الذي كان في يوم ما يحمل الكثير من معاني الفخر والعز وبات اليوم فيه اقل عزة واكثر وجعا.
    كم هو يوم عصيب على الجميع. حتى رزاق الذي لطالما حمل في قلبه على عمه بسبب معاملته الباردة له اظهر الكثير من الألم واللوعة وهم يستلمون الجثمان المكفن ويضعونه في تابوته ثم يودعونه سيارة البيك اب لنقله إلى مسكنه الجديد. وصلت السيارة إلى المقابر التي يدفن فيها جميع أهالي القرية ثم هرع رزاق ليكون احد حاملي النعش ليتفاجأ بمسعود يدفعه بعيدا بعدوانية ويرمقه شزرا. ساله معصوم بصوت غاضب:
    "لماذا يا ولدي تمنع ابن عمك من حمل النعش"
    رمق مسعود عمه بنظرة حانقة مستفزة ولم يجبه فقط نادى على رجلين من اكابر العشيرة من اجل أن يحملان النعش من الخلف بينما هو و معصوم -الراضخ لابن أخيه ليمنع الفضائح- يحملانه من الامام. جلس رزاق مذلولا يشعر بالخزي من تصرفات مسعود تجاهه وهو لا يدري أن مسعود لا يريد من رجل غير معروف النسب أن يحمل نعش والده.
    نزل المرحوم إلى لحده ووضع مسعود قبضات من تراب القبر فوقه كما فعل معصوم ووارى الجثمان تتابعا من تراب اختلط بدموع المشيعين لراهي.
    في منزل راهي منعت النساء من حضور الدفن فجلسن يواسين فرحة المنهارة ويصبرنها بقراءة نسخ من كتاب الله تحوي اجزاء صغيرة فرقتها عليهم رحمة الحزينة ليس فقط على فقدان عمها بل لشعورها بالذنب تجاه موته وحزنها من اتهامات مسعود لها.
    انتظرته بعد عودته من الدفن وهي خائفة مما سيحصل اذا ما تكلمت معه. تبريراتها له قد لا تاتي في صالحها ولكن عليها القيام بالامر كي لا تبقى في منطقة رمادية معه. دخل البيت مكتأب وهو يشعر انه فقد نفسه بفقدان راهي. كان يقدس والده وبفقدانه يشعر ألا احد بقي له ليسند ظهره. هذا التفكير الغير منطقي من قبله لم يفهمه معصوم يوما. اعترضت رحمة طريقه قائلة:
    "مسعود أريد الحديث معك!"
    كانه لم يرها. مرق من جانبها بدون حتى أن يتنفس. استجمعت قوتها وسارت خلفه وهي تنظر يمنة ويسرة مصرة على ان تتكلم معه. قالت له بصوت حزين يائس:
    "أنا اعلم أن عمي كان في عهدتي. اعلم جيدا انني مسئولة بشكل أو باخر عن وفاته. ولكني لم افكر يوما باذيته. صدقني! اعطيته حبوبه كما يجب قمت بذات الروتين اليومي الذي افعله"
    توقف معطيا إياها ظهره. انتصر قلبه واوقف قدميه كي يسمعها. صوتها الحزين وبحته جعلا مسعود يندم على القاء اللوم عليها مستغلا ضعفها وبراءتها كي يخفف هو عن كاهله اثر الصدمة. ابتلعت ريقها ثم تجاوزته لتصعد وتقف امامه. أكملت حديثها بعيون ملتاعة وقلب مجروح:
    "سامحني ارجوك أن شعرت انني أخفقت. ولتعلم اني لن اسامح نفسي على اخفاقي"
    رفع عينيه بغضب ينظر اليها بينما تطلعت هي بانكسار في كفي يديها وهي تحركهما بقلق تبللت رموشها بدموع عينيها. لم يجبها فقط اندفع بعيدا عنها إلى غرفته وهي تنظر اليه بينما قلبها سقط ارضا.
    كلما مرت أيام اكثر على دفن راهي كلما قل احتقان مسعود ناحية رحمة وكلما تذكر وقفتها امامه على الدرجات لامه قلبه على القاء اللوم على فتاة صغيرة كل ما فعلته العناية الدائمة بعمها. شعر انه تسرع باتهامها بقضاء الله وقدره وبدأ شيئا فشيئا يحتقر تلك الفكرة. وبالذات بعد أن تكلم مع فرحة ذلك اليوم حيث كانت تجلس باكية في غرفتها. طرق عليها الباب ثم ولج. كانت غرفتها مظلمة حزينة ولم يربكه الظلام أبدا فهو يحبه بل ما اربكه لوعة فرحة واحمرار جفنيها. حاول تصبيرها ببعض الجمل التصبيرية ولكنه فشل ببساطة لانه غير متعود على مواساة غيره. ولا حتى مواساة نفسه.

    ردحذف
  11. سالته وهي تنظر له بكدر:
    "لقد رايت والدي في حلم الليلة السابقة. طلب مني ألا اجزع. الكلام سهل ولكن من يستطيع إفهام القلب؟"
    ربت على كتفها وقال:
    "لا الومك يا فرحة. رغم اني أريد منك أن تخرجي من هذه الظلمة"
    ارتجفت شفتيها ونزلت دمعة من عينيها ثم قالت:
    "وأنت يا مسعود متى ستخرج من ظلامك يا اخي؟"
    بحلق فيها متسائلا فاكملت:
    "هل لازلت مصر على أن رحمة مسئولة عن وفاة والدي؟"
    لم يجبها. فاردفت:
    "رحمة هي حبيبة أبي! لقد كان يناديها رحمتي! الا تفهم؟ في الأوقات التي كنت فيها تحبس نفسك في غرفة المكتب كانت هي من تسلي أبي وتخفف عنا"
    اجابها:
    "كان مسئوليتها!! لقد وصلني التقرير الاولي للوفاة كما اخبرني الطبيب انه حصل لوالدي توقف مفاجئ للقلب..."
    قاطعته مبحلقه عينيها بوجهه:
    "الم تقل انك أوقفت التشريح؟"
    هز راسه واجابها:
    "اوقفته ولكن مع هذا فقد تم فحص اولي للجثمان. أنا لم افتح التقرير بعد...."
    قالت له:
    "ولن تفتحه! ارجوك يا اخي ارجوك. لنمضي في حياتنا. وسواء كان موته مسئولية رحمة او لا فهذا لن يغير شيئا. لقد ذهب الغالي ولن يعود. اتهامك لرحمة قد يؤدي بها إلى السجن وان كانت بريئة. اتريد أن ترى ابنة عمك خلف القضبان؟ هل هذه الفضيحة التي تنوي افتعالها؟ هل تعتقد أن عمي معصوم أو رزاق سيدعانك تلمس شعرة من رحمة؟ وهل سيرتاح والدي في قبره ان تأذت من كانت تسر عينه برؤياها "
    اغلق عينيه وأجاب:
    "ولكن يا فرحة ..."
    قالت فرحة وهي تبكي:
    "مستحيل أن يكون لرحمة يد فيما جرى وانتهى الأمر. انها ممرضة واذا الطبيب يخطئ وقد يقتل مريضا أو اكثر ولا يذهب إلى السجن. ورحمة استحالة أن يكون لها يد في موت والدي. انها رحمة يا مسعود. قد تكون نسيت السنوات التي تربينا فيها معا بسبب بعدك عند الكبر ولكني معها دائما. انها ابرء مخلوقة على وجه الأرض"
    قال لها وقد اقتنع بكلامها نسبيا:
    "وماذا أن كان رزاق من خطط لكل هذا؟"
    بهتت فرحة في وجهه. قالت له:
    "رزاق؟ وكيف وصل إلى أبي ؟ ولماذا يقتله؟ ماذا سيكسب؟"
    لم يقل مسعود كلمة أخرى. شعر أن ما قالته فرحة اقنعه في الوقت الحاضر فلا داعي للفضيحة وامامه طريق طويل ليصبح السيد على اهله. ولكنه لن ينسى أبدا أن يكتشف الحقيقة بعد أن يصبح شيخا محل والده.
    بعد أيام ذهب مسعود إلى عمه معصوم لفض نزاع المشيخة وسيفعل أي شيء كي تنتقل اليه. فقد وعد راهي أن رزاق لن يتمكن من انتزاعها.
    طرق مسعود باب منزل معصوم الذي كان فارغا الا من العم لان رحمة ووالدتها ذهبتا للبقاء مع فرحة المنتكسة للتخفيف عنها كما يفعلن كل يوم بينما غادر رزاق كي يرعى شؤون المزارع كما امره والده.
    فتح معصوم الباب وعلى وجهه نظرات جدية بينما دلف مسعود بعد أن حيا عمه ببرود. جلسا متقابلين في غرفة ضيوف معصوم الواسعة ذات الديوان الفخم والتي لا يدخلها الا الضيوف العالي الشأن. قال معصوم بعد أن صب بعض القهوة في الفنجان الصغير المدور ففاح أريجها اللذيذ في اركان الغرفة الأربع:
    "غدا سيجتمع الاعيان وأنت تعرف مسبقا نتيجة هذا الاجتماع.."
    فقاطعه مسعود قائلا:
    "عمي أنا...."
    بحركة من يده اليمنى التي رفعها وهو ممسك بمسبحته أوقف مسعود عن الكلام واكمل:
    "انت هنا كي تجبرني بطريقة أو باخرى على التنازل فادخل في صلب الموضوع انت تعرف جيدا إنني أريد لعائلتنا أن تظل قوية وصلبة كما انك على يقين أن اجتماع الكبار غدا لن يكون في صالحك ابدا."
    بدل مسعود جلسته وكطفل صغير مال بجسده للامام ورفع ذقنه للاعلى كما صوته. قال:
    "لقد اخبرني أبي بسر رزاق, ساكتم السر اذا أصبحت أنا الشيخ فلا حاجة لي للفضائح في عشيرة أريد أن اقويها واعيد اليها امجادها"

    ردحذف
  12. رنا معصوم ناحية مسعود بغصة في قلبه. ابنه المسكين حكم عليه في هذا الزمان أن يكون دائما مظلوما. تبسم وهو يدير مسبحته بدون تركيز ووجهه الغائب تحت سحابة من الحزن وفقدان الحيلة زادت تجاعيده. قال لمسعود خائب الامل:
    "رزاق هو ولدي. لا افرق بينه وبين رحمة فقد جلب سعادة لهذا القلب التعيس بضحكاته الطفولية في صغره وحبه الغير مشروط لي ولمرجانة في كبره. لم نشعر أبدا طيلة السنوات التي عاشها معنا انه ليس من صلبنا. هل تعتقد يا مسعود أن لنا فضلا على رزاق؟ أنا وأنت والعشيرة؟ كلا يا ولدي. هذا كله من فضل الله عليه وعلينا"
    تنفس معصوم ليزيح دمعة من عينيه الضامرتين واكمل:
    "ساترك لك كل شيء بشرط أن توافق على زواج فرحة لرزاق. بهذا اضمن انك لن تخبر أحدا غريبا بالامر"
    وبهت مسعود من شرط عمه الذي لم يتوقعه. يزوج اخته من رزاق اللقيط؟ مستحيل أن يحصل هذا..... ثم حملق في معصوم الذي غلب طمع مسعود بحنكته و قال:
    "ليكن! فهو يحوم حولها منذ أن ولدت. ساعرض الأمر عليها ولن اتدخل في قرارها. لك كلمتي"
    وتصافح الرجلان ثم غادر مسعود المنزل غير راض كليا عما انتهت به المحادثة بيد انه كان متاكدا أن اخته لن ترض برجل لطالما سمعت والدها يذمه ولذلك هو اعطى كلمته انه لن يتدخل بقرارها مهما كان.
    عائدا إلى المنزل رأى رحمة تنشر بعض الملابس التي غسلتها على حبال طويلة وضعت متوازية على السطح. عندما كان راسها المغطى بالشال الأسود ظاهرا من فوق السقف العالي للسطح حسب أن الدادة هي التي تنشر الغسيل ولكن فور دخوله المنزل ورؤيته للدادة في المطبخ تتحدث مع مرجانة عرف أن رحمة هي التي في الأعلى. صعد الدرج في خطوات تعرف مقصدها. كان يريد الحديث مع رحمة لوحدهما في موضوع موت والده حديثا نهائيا. دفع الباب الحديدي العريض وكانت رحمة منحنية على كومة من الملابس حيث اختارت احدها ونفضته لتخرج الماء الزائد منه ثم وضعته في مكانه على الحبل وقرصته بقراصتين للملابس كي لا يقع. اقترب منها حتى اصبح قريبا ومن بين اكوام الغسيل المعلقة ظهرت قدمه وجزء من دشداشته البيضاء التي يلبسها. ابعد قطعة ثوب كانت تحجبه عنها فظهر وجهه ورجعت هي إلى الوراء مرتعبة منه. تعثرت بالثوب الأسود الذي نشرته قبل دقائق على الحبل الأخر ففقدت توازنها وتعلقت باذياله كي لا تسقط. نهضت عن الأرض بينما هو ينظر لها عاقدا حاجبيه فعدلت هندامها ووقفت في حضرته صامتة. تخاف أن قالت أي شيء أن يحسب ضدها. ابتدأ هو القول رافعا حاجبيه:
    "هل قتلتِ أبي؟"
    هزت راسها نفيا وانحدر الدمع من مقلتيها وانسابت الكلمات منها انسياب:
    "لا تتهمني هذا الاتهام ارجوك انت تقطع قلبي كلما ذكرت هذا الامر فانا أحببت عمي كاب لي ولم افكر يوما الا في شفائه. الم اخبرك مرات ومرات أن مرضه انتهى وسيعود صحيحا من جديد في وقت قريب؟ الم استطع قتله فور مرضه لماذا اساعده ليشفى ثم اقتله؟ لماذا تعاملني بهذه القسوة يا مسعود انت تفطر قلبي باتهاماتك. حتى اني اعتذرت لك عما لم افعله فقط كي ترضى"
    شعر بالتراجع فور رؤيته لدموعها. عيونها الحزينة وانفها الأحمر وفمها الذي تقوس كمدا جلبا جانبا إنسانيا فيه كان يكبته. انها تظهر هذا الجانب وعليه أن يمنعها. لم يقل لها أن كان يصدقها أو لا رغم انه في داخله كان يعرف انه يظلمها باتهاماته وجانبا منه احب ذلك. تركها تبكي بعد أن ختم حديثهما:
    "حسنا اذا. ستكشف لنا الأيام الحقيقة"
    نظرت له مستسلمة وعقلها يقول:
    "ترهقني بافعالك!
    تراهن ضد ضحكاتي وتكسب دائما...
    وانا.. أحاول ان اقنع نفسي
    اني ... بفكرة حبك لي واهما
    ويصيح قلبي بي منعفا
    مهما فعل..مهما حصل.. ساظل انا لحبه ملازما
    يجبرني قلبي عليك..
    ليظل عقلي بقربك حالما
    تقربني.. وتبعدني ... عن ناظريك
    ويبقى تفسيري لافعالك مبهما
    بقلبي غصة... وكثير من الم..
    حسبي ربي فهو بجرحي عالما"
    غادرها منهارة تبكي على ارض السطح. لا تدر أن كان مسعود سيفهم يوما ما طيبتها أو انه بتصرفاته سيدمرها ويدمر طيبتها وحبها لعمل الخير. ضربت بيدها على قلبها وقالت له:
    "الم تجد أحدا غيره لتحبه. الم تتعظ من نصائحي لفرحة بترك هذا الطريق فسلكته انت لتدمرني؟ كيف عساي الأن اثبت له انني بريئة من دم عمي كيف"

    ردحذف
  13. وقضت ربع ساعة تبكي حتى جف دمعها وأنهت انينها . أكملت الملابس ونزلت إلى المنزل حزينة واثار الدمع بائنة على وجهها. استقبلتها مرجانة محتضنة إياها. بادرتها السؤال:
    "هل كل هذه الدموع على راهي؟"
    لم تجب رحمة بل استسلمت إلى أحضان والدتها كي تنسيها هم الدنيا ولو للحظات.
    استيقظت فرحة من قيلولتها على صوت شباكها يطرق وبعد هنيهة يفتح. نهضت مذعورة لترى رزاق يقف داخل غرفتها المظلمة يدخل بازاحته الستار بعض الضوء اليها. جفلت وقالت بصوت يغلب عليه الدمع:
    "هل تريد من مسعود أن يقتلنا؟"
    اقترب منها وجلس على الأرض بجانب سريرها وتمتم:
    "لقد كنت اتوق لرؤياك يافرحة. لم اعزيك بوفاة عمي حتى الأن وحاولت أن افعل مرات كثيرة بيد انك لا تخرجين من هذا المكان ودائما امي ورحمة ترافقانك لذا وجدت أن افضل وقت عندما تكون ستائرك مسدلة اتسلل إلى غرفتك متسلقا النخلة التي بجانب الشباك واستأذنك للدخول"
    تبسمت رغم حزنها فرؤيته جعلتها ترى بعض الألوان في حياتها غير الأسود. قالت له:
    "لقد أصبحت بلا ام ولا اب. كيف سأعيش حياتي الأن؟"
    اجابها بحنية ورقة:
    "الست تؤمنين بالحب؟ اليس الحب يصنع المعجزات؟ سيجلب لك الحب ما يعوضك عما فقدت"
    نظرت له نظرات ذابلة مستسلمة لما يقوله لها بينما اكمل:
    "لا تقنطي..
    فالورد وان يبست بتلاته
    وانتهى بها على التراب مسقطي
    فبذوره امل لزهر يانع
    بالحب تتفتح أوراقه وتبسطي
    وعقود الحزن التي حول جيدك
    سياتي يوم وحباتها تفرطي
    وبين دمع وصبر يا جميلتي
    وازني وفي مشاعرك فاقسطي
    افهِمي نفسك انت قوية
    وبشرور الدمع على مقلاتك لا تضغطي
    ابكي قليلا.. وقليلا فتجلدي
    كوني بحزنك امة وسطي
    لا تجزعي فيُذهب الحزن لبك
    فتحكمي على نفسك شططي"
    واخرج من جيبه وردة صغيرة حاول الحفاظ عليها قد الإمكان ووضعها على طرف السرير ثم هم بالمغادرة فاستوقفته قائلة:
    "رزاق ليكن الله معك"
    تبسم قائلا:
    "انه دائما معي"
    وغادر كما جاء, بخفة وحذر من أن يراه احد.
    في المساء عادت رحمة ومرجانة إلى المنزل حيث طلب معصوم أن يجتمع الجميع لامر هام فتجمعوا. بيد كل منهم كوب شاي مهيل حملقوا في معصوم الذي كان جديا وعصبيا. قال لهم:
    "سيكون مسعود هو الشيخ القادم للعشيرة. لقد جاء اليوم واتفقنا على الأمر"
    هاجت مرجانة بغضب واضح وضربت على فخذها الأيمن وصاحت:
    "مات الاب والان الابن. لماذا وافقت عن التنازل يا شيخ"
    رمق مرجانة بنظرة المغلوب على امره فسكتت عن مقالها وبدأت تدعي على مسعود. الغضب كان واضحا على رزاق أيضا الذي أوقع استكانة الشاي من يده مصدوما لفعلت والده وساله :
    "لماذا يا أبي تنازلت؟"
    نهض معصوم عن مجلسه بدون تبريرات وقال:
    "مسعود هو الشيخ القادم فلا حاجة لنا بها ولن تغنينا عن شيء وبالمقابل أنت يا رزاق ستكون زوجا لفرحة, هذا هو الاتفاق"
    ثم ترك المجلس بين مرجانة الغاضبة التي كانت عيناها تتطير شزرا وبين رزاق الذي انقسم وسط الخبرين بين سعيد وغاضب. اما رحمة فلم يك يعني لها الأمر أي شيء فبين مسعود وعائلتها لا فرق لديها فجميعهم بالنسبة لها عائلة.
    في غرفتهما سالت مرجانة معصوم بمرارة مفقوعة:
    "لماذا تنازلت يا شيخ؟"
    تمدد معصوم على سريره وتدثر بدثاره وأجاب:
    "لقد اخبره راهي بالامر. لقد أعطاه سرنا قبل أن يتوفى. وهو يضغط علي بإفشائه"
    شعرت مرجانة بالخيبة واليأس وهي تسمع كلام زوجها. قالت والخيبة تعلو وجهها:
    "اه من راهي! لا يمكنه الاحتفاظ بسر لنفسه. ولم يتحمل إبقاءه في أحشائه حتى يموت"
    لم يجبها معصوم فقد كان أيضا يشعر بالخيبة لفعلة راهي. كيف يعطي سر كهذا لمسعود الغض و اذا لم يتمكن الشيخ الكبير من الحفاظ على عهده في إبقاء سر أخيه امنا فهل سيتمكن مسعود المندفع قليل الحكمة؟
    هذا ما جعل معصوم يشترط شرط زواج رزاق من فرحة. ومع انه يرى نظرات فرحة لرزاق ويعلم بانجذاب ابنه لها كان يعتقد أن من المستحيل أن يوافق راهي أو مسعود على جمعهما سويا ولطالما اقلقه انكسار قلب ابنه على يد عائلة عمه عندما يقرر طلب يد فرحة.. كان على يقين من استحالة اجتماعهما سويا في حياة راهي ولكن الان الامر اختلف كثيرا.
    وبهذا الشرط فقد تمكن معصوم بحسب ما كان يفكر من ضرب عصفورين بحجر واحد وهو يعتبر ذلك نصرا اكبر من المشيخة نفسها.

    ردحذف
  14. الفصل الرابع
    تمر الأيام وما فيها نشعر. وكأنها اخت الثواني. تسير على خطى النهاية مستقيمة. حتى نرى للموت آن أواني. أيا لاحقا قطر السنون بخ لك. تستحق على نباهتك التهاني

    كانت الأحوال في القرية هادئة رغم التوتر الذي حصل بين أفراد العشيرة عند تنازل معصوم لمسعود عن مكانتة. لم ينظر المجتمعون يومها إلى مسعود كما كانوا ينظرون إلى والده. فهو رجل عشريني فيه كثير من التهور في وضع لا يستحمل تهور الشباب بل يتطلب حنكة شيخ عاش حياته يحسب خطواتها. خرج الجميع يصفقون يدا بيد لا قدرة لهم على تغيير قرار معصوم ولا يريدون أن يفتعلوا مشاكل ليس لها داع. كل فرد يفكر لوحده بخطأ ما يجري وبالعواقب المحتملة لتهور الشباب ولو شاركوا أفكارهم لتغير الأمر و لأحدثوا فرقا. مذ ذلك الحين ومسعود يحبس نفسه لفترات أطول في غرفة المكتب في ظلامه يفكر كيف سيقلب الأمور لصالحه ويرتفع في فورة من ارتفعوا في ظل أوضاع البلد المتقلبة. مرت سنة على وفاة والده وفرحة أخته تعيش في كأبة ووحدة لا يخفف عنها سوى نظرات رزاق المسروقة والمعدودة على الأصابع عندما يتقابلان في لقاء عائلي. لم يتكلما أبدا بعد لقاءهما في غرفتها ذلك اليوم. فمسعود وفي لحظة من لحظات تفكيره في غرفته المغلقة قرر إبعاد رزاق عنها بإرساله للعاصمة من اجل أن يتابع مشروعا استثماريا شارك فيه مع الوزير حسان لافتتاح علوه صغيرة لبيع الخضار حيث يتم بيع محاصيل المزارع التي يملكها البو مساعي فيها. اضطر رزاق إلى السفر كثيرا إلى العاصمة والبقاء هناك في كثير من الأحيان ليتابع العمل وشؤونه.

    ردحذف
  15. وبالذات في بداية افتتاح المشروع حيث كان العمل لا ينتهي وانجزه رزاق بأكمله وحيدا يتلقى أوامر من ابن عمه على مضض وينفذها بحذافيرها كي يكسب مودة مسعود وبالتالي يمهد لزواجه من ابنة عمه في ظروف مسالمة. ورحمة أيضا قللت زيارتها إلى بيت عمها في الشهر الأخير بسبب انشغالها في فتح عيادة التطوع بالدم الذي كان عمها قد أسسها حيث أغلقت لفترة بعد وفاته. أصبحت الأن لوحدها تستقبل الناس وتشرف على الممرضات والممرضين الذي يساعدونها كل اثنين. شعرت بان كل هذ الخير الذي تقوم به سيكون مرده بشكل كبير على عمها المرحوم على شكل ثواب وحسنات حتى انها طلبت من رزاق أن يبدل اسم المكان إلى عيادة الشيخ راهي كي يبقى ذكره بين الناس. كان يوما باردا من أيام الشتاء فتدثرت فرحة جيدا وجلست تتابع التلفاز بملل. اقترب منها مسعود وجلس إلى جانبها وفي نيته أن ينهي امر الاتفاق الذي اتفقه مع عمه قبل سنة. قال لها وهو يراقب بؤبؤها المتابع للمسلسل المعروض: "لقد خطبك عمي إلى ابنه رزاق" تركت المسلسل وبحلقت بمسعود فاغرة فاها لا تدر أن قفزت على الاريكة فرحا سيكون ردا كافيا على الطلب ام لا. اكمل مسعود محاولا إعطاء الأمان أن رفضت: "رزاق فلاح وان كان ابن عمنا ولن الومك أن ...." قاطعته قبل أن يقول شيئا أخر فهي تعرف العداوة بين رزاق ومسعود : "موافقة" جاء جوابها سريعا قاطعا فلجم الكلمات في فك مسعود. ابتلع ريقه وعدل غترته مرتبكا. قال لها محاولا تغيير قرارها: "رزاق لا طموح له ولا مستقبل يا فرحة. هو لم يكمل دراسته وعمل منذ صغره كعامل لدينا فلا مقام له بين الفلاحين ولا مال لديه ليفتح لك بيتا لذا على الاغلب ستسكنين مع مرجانة في نفس البيت

    ردحذف
  16. حكت فرح زلف شعرها واخرجته من موضعه فانسابت خصلة خفيفة على خدها وهي تفكر. قالت بعد لحظات: "اقبل" حاول مسعود مرة أخرى أن يثنيها عن قرارها وهو يتذكر وعده لعمه بعدم التدخل في أي كان ما ستقوله محاولا الالتزام به: "أنا حقا لا انصحك بالقبول بشكل فوري. لما لا امهلك بضعة أيام لتفكري فيها. يوجد من هم افضل من رزاق بانتظارك. لا تستعجلي خذي بعض الوقت وفكري مليا" تململت في جلستها وهي ترى ما يفعله مسعود فاسترسل ليزيد من أقناعها: "ما كان أبي ليوافق على هذا الزواج؟ وانا لا أستطيع أن ارفضه إلا إذا رفضتيه انت. انت تعرفين إنني أريد الأفضل لك" نظرت في عينيه لتؤكد له ردها: "وانا أدين لك يا أخي بالكثير. ولكن جوابي لن يتغير. رزاق ابن عمي وأنا أراه رجلا لا يشوبه شائبة" صرخ محاولا ان يتمالك اعصابه وهو يدري انه لن يتمكن من الكذب على عمه بشأن موافقة اخته كما يدري انه على شفا حفرة من تزويج لقيط من ابنة شيوخ فكيف سيمنع هذه الزيجة: "وكيف تعرفين انه لا يشوبه شائبة؟" ابتلع ريقه وبدأت حركاته المضطربة تؤكد انه مرتبك وقد انفلت زمام الامر من بين يديه. اكمل: "فرحة لا تستعجلي يا اختي... اطلبي وقتا للتفكير.. اطلبي أي شيء فقط لتعيدي تنظيم افكارك فانت لا تعرفين رزاق كما اعرفه انا" وصمت بينما قالت هي وقد ابتعدت قليلا عن مدار يديه المتراقصتين في اضطراب: "انه ابن عمي.... ومن احسن منه كي يصونني يا مسعود؟ أنا اعرفه كل حياتي وعلى راي المثل *الشين التعرفة احسن من الزين المتعرفة* ولو كان في رزاق شيء سيء لكان ظهر طيلة هذه السنوات" ابتلع غضبه وقد كان السر على طرف لسانه ولكنه لم يبحه. امسك نفسه وترك فرحة وهو يشتعل نارا. ما عساه يفعل الآن. هل سيزوج أخته لذلك اللقيط؟ لا يمكنه الآن أن يخل بالاتفاق الذي أتفقه مع عمه فهذا كثير وسيجلب له متاعب جمة هو في غنى عنها. وعلى مضض اضطر مسعود أن ينقل خبر موافقة أخته على الزواج من رزاق إلى عمه فغاص الأخير في بحر من السعادة

    ردحذف
  17. سيضع لابنه رزاق مكانة بين الناس قبل أن يغادر الدنيا فزواجه بأخت شيخ العشيرة يدل على أن الشيخ بنفسه يعترف أمام الناس بان رزاق له مكانة كبيرة بين عشيرته. اسعد الأمر كل أفراد العائلة عدا مسعود بالطبع. لم يتمالك رزاق نفسه من الفرح فسجد شاكرا لله على جمعه بمن يحب. لم يهمه وضعه الاجتماعي يوما فهو كاخته تعلما من معصوم التواضع والرضا بالمقسوم. وان في العائلة الكل متساوي ومع انه كان يطمح ليكون كبير عشيرته بعد والده الا أن امر زواجه بفرح انساه الأمر وجعل الضغينة التي في قلبه ضد مسعود تتقلص كثيرا. في غضون شهر كان كل شيء قد تم تحضيره فالطابق الثاني من بيت معصوم قد عزل اغلبه عن الطابق الأول وفيه غرفة نوم وحمام وصالة ومطبخ واسع. فرحة كانت سعيدة جدا رغم أن غياب والدتها ووالدها في مثل هذا اليوم قد جعل في كل هذه السعادة تنغيصه صغيرة جعلت كل التحضيرات المثالية لعرسها تبدو ناقصة. خارج منزل بيت راهي المساعي امتدت الخيام حتى بيت معصوم المساعي ممتلئة بالناس والطعام نصف الخيام للنساء ونصفها الأخر للرجال. نقلت فرحة في سيارة قد أحسن تزيينها إلى بيتها الجديد حيث أصوات الهلاهل تصم الأذان وأبواق الموسيقى وصلت الحانها إلى أخر بيت في القرية. أخذت العروس مكانها بين النساء المتراقصات فرحا يضربن الدفوف وينشدن الأغاني القديمة. "هاي الرادهة وهاي التمناهة بنت الشيخ لابن الشيخ ردناهة" وسط خجل فرحة من نظراتهن وغمزاتهن لها. جلست رحمة على الكرسي الفارغ بجانب فرحة والذي من المفترض انه للعريس عندما يأتي ليجلس قليلا بين النساء ثم يأخذ عروسة إلى غرفتهما. همست رحمة في اذن فرحة قائلة: "هل اجلب لك بعض الطعام انت لم تأكلي منذ الصباح" هزت فرحة راسها رافضة وقالت: "لا اشعر بالجوع بل اشعر بالرهبة" وأرادت أن تقول الوحدة فقد تمنت لو أن والدتها معها لتنصحها فهي معروف عنها النصح القويم. قالت لها رحمة: "لا باس يا فرحة فعندما يأتي العريس سيزيل رهبتك ويشبع جوعك" وزاد احمرار فرحة على احمرارها وشعرت بحرارة في رقبتها من الخجل. قالت لها رحمة: "لقد كلمني ليطمئن عليك

    ردحذف
  18. أخي رزاق (يقطر حنانا) وطلب مني أن اخبرك انه سياتي بعد قليل كي لا تتفاجئي بدخوله" تبسمت فرحة بينما قامت رحمة لتشرف على حفل النساء وطلباتهن مع والدتها مرجانة التي كانت هي الأخرى سعيدة بهذا الزواج. ليس فقط لسعادة ابنها, بل لاجل فرحة التي كانت تراها مرتاحة وسعيدة. بعد ربع ساعة قرر رزاق أن يتخذ مكانة بجانب زوجته في حفل النساء وان ينهي الحفل فقد غابت الشمس ومعها زاد حنينه إلى حبيبته الصغيرة. كلم رحمة ليخبرها بدخوله حالا ولتتخذ النساء الحيطة ثم كلمته هي لتعطيه الأذن بالدخول فدخل مع معصوم ومسعود. اقترب معصوم من ابنة أخيه وهو يراها بالثوب الأبيض كأنه يرى رحمة بالضبط. سعيدا بها وبابنه. قبل جبينها فسالت دمعة من عينها فقال لها معصوم: "انت ورحمة لم افرق بينكما أبدا. الآن وبوجود زوجك وأخيك أعدك يا ابنتي أن أخطأ رزاق بحقك فلن ينال رضاي حتى يرضيك" تدخل رزاق متغزلا بعروسه: "وهل يمكن أن يؤذي المرء نفسه يا حاج" رغم كل أجواء المحبة بين الجميع إلا أن مسعود كان يعمل بمبدأ خالف تعرف. قد بدا عليه الضيق من كل المشاعر التي يعبق بها الجو ورمق الجميع بنظرة تخويف حتى انه قبل راس فرحة بارتباك ولم ينتبه حتى لنظرات رحمة له وهي تتمنى لو إنها تجلس مكان فرحة ويجلس هو إلى جانبها. لم تشعر يوما باي كره تجاه أفعاله معها كأنها تعامله كطفل في أخطاءه وإنها يجب ألا تحملها على محمل الجد. تعتبر كل كلمة تخرج من فمه طبيعته التي تتحملها لان قلبها يريد تحملها رغم عقلها الذي يتساءل دائما لماذا؟ جلس رزاق بجانب عروسه مهيبا ونظرة استحياء اعتلت وجهه من نظرات النساء له. اقتربت منه رحمة وهمست في أذنه: "أخذت الإذن من والدي وسأرقص لك رقصة السيف" ثم وبجلبابها الأخضر الطويل المرصع بلآلئ ملونة وشعرها الأسود الطويل الذي تحرر من تحت الشال الأسود أمسكت سيف جدها الذي توارثته الأجيال ويحتفظ به معصوم في منزلة معلقا على الحائط. كفارسة من العصور الغابرة بدأت تتمايل والسيف المرتاح في غمده يتمايل بيدها على الحان بدوية ريفية وانضمت لها مرجانة بجلبابها الأسود وابتسامتها المشرقة تصفق لها وتقلد بعضا من حركاتها. رفعت السيف للأعلى وأنزلته للأسفل ثم وضعته على كتفها ورفعت ساقها اليمنى وهي تتقافز بعدها وضعت السيف على الأرض كأنه عصاة تتكأ عليها ومالت بخصرها يمنة ويسرة في حركات إيقاعية متناغمة والنساء تصفق لها وتتضاحك. أخيرا شهرت السيف ساحبة إياه من الغمد وهي تنظر إلى مسعود الذي جلس بجانب عمه بعيونها التي زانها الكحل الأسود ونظرات حادة كحدة السيف الذي تتراقص معه. أشارت بالسيف ناحية والدها وقالت بصوت عال ومقصد ما قالته دفين قلبها: "مبارك للشيخ معصوم زواج ابنه. ادعوا لابنته لا فض فيكم" وتضاحكت النساء على قولها بينما هز والدها راسه متبسما. كانت عينا مسعود تحملقان في رحمة التي لم يرها قبل اليوم بهذه الهيئة المنفتحة. تلك الفتاة التي تتزين بضفيرة وجلباب اسود طوال الوقت ها هي هنا بين النساء كقمر مضيء. انتهى الحفل برقصة رحمة المقتضبة وزف العروسين إلى بيتهما الصغير وسط ورود وهلاهل وودع مسعود أخته واحتضنها برفق ثم طبع قبلة حانية على جبينها وبادل رزاق نظرات محذرة ومتوعدة وأودع العروسين الغرفة واقفل عليهما ليتركا وحيدين. جلست فرحة على السرير الوثير مطرقة للأسفل بينما وقف رزاق ينظر لها بجانب الباب الذي اقفله. اقترب منها بهدوء وأزاح الخمار الأبيض عن وجهها وقال لها: "أخيرا يا فرحة أصبحت فرحتي، أخيرا يمكنني أن انظر اليك بدون أن اسرق النظرات أو أخبئها" تبسمت بخجل كبير فقال لها: "يبدو أن ربي راض عني فقد استجاب دعواتي وأمست هذه الضحكات ملكا لي وحدي" جلس على ركبتيه يتطلع إلى عينيها المطرقتين خجلا وقال: "لا تخجلي مني يا فرحة أنا ملكك انظري إلي. الست دائما تتطلعين إلى الحديث معي. تحدثي الآن معي ولنقض ليلتنا هذه في حديث مستمر نعري فيه أنفسنا لبعضنا ونتعرف أكثر على مكنوناتنا.

    ردحذف
  19. تحدثي الآن معي ولنقض ليلتنا هذه في حديث مستمر نعري فيه أنفسنا لبعضنا ونتعرف أكثر على مكنوناتنا. أخبريني عن أحلامك وما تحبين فلدي طاقة أريد أن ابذلها في إسعادك" تبسمت فنهض ليجلس بجانبها وامسك يدها وقبلها. قالت له بصوت ضاوي: "تمنيت لو أن أبي وأمي معي اليوم لزادت فرحتي" نظر في عينيها. شوقه لها يزداد مع كل دمعة تنزل من عينيها لذكر والديها احتضنها بقوة وهمس في أذنها مشفقا: "ناديني أمي إن أحببت وان اشتقت لعمي فناديني أبي" ضحكت فقد كان كلامه مريحا سهلا. سمعا طرقا على باب الشقة الصغيرة فذهب رزاق ليفتح. كانت والدته تحمل مع رحمة صينية كبيرة من الطعام أعطتها لابنها وهي تسترق النظر لداخل المكان فمنعها رزاق قائلا: "أمي! هل أضعت شيئا في الداخل؟" ضحكت رحمة بينما ضربتها الأم بخفة وغادرتا لتحضير الطعام إلى من بقي من الأقارب الذين جاءوا من أماكن بعيدة وسيبقون في ضيافتهم هذه الليلة. كان من بين الجالسين في الضيافة شيخ العشيرة الشاب منشغلا برحمة والسيف. لم يستطع إبعاد عينيها الكحيلتين عن ذهنه. كيف لأمر بسيط أن يغير طريقة تفكيرنا بإنسان. تلك الرقصة التي لا تعد رقصة بل هي أقرب إلى حركات محتشمة قدمتها لأخيها إعلانا لفرحتها بزواجه. تابعها وهي تجرجر جلبابها الأسود الذي تلبسه عند خروجها أمام الرجال. خرجت لتسلم دلة القهوة مع الفناجين كي توزع على الجالسين في ديوان المنزل كنوع من الضيافة. لمح ضفيرتها التي تتأرجح من تحت الشال يمنة ويسرة ففار دمه. تلك الضفيرة الآن ليست ضفيرة عادية بل هي لشعر منساب راه يتراقص فوق جبهة عريضة وخصر مضني. رحمة التي أمامه طوال الوقت لما هو لا يستطيع أن يقرر أن كانت جميلة أو لا؟ يشعر بمشاعر مختلطة تجاهها. تارة يعتبرها قاتلة ثم يعود ليحن عليها أمام كل الطيبة التي تمتلكها في قلبها ينقلب بعدها لكرهها. لا يريد من وجهها المبتسم البريء أن يلين قلبه بل أن لديه مهمة لا مكان للحب فيها. قال له عمه معصوم وهو يقدم له القهوة: "أراك مشغول الفكر يا مسعود، ارح عقلك قليلا وابتهج" اخذ مسعود القهوة من عمه وقال: "الكثير من المشاريع يا عمي في العاصمة وهنا. كلها مرهونة بقرار أتخذه قد يؤدي إلى ازدهارها أو فشلها. كما تعلم أنا الوحيد الذي يفكر بمستقبل العشيرة" أجاب معصوم في نبرته خيط عصبية: "لن يكون لعشيرتنا أي مستقبل أن بقيت يدك في يد ذلك الرجل المدعو حسان وعائلته" نظر مسعود لعمه نظرة نصفية وشرب كل ما تبقى من القهوة في فنجانه شربة واحدة وقال: "نأخذ بعض المخاطر من اجل أن نعبر إلى بر الأمان، هل تعتقد أن الأرض التي نملكها سيكون لها قيمة بعد 10 أو 20 سنة؟ ألا ترى تراجع المنتوج سنة بعد سنة والتصحر الذي بدا يتلف مساحات واسعة من الأرض إضافة إلى توجه الناس إلى الطعام المستورد لرخص أسعاره. هل تعتقد أن أحفادك سينالون نصف الراحة التي نلتها انت وابي لو بقي الحال على السوء الذي هو عليه الآن؟ ألا ترى يا عمي البركان الذي يغلي وسينفجر في أي لحظة معلنا إفلاس الجميع. البنوك ليس فيها أموال والموظفين لا يدفع لهم والمستفيدين الأوحد هم من انضموا إلى الحكومة أو شاركوا بمشاريع مع منتسبيها. الوزير حسان المطبك هو من سيخرجنا من مشاكلنا المالية والعمل معه سيضمن لأولادي أن يعيشوا في المستوى الذي عشت أنا فيه" تنفس معصوم كي يخرج الغضب الذي في داخله تجاه تصرفات مسعود فلا داعي للمجادلة أكثر معه لان حب السلطة قد جعله يجد مئات الأعذار كي ينغمس في مشاريع غير مضمونة النجاح. صب معصوم لمسعود فنجان قهوة أخر ثم اعتذر ليغادر المجلس متحججا بدواء القرحة. استيقظ الجميع تاليا على صوت الديك يصدح بأنفة ليوقظ الجميع حيث استيقظت رحمة منهكة وهي لم تنم سوى سويعات قليلة وبدات بإرشاد المساعدات إلى ما يجب فعله لتحضير وجبة إفطار لمن في ضيافتهم. على عكس رحمة، مرجانة لم تنم طوال الليل. ظلت تتقلب في سريرها تفكر بابنها وزوجته وتذهب بين الفينة والأخرى لتزرع أذنيها على باب الشقة الصغيرة التي يسكنونها علها تسمع شيئا مما يدور هناك. فور الانتهاء من تحضير الفطور أخذت صينية ممتلئة بالأطايب وذهبت إلى غرفة ابنها بعيون فضولية وطرقت الباب. استيقظت فرحة على صوت الطرق وهي تتثاءب وتمط جسدها بغنج. كان رزاق نائما إلى جانبها كطفل صغير فقبلت جبينه سعيدة ونهضت لتفتح الباب بعد أن لبست ملابس ساترة.

    ردحذف
  20. فور أن انفلجت دفتي الباب، دست مرجانة وجهها ودفعتها أمرة الفتاة التي كانت تساعدها في حمل الصينية بالذهاب. شعرت فرحة بالخجل من مرجانة وهي تنظر لها نظرات استطلاعية وقبل أن تسال مرجانة أي سؤال كان رزاق مشعث الشعر عاري الصدر يشكرها على الطعام ويستلم الصينية التي كانت تمسكها بمساعدة فرحة. شكرها بإسهاب وقبل راسها ثم دفعها برفق إلى خارج الغرفة وقال لها: "إذا أردنا شيئا أخر سأنزل بنفسي لإحضاره" ثم خرجت وهي تصفق يدا بيد وتمتم مع نفسها: "إلى متى سيحبس نفسه في غرفته وانا اغلي وحدي خارجا؟" وقابلت زوجها الذي لم يخف عليه حالها الفضولي منذ البارحة. قال لها: "هل تذكرت يوم زواجنا يا حاجة؟ بقيت أمي أسبوع تحاول الدخول إلى الغرفة ولم تترك أي حجة ألا واستعملتها، ورغم عدم نجاح حججها ها انت تستعملينها اليوم مع ابنك" لوت فمها غير أبهة بكلام زوجها وعادت إلى المطبخ لترى سير العمل. بعد ربع ساعة جاء زوجها اليها وعلى وجهه علامات الاضطراب وقال لها: "تحضري يا حاجة فلدينا زوار سيصلون بعد اقل من ساعة" تنبهت رحمة التي كانت تدلك قدمها من شدة التعب وتحولت ملامحها إلى خيبة امل فهي قد أنهت للتو إطعام الضيوف طعام الفطور وقد بدوأ يشدون الرحال للمغادرة وقد تأملت أن تنام حتى العام القادم كي تريح جسدها المنهك. الآن أصبح هذا حلما بحضور الضيوف الجدد. تساءلت الحاجة وهي تضرب راسها بكفها بهوادة: "من هؤلاء الضيوف ولماذا لم يأتوا البارحة للزفاف؟" أجاب الشيخ بجدية واضحة: "الوزير حسان المطبك وعائلته، لم يستطع القدوم البارحة بسبب الإجراءات الأمنية" تذكرت الحاجة هذا الرجل من وقت عزاء الشيخ راهي. رأته بموكبه المهيب يأتي ليلا وبسرية كي يعزي مسعود ولم ينتظر طويلا بل غادر على عجل. قالت الحاجة مستسلمة: "وما عساي أقول. أهلا بهم " ثم صاحت على رحمة: "رحمة تحضري للضيوف وأخبري الفتيات أن تبقى اثنتين أو ثلاث لمساعدتنا واصرفي الباقيات ولا تبخلي عليهن لا بالمال ولا الطعام" هزت رحمة راسها المصدع إيجابا ونهضت لتفعل ما طلب منها بينما ذهبت مرجانة من جديد لغرفة ابنها حتى تخبره بقدوم الوزير للتهنئة طرقت الباب وهي تسمع ضحكات من داخل الغرفة ثم وبعد دقائق جاء ابنها ووجهه يحكي حكاية من الاستمتاع والسعادة وبادرها القول بنفاذ صبر لزياراتها المتكررة وهو يخفي جسده بالكامل خلف الباب ويخرج فقط راسه وشعره المنكوش: "أمي الم ....." قاطعته قائلة: "سياتي ضيوف مهمين بعد ساعة ليباركوا لنا تحضر انت وزوجتك لمقابلتهم" عقف حاجبيه متسائلا: "من؟ لقد رأيت الجميع البارحة" أجابته: "الوزير حسان المطبك وعائلته" زفر من انفه ممتعضا لسماعه هذا الاسم وقال: "سنتحضر لا تقلقي" وغادرت الأم بينما عادت التحضيرات لاستقبال الضيوف الجدد. بعد ساعتين كانت عائلة الوزير حسان المطبك تترجل من السيارات المظللة السوداء. ثلاث يتقدمهم رجل أصلع بقي من شعراته القليل على الجانبين يتخللها الشعر الأبيض. قصير ببطن مدورة يسير بمكر يحتسب خطواته شديد الاحتساب. خلفه على الجهة اليمنى كانت ابنته الكبرى وهد تلبس نظارة سوداء تخفي عينيها الزرقاوين كعيني زرقاء اليمامة واسعتين برموش كثيفة. أطول من والدها وقد ساعد الكعب العالي الذي تنتعله على زيادة طولها على الأقل 5 سم فأضحت سيقانها الطويلة أطول وارشق. ثوبها الأسود القصير يكشف عن ركبة بيضاء بارزة العظام ومشية باردة غير مبالية. على يسارها كان شبيهها سامر يبدو أكبر سنا منها ببدلته التي لا يستبدلها باي موديل أخر وشعره البني الخفيف الذي يبشر بالصلع كوالده. مسير العائلة إلى منزل معصوم كان مهيبا ومخيفا كأن شيطانا سيدخل إلى هذا المنزل فيغوي كل من فيه ويهدم أركانه. وصل الوزير وعائلته إلى معصوم ورزاق ومسعود الذين وقفوا لاستقباله تقف خلفهم مرجانة ورحمة والعروس الخجول. بعد التحيات والمجاملات ذهب الرجال إلى غرفة الضيافة بينما انفصلت عنهم وهد لتذهب مع النساء على مضض. شخص واحد كان قد ركز بشكل زائد في طابور النساء الأفقي الذي يقف خلف معصوم. كان هذا الشخص سامر المطبك الذي جذبته وقفة رحمة المتعبة وابتسامتها الغائبة بسبب الإرهاق. باهتة وضعيفة الوجه تذكره بوجه باهت وضعيف يعرفه جيدا بل يعشقه حد الجنون. رغم اختلاف القسمات والتعابير ألا انه ربط الوجهين معا بدون أي رابط فيزيائي سوى اصفرار الوجه ورقة الملامح وطيبتها. تعالت في داخله أصوات مجنونة تهمس: "قد تكون المنشودة" همس في أذن أخته قبل أن تغادر مع النساء مشيرا إلى رحمة بشكل خفي بخفة وحذر: "احضري لي معلومات عنها"

    ردحذف
  21. الفصل الخامس

    فتح سامر باب منزله الصغير وخطا إلى داخله متعبا. رمى المفاتيح بعشوائية على طاولة صغيرة عصرية مصنوعة من الخشب مطلية باللون الفضي. نظر في أرجاء المنزل يتفقده ثم اقترب من شاشة صغيرة موضوعة على الحائط تمثل جهاز الأمن فغير الرقم السري مرتين حتى رضي عن قوته. شرب بعض الماء من الثلاجة ووضع الكوب في المغسلة ثم توجه إلى غرفة نومه. وسع عقدة رباطه الأسود اقترب من خزانة مقفلة وقف أمامها طويلا ينظر اليها بعيون مشتاقة مجنونة. فتح الخزانة ودس راسه في ظلامها وقد تغيرت ملامحه تماما. رق وجهه الجليدي ولانت عيناه الزرقاوين. سحب بيده جسدا واقفا يلبس ثوبا ابيضا كثياب القديسين. خرج الجسد من مكمنه في الخزانة وفي ضوء الغرفة الواهن تمعن في الوجه المصفر الجامد والعيون الزجاجية المتعبة باهتة اللون. مرر أصابعه برقة على الخد البارد وهو يتلمس الجلد الميت بشوق فانسابت الأصابع بحرية على انفها وشفتيها المنفرجتين ثم نزل إلى عنقها الدقيق الشامخ. ابتلع ريقه وهو يمسك برقبتها ويطبق عليها بينما وقفت هي بجسدها السيليكوني الغض المغطى بجلد بشري حقيقي لا يصدر منها حسيسا ولا تنهدا. تركها ثم جلس على الكرسي الجلدي الفخم يتطلع لها بانكسار. اغلق عينيه بعد ثواني متعبا يتنفس بصعوبة وهو يتذكر أسوء ما مر به في حياته. أشعل سيجارة من السجائر التي يصنعها بنفسه والتي يضع فيها الكثير من الأعشاب المخلوطة فيأخذه دخانها إلى عالم أخر بعيد عما يتعايش معه يوميا. كأنه يذهب إلى ما قبل كارثته فيعيد المشاهد مرارا وتكرارا كي يشعر بنشوة البراءة. كان معها. صاحبة الجلد الناعم الذي يتحسس ملمسه كلما أراد أن يدخن سيجارته المنشية فيبقى ملمس جسدها على أصابعه التي أزهقت روحها. أول روح أزهقها بيديه العاريتين. عندما قرر أن يتزوج كان للتو خارجا من طور المراهقة. مندفع ومحتاج للتخلص من سيطرة والده وقسوته عليه وعلى أخته. ولم تكن قسوة حسان نابعة من رغبته بتربية أولاده تربية حسنة أو عقوبة على سوء افتعلوه. بل عقوباته أقرب إلى التدريب على الانصياع لأوامره والاستعباد التدريجي لهم ولعقولهم. أراد حسان أن يتأكد من انهما سيكونان بمثابة البيدق بين يديه فيستغلهما كما يشاء في لعبة السلطة التي كان يلعبها. ابنته وهد التي شبهت والدتها كثيرا بمكرها انصاعت بسرعة إلى الطريق الذي أرادها والدها الانصياع اليه بعد اكتفائها من الألم، بينما سامر واجه الأمر بعنف فبادله حسان العنف ضعفين. وليلا حيث يمكنه الذهاب إلى حيث يريد اعتاد سامر الشاب الصغير السهر وحيدا في النوادي الليلية. يجلس على طاولة مخصوصه له يبتاع ما يريد وينغمس في صراعه الداخلي حتى تعرف عليها. اقتربت منه وحيته بمنتهى اللطف ثم سحبت كرسيا لتشاركه الطاولة. لم يمانع من جلوسها معه ولا مودتها الزائدة كأنها تعرفه منذ زمن بل شيئا فشيئا فتح لها قلبه وكل يوم توقه اشتد لزيارة النادي فقط لرؤيتها والجلوس معها. ليريح قلبه بمشاركتها الحديث ويزيح عن كاهله عبء العيش مع حسان وعبء فقدان الأم التي لا تزورهم ولا تسال عليهم. يخبرها بما يفعله والده معه فتواسيه وتطبطب على جراحه وتصبره. كأنها تعرف جيدا ما يمر خلاله وتريد أن تساعده ولكن ما باليد حيلة. في غضون سنة تعلق بها سامر بشدة وارتياده للنادي ازداد فزاره حتى في النهار. أي وقت يشعر بحاجته لحضن يواسي سياط حسان يهرع اليها فلا تبخل عليه بقربها ولا وقتها. لم يعد يخفي عنها شيئا وهي كانت تسأله عن كل ما يخطر ببالها. ثم قرر وفي فورة جنونه وشغفه انه سيتزوج بها. أخبر والده فأرغى وازبد وهدد سامر بقتلها أن لم يعتدل وينسى أمرها بيد أن ابنه زاد في عناده. كلم والدته على مضض علها تقنع الأب ولكنها كانت اشد من حسان غضبا. كسرت الأواني وصرخت في وجه ابنها ثم هدأت وتوسلت أن ينساها. تحججت بمستواها الاجتماعي وعملها في ذلك النادي سيء السمعة وبعمرها الذي كان تقريبا يضاعف عمره. كلها أسباب لم تعني سامر أبدا لأنه وقتها كان يحتاج إلى شيء واحد فقط ... أن يحب بإخلاص كإخلاصها! إخلاص أم لأولادها. كان يفتقد الحنان بشدة وحيدا متأذيا وهي لم ترد منه سوى ان تواسيه بلا أي مقابل. عندما لم يجد سامر أذنا صاغية من والديه قرر الهرب وأخبرها بخطته.

    ردحذف
  22. فور أن علمت أن سامر يريد الزواج بها اصفر لونها. لجم لسانها وأخبرته أن زواجهما مستحيلا. ثار وبدا يعربد في النادي جالبا انتباه الجميع وبدأ يتصرف كالطفل الصغير ولإسكاته أخبرته إنها ستفكر بالأمر. لم يهدأ فتوسلته أن يهدأ ولكنه ظل يهلوس بكلام عن والده ولخوفها مما قد يحصل تاليا أخبرته بموافقتها على الزواج به. وأقنعته أن يؤجلا الموضوع قليلا. وافق سامر على التأجيل بشرط أن تترك عملها في النادي نهائيا. بعد شهر من تلك المحادثة اتصل به والده طالبا منه أن يأتي إلى احدى الشقق التي يمتلكها حسان في العاصمة لأمر هام. ذهب سامر ليصدم بمنظر غير حياته تماما. كانت تنتظر في شقة حسان. مستلقية بكامل زينتها على سرير وثير. مبحلقه به مصدومة لرؤيته. لا تنبس ببنت شفة ملجومة اللسان مشلولة الجسد ترتعش قسماتها رعبا. قال له والده حينها إنها جاءت اليه لقضاء الليلة كزبون من زبائنها. وهي تعلم جيدا انه والده. اقنعه بما يعرفه هو مسبقا.. فتاة الليل الاثمة التي تلعب على الأطفال الأغنياء... تلك هي! شتمها حسان وشجع سامر على الانتقام منها لتلاعبها به وبعواطفه فهجم عليها سامر في فورة من غضبه المكبوت كأنه يمسك عنق والده بدلا من عنقها. خنقها بيديه العاريتين بينما يشعر بروحها تخرج منها تدريجيا وهي لا تقوى على الحركة تحته وكل ما فعلته هو دموعها التي تساقطت على جانبي وجهها حتى انتهى الأمر. جلس بعدها ينظر إلى عينيها الغائمتين بلا روح هي لا تبدو جميلة كالسابق. جسدها البارد هو بالتأكيد يشبه تلك اللعبة التي يضعها أمامه... واهن مصفر متعب. حبه الأول الذي كان نقطة التحول في حياته فبعد تلك المقتلة تعلم امرا واحدا وهو أن براءته في عالم ملئ بالفظائع قد ضاعت إلى الأبد. لا يهم على يد من ضاعت ما يهم إنها فقدت بلا رجعة. نام على ذلك الكرسي فبعد ذكرى تلك الليلة لا يمكنه فتح عينيه.

    ردحذف
  23. استيقظ على صوت الهاتف اللحوح ففتح عينيه نصف انفتاحه ثم أجاب بغضب وهو يمسح فمه اللاهث: "أبي! هل علينا أن نستمر بالمجاملات لتلك العائلة ؟ لندعهم يا والدي فلدينا دعم الكثيرين الأن... اعلم أن الانتخابات على الأبواب ... اعلم ...." وتنفس بنفاذ صبر وهو يحاول أن يستجمع قواه ويتحمل صداعه بينما يستمع إلى والده على الخط الامن. صرخ وهو ينظر إلى لعبته الماثلة أمامه: "انت فقط اخبرني ما علي فعله وانا سأفعل لا تناقش معي خياراتك اعطني أوامر فقط" توجه إلى المطبخ حيث شرب بعض الماء واخرج تفاحة بدا بقضمها وهو ينصت لوالده الذي بدا عليه الضيق من صوت الطعام يلاك في فم سامر. أنهى الاتصال مع ابنه فسامر ليس للنقاشات ولا لاتخاذ القرارات. هو لطالما توجه لوهد اذا ما أراد أن يطبخ طبخة ولم تخذله يوما لذا هي كانت وماتزال يده اليمنى وسلاحه الفتاك بعقلها الماكر وبالقطب الشمالي الذي يسكنها. كانت وهد تجلس في شقتها التي تقع فوق شقة سامر بالضبط تشاهد الاخبار وتكتب الملاحظات في دفتر صغير انيق. شربت بعضا من عصير الفواكه الطبيعي الذي تتعشى به كل ليلة للحفاظ على رشاقتها وكتبت في مدونتها: "الانتخابات القادمة ستكون مهزلة كعادتها والغضب العارم سينتهي بفوز ذات الاحزاب وذات الوجوه ستتبادل مناصبها وتعلن نجاح انتخابات حسمت قبل بدايتها" تبسمت ابتسامة نصفية فكشفت عن اسنان مفترقة تكسوها شفاه غليظة مكتنزة. هزت راسها وهي تستمع لبرنامج سياسي وضحكت معلقة: "كم احب رؤية تصريحات السياسيين وبالذات وانا اعرف رايهم بالامر مسبقا فيأتي كذبهم كفلم كوميدي" اتصل بها حسان فاجابت فورا: "أبي انت تعلم سامر هو مختلف .... لماذا فقط تناقشه فقط اعطه أوامر وهو لن يخذلك... لا افهم فقط ما سبب اصرارك على هذه العائلة.... أبي! ارجوك راهي مات وانتهينا منه وابنه يبدو كاحمق !" أخيرا قالت: "لا باس سنفعل ما تريد لا تهتم انت كل شيء سيكون بخير وأنت ستكون ضمن التشكيلة الوزارية القادمة بالتأكيد أنا اعدك" وأقفلت الهاتف وهي تفكر بعائلة المساعي. زيارتها لهم مع والدها والتي استمرت لساعة كانت من أسوء الساعات في حياتها. مجموعة نساء لا يرتبطن معها في أي فكر ولا طبيعة. مختلفات كاختلاف الحياة نفسها وتلك الفتاة التي طلب منها سامر أن تجلب له معلومات عنها أشعرتها بالرهبة. وجهها المستسلم الحاني وأهدابها المسبلة ببراءة أشعلت قشعريرة في جسدها. أغلقت عينيها وهي تفكر بسامر وتمتمت: "كله بسبب تلك المخادعة! والان سامر وضع هذه الفتاة براسه ووالدي يريد دعم عائلتها. كيف ستنتهي هذه المسرحية يا ترى ...." ولعنت تلك اللحظة التي رات فيها جثة بائعة الهوى التي اقتنع سامر بحبها. كانت عارية من الروح أصابع سامر قد توغلت في لحمها حتى دق عنقها بعنف وتعابير الألم على وجهها بفمها الصارخ ولسانها المتدلي وانفها الدامي يقشعر من منظرها البدن. لقد ساعدته يومها على تخطي موتها أو هذا ما حسبته رغم أن الحقيقة ألا احد منهما تخطى ذلك اليوم. لبست معطفها فوق بيجامتها البيضاء الحريرية وذهبت لزيارة سامر. طرقت بابه بضع طرقات ففتح لها الباب ودخلت تتبع خطواته المتثاقلة. قالت بفزع وهي ترى من باب غرفته المفتوح تمثاله السري: "سامر! الفتاة التي طلبت مني معلومات عنها ابنة عشائر. هي ليست ك..." قاطعها وهو يغلق باب غرفته : "اخبريني عنها " بللت شفتيها وهي تجلس على احد الكراسي: "لا شيء مهم هي ابنة معصوم تعمل ممرضة خيرية ولا حاجة لنا بفضيحة قبل الانتخابات. دعها وشانها ارجوك أبي يحتاجنا إلى جانبه في هذا الوقت" هز راسه وتمعن فيها متسائلا: " هل خذلتكم يوما؟" أغلقت عينيها مستسلمة فجدال كهذا لم ينتهي يوما بفوزها به. قال لها : "أريد رؤيتها مرة أخرى , أريد الحديث معها" تأففت وهد بنفاذ صبر وصرخت فيه: "الم اخبرك انها ابنة شيوخ هي لا تتحدث مع الغرباء بلا سبب .

    ردحذف
  24. الم تر جلبابها الطويل وغطاء راسها؟" لم يجبها فقد رأى كل شيء كما رأى شيئا فقط عيونه الخبيرة رأته. رأى براءة لا يمكن نكرانها. براءة يفتقد اليها منذ سنين. أكملت وهد بعصبية: "الم ترى أن هذه العشائر تزوج ابن العم لابنة العم والفتاة بالتأكيد ستتزوج ابن عمها مسعود كما فعل اخوها. هل ستدخل الأن في معمعة العشائر والثارات والشرف؟" رغم أن كلامها ما كان له أي تأثير على عقل سامر الغريب الأطوار الا انها رات في عينيه بعض التفكير فيما قالته. تركته وعادت إلى شقتها وقد تجاوز الوقت منتصف الليل. هي تحتاج إلى أن تنام فالغد يحمل لها الكثير من المشاق. صعدت إلى شقتها وفتحت الباب لتتفاجأ بمظروف اصفر قد رمي من اسفل باب شقتها فتمزقت بعض حوافه. حملقت في المظروف لبرهة ثم رفعته عن الأرض متوجسة خيفة مما فيه. أزالت الشريط اللاصق وفتحت المظروف لترى مجموعة من الصور والأوراق في داخلة. ابتلعت ريقها باضطراب وجلست تفكر بمن عساه قد تمكن من تجاوز المنطقة الآمنة التي يسكنون بها والنظام الأمني للعمارة الصغيرة التي تعيش فيها مع سامر بكل جرأة فقط ليضع هذا الظرف على عتبة دارها. في منزل راهي المساعي الذي اضحى فارغا وموحشا بعد زواج فرحة، تناول مسعود وجبة العشاء متأخرا وحيدا مفتقدا أخته الصغيرة التي لطالما جلست معه على المائدة. مفتقدا الضحكات التي كان يعارضها دائما. كم أحس بوحشة لفراق والده واخته وهو الذي ما فكر يوما انه سيشعر بتلك المشاعر المضطربة تجاه وحدته. وضع صينية الطعام جانبا وذهب إلى غرفة نومه حيث تراءت له أشباح الماضي تتقافز بين أركان البيت الواسع فتارة يرى فرحة تكيد له وتنجو من عقابه لصغر سنها وأخرى يرى والدته الراحلة تحتضنه بعد سقوطه وجرح ركبته. نظر إلى كرسي والده المتحرك الذي كان يستعمله في الفترة الأخيرة بشكل منتظم ورأى والده يجلس عليه واضعا كوفيته على كتفيه ويلبس القحفية البيضاء على راسه الأشيب ويتسامر مع رحمة فيتضاحكان ويثني على كل شيء تفعله كأن لا خطا قد ترتكبه هذه الصبية. هذه الصبية! لما يشعر كلما رآها انها تجتذب قلبه وتمسكه بين يديها. هز راسه وصرخ: "ساحرة! انت وامك ساحرتان" ثم بدل ملابسه ونام كي يخرج من طور الوحدة التي بدا يستشعرها. في الصباح كانت الدادة تجلس في المطبخ تذرعه جيئة وذهابا وهي تستمع إلى صوت خطوات مداس مسعود وهو يقترب من المطبخ. كان لديها خبر لن يعجب مسعود على الإطلاق. دخل وسلم عليها وقد كان يراها مقربة منه ومن عائلته كثيرا. صبت له شايا ووضعت صينية الفطور أمامه ثم وقفت على مبعدة منه. لاحظ اضطرابها فبادرها السؤال: "هل تحتاجين مالا يا دادة؟" بللت شفتيها اليابستين وقالت له: "لنتكلم بعد إنهائك الطعام يا ولدي" ترك الطعام واستدار ناحيتها وكله إنصات لما ستقوله وأمرها: "قولي الأن" قالت مترددة: "يا ولدي انت تعلم كم غاليا عندي هذا المكان وقد خدمت فيه لسنوات طوال بعد سفر ولدي إلى الخارج، لقد طلب مني ولدي قبل فترة الذهاب لزيارته هناك وقد اشتقت له كثيرا وأريد أن أرى أولاده الذين ولدوا بعيدا عني. استخرجت الفيزا وتحدد موعد سفري بعد يومين. لقد أبقيت كل هذا سرا بسبب انشغال الجميع بزواج ابنتي فرحة والان وبعد أن تزوجت ارتأيت أن أخبرك بالأمر. بالنسبة إلى طلباتك ...." قاطعها متبسما بمرارة: "لا باس يا دادة وانا سأوصلك إلى المطار بنفسي أن أردت وإذا احتجت مال أو أي شيء أخبريني فقط" ترك طعامه وخرج من المطبخ بعد أن فقد شهيته للطعام فها هو الأن وحيدا تماما.

    ردحذف
  25. حبس نفسه في المكتب ليدرس بعض الأوراق ويخطط للمستقبل كعادته. سيكون عليه أن يسافر إلى العاصمة لأجل الاجتماع ببقية المستثمرين في مشروع علوه الخضار الذي يقوده رزاق. امسك مرغما سماعة الهاتف واتصل بابن عمه الذي لا يستسيغه. جاءه صوت فرحة من الطرف الأخر ينبض سعادة فتعجب وسألها: "هل يترك رزاق هاتفه الخليوي بيدك؟" ضحكت وقالت له: "انه في الحمام الأن لذا أنا أجبت" لوى مسعود فمه وأجاب أخته: "اخبريه أن يتصل بي عندما ينتهي من فصل النظافة الذي يقوم به" واغلق الخط تاركا فرحة في حالة غضب من تهكمه على زوجها. خرج رزاق من الحمام ليرى فرحة تنظر إلى شاشة هاتفه وحاجبيها مشدودان فسالها: "انه هاتف، تعرفين ذلك اليس كذلك؟" بنفس النظرة رفعت راسها لتنظر إلى رزاق الذي أكمل تهكمه: "كان زوجك قبل أن أتزوجك أنا" وضحك ملئ شدقيه بينما لم تستوعب نكتته ولم تضحك بل سلمته رسالة مسعود: "انه مسعود يريد منك أن تكلمه" تغيرت ملامح رزاق إلى الجدية وجفف شعره بمنشفة صغيرة ثم قال لفرحة: "لننزل إلى الأسفل ونتناول فطورنا ثم أكلمه فانا ما زلت في شهر العسل" وضحكت زوجته بدلع بينما عاجلها بقبلة شغوفة ثم رافقها إلى الأسفل حيث تنتظرهما مرجانة أسفل الدرج تضع يديها على خصرها وسابقتهما القول: "لقد برد الطعام ونحن ننتظركما" قال لها معصوم الجالس في المطبخ ينتظر قدوم ولده بيده جريدة يقرأها: "اتركيه يا مرجانة انت نفسك كرهت أمي عندما قالت لك ذلك في الأيام الغابرة" تركتهما مرجانة ودخلت المطبخ بينما تبعاها وهما يضحكان. جلسا بجانب بعضهما فصبت لهما رحمة الشاي وجلست بجانب رزاق من الجهة الثانية وبدات تأكل وآثار تعب الأيام السابقة بادية على وجهها الأصفر. سألها رزاق بقلق: "أرى عودك قد ذبل يا أختي" ضحكت وربتت على يده السمراء وأجابت: "لا تقلق انه فقط دلع بنات" وضحكت بينما اخذ رزاق الأمر بجدية تامة وهتف: "يجب أن ترتاحي يا رحمة كي تعود الدماء إلى وجهك الذابل" صرخت مرجانة منددة بابنتها: "ترتاح! وهل تعرف هذه الفتاة معنى كلمة راحة... انظر الى وجهها كأنه وجه أموات" ثم رفعت يدها تدعي بينما تلوك قطعة خبر: "يا رب أرسل لها نصيب يحسدها عليه القاصي والداني، رجل يقدر ما تحمله بين ضلوعها" هز معصوم راسه مبتسما لا يعرف ما يجيب زوجته بينما أكمل شرب بقية الشاي في استكانه الصغير. بعد الفطور كلم رزاق مسعود على مضض فعلاقتهما ليست وثيقة ومسعود لم يكن يوما ابن عم مقرب له. أجاب مسعود من الجهة الثانية غاضب لبقائه ينتظر تلك المكالمة لمدة طويلة. أخبر رزاق بنبرة متعالية أمرة أن يذهب إلى العلوة حيث الاجتماع غدا مع المستثمرين فانتفض رزاق: "أنا لدي عطلة فكما تعلم تزوجت اختك قبل يومين" كان مسعود يعلم انه أن ذهب بدون رزاق فاجتماعه سيكون فاشلا لان زوج أخته يعلم كل شيء حول المشروع بينما هو يجلس في مكتبه يخطط فقط لا يدر ما يحصل على ارض الواقع. انتفض مجيبا رزاق: "ساعات فقط ونعود لا تكبر الموضوع" أمام إصرار مسعود اضطر رزاق إلى الموافقة على الذهاب. سيكون عليه السفر قبل الاجتماع لتحضير كل شيء. خرج مسعود بعد هذه المكالمة ليتفقد أمور المزرعة وهذا شيء لا يفعله إلا نادرا. وغاب ساعتين ثم عاد بعدها إلى البيت الخالي حتى من الدادة التي تركته وحيدا. دخل إلى الحمام فقد أثر البرد على مفاصله وقرر أن يدفئها بالماء الساخن بينما يفكر كعادته فالماء الساخن يفتح خلايا المخ ويساعد الأفكار الحبيسة على التحرر. فرك فروة راسه كي يزيل الصداع الذي يشعر به ثم شعر انه سمع صوت غير صوت قطرات الماء المصطدمة بجسده. أرهف السمع بإمعان فسمع الصوت مرة أخرى. انتابه خوف وقلق وأبقى الماء منهمرا بينما خرج هو من تحته. لف منشفة سريعا حول خصره ووضع أخرى على كتفه ثم سار بخطوات حذرة تقطر ماء مرهف السمع إلى الصوت الغير خجول ولا خائف كأن لا أحد في المنزل. اقترب من غرفته فبات الصوت اشد وضوحا وتوجس خيفة حتى أن البرد الذي جمد أوصاله تحول إلى جليد حرق حواسه. نظر من فتحة الباب يبحث عن الدخيل الذي لا يهاب صاحب البيت ووجد ظلا في غرفته المسدلة الستائر قرب السرير المبعثر والذي تركته الدادة بلا ترتيب وغادرت. كان الظل منحيا امام الكومودينو الخشبي يتلاعب به في حركة سريعة كانه يبحث عن شيء ما. تساءل مسعود بينه وبين نفسه: "من هذا ماذا يريد؟ " قرر أن يباغت الظل بالهجوم عليه فهجم بكل قوته وطاقته راميا بحمله كله على الجسد الصغير ممسكا بيديه مثبتا إياه برجليه صارخا فيه: "سأقتلك أن تحركت، لا تجرؤ على الحركة" سمع صوت أنات نسائية مكتومة متألمة وأحس أن الجسد الذي يرزح تحت ثقل جسده أنثوي ضئيل وضعيف. سحقه هو بدون اي رحمة!

    ردحذف
  26. الفصل السادس

    ابتعد فور سماعه لصوت يعرفه جيدا. صوت رحمة المسكينة. قال لها غاضبا: "ماذا تفعلين في غرفتي ...لقد كدت ان أقتلك" أجابته وهي تدلك رقبتها المتألمة ومعصمها الذي كاد أن ينكسر من قسوة مسكته: "لقد كسرت عظامي ما بك؟ الم تخبرك الدادة إنني من سينوب عنها في عملها" حملق فيها غير مصدق ما تفعله. بدا يستر نفسه خجلا فقام بتعديل المناشف على جسده وابتعد قليلا عنها واضعا قميصا كان ملقى على الأرض فوق كتفه وأجابها: "ولماذا انت؟ هل يجب أن تكوني متطوعة في كل شيء" نهضت بدون حتى أن يساعدها ومسحت الماء الذي قطر منه عن وجهها وشعرها بشالها ثم تمتمت: " امي طلبت مني ان أقوم بالعمل لان فرحة عروس جديدة وانا متفرغة ولا مانع لدي من خدمتك يا ابن عمي..." ثم عاتبته : "لماذا تعاملني بهذه القسوة؟ الست من لحمك ودمك؟ على الأقل اشكرني على رعايتك في هذه الفترة" رنا ناحيتها يفكر بقولها فقد كانت على حق ولكن استكباره منعه من أن يعترف فتركها وغادر ليلبس ملابسه. أكملت هي ترتيب الغرفة ثم نزلت إلى المطبخ حيث صنعت له قهوة عربية كي يدفئ نفسه وأشعلت مدفئة نفطية وشعور عصيب بالألم يجتاح جسدها النحيل. قد تكون عظمة كسرت في أثناء مهاجمته إياها. كان راسها يؤلمها ورقبتها قد تشنجت من قوة السقطة التي سقطتها. تحملت المها وأخذت القهوة إلى غرفة المكتب حيث كان يجلس ثم بالكاد سحبت المدفئة العمودية إلى تلك الغرفة المظلمة الباردة. لم يعرها اهتمام بل انشغل بتدوين بعض الملاحظات التي يحتاجها من اجل الاجتماع القادم بينما بدأت هي تنظف الغبار وترتب الأوراق. أبعدت الستائر قليلا كي يدخل بعض الضوء الطبيعي إلى الغرفة قبل أن يحل الليل ثم قررت العودة إلى المنزل. قالت له كملاحظة أخيرة قبل أن تتركه وتغادر: "طعام العشاء في المطبخ وضعته لك في أواني حرارية" لم يرفع عينيه عن الورقة التي كان يكتب فيها فقط توقف عن الكتابة واصغى فأكملت: "أنا سأغادر الأن قبل أن يحل الظلام هل تحتاج مني شيئا أخر؟" فكر قليلا ثم قال لها آمرا: "أريد بعض الشاي أعديه واحضريه هنا وضعيه على المدفأة" ذهبت بدون أن تعترض واعدت الشاي بسرعة وهي تجرجر قدمها فقد زاد الألم في راسها وتورم بدا يتشكل في رقبتها. وضعت الشاي أينما أراد وسارت وهي تتلمس طريقها فقد بدا كل شيء غائم حولها. ترنحت قليلا حتى وصلت إلى عتبة الباب ثم وبدون مقدمات سقطت مغشيا عليها. صرخ مسعود وكأن قلبه قد سقط بين قدميه خوفا عليها: "رحمة!" هرع اليها مرتعبا وهو ينظر إلى وجهها النائم وعلامات الألم قد خطت تعابيرها بقسوة على محياها. كانت جبهتها محمرة ودم يخرج من انفها بسبب السقطة. ما شعر به حينها ذكره وقت رؤيته لامه وهي تسقط من اعلى الدرج يوم موتها. كانت متعبة وضامرة القوى ومع هذا كابرت من اجل أن تحضر لوليمة جماعيه أعدها راهي وقتها. سقطت من اعلى الدرج لأسفله ليرتطم راسها بحافة السلمة الأخيرة وتنزف حتى الموت. وقف عند راسها يبكي فقد كان صغيرا على رؤية مشهد دام كهذا. نظرت له ل 5 دقاق تفيض عينها بحنان وخوف. خوف عليه من أن يؤثر هذا المشهد القاسي على عاطفته البريئة. أخيرا مدت يدها اليه فامسكها بلا دموع فقد احتبست مشاعره في داخله وألجمت الصدمة عينيه فبقي الدمع حبيسها.

    ردحذف
  27. لم يبك والدته حتى اليوم كلما أراد البكاء تذكر عيونها الحانية وهي تفقد لونها الإنساني لتتحول إلى جثة باردة. يدها التي أطبقت على يده الصغيرة واضطر الطبيب إلى أن يعالج أصابعها بقسوة كي يحرر يده فقد تيبس جثمانها وهو ممسك بيد صغيرها منتظر سيارة الإسعاف لساعتين. ومن هنا عمل راهي جاهدا ليؤسس المستوصف الصغير في القرية ودفع رحمة لتصبح ممرضة عندما كبرت! تقلص وجهه وظهرت مخاوفه التي لطالما عاندها وفي ظلام الغرفة الذي غطى المكان بسرعة شعر بالوحشة تتلبسه. صاح في رحمة وهو يهزها: "رحمة! رحمة!" لم تنطق فأسرع وحملها واضعا إياها على الأريكة في المكتب وكلم طبيب القرية الوحيد طالبا منه أن يأتي بأسرع وقت قائلا له إنها مسالة حياة أو موت ثم كلم عائلتها فثارت العائلة بأكملها وأسرعت إلى منزله. دخل معصوم إلى منزل راهي تزامنا مع دخول الطبيب الذي جاء على جناح السرعة عندما استدعاه كبير القرية. نظر الجميع إلى مسعود غير قادرين على قراءة ما يجول في خلده فقد لبس لباس التجلد وقلبه ووجهه في صراع. نظرت له مرجانة بغضب واضح وهي تتمنى لو إنها تصفعه فيشفى غليلها منه لكنها عوضا عن ذلك سألته بصوت مزمجر: "ماذا فعلت لابنتي؟" أجاب من تحت أضراسه: "لم افعل شيئا، كانت تسير وسقطت على الأرض" تمعنت فيه مرجانة طويلا ودها لو تسكب عليه زيتا وتشعل في بروده نارا. رفعت إصبعها مهدده إياه بينما هو ينظر لها شزرا: "لو أصاب ابنتي مكروه يا مسعود يا ابن راهي فلن يطلع عليك صبح الغد" كان معصوم ينظر لها وهو يتمنى لو انه يعرف فقط ما حصل لابنته فالطبيب معها في غرفة المكتب وفرحة تساعده بينما بقي الثلاثة خارجا يأنبون مسعود على ما حصل. كاد التفكير يقتله. ماذا فعل هذا الشاب المتعالي لرحمة كي تغيب عن الوعي ولماذا علامات الذنب تنساب بين الفينة والأخرى من بين نظراته وكلماته. يا وليلتي إن كان قد تحرش بها. كاد راس معصوم إن ينفجر وهو يفكر بابنته وحالها غير قادر على اتخاذ أي إجراء إلى أن يعرف من ابنته ما جرى لها. لم يكن الأمر لرزاق مجرد تفكير فقد تأهب لضرب مسعود فور الحصول على تقرير الطبيب. كان يعرف جيدا إن مسعود وان كان مغرورا في كثير من الأحيان فهو لن يقدم على فعل عديم الشرف كما إنه متأكد من أخته أيضا. مع هذا فان الشيطان قد اخرج ادم من الجنة لذا فان غواية مسعود لن يكون صعبا عليه. خرج الطبيب بعد ربع ساعة وقال للعائلة: "ستكون بخير " هرعت اليه مرجانة باكية نائحة وسألته: "ماذا حل بابنتي يا دكتور؟" أجابها وهو ينظر إلى مسعود بتقزز: "لديها كدمات على يدها ورقبتها من أثار عنف حصل معها، ولكن الإغماء كانت بسبب هبوط في الضغط " لم يتمالك رزاق نفسه عندما سمع كلام الطبيب فسأله: "هل تعرضت للضرب؟" لم يجب الطبيب فقط تبادل نظرات تحمل الكثير من اللوم مع مسعود فهم منها رزاق إن مسعود أذى رحمة. انقض على ابن عمه لائما إياه على ما فعل بينما حاول معصوم ومرجانة إن يبعداه. كان رزاق اقوى من مسعود بكثير فأطاحه أرضا وهو يصيح به: "كيف تجرأت على أذيتها؟ لقد جاءت إلى هنا كي تساعدك.. كيف أذيتها" كان مسعود يعافر كي يتخلص من رزاق وبمساعدة مرجانة ومعصوم استطاع أزاحته قليلا بيد إن رزاق كان مصرا على الانتقام لأخته من مسعود. عندما لم تعد القوة البدنية كافية لإزاحة رزاق بدا مسعود يكيل الشتائم له ثم أخيرا بعد إن نفذت شتائمه صرخ فيه كطفل حانق غاضب: "أيها اللقيط أنا لم افعل شيئا...

    ردحذف
  28. هل تريد الأن إن تخبرني إنك تهتم لرحمة أكثر ممن هو من لحمها ودمها يا لقيط" وضربه رزاق بيمناه ضربه أطاحت بفكه لاعنا إياه على هذا الكلام ولكن مسعود الذي جن بسبب الغضب قال صارخا بعمه: "أخبره يا عمي أخبره من يكون أخبره انه ليس سوى لقيط من الأزبال ويتجرأ على أولياء نعمته" خطف لون مرجانة ومعصوم وزادت محاولاتهما لإبعاد رزاق عن مسعود كي لا ينكشف الأمر بسبب طيش ابن راهي وساعدتهما فرحة بينما هرب الطبيب خوفا على حياته. صرخ فيه معصوم: "ابتعد يا ولدي لنفهم الحكاية فالعنف لن ينفع" ولم يكد يكمل معصوم جملته حتى ظهرت رحمة تترنح وجاءت إليهم مجذوبة بالصوت العالي والصراخ وسمعت مسعود ينعت أخاها باللقيط. قالت بصوت واهن جعل رزاق يبتعد عن مسعود بسرعة ويهرع اليها: "أراكم في خصام فما الخبر؟" امسك رزاق بيد أخته بينما نفض مسعود عن ملابسه وهو يتحسس فكه ووجهه وينظر إلى رحمة بعيون خائفة عليها. سألتها الأم وهي تحتضنها: "ماذا جرى يا ابنتي" أجابت رحمة: "لا شيء لقد أحسست بدوار وسقطت" ثارت ثائرة مسعود وهو ينظر إلى نفسه مغلوبا من رزاق. كان يشعر بخزي شديد وإهانة من شخص يعتقد انه لا يرتقي لمكانته ولولا معصوم الذي رفعه لبقي مهانا. صرخ مسعود محاولا استرداد بعضا من كرامته المهدورة والتي تبعثرت على الأرض: "ا رأيت! أيها اللقيط هي تقول إنها بخير وأنت كالثور هجمت علي بلا سبب. كله بسببك انت يا عمي" وأشار إلى معصوم الذي كانت عيناه تتوسل بمسعود ألا يفشي السر وان يحترم العهد. تحولت مرجانة من الغضب إلى التوسل وقالت لمسعود: "يا ولدي لا خصام بين العائلة ورزاق كان خائفا على أخته" اقترب مسعود من رزاق وقال له نكاية به: "هذا لو كانت أختك ولكن يعلم الله أين هي أمك وفي أي حانة ترقص" حملق رزاق بمسعود والدم يغلي في عروقه ورفع يده ليوجه ضربة لمسعود على اهانته لامه وهو يتصور انه يقصد مرجانة ولكنه توقف بعد إن صرخ معصوم فيه: "توقف! يكفي! هل تريدان قتلي أنتما الاثنين؟ رزاق! اعتذر من ابن عمك فقد كان هذا سوء تفاهم" تنفس رازق بغل وتساءل: "هل تريد الأن إن تخبرني إنك تهتم لرحمة أكثر ممن هو من لحمها ودمها يا لقيط" وضربه رزاق بيمناه ضربه أطاحت بفكه لاعنا إياه على هذا الكلام ولكن مسعود الذي جن بسبب الغضب قال صارخا بعمه: "أخبره يا عمي أخبره من يكون أخبره انه ليس سوى لقيط من الأزبال ويتجرأ على أولياء نعمته"

    ردحذف
  29. خطف لون مرجانة ومعصوم وزادت محاولاتهما لإبعاد رزاق عن مسعود كي لا ينكشف الأمر بسبب طيش ابن راهي وساعدتهما فرحة بينما هرب الطبيب خوفا على حياته. صرخ فيه معصوم: "ابتعد يا ولدي لنفهم الحكاية فالعنف لن ينفع" ولم يكد يكمل معصوم جملته حتى ظهرت رحمة تترنح وجاءت إليهم مجذوبة بالصوت العالي والصراخ وسمعت مسعود ينعت أخاها باللقيط. قالت بصوت واهن جعل رزاق يبتعد عن مسعود بسرعة ويهرع اليها: "أراكم في خصام فما الخبر؟" امسك رزاق بيد أخته بينما نفض مسعود عن ملابسه وهو يتحسس فكه ووجهه وينظر إلى رحمة بعيون خائفة عليها. سألتها الأم وهي تحتضنها: "ماذا جرى يا ابنتي" أجابت رحمة: "لا شيء لقد أحسست بدوار وسقطت" ثارت ثائرة مسعود وهو ينظر إلى نفسه مغلوبا من رزاق. كان يشعر بخزي شديد وإهانة من شخص يعتقد انه لا يرتقي لمكانته ولولا معصوم الذي رفعه لبقي مهانا. صرخ مسعود محاولا استرداد بعضا من كرامته المهدورة والتي تبعثرت على الأرض: "ا رأيت! أيها اللقيط هي تقول إنها بخير وأنت كالثور هجمت علي بلا سبب. كله بسببك انت يا عمي" وأشار إلى معصوم الذي كانت عيناه تتوسل بمسعود ألا يفشي السر وان يحترم العهد. تحولت مرجانة من الغضب إلى التوسل وقالت لمسعود: "يا ولدي لا خصام بين العائلة ورزاق كان خائفا على أخته" اقترب مسعود من رزاق وقال له نكاية به: "هذا لو كانت أختك ولكن يعلم الله أين هي أمك وفي أي حانة ترقص" حملق رزاق بمسعود والدم يغلي في عروقه ورفع يده ليوجه ضربة لمسعود على اهانته لامه وهو يتصور انه يقصد مرجانة ولكنه توقف بعد إن صرخ معصوم فيه: "توقف! يكفي! هل تريدان قتلي أنتما الاثنين؟ رزاق! اعتذر من ابن عمك فقد كان هذا سوء تفاهم" تنفس رازق بغل وتساءل: "ماذا يعني مسعود بكل الكلام الذي قاله؟ لا أراك ثرت على إهاناته لأمي ولا لي كأنه يقول الحقيقة" طأطأ معصوم راسه وامر الجميع: "لنعد إلى المنزل " صاح رزاق بوالده وقد بدا يستشعر إن شيئا ما ليس صحيحا: "أبي! لن اخرج من هنا حتى اعرف ماذا يجري" أشار مسعود لمعصوم ومرجانة قائلا ليكمل انتصاره على رزاق: "هذان ليسا والديك الحقيقيين. لقد وجداك كالقمامة في الأزبال وربياك. باختصار انت لقيط!" وشدد على كلمة لقيط فكان دويها يصدح في أرجاء المنزل وتشتت رزاق بينما انصدمت رحمة وفرحة. نشجت مرجانة وانكبت على ابنها تحتضنه وتعصر ضلعيه بينما وقف هو صامت يبكي. اقترب معصوم من مسعود حانقا وهزه بقسوة. تبدل معصوم وظهر وجهه الآخر. وجه الأب الذي يريد إن يحمي عائلته باي طريقة. عاتب مسعود بصوت عصبي ينقط الما: "عاش راهي ما يقارب الثلاثين سنه يحتفظ بالسر وها انت لم تستحمل ثلاثين شهرا. يقال هذا الشبل من ذاك الأسد ولكني أرى شبلا قد ضل طريقه فلا طابق اللبوة التي أنجبته ولا سار على نهج الأسد الذي ائتمنه. انت يا مسعود رجل جاحد. يعلم الله كم حاولنا التقرب منك كم داس رزاق على كرامته لأجل ألا يتصادم معك. لطالما رضيت أنا بالرضوخ لغرورك كي لا أثير حربا في العائلة. انظر إلى رحمة التي لازالت أثار يدك على جيدها. لقد رضيت بان تصبح خادمة لك كي لا تشعر بالغربة لوحدك. وها انت كسرت قلب أم بلا سبب. لا أدرى إلى أين يأخذك التعالي على عائلتك ولكن لا تظن إننا سنرضى بشطحاتك بعد اليوم" ثم نظر معصوم إلى رزاق الذي كان لايزال مصدوما لا يدر ما يفعل بينما فرحة تنظر اليه متجمدة في مكانها. لم يجب عمه بل اقترب من أخته مستغلا تشوشها: "سأطلقك منه! هو لا أهل له ولا عشيرة. صعلوك من بقايا خطيئة. هل تريدين لأطفالك إن يحملوا اسم لقيط. انت ابنة الأكابر" أجابته باكية: "لماذا لم تخبرني بهذا يا مسعود؟" كان سؤالها ناتج عن تشوشها مع هذا استقبله رزاق مصدوما. هو إلى الأن لم يتكلم ولم يعلق على الأمر. كان راسه ممتلئ بالأفكار حد الانشطار.

    ردحذف
  30. هو إلى الأن لم يتكلم ولم يعلق على الأمر. كان راسه ممتلئ بالأفكار حد الانشطار. ألف فكرة راودته والنظرات المصدومة من الجميع أثقلت قلبه وزادت حنقه على معصوم ومرجانة اللذان اخفيا عنه هذا الأمر طيلة عقود. تقهقرت الدموع في عينيه وشل لسانه خانقا حلقه. لم ينتظر ليستمع إلى المزيد بل هرب من الوجوه التي حملقت في ماضيه بصمته المطبق وهرول خارجا إلى العراء فقد خنقته عبرته ونظرات الشفقة من أخته ووالديه. صرخ مسعود المبعثر الثياب بأخته: "انت لن تبقي معه بعد إن عرفت حقيقته اختاري أنا أو هو؟" صاح به معصوم ناهرا إياه: "هل فقدت عقلك؟ كيف تحرض الزوجة للانقلاب على زوجها وهي عروس جديدة" لم يستمع إلى كلام عمه بل أعماه الغضب على رزاق المتفوق عليه في كل شيء حتى في هذه اللحظة التي كشف فيها عن ماضيه لايزال رزاق متفوق عليه بتعاطف الكل معه. قال لعمه: "أنا ابن أخيك وهو ابن حرام.." وأطبق فمه على صدمة صفعه ضعيفة من مرجانة جعلت غضبه يصعر نارا. صرخت فيه بألم: "هو ابني وابن عمك. أرضعته حولين وداريته بدموع عيني. لقد أنقذ رزاق عائلتنا وثبت حياتنا بعد إن أتعبنا الألم. هو ابني هذه هي الحقيقة الوحيدة التي يجب إن يسمعها الجميع. إن خرج الأمر إلى العلن.." وصكت على أسنانها حتى كادت تطحنهما وصرخت: "سأعيش فقط كي تموت" ثم سحبت ابنتها من يدها وقد كانت مأخوذة بما يحصل وهي بين صداعها وبين كل الحديث المجنون الذي يجري ضاعت. صاحت مرجانة بفرحة: "هل ستاتين أم ستبقين مع أخيك؟" وحسمت فرحة أمرها فلا مكان أفضل للمرأة من بيت زوجها الذي ما رات منه سوى الحب. ركضت تتبعهما وهي تنظر لمسعود بانكسار بينما صرخ هو بهن: "إذا حصل لأختي أي شيء فانتقامي من رزاق لن يعرف رحمة" ثم خرج معصوم يصفق كفا بكف ويهز راسه حزينا إلى ما الت اليه الليلة من أحداث اليمة. اغلق الباب خلفه تاركا مسعود وحيدا من جديد متألم يدفعه كبرياؤه إلى إعلان براءته عما حصل. لم يك رزاق في المنزل عند عودة فرحة وظلت تفكر هي بما سمعته في بيت والدها من مسعود. لقد بدأت تربط الأحداث التي كانت غير منطقية لها من معاملة والدها الغير عطوفة لرزاق الذي كان يعمل جاهدا لينال رضا عمه إلى تكبر أخيها وعدم استساغته لرزاق والتي زادت بعد وفاة الأب. هل عليها إن تفكر بمستقبل أولادها إذا ما خرج الأمر إلى العلن. بدأت تقلق هي وعائلته عندما أصبح الصبح ولم يعد إلى المنزل. لم يعرف أحد مكانه واتصل عليه والده ووالدته وحتى فرحة بيد انه لم يجب. كان الهاتف يرن إلى أخر نفس ثم يموت بلا جواب. رحمة لم يكن لها قدرة على المساعدة فقد كانت متعبة وبعد إن أخذت الدواء الذي أعطاه لها الطبيب نامت مباشرة. نهضت صباحا متعبة كما نهض الجميع. لبس معصوم عباءته واخذ عكازه الذي يستعمله فقط عندما يكون متعبا جدا وخرج ليبحث عن ابنه. انقبض قلبه وقلب مرجانة لغيابه وخافا إن يقوم بلحظة من الطيش بأذية نفسه رغم انه ليس طائش ولكن ما عرفه ليس قليلا وعدم قيامه بردة فعل دليل على انه كبت كل شيء في قلبه وهذا خطر جدا. قالت مرجانة تحدث ابنتها: "لو صرخ لو بكى لو كسر الأثاث لكان أفضل عندي من خروجه هكذا صامتا. إخراج العواطف يا ابنتي يقلل الحزن ويجعله شيئا فشيئا سرابا" ثم دخلت في نوبة بكاء مع ابنتها.

    ردحذف
  31. بعد إن انتهت نوبة البكاء سالت رحمة أمها: "ينتابني فضول لمعرفة القصة كاملة يا أمي" هزت مرجانة راسها وهمهمت: "عندما يأتي الغالي سأخبركم بكل شيء" ثم أشارت إلى ابنتها قائلة: "اذهبي إلى غرفة فرحة. المسكينة حصل لها كل هذا وهي عروس جديدة. تعيسة الحظ بهذا الأخ " ثم انهالت مرجانة تشتم مسعود بغل وعصبية وفي قلبها بئر من كره وازدراء تجاهه. وقطعت عليها سلسلة الشتائم ابنتها التي قالت: "سأخذ لها بعض الطعام فان الظهيرة ستحل وهي لم تأكل شيئا" ثم أخذت بعض الطعام وصعدت إلى الأعلى حيث غرفة فرحة. طرقت الباب. فتحت لها فرحة على استعجال معتقدة انه رزاق ثم عادت خيبة املها عندما رات أنها رحمة. أدخلت رحمة صينية الطعام وقالت لها: "طعام لك يا فرحة فانت لم تأكلي منذ البارحة" أجابتها فرحة بعيون دامعة وصوت متحشرج: "من له نفس ليأكل يا رحمة. لقد خرب علي هذا الخبر فرحتي" نظرت لها رحمة مستغربة وتساءلت: "لماذا يا فرح؟ انه نفس رزاق لم يتغير ذات الأنسان الذي تزوجته وكنت سعيدة معه طيلة الفترة السابقة" تنفست فرحة بصعوبة وغصة في حلقها تؤلمها. قالت لرحمة: "اذا انت لازلت تنظرين اليه على انه أخوك؟" هزت رحمة راسها إيجابا بثقة وقالت: "لم يتبدل شيء هو أخي وانا احبه كالسابق" لم تدر فرحة ما تقول فمشاعرها اختلطت هي تريد بالتأكيد الحديث مع زوجها كي تتأكد من نفسها ومن قراراتها. ---- في مكتب الوزير جلس سامر قبالة أخته يستمع إلى والده المضطرب وهو يلوح بيديه بشكل مبالغ فيه ويتطاير من فمه اللعاب هنا وهناك على الطاولة الخشبية المستطيلة. أخيرا ختم حسان: "الانتخابات هي طريقنا إلى الثروة. إذا كنتم تريدون البقاء في اللعبة يجب أن تساندوني في هذا" أجاب سامر وهو يحك راسه: "أبي أخبرتك أن جميع من وعدك بالمساندة سيوفون لان بيدي أسرارهم جميعا وسأفضحهم ان خذلوك. وبالنسبة للأموال فلا تهتم أيضا لأني جمعت لك الكثير من اجل حملتك الانتخابية" أعقبت وهد على كلام أخيها: "لقد تأكدت بنفسي يا أبي أن العشائر تساندك وسنقوم بحملة لتوزيع الهدايا على فقراء القرى كي نحصل على دعمهم. كعادة كل حملة انتخابية" تمعن فيها حسان طويلا وتمتم: "وعائلة المساعي؟ أنها عشيرة كبيرة لها في كل ركن قريب أو نسيب أنا أريد إن يكون شيخهم معنا" شعرت وهد بخيبة امل لما قاله والدها. بحسب تقديرها هو لا يحتاج إلى أن يبذل الكثير من المجهود من اجل دعم عائلة المساعي لان ما لديهم يكفي ولكنها تعذر حسان لأنه يريد إن يقضي على أي منافسة ومع هذا فهي تفكر أيضا إن هذه العائلة بالتأكيد تملك شيئا يريده حسان بقوة. قال له سامر وهو يرى خيبة الأمل على وجه أخته: "أبي! لقد كان راهي المساعي عنيدا جدا بهذا الخصوص فلماذا تعتقد أن ابنه سيكون لينا؟" نفث حسان بعضا من غضبه على شكل حفيف حار وقال: "لقد تصورت أن معصوم من سيخلف راهي. معصوم رجل ضعيف وكنت سأضغط عليه بسر ولده المتبنى" هز سامر راسه نادما وتمتم: "لقد كلفني معرفة ذلك السر الكثير من الوقت والمال وضاع هباء... حتى اني لم اتوصل الى اهله الحقيقيين بعد كل العناء" لم يعلق حسان على قول ابنه أي شيء وغير الموضوع قائلا: "لنقم بزيارة سريعة للشيخ مسعود ونتبادل معه الحديث" نظرا لوالدهما بينما أكمل وهو يفكر: "وهد اتصلي به! هو رجل وحيد الأن بعد موت والده وزواج أخته. صوت امرأة سيجعله أكثر تقبلا لما نحن بصدد طرحه عليه" تبسمت ابنته ابتسامتها الماكرة وهزت راسها إيجابا بعدها فض الاجتماع وغادر الأخوان مكتب والدهما الواسع. ذهب كل منهما إلى مكتبه. دخلت وهد إلى مكتبها الأنيق بأثاثه الأبيض وتحفه الفضية المذهبة. كان يشع نورا وهكذا هي أرادته أن يبهر من يدخله ويشوش ذهنه بسطوعه. أمسكت الهاتف واتصلت برقم مسعود الذي كان يجلس وحيدا يستعد لرحلته في الغد إلى العاصمة حيث اجتماعه الذي لا يعرف كيف سيكون بدون رزاق. أجابها مغيرا من نبرته المكتئبة إلى نبرة واثقة: "بالتأكيد سيكون الاجتماع عظيما" قالت وصوتها ينضح أنوثة: "إذا متى هو الموعد المناسب لك؟" أجاب وهو يحاول أن يوهمها أن لديه من الأعمال الكثير: "دعيني أتطلع على دفتر مواعيدي يا أنسة وهد" ثم تظاهر انه يقلب في دفتره بعدها عاد اليها قائلا: "الجمعة القادمة في أي ساعة ترغبون فانا متفرغ طوال اليوم" ضحكت بغنج وأكملت: "ممتاز سأخبر والدي إذا بالاتفاق وسنكلمك قبل الحضور، أتمنى لك يوما سعيدا" وأغلقت الهاتف ومنحت مكالمتها لعالم مسعود المغبر مسحة تنظيف وتعطير.

    ردحذف
  32. هو لم يتذكر ملامح وجهها جيدا لأنه وقت زيارتها مع والدها كان ينظر إلى الأرض على سبيل اللباقة لذا هو يتذكر جيدا ساقيها اللتين كانتا تلمعان وحذائها العالي ذو الرنة الواثقة. تساءل مع نفسه: "هل يوجد أنوثة أكثر من أنوثتها، يال صوتها الذي يذيب القلب" وتبسم فقد حانت فرصته الأن ليقوم بأعمال أكثر مع الوزير فمشروع العلوة لا يكفي. رجل مثله ينتظر أن تحين فرصته مذ كان صغيرا ينظر إلى كل تلك الفرص الذهبية التي تنساب كماء النهر من بين يدي والده رافضا اغتنامها. هو يتذكر جيدا حديث والده قبل عقد مع معصوم حول الانخراط بالسياسة. اتفق الاثنان أن لا يقوما بهذا الخطأ في وضع غير مستقر وان يبقيا بعيدا عن أتون الشر كما أسمياه. لا يهم سبب خوف رجل كوالده من امر يرفع شان العائلة ويعزز مكانتها بين الناس. سيكسب أموالا طائلة وحرس وسيهابه الجميع لأنه سيملك زمام أمورهم. سيكون بيده أن يساعدهم وسيوفر لهم كل الأمور التي تنقصهم. يجب عليه أن يستغل هذا الوزير ذي الباع الطويل بلعبة السياسية من اجل أن يدلف هو اليها. بظهر كحسان بالتأكيد سيدخل إلى معترك الحكومة مهابا وطريقه إلى العلا سيمسي معبّدا سلسا. في منزل معصوم الغائم كان الجميع يتساءل عن مكان رزاق. لم يسفر بحثهم السريع عنه باي نتيجة فقد اختفى. فرحة لازالت تحبس نفسها في غرفتها مشوشة التفكير ورحمة تدمر قلبها بسبب رجلا العائلة اللذان ما انفكا في خصام. فكرها انشغل بما انشغل به الكل في هذا المنزل وهو ما يشعر به رزاق بعد القنبلة التي فجرها مسعود. ثم فكرت بمسعود وقلبها يلين له. ابن عمها الذي ضاع في أحلامه وتصرفاته التي تصيبه في مقتل. هو الأن وحيد وعلاقته بالعائلة قد باتت في أسوء حالاتها. خرجت من تفكيرها على صوت نواح مرجانة مفطورة القلب. كان معصوم يواسيها ويهدأها بكلامه العاقل ولكن أي عقل يستعمل مع أم غاب عنها ابنها. ثم سمعتها تشهق على صوت الباب يفتح بغضب ويغلق بعصبية. وعطر رزاق قد سبقه إلى المنزل.

    ردحذف
  33. الفصل السابع
    صاحت مرجانة باسمه فتجمع الجميع بين يديها بينما وقف ابنها في حال مزر وكأنه دخل إلى إعصار غير مكان كل شيء في عقله. وجهه بدا كوجه شبح بكل الغبار والدموع التي ذرفها في المكان الذي اختبأ فيه عن العيون. كان أكثر اسمرارا واقل حياة فعمره أصبح بسبب التفكير ضعفا في هذه اللحظة. وحدته في تلك الفترة الصغيرة ووسواسه الذي كان يرد عليه تساؤلاته المحبطة جعل كل حياته السابقة كقلعة رملية وسحقها مسعود بقدميه. طوال السنوات الفائتة لام نفسه على كره عمه وكره مسعود وعندما تزوج فرحة زال تقريبا كل شعور بالحقد على معاملة والدها الدونية له ومعاملة أخيها المنافسة لكل ما يقوم به. كل ما بقي عدم ارتياح لمسعود وعدم رضا لسرقة ما كان يجب أن يكون له. والان بعد أن اكتشف حقيقته هو حاقد على كل شيء. حتى على نفسه هو حاقد! لم يعرف أحد ما تقوله عينه الحزينة. كان مطأطأ الراس بسبب ماضيه. هو ابن أنجبه رحم الأزبال وقمطته أكياس النفايات بقماط اسود يليق تماما بروح من رماه. شعوره بالخزي والحرد منعاه من النظر في عيون عائلته. قال بصوت ممتعض: "أتيت لأخذ ملابسي وأغادر" انكبت عليه مرجانة تحتضنه وتبكي. صرخت فيه راجيه إياه أن يعدل عن قراره بيد انه كان قد حسم أمره. دفعها برفق فلم يرد أن يؤذيها ولو قليلا بعصبيته المدفونة. سار إلى غرفته في الأعلى فصاحت مرجانة: "ألا تريد أن تعرف الحكاية على الأقل قبل أن تتخذ أي قرار" توقف على أول سلمة قدم على الأرض والأخرى قد بدأت الصعود. اغلق عينيه وغلبه ضعفه وحيرته. استدار ووجهه غارق في بكائه وتمتم بصوت مبحوح: "أخبريني الحكاية قوليها للكل ثم دعيني احمل أوزارا ما أجرمتها وآلاما لا أقدر على احتمالها ثم أغادر معتكفا اخبأ وجهي بعيدا عن أي عز أو كرامه فقد ضاعت الكرامة هناك في بيت مسعود عندما أراني حقيقتي وما أكون" واستنشق قليلا من الهواء ليكمل بسرعة: "الحقيقة التي أخفيتموها عني" نحبت مرجانة بينما تمسكها رحمة الباكية. قالت له امه: "اسمع ما في جعبتي يا رزاق، الم أم لم يشعر بها أحد، كبر معها شرخ قدر لها سلفا وقد يكون له أسباب أجهلها. اسمع من صوتي الهرم تدفقات السنين وعجزي عن تبديل حقائقها أو حتى منعها من الظهور" جلست على أريكة خشبيه وعدلت شيلتها السوداء ونظرت له باستسلام وكمد كما نظرت لكل الموجودين في الغرفة حتى توقفت عينها على زوجها محني الظهر بلل لحيته بعطر دموعه. قالت: "تزوجت والدك في عمر صغير. كان عمري أربعة عشر لم يكن عندي ما يميز أنوثتي غير شعري الطويل وعقد زواجي. سعادتي بالزواج من ابن سيد عشيرتنا لا سعادة غلبتها سوى سعادة حملي. صغر سني وعدم استعدادي للحمل افقداني الجنين ثم جنين بعد جنين حتى فقدت عدة بطون وحذرتني الطبيبة من الحمل قبل أن يستعيد جسدي قوته. كيف أقاوم نظرات النساء إلي وهن يطلبن مني وليا للعهد وكيف أقاوم شوقي لطفل بابتسامته انسى هم يومي وبتقبيله املك دنيا من السعادة والأمل. كان عمري يكبر وانا بلا طفل وبدات جدتك تبحث عن عروس جديدة لابنها بينما أنا أُقمع في سكون والم بين جسدي الذي اذبله الم الحمل والإجهاض والمواليد الميتين وبين وسواسي بضرة ستسرق مني زوجي. كل هذا وانا في شوق لطفل يعيد الفرحة لقلبي المفطور. قررت أن أجازف بحمل جديد ودعوت ثم دعوت ليلي ونهاري أن يرزقني ربي بطفل يعوضني عن كل همي ويكون لوالده عونا وذخرا. وكان الحمل كسابقه وسابقه جسدي ضعيف ومنهك لم ينل قسطه من التعافي وكابرت على كل المي حتى موعد الولادة ولكن حصل ما يحصل دائما. أخبرتني الداية أن الولادة متعسرة ويجب أن انقل إلى يدي الأطباء وهكذا حصل. نقلني أبوك وعمك حينها إلى المستوصف الوحيد في القرية وبين المي وخوفي فقدت الطفل من جديد. كنت لوحدي انحب وقد جننت وفي لحظة من الجزع أمسكت مشرطا وطعنت نفسي به" نظرت لعين معصوم المذهولة فهو لم يعلم أبدا بانها قد أقدمت على ذلك في الحقيقة وهي التي لطالما هددته أن اخذ منها رزاق ستقتل نفسها. لم يأخذ ذلك التهديد على محمل الجد رغم انه لم يجازف بأخذ ابنها منها يوما. أكملت فور أن أخذت نفسا عميقا: "كانت الممرضة معي في الغرفة ورات فعلتي فخافت خوفا عظيما وعلمت إنني سأقتل نفسي عاجلا أم أجلا فقد لبسني شيطان من الجن وقتها. قالت لي وهي تلاعب عقلي إنها ستعطيني طفلي بشرط أن اهدأ وادعها تطبب لي جرحي الذي لم يكن عميقا ثم أحضرتك إلي" واختنقت بعبرة طويلة الشجن.

    ردحذف
  34. طلبت مني إرضاعك فقد كنت جائعا واستسلمت أنا لعاطفتي وكلماتها وبعد أن أرضعتك القليل من اللبأ لم تتركني. لقد أمسكت بي بيديك الصغيرتين وتطلعت بوجهي بعينيك الحانيتين فما كان مني إلا أن احتضنك ليرتاح فؤادي. دخل علي معصوم وقتها ولم أخبره بشيء بل أعطيتك له وقد سعد بك كما لم يسعد من قبل. ضج فرحا ولم أرد أن أبدل فرحته يأسا فسكتت ولم أخبره إلا بعد أيام" ثم نظرت مرة أخرى إلى زوجها المنهك وقالت: "بين حبه الأبوي وبين عمل الصحيح في الحياة كان مثلي ممزق لكن عمك راهي ..." وتطلعت إلى فرحة الجالسة في ركن من أركان الغرفة تمسك راسها بين كفيها وتبكي ثم استرسلت: "علم بأمرك عمك راهي فأصر على إعادتك إلى اهلك. وبحثنا عنهم دون فائدة فقد اختفت الممرضة واختفى معها أي أثر للماضي وقلت الحمد لله فالان انت لي وحدي ولكن يبدو أن راهي قرر أن كرهه لك في الحياة وعدم تقبلك كواحد منا يجب أن ينتقل إلى ابنه المسعور. باح بالسر ثم مات " انهار رزاق على الأرض وجلس على الدرج مغلقا عينيه حزين غاضب اجتاحته مشاعر كثيرة ومجنونة فمن يسمع بهذا الحديث ويبقى عاقلا. حنق على بيت المساعي وحنق على الممرضة وشعر برغبة في قتل عائلته الأصلية إذا ما ثقفها في أي حين. صك على أسنانه وصعد إلى الغرفة بدون أن يتفوه باي شيء فقط نظر للجميع نظره ضائعة بين مشاعر تائهة. تبعته فرحة بينما صاحت عليه مرجانة ليعود. دخلت فرحة خلفه الغرفة وقد كان كالإعصار يفتح الأدراج والدواليب ويجمع أمتعته كالمجنون. صاحت وهي تبكي: "هل ستتركني؟ خذني معك أرجوك يا رزاق خذني معك" ثم أمسكت به محاولة منعه من الحركة. ابتعد عنها فعادت إلى عرقلته وزادت من غضبه. صرخ فيها: "اتركيني واذهبي إلى أخيك لا حاجة لي بك ولا حاجة لك برجل مثلي" صعدت العائلة إلى الأعلى فشاهدوا فرحة تصرخ فيه: "إذا الأن ستتركني معلقة وتهرب من الجميع؟ لم اعهدك ضعيفا على الأقل ليكن لك بعض التعاطف مع أمك التي ربتك طيلة السنوات الغابرة" ترك ما بيده واحمرت عيناه من الغضب وكان يريد أن ينفس عن غضبه المكتوم فامسك زندها بقوة وصرخ في وجهها: "انت طالق! عودي لمسعود وأخبريه أن اللقيط طلقك وهو لا يريدك " اعتلت وجه فرحة صفرة مما سمعت وصرخت والدته به: "كلا يا ولدي لا تضيع كل شيء في لحظة طيش" أمعن النظر في فرحة كأنه ينتقم بها من الجميع وبالذات مسعود. لمحت في عينيه جمودا. لم تر رزاق الحاني العطوف، لقد اختفى وحل محلة وحشا مجروحا مجنونا. نفضت يديها فتركها ثم قالت له: "سأعود لأخي رافعة راسي فانا ابنة الشيخ راهي المساعي كنت قبل أن أتزوجك وسأبقى أما انت يا رزاق فقد كان مسعود محق بشأنك انت لست سوى لقيط" وصفعها بكل ما أوتي من قوة وقهر وحزن.

    ردحذف
  35. لطم وجهها بكفه ومن شدة الضربة ارتطم راسها بالحائط ورض. لم تفقد الوعي لكنها وقعت بقسوة وترنحت منها الكلمات. صاحت متأوهة وهي تبكي ممسكة براسها والدماء تسيل منه فهرعت اليها رحمة بينما صرخ الشيخ معصوم بابنه: "كيف تجرأ على رفع يدك على امرأة؟ أين المعاني السامية التي علمناك إياها؟ أن لم تكن من لحمنا ودمنا هذا لا يعني أن تصبح اخرقا عديم الخلق والمروءة" وتحول إلى فرحة التي رفعتها مرجانة ورحمة عن الأرض يساعدهما بينما خرج رزاق من المنزل حاملا معه حقيبة ملابسه لا ينظر خلفه وقلبه مشبع بالحزن. أراحت رحمة ابنة عمها على السرير وضمدت لها جرحها بينما أحضرت لها مرجانة كوبا من العصير. خاب امل معصوم بابنه بعد ما فعل وتأكد أن رزاق قد تغير كثيرا بعد ما علمه من امر ماضيه. استفاقت فرحة من دوارها وأصرت على العودة إلى بيت والدها ولم تنفع توسلات رحمة ولا نصيحة عمها في تغيير قرارها. تفاجأ مسعود بأخته مفجوجة الراس تسير بتعثر وقد احضرها معصوم على مضض بالسيارة إلى منزل والدها. هرع اليها يسألها عما جرى فقصت له القصة باقتضاب ولام عمه على كل الفوضى التي حصلت. ذهبت إلى غرفتها بينما أكد العم لمسعود أن رحمة ستقوم بعيادتها كي تطمئن عليها بشكل دوري فلم يعره مسعود اهتمام ولم يبد أي شكر لما أخبره به عمه. زادت الهوة بين العائلتين الأن وأصبح بينهما الكثير من الأخطاء ليتم مسامحتها. عاد معصوم مهموما فعائلته تنهار أمامه ويبدو انه لا قوة بيده كي يعيد لصق أجزاءها المتمزقة ببعضها. بعد أن واسى مسعود أخته قليلا أخبرها بسفره إلى العاصمة من اجل الاجتماع واكد لها انه سيعود في نفس اليوم. لم يرد أن يترك أخته الصغيرة لوحدها في ظروف كهذه لذا طلب منها أن تكلم رحمة حتى تأتي وتبقى معها بدل البقاء في المنزل الموحش المظلم تفكر بما ألت اليه ظروف حياتها. كان اجتماعه بالمستثمرين في علوته ليس جيدا ولم يستمر لوقت طويل حيث انفض بعد ساعة بوجوه لم تسر بما قدم لهم الشيخ الصغير من معلومات. وبدل أن يكون شاكرا لرزاق على عمله الذي أوصل العلوة إلى ما أضحت عليه بدون حتى أن يتعبه بتفاصيل العمل حنق عليه وجعله سبب فشل هذا الاجتماع. عاد إلى القرية بعد أن وكّل شخصا لينوب مكان رزاق في العمل. كانت أخته برفقة رحمة تتحدثان وقد زال عنها بعضا من أثار الليلة الماضية وكآبتها وذكرته جلستها مع رحمة بوالده عندما كان يتسامر مع ابنة أخيه فيزول همه وتتعالى ضحكاته. اقترب منهما فدعته رحمة إلى فنجان قهوة فجلس. نظر إلى ابنة عمه مستطلعا ليرى أن تحسنت صحتها بعد تلك الليلة الجوفاء التي انتهت بمصيبة. سألها: "كيف أصبح حالك؟ هل زالت عنك أثار التعب؟" هزت راسها وهي تصب بعض القهوة من الدلة ثم نظرت اليه فأخفى اهتمامه وبادرها القول: "لا تأتي كل يوم إلى هنا إذا لم تستطيعي" قالت له متعجبة: "ولماذا لا أستطيع؟ انت ابن عمي وانا اسعد بالعناية بمنزلك. كما أن فرحة زوج...."

    ردحذف
  36. وتوقفت عن الحديث وتداركت: "ابنة عمي وهي بحاجتي" لم يتوقع جوابا أخر منها فهي دائما ستبقى هي نفس الإنسانة الحانية لا يضرها قسوة تواجهها ولا تغيرها طباعه المشاكسة. تبسم لها وفي عينيه شع بريق الحنان. قال لها: "ذكرتني بوالدتي رحمها الله" ثم تركهما بعد أن ارتشف فنجانه رشفة سريعة. لا يدر لماذا هو يحن لوالدته هذه الأيام أكثر من السابق. قد تكون وحدته ما يقوده إلى الشوق لحنوها عليه. أو قد تكون رحمة التي بتصرفاتها تذكره بأمه وطيبتها. دخل غرفته واقترب من النافذة يطالع البستان الذي تملكه عائلته. كبير وقد كان أكبر في عهد جده بيد انه بدا بالنقصان مؤخرا وزاد نقصانه رويدا. الأن بقايا البستان الشاسع الذي كان عامر بالخيرات لازالت تسد جزءا كبيرا من الرواتب وتوفر عيشة رغيدة للعائلة ولكن استمرار التصحر ونقص الماء وعدم الحصول على أموال إضافية لمعالجة المشاكل التي يعاني منها المكان ستؤدي بالتأكيد إلى تحويل البستان إلى حديقة صغيرة لن تسد حتى حاجة عائلته من المزروعات. فرك عينيه بأطراف أصابعه ثم سحب شعره إلى الوراء غاضبا من عدم قدرته على القيام بشيء لتحسين الوضع. لام عمه الذي لا يساعده البتة وينتقد دائما محاولاته لتعديل الأمور. ثم مشكلة رزاق التي افتعلها الأن بسبب غضبه لم يك لها من داع. تحمل رزاق الكثير من العمل ولم يأخذ مرتبا بل كان يرضى بمدخول العائلة الشهري بدون أن يطالب بمدخول خاص له جراء تعبه. الأن على مسعود أن يجد من هو بكفاءة رزاق ليحل محله في كل الأعمال التي كان يقوم بها ويجب أن يدفع له مرتب ضخم. ضرب يده اليمنى باليسرى وهو يعض على شفتيه كمدا. كل شيء يجري بشكل سيء بالنسبة له. طرقت عليه رحمة الباب تسأله أن كان يريد بعض الطعام فأجابها بدون حتى أن ينظر لها بانه غير جائع. تركته وذهبت للجلوس مع فرحة حتى تلقت اتصالا من والدتها التي كانت تطلب منها أن تعود إلى المنزل قبل حلول الظلام. بقيت فرحة لوحدها بعد مغادرة رحمة واجتاحتها الأفكار الحزينة. عروس هجرت بعد أيام من زواجها وها هي الأن تقضي أيامها كصحراء جرداء براس مجروح وزوج هارب من عالمه. لقد باعها بكل سهولة وهرب مخيبا أمالها به

    ردحذف
  37. لم تتوقع أبدا أن يكون جبانا لهذه الدرجة. هذا كان كل ما تفكر به. جرجرت نفسها إلى غرفتها حيث تمددت على السرير تنظر إلى السقف وتبكي. لماذا تدمر عالمها الوردي وكيف؟ هل سيعود رزاق اليها يوما وهل ستسامحه يا ترى على قساوته معها وهي التي لم تقترف ذنبا بحقه؟ وقت العشاء جلست مع مسعود حيث كان الاثنان لا رغبه لهما بالأكل. يتطلع كل في صحنه كأنه يقرا الطالع وما تخبئه له الأيام في ذلك الصحن. سأل مسعود أخته: "لا أراك لمست شيئا من طعامك؟" أجابته حزينة: "لقد أتخمت بالحزن يا أخي فلا أجد نفسي قادرة على أن أضع لقمة في فمي" سألها: "ولكنك كنت بحال افضل قبل قليل " أجابته وهو تخوط في وعاء الشوربة: "مجالسة رحمة تشعرني بالسكينة. لدينا الكثير من الذكريات الجميلة سويا واشم رائحة كل من أحب فيها" تطلع طويلا في فرحة وقد تكلمت بما يجول بخاطره. تمنى لو أن رحمة تبقى معهم لبضعة أيام عسى أن تتغير أحوال المنزل الحزينة بوجودها. قال لفرحة: "اطلبي منها أن تبيت معك لبضعة ليال فقد يخفف ذلك عنك همك" أجابته: "لقد طلبت ورفضت بلطف، قالت لي إنك لا تستسيغ وجودها في المنزل كثيرا لذا هي فقط ستزورنا يوميا لتطمئن على أحوال البيت وستعود لمنزل عمي، اخبرتها إني الأن سأقوم على رعايتك فلا حاجة لها بالعمل مكان الدادة فلم تجبني فقط تبسمت" فكر قليلا فيما قالته أخته. من قال انه لا يستسيغها؟ هو فقط يظهر امتنانه لها بشكل خاطئ! نهض من مقعده قائلا: "سأكلمها غدا علها تقتنع بالبقاء معك وتسليتك" تبسمت بصعوبة فبادلها الابتسام قالت له: "كنت أتمنى لو لم يحصل ما حصل مع رزاق. أنا افتقده حقا يا أخي" عقف حاجبيه وقال بعصبية مفرطة: "ستنسيه وسأزوجك زينة الشباب. لا تحزني يا فرحة فلم يستأهلك أبدا" ثم سكت وأكمل محملا نفسه ذنب ما حصل: "لم يكن علي تزويجك به. إنها غلطتي أنا" وزاد ليشحنها ضد زوجها اكثر: "ما فعله بك لا يستحق الغفران انه رجل بلا مبادئ وعنيف. عنيف جدا. يفقد أعصابه بسرعة وليس حريا باي امرأة الوثوق به. لقد حسبت أن تربية عمي قد أثرت به ولكن... " وامسك جرح راسها الذي خيطته لها رحمة وضمدته بإحكام وتمتم: "حتى لو جاء حافي القدمين يبكي دما لن أعيدك له. لقد اثبت بضربك انه لا يستحقك" وبكت فرحة وقالت بترح: "انت على حق يا أخي. لن أعود له فمن يتركني مرة سيتركني دائما، لن أعود" ثم لملمت نفسها وهربت إلى غرفتها لتذرف ما طاب لها من الدمع على حبيبها الذي تأبى كرامتها مسامحته وتأبى أحزانه العودة اليها. في فندق وضيع مرصع بأضوية حمراء وخضراء وصفراء دلف رزاق ينظر بريبة إلى حيطان المكان والصور المعلقة فيه. مدفوعا برغبته في البحث عن أثار لوالدته في الماخور الوحيد الذي وجده في بحثه قرر دخوله واشباع فضوله. قد يتمكن من إيجاد والدته اذا ما بحث عنها في هذا المكان فساكناته هن افضل المرشحات ليتركن اطفالهن في مهملات الطريق. ابتلع ريقه وهو يرى رجلا ببطن كبطيخة عملاقة وراس أملس لا شعر فيه يتقدم نحوه وابتسامة مقززة تعلو شفتيه الزرقاوين من كثرة التدخين. سال رزاق بعد أن رحب به ترحيبا حارا: "ما هي مواصفات العروس التي تريدها" تساءل رزاق: "عروس؟!" قهقه الرجل كاشفا عن أسنان مسوس بعضها ومخلوع البعض الآخر. فسر لرزاق: "هذا ما نسمي به فتياتنا يا سيدي!" وغمز له بينما هز رزاق راسه وفكر قليلا ثم أجاب: "أريدها ..." ثم فكر وهو يمسح وجهه بعصبية! هذه الفكرة البليدة التي ينفذها الأن لن تأخذه إلى أي مكان. اكمل: "عمرها كبير!" هز الرجل راسه كأنه اختار اسما من الدفتر الذي يقرأه ثم قاد رزاق إلى غرفة بباب خشبي اخضر حيث ادخله وطلب منه الانتظار ريثما تأتي الفتاة.

    ردحذف
  38. خرج الرجل وما هي إلا ثواني حتى جاءت فتاة بغاية الجمال واللطافة. ليست بالكبر الذي كان في بال رزاق قدَر عمرها بنهاية العشرين وجلست بجانبه متصنعة الابتسام بوجهها الملئ بمساحيق التجميل. بادرها رزاق وهو يتمعن فيها مضطربا: "لا تتصنعي الابتسام فلست هنا من اجل ابتسامتك" زالت ابتسامتها فورا وقالت له: "هذا اسهل بكثير فقد تعب فمي وانا أحاول أن أكون لطيفة" ارادت أن تزيل ثوبها الكاشف فمنعها قائلا: "لا تتعري فما اراه منك يثير اشمئزازي بالفعل ولا أريد اكثر" بادرته بنظرة متسائلة ثم قالت: "لماذا انت هنا اذا" قال مشفقا وغاضبا: "أن اخبرتني لماذا انت هنا اخبرك لماذا أنا هنا" تغيرت معالم وجهها وعقفت حاجبيها ولم تجب بل همت بالخروج فاستوقفها قائلا: "انتظري! أنا ابحث عن شخص! امرأة قد تكون في عقدها الخامس أو السادس!" ضحكت الفتاة ملئ فيها وهي تنظر إلى رزاق كانه يمزح بسؤاله. وبعد أن أكملت ضحكتها سالته: "هل انت تمزح؟ اتبحث عن قريبتك هنا؟" اطرق بعينيه إلى الأرض فخمنت: "العقد الخامس أو السادس؟؟؟ امك مثلا؟" قال لها متجاهلا نبرتها الساخرة: "اسمعي أنا فقط أريد أن اعرف أن كنت تعرفين واحدة بهذا العمر أو صادفتها في مكان ما من زوايا هذه المهنة قد تكون تخلت عن ابنها...." وابتلع ريقه وهو يلوم نفسه على عدم الاسهاب في التفكير قبل أن يقدم على هذه الخطوة. هزت الفتاة راسها قائلة: "في هذه المهنة تطرد المرأة في سن الأربعين حيث تنتهي صلاحيتها للعمل هنا. قد تجد امك الأن في قبر ما أو قد تكون متسولة في شارع من الشوارع هذا أن كانت على قيد الحياة, نصيحة مني إنساها وعش حياتك فنساء مثلنا حكم عليهن القدر بالعذاب الدنيوي والاخروي, لدينا الكثير من الذنوب لنكفر عنها" ثم أكملت : " وابتعاد امك عنك هو جزء يسير من عذابها الدنيوي" شعر بخيبة امل فما قالته الفتاة لا يسهل عليه مهمته. شعر بصداع رهيب يجتاح راسه فكيف عساه سيعرف من هي امه. من اين يبدأ رحلته في البحث عنها. هو فقط يريد أن يسالها عن سبب انجابها له ثم رميه في الازبال. لما لم تجهضه حين حملها به. الم يكن اسهل عليها. سالته الفتاة: "لا تعتقد أن كل امراة تعمل في مجالنا سيئة فالمظاهر خداعة قد يعجبك مظهر رجل ثم تكتشف انه حقيقة من رواد هذا المكان جاء بارادته ليخون زوجته وقد تمقت فتاة لمجرد انتمائها إلى هذا المكان بينما هي في الحقيقة مجبرة على دخوله ولا حيلة لها سوى الإذعان لرجل يملك قيدها.

    ردحذف
  39. قد تكون والدتك أجبرت على عمل السوء وندمت عليه. وقد لا تكون في الحقيقة من هذه المهنة. اترك الأمر يذهب وانساه لان الواضح انها نسيته ففي النهاية لا شيء عقلاني بالنبش في هذا الماضي " تمعن فيها ثم اخرج بعض المال واعطاه إياها ثم قال لها ناصحا: "اتركي هذا العمل فبدايته فسق ووسطه مهانة ونهايته جحيم" ثم فكر قليلا واكمل: "هذا رقم هاتفي. اذا اردت ترك هذه المهنة واجبرك احدهم على الاستمرار كلميني وساكسر راسه. واذا اردت المال كلميني أيضا. قد اوفر لك بعضا منه كي تبدئي حياتك بشرف" ثم تركها متعجبة من موقفه الغريب الذي لم يحصل لاي من ساكنات الماخور قبلا وخرج على غير هدى يسير في شوارع المدينة الباردة لا يدر ما عساه يفعل. اكثر ما يشغل باله هو فرحة التي طلقها و تجرأ على لطمها وهو الذي ثار لاجل اعتقاده أن اخته قد تاذت من مسعود. كيف استطاع أن يفقد اعصابه بهذا الشكل. كيف استطاع أن يفعل ما لم يفعله أي فرد من أفراد عائلته قبله. ضرب المرأة في اعتقاده شبيه باغتصابها ويجب أن يكون عقابه عسيرا. ثم توقف عند النهر ووقف ليطالع منظره وانعكاسات الاضوية على تموجات ماءه العذب. تساءل في صمت الليل وبرودة نسماته: "ما الذي افعله بنفسي" لم يجد جوابا يريح باله. جرفه الماء بين طيات رقصته المثيرة وتلاعب به حفيف الأشجار كموسيقى مهدئة يثير في النفس نعاسا وقد كان بحاجته. طوى سترته الثقيلة على جسده واحتضنها بين ذراعيه بعد أن رفع ياقتها لتغطي رقبته وبعضا من اذنه. اغلق عينيه وهو جالس على مقعد خشبي أمام الماء وكور ركبته إلى صدره ثم ترك نفسه تقوده إلى ما تريد. أغمض عينيه وغفا. كان يشعر بكل ما حوله رغم نومه وقد زاد ذلك الشعور من راحته في ذلك الوقت كأنه نائم وصاحي بذات الوقت. حلم بالكثير. كأن عقله يساعده على إزاحة بعضا من أحماله ليستعد لأحمال جديدة. استيقظ بعد فترة ونظر إلى ساعته وقد نام لساعتين. كان الجو أبرد بكثير والشوارع فارغة تماما من أي حياة. قرر العودة إلى الفندق البالي الذي يسكنه مؤقتا كي لا يمرض. سار بخطوات ناعسة وهو يحاول قدر الإمكان أن يسيطر على عينيه ويمنعهما من الانغلاق. مر من أمام الماخور الذي زاره للتو فسمع صوت عراك بين رجل و امرأة. كانت العجوز تصيح باعلى صوتها شاتمة لاعنة بينما يدفعها الرجل الاصلع ذو الكرش البطيخي للخارج مهددا إياها اذا لم تبتعد فسيقتلها. وقف رزاق يطالع من بعيد المراءة المسكينة تدفع وترمى خارج المنزل المزركش وهي تبكي فاندفع اليها وهو يفرك عينيه محاولا أن يركز انتباهه مع المشهد الذي أمامه. امسك بالمرأة يساعدها على النهوض بينما دخل الرجل الأصلع واغلق الباب.

    ردحذف
  40. الفصل الثامن
    نهضت العجوز بتثاقل وهي تبكي وتدعي على صاحب الماخور بالموت حرقا ثم استدارت بعدها إلى رزاق وشكرته على مساعدتها. سارت لوحدها باتجاه عتمة أحد الأركان القريبة من بناية الماخور ثم أحضرت كيسا مهترئا أسودا قذر متخم بالكثير من الحاجيات. سألها رزاق: "هل لديك منزل تذهبين اليه يا خالة؟" أجابته بصوتها الكهل المرهق: "الشارع هو بيتي يا بني. أحط رحالي أينما أريد متى ما أريد" ثم سارت تجرجر نفسها وعباءتها الطويلة الممزقة تجمع خلفها أوساخ الشارع وورقات العلكة. سحلت بصوت حزين وهي تردد أغنية بالحان حزينة مؤثرة:
    "يبنتي وين رحتي وتركتيني تذوب حشاي ببعادج هملتيني أنا والدمع صرنة أصحاب وانتي ما ذكرتيني يبنتي انت الحنينة وموش من نوع التغدريني اويلي يالدمع ما تخلص وخلصت عليك سنيني"
    كان مجرد سماع العجوز تنطق بتلك الكلمات يقطع قلب رزاق فركض باتجاهها وسألها: "هل تبحثين عن أحد يا خالة" نظرت اليه بعيون غائرة ووجه غابت ملامحه من كثرة التجاعيد والألم وتمتمت بصوت خافت: "بلقيس! ابنتي، لقد خرجت من المنزل ولم تعد اختفت لا أدرى أين. كانت تعمل في هذا الفندق" سألها رزاق مترددا: "بائعة هوى؟" أجابت العجوز: "اخرس! ابنتي كانت أشرف من الشرف! كانت تعمل هنا منظفة، استمرت بالعمل هنا لسنوات طوال حتى اختفت ولا أحد يعرف عنها شيئا" مسحت دمعها بكفة ردائها وأخرجت صورة من جيب ثوبها الأسود المغبر وارتها لرزاق. كانت لابنتها بلقيس. وقالت: "هذه بلقيس! هل رايتها في أي مكان؟" هز رزاق راسه بالنفي فأكملت: "أتي إلى هذا المكان صباحا ومساء وليلا ابحث عنها علها عادت من غيبتها ولكن هذا الخنزير يطردني ويرميني في الشارع، أنا على أعتاب الموت فمتي ساراك يا بلقيس" شعر رزاق بالاسى على العجوز. كان متأكدا أن بلقيس تلك قد أوهمت عائلتها بان عملها لا يتجاوز التنظيف بيد أنها في الحقيقة كانت شيئا أخر. سال العجوز: "هل ستبقين تسيرين هكذا في الشارع في هذا البرد؟" هزت راسها إيجابا وقالت: "عشر سنين وانا في الشارع، انه المكان الوحيد الذي يحتضني في أي وقت بدون أن يطردني، انه المكان الوحيد الذي ابحث فيه عن بلقيس" وتركته ينظر اليها بينما توقف هو عن المسير وسارت هي في خط مستقيم تعرف وجهتها التالية. تساءل مع نفسه إلى أي حد ممكن أن تصل أم في بحثها عن أطفالها بينما امه رمته في الشارع بدون حتى أن يرق قلبها عليه أو أن تسال عن أحواله.

    ردحذف
  41. إما الموت أو أن يعمل لصالح جماعات التسول والمجرمين. ثم فكر في مرجانة. كيف هو حالها بعد أن تركها مكسورة القلب؟ هل تبحث عنه الأن كما تفعل هذه العجوز أم أنها استسلمت إلى حقيقة انه غادر وستنساه في غضون أيام؟ عاد إلى غرفته في الفندق البارد وتدثر جيدا ونام. رؤيته لتلك العجوز المسكينة جعلته متعبا جدا ونام حتى ساعة متأخرة من الصباح. فتح هاتفه المغلق كي يتصل بأخته ويسالها عن مرجانة فانهالت عليه الرسائل النصية التي وصلت إلى هاتفه حال اشتغاله. كل الرسائل من أخته ووالده تحمل الكثير من كلمات القلق والخوف عليه وتنقل مشاعر مرجانة الحزينة لغيابه. تذكر أغنية العجوز الحزينة على فراق ابنتها. هل تغني مرجانة عليه نفس الأغنية أم أن شعورها مختلف لأنه ليس من لحمها ودمها؟ اتصل برحمة التي رفعت هاتفها فور أن رات اسمه. طلب منها ألا تتحدث أمام والديها فطمأنته أنها في طريقها إلى بيت عمها ولا أحد معها.قال لها: "لازلت تذهبين الى هناك؟ لازلت تخدمين ذلك المتعجرف؟" اجابته بلطافة: "في الجيد والسئ.. انها العائلة!" ثم تمتمت بحزن: "عائلتك يا اخي!" لم يعلق على ماقالته وتجاهله كليا فهو لايدري ان كان ينتمي لهذه العائلة ام ان انتمائه لهم انتهى. سالها بتردد: "كيف هي امي؟" نقلت له اخبار مرجانة ثم تكلمت عن كل فرد في العائلة في غيابه وكم الحزن الذي سكن قلوبهم واللوعة التي تعتري مشاعرهم. شعر بالحنين لهم.. بعد كل ما سمعه من اخته.. شعر بالاشتياق لحياته القديمة وخوف من ان لا يتمكن من استعادتها! ثم أخبرها هو عن حاله طالبا منها أن تطمئن مرجانة انه بخير وهو سيستعيد توازن مشاعره شيئا فشيئا ولكنه سيبقى بعيدا حتى يقرر ما عساه يفعل بحياته. اغلق الهاتف بعد أن علم منها أحوال زوجته التي يفتقدها كثيرا. شعر بشوق وقلق فقد كان يعلم جيدا أنها قد لا تسامحه على ما فعل بها مع امل أن ما مر به ممكن أن يشفع له يوما. وصلت رحمة إلى منزل عمها وقد كانت فرحة بانتظارها فأخبرتها على الفور: "أخي مشغول ولديه زوار هذا اليوم. يبدو أن عائلة الوزير ستزورنا" عقفت رحمة حاجبيها متسائلة: "أي وزير؟" أجابت فرحة: "ألا تذكرين الوزير الذي اسمه حسان المطبك وابنته وابنه" رفعت رحمة حاجبيها قائلة: "آها، تذكرتهم. ابنته بالذات أتذكرها لأنها جلست معنا، لماذا سيزورونكم؟" قالت فرحة متفائلة: "يقول مسعود أن الوزير سيساعده على الدخول في مشروع مربح جدا وأمورنا ستصبح أفضل بعدها" قالت رحمة مهمهمة: "ما هذا الوزير الذي لا عمل لديه سوانا" كانت رحمة تعرف جيدا ابن عمها وطموحه العالي كما سمعت كثيرا من والدها عن حسان المطبك ومكره. تبعت فرحة الى المطبخ لتساعدها في التحضيرات فمنعتها فرحة قائلة: "كلا لا تتعبي نفسك فقد طلب أخي كل شيء من مطعم خاص" وعلى ذكر مسعود فقد عاد من المزرعة بعد رحلة تفقدية ليجد رحمة وفرحة تتحدثان وقد كان في مزاج جيد فابتدأ الحديث مع ابنة عمه: "رحمة! أراك حضرت! في الحقيقة أردت الحديث معك في موضوع مهم جدا" نظرت له فرحة وفي عينيها تفاؤل بينما اعتذرت لتتركهما يتحدثان وذهبت إلى غرفتها لتبدل ملابسها. قال مسعود لرحمة وهو يتطلع اليها بعيونه الملونة بالرجاء: "لقد أخبرتني فرحة بمدى تعاستها لوحدتها التي تعيشها بالذات وان الكثير من الأحزان قد باغتت حياتها" رمقته رحمة بنظرة أسى على فرحة المسكينة فأكمل: "هي بحاجة إلى الصحبة يا رحمة ومن أفضل منك في مصاحبتها فانت صديقتها الوحيدة وبمثابة أختها الأكبر" كأنها استنتجت ما سيقوله فبدأت أثار الرفض تبدو واضحة المعالم على محياها. استرسل مسعود وهو يرى تلك الأثار وفي نيته تغييرها: "انت وحدك ستعيدين البسمة إلى هذا المنزل. لأختي و...." وتعثرت الكلمات من فمه ورق وجهه وارتعشت ملامحه. كان خائفا من أن يقول لها انه وبلا وعي يريدها أن تبقى أكثر مما تريد أخته. تواجدها في هذا المنزل حاجة وضرورة لإعادة التوازن اليه. أنها الراحة التي يريد هو أن يشعر بها تواجدها ينشر أمانا عجيبا لا يمكنه إلا أن يشتاق اليه. يشتاق اليه سرا لا علنا! انتظرته ليكمل جملته لكنه غير الموضوع قائلا: "ابقي هنا معها لبضعة أيام علها تخرج من حالة الأسى التي تركها عليها رزاق وتعود إلى طبيعتها" لم تدر ما تجيبه. ببقائها هنا هي ستبقى معه مختنقة بكل ما يجلبه وجوده لها من خوف وحنين ورهبة وتملك. تذكرت كل الأيام التي كان يرعبها فيها بتصرفاته ويتثاقل في كلماته. كل اللحظات التي منعها من الضحك مع فرحة فيها وها هو الأن يريد منها أن تخرج أخته من حالة الحزن التي هو سببها لها بتصرفاته. ثم يلقي اللوم على رزاق. .

    ردحذف
  42. كانت رحمة ترى أن ما فعله رزاق ليس سوى ناتج لما فعله مسعود سابقا. هي في الحقيقة لا تلوم رزاق على أي شيء فقد اقتيد بيد مسعود ليخرج عن حالته الطبيعية إلى حالة من الجنون. قالت: "دعني اسأل أبي أولا فكما تعلم أن منزلنا أيضا يعاني من حالة حزن واضطراب ووالديّ بحاجتي في هذه الأيام الصعبة" هز راسه موافقا ثم سمع صوت سيارات تقف أمام المنزل فأنهى محادثته طالبا من رحمة أن تخبر فرحة بوصول الضيوف ودعاها للجلوس معهم أن أحبت. أسرع وهو يعدل شماغه الأبيض المرقط بالأحمر ويسير بخطى واسعة ليصل إلى الباب. هتف فور أن رأى حسان مسلما عليه ثم سلم على ابنه سامر الذي كان محتقنا كالعادة ينظر بتوجس لكل شخص وكل شيء بينما أطال النظر إلى وهد التي كانت في أبهى حلة تلبس ثوبا زهريا طويلا مع سترة زرقاء ثقيلة. دخل الثلاثة إلى الديوان الكبير ثم جلسوا بينما تركهم مسعود وذهب يبحث عن أخته ورحمة. كانتا في المطبخ مع الفتى الذي احضره ليخدم على الضيوف تحضران القهوة فقال لرحمة: "ابنته هنا أريدكما أن تجلسا معها" ثم قال للفتى: "احضر القهوة " وغادر يتبعه الفتى مع دلة القهوة الذهبية والفناجين المزخرفة. نظرت رحمة وفرحة لبعضهما البعض وهما لا تعلمان أن كان لائقا أن تذهبا وتجلسا مع الرجال في الديوان وبالذات فرحة... أو أن قصد مسعود كان أن تأخذا ابنة الوزير لمكان أخر

    ردحذف
  43. كانتا مشوشتين بتصرفات مسعود المشوشة. و لم تنتظرا طويلا حيث عاد الفتى برسالة واضحة من مسعود تقول: "لا تدعا الفتاة تجلس لوحدها" ذهبت رحمة إلى الديوان كي تدعوا وهد للخارج فهي لن تجلس في مجلس الرجال ابدا. بصوت خفيض سلمت على الجالسين. لم يصدق سامر عينيه. كانت تلك الفتاة التي وضعها في راسه منذ رآها لأول مرة. ذات الخجل وذات البراءة. علق عينيه بها حتى أن مسعود لاحظ نظرته المتسمرة برحمة وكره ذلك ثم اغتنم الفرصة فقال: "لما لا تذهب الأنستان إلى الغرفة الأخرى كي تأخذان راحتهما. رحمة ابنة عمي ستريك البستان أن أردت؟" احست رحمة بالراحة لما قاله مسعود بينما شعرت وهد بالامتعاض فهي جاءت لتسمع ما يقولون وتبدي رأيها كما تفعل دائما في كل شؤون والدها ولم تشعر يوما أن هنالك فرقا بينها وبين أي رجل في أي اجتماع لأنها دائما سباقة إلى رسم الخطط ولا تخاف من إعطاء رأيها باي شأن وبكل صراحة. أرادت أن ترفض الخروج لكن والدها أشار لها سرا بالامتثال فخرجت على مضض. شعر سامر بخيبة امل فقد كان يريد أن يراقب تلك الشابة أكثر وعن قرب. قالت رحمة لوهد الكاظمة لوحرها: "لنجلس في الغرفة الأخرى دعيني فقط أنادي فرحة " ثم غابت رحمة لثواني عادت بعدها مع فرحة التي رحبت بوهد بشكل مفرط. ذهبت النساء الثلاث إلى غرفة الجلوس الأخرى حيث جلسن يتحدثن في أمور لا تريد وهد الحديث فيها. قالت رحمة موجهة كلامها لوهد: "ملابسك جميلة هل تشتريها من العاصمة؟" ضحكت وهد وأجابت السؤال الذي من الواضح أن رحمة أراد به أن تكسر الصمت: "بعضها من العاصمة وبعضها من الأماكن التي أسافر اليها " ثم التفتت وهد إلى فرحة وسألتها: "كيف حال العروس! هل تعانين الكثير من القيود والشروط" وتغير وجه فرحة وغامت عيناها. وأجابت بدون أن تخبر وهد عن طلاقها: "يتبع الثقة والتفاهم" لم يخف على وهد تغير حال فرحة وعلمت أن شيئا ما حل بالعائلة وقد يفيد ذلك والدها إذا ما أضطر للضغط على مسعود. أبدت تعاطفا زائفا مع فرحة وسألتها بصوت محزون: "أرى الكثير من الدموع تختبئ في مقلتيك" لم تجب فرحة فقط اعتذرت وخرجت من الغرفة. تاركة وهد ورحمة لوحدهما حيث انتقلت وهد إلى الأخيرة. قالت: "أنا آسفة لم اقصد إزعاجها فهي عروس ويجب ألا تكون على هذه الحالة من الحزن لذلك ثار فضولي لمعرفة السبب" تبسمت رحمة وهي تنقل نظرها بين وهد وبين الأرض ولم تعطي لوهد أي جواب مريح. انتقلت وهد لرحمة لتستجوبها. سألتها: "هل انت مخطوبة؟" أجابت رحمة على استحياء: "كلا!" صرخت وهد بتعجب رغم أنها تعرف جيدا أن رحمة ليست مخطوبة رسميا ثم قالت: "فتاة بجمالك وليست مخطوبة؟ وابنة عشائر؟ لا اصدق هذا" ضحكت رحمة وأجابت: "يقول أبي أن الزواج قسمة ونصيب.

    ردحذف
  44. لقد خطبني الكثيرين ثم فجاءة توقفت طلبات الخطبة. في الحقيقة هذا الأمر لا يشغل تفكيري في الوقت الحالي كما إني لازلت صغيرة" ابتلعت ريقها ورمت سؤالا فضوليا: "وأنت؟ هل انت متزوجة أو مخطوبة؟" تبسمت وهد ابتسامة ماكرة وأغلقت عينيها نصف انغلاقه وهي تقول بلا اهتمام: " تطلقت من زوجي السابق قبل سنة لقد كان ابن وزير" رفعت رحمة حاجبيها متعجبة وتساءلت: "ابن وزير وتطلقت منه؟" تنفست وهد بعمق وتمتمت وقد بدا أن رحمة هي التي تستجوب وهد وليس العكس: "كان زواج مصلحة فور انتهائها تطلقنا وكل ذهب إلى حال سبيله" بحلقت رحمة فيها فهي لأول مرة تسمع بهذا المصطلح. ماذا يعني زواج المصلحة هل هو زواجا شكليا أو قد كانت العائلتان متخاصمتين فتصالحتا بهذا الزواج؟ لم تفهم حقا ما معناه ولم تسال حيث بدا لها أن هذه العائلة غريبة الأطوار كما كان رزاق ووالدها يقولان عنها ولا يزالان. حسان جلس متربعا وهو يأكل بعضا من العنب الذي وضع أمامه ويتكلم بينما فمه يلوك حبة عنب خضراء عملاقة: "نريد شراكة تدوم لوقت طويل يا بني. انت تعلم لعبة السياسية تحتاج إلى خطط بديلة لكل خطة. يجب أن تكون متحضرا وواعيا إلى كل من يريد أن يطعنك بظهرك. والولاء يا مسعود مهم جدا لاستمرار التحالف.. وهنا التحالفات مهمة أسالني لماذا؟" ونظر إلى مسعود ثم استرسل: "لان حلفاؤك هم عيونك التي تركبها بظهرك، مع هذا يجب أن يكون لك ورقة ضغط على هؤلاء الحلفاء فهم ليسوا في الحقيقة أصدقاء عن محبة بل هم أصدقاء مصلحة وقد يغلقون أعينهم عن خيانة تحصل وهنا يأتي دور ابني سامر" وربت على ظهر سامر ثم استرسل: "إذا أردت أن تكون سياسيا وطنيا فلن يدخلك أي أحد في تحالفاته ببساطة لان الحكومة الأن لا تبحث عن الوطنيين بل تبحث عمن له القدرة على العمل بمبدأ فيد واستفيد.

    ردحذف
  45. لذا التحالفات مهمة للحصول على أصوات إيجابية للخطط التي نستفيد منها وهكذا تصبح مليونيرا. أنا يا ولدي أريد لك الخير فانا أرى تدهور حال الأرض كما أن استثماراتك لن تجني مالا كافيا لسد حاجة الموظفين بصرف النظر عن حاجتك انت وعائلتك. ادخل معي في حربي القادمة للفوز برئاسة الوزراء وسأكون معك في أي شيء تحتاجه. فقط أريد منك أن تعلن أن العشيرة تدعمني. أخبر الناس في القرية أن اسمي هو الاسم الوحيد الذي يجب أن يختاروه في الانتخابات القادمة واجمع أكبر عدد من الأصوات المؤيدة لي ولن تندم لأني بارتفاعي سأرفع معي كل من ساعدني" كان كلام حسان مقنعا وقد قال كل ما يريد مسعود سماعه. لكن مسعود مع هذا كان يطمح لشيء أخر سيجلب له المال بدون الاعتماد الدائم على حسان. قال لحسان واثقا: "أنا سأدعمك بالتأكيد بيد إني أريد أن اطلب منك طلبا مقابل ذلك، أنا أريد أن ادخل الانتخابات معك واحصل على كرسي في الحكومة. مكان لائق اقصد" وبدت نظرة الجدية على وجه حسان وعقف حاجبيه الغليظين وهو يفكر في طلب مسعود. سأله: "تريد أن تدخل الانتخابات انت أيضا؟ أنا لن أمنعك من هذا ولكني أريد أن اقل لك شيئا. الانتخابات القادمة قريبة وأنت لن تستطيع دخولها بهذه السرعة والفوز" قال مسعود: "دعني إذا أترشح عن حزبك" هز حسان راسه معارضا وفسر: "لا يا مسعود لا يمكنني الأن أن احشر اسمك قبل أسماء الكثير ممن هم أقدم منك أو أدعمك أكثر منهم. هذا ليس من الحصافة في أي شيء. مع هذا في الانتخابات التي بعدها أن أردت يمكنك أن تبدأ التحضيرات لها مبكرا ثم تدخلها مرتاحا" لم يعجب ما قاله حسان مسعود على الأطلاق. هو يريد الفوز السريع والسهل خبراته في الحياة ليست كثيرة. لطالما اعتمد على قرارات والده رغم أن له شخصية مستقلة عنه. امر محير. كيف لرجل مستقل عن والده يكون في الحقيقة مسيطَر عليه من ذات الوالد. لم يك في حياة والده قادرا على أن يتخذ أي قرار يخص العمل أو العشيرة بدون أن يقول والده نعم ولم يستطع يوما أن يؤثر على قرارات أو أفكار راهي مهما فعل بينما كان لوالده تأثيرا كبيرا على قراراته هو. الأن وقد تحرر من والده وأصبح شيخا محدود الخبرات لعشيرة كبيرة متنوعة الطوائف يجد نفسه مجبرا على الاختصارات في الحياة ليثبت لكل من عارض قرار معصوم في التخلي عن المشيخة له انهم كانوا على خطا كبير. هو سيعيد أمجاد العشيرة هو رجل العائلة الأوحد. في غرفة النساء انتهت المواضيع المملة التي كانت تستمع لها وهد بينما عقلها كان يفكر بما يحصل في غرفة الاجتماع. لمحت سامر يسير في المنزل من باب غرفتهم المفتوح. لقد خرج ليرى الوضع الأمني لكل الحراس الذي مركزهم هنا وهناك لحماية العائلة. قاطعت حديث رحمة وركضت لتستفسر منه عما يجري فنقل لها الأخبار باقتضاب وعينيه تتراقصان بين قدمي رحمة ورأسها. كانت تقف عند الباب حيث خرجت خلف وهد. ترك أخته اقترب من رحمة وسلم عليها متفحصا إياها بينما هي سحبت شالها الأسود وغطت به جزءا من خدها الأيمن وفمها. قال لها وسط نظرات وهد المتعجبة: "انت صاحبة حملات التبرع بالدم في القرية صحيح؟" تبسمت خجلة وأجابت بصوت واثق، لطالما كان صوتها واثقا وهي تتكلم عما تؤمن به: "انه امتداد لما كان عمي راهي يفعله. إننا نجمع الكثير من الدم أسبوعيا ولكن كيف عرفت بها" رفع حاجبيه مهتما وسألها: "لقد سمعت عنها كلاما جيدا... إذا هي مرة في الأسبوع اعتقد كل يوم ثلاثاء؟" هزت راسها وصححت له: "بل كل يوم اثنين" لقد كان يعرف تماما أي يوم هي الحملات كما انه يعرف بالتفصيل كم لتر دم ترسل العيادة وأسماء العاملين فيها وحتى أسماء بعضا ممن يترددون على العيادة للتبرع بشكل دوري. عندما يختص الأمر بالمعلومات... فهو ملك المعلومات. قال لها مبتسما: "قد امر الاثنين القادم لأتبرع هل ساجدك هناك؟" فتحت وهد فمها عجبا بينما زاد تبسم رحمة وأجابت: "سأشرف بنفسي على سلامتك وسأعطيك قطعة من الحلوى بعدها" قهقه ضاربا فخذه بيده استفسر: "قطعة حلوى؟" هزت راسها قائلة: "نعم أنا اصنعها لأعطيها كعربون شكر لكل من يأتي ليتبرع" لم تنظر في عينيه أبدا طوال فترة المحادثة مما أعطاه فرصة جيدة ليمعن أكثر فيها. لم ير في حياته فتاة مثلها. لأول مرة لا يمكنه أن يقرر أن كانت فتاة ضعيفة أم قوية. كان صوتها الحاني يشوش عليه حكمه ويفسد قدرته على قراءة الناس ينقله لسنوات مضت حيث كان يجلس مع حبيبته فيشفي حنو صوتها المه. لم يرد أن يتركها وود لو يدخل إلى الغرفة فيجلس معهما ويتحدث أكثر معها لكن والده خرج من الغرفة سعيدا يربت على ظهر مسعود ويضحك. تأكد عندها سامر أن مسعود قد وصل إلى اتفاق مع الوزير. حانت التفاتة من مسعود إلى ابنة عمه وهي واقفة مع سامر ووهد بينهما فتغيرت ملامحه كليا. بحلق عينيه فيهما وزم على شفتيه وهو يحاول أن يخفي انفعاله.

    ردحذف
  46. لقد أخرجها من الغرفة لسبب وها هو يراها تقف هناك مع هذا الشاب الذي كان يدرسها بنظراته في الغرفة بلا خوف أو خجل. هالها رؤية ابن عمها ينظر لها بتلك النظرات فهي تتكلم مع الناس دائما وبحكم عملها كممرضة فهذه ليست أول مرة تتكلم فيها مع رجال ولم يكن هذا الأمر محظورا عليها لا من قبل والدها ولا أي من عائلتها ما دام في حدود الاحترام. ما به؟ تساءلت في صمت. بينما خرج الوزير وعائلته وأعطاهم البشرى بقبول مسعود الانضمام إلى مؤيديه ومعاونيه لاحظ أن سامر مشغول الفكر رغم انه حاول ألا يبدو كذلك. سأله وهو يشعل سيجارة: "أرى إنك خرجت من ذلك المنزل مختلفا؟" أجابته وهد من تحت أضراسها: "ابنك وضع ابنة الشيخ معصوم في باله. سيقودنا هذا كالعادة إلى مصيبة" ثار حسان على ابنه وصرخ: "سامر! لقد أقنعت ابن عمها للتو ليكون حليفي. لقد كنت واضحا معك اختر الفتاة التي تريدها ولكن لا تتلاعب مع بنات حلفائي لأني لا أريد أن أقع في ورطة مع هذه العوائل. اختر فتاة أخرى واعبث معها كما تريد واترك تلك الصبية لحالها فعائلتها ليست قليلة في البلد وان كانوا متواضعين فهذا لا يعني انهم ضعفاء. ألا تتذكر راهي وتهديداته لنا؟ تعقل يا سامر" لم يهتم سامر لما قاله والده. هو يعلم ان لكل شخص يواجهه سر وهذا ما يجعله ضعيفا أمام سامر حتى عائلة معصوم بالتأكيد لديهم اسرار وهذا سيجعله اقوى بامتلاكه سرهم إما مسعود فبالتأكيد بتحالفه مع والده سيكون لديه العديد من الأسرار المميتة في المستقبل وسيجمعها سامر كلها ويضعها بجانب لعبته التي يحتجزها في المنزل يتطلع لها كل ليلة ويغفو على ذكرياتها التي تعطيه عالما من الخيال الذي يحيط نفسه به. اقترب مسعود من رحمة ووبخها صارخا: "ماذا كنت تفعلين مع ابن الوزير؟" أجابته وصوتها يرتجف بسبب ما لمحته من نظرات الشك في عينيه: "لقد كان يريد المجيء يوم الاثنين ليتبرع بالدم واخذ مني تفاصيل عن الأمر" صفق مسعود كفتيه واغلق عينيه بقوة كي يسيطر على غضبه و.... غيرته. ثم قال: "إذا سيترك كل مستشفيات العاصمة التي يمكنه فيها التبرع بالدم في أي وقت وسياتي يوم الاثنين لمستوصف القرية الصغير ليتبرع؟" لم تجبه رحمة فهي لم تفهم لما كان يرمي وكل الأمر بالنسبة لها مجرد عمل خيري. أخيرا سيطر على نفسه وقال: "أريد الحديث مع عمي في موضوع هام فهل تستطيعين أن تخبريه باني أريد أن أراه" لم يك بإمكانه الذهاب إلى منزل عمه بعد ما فعل فالجرح لازال ينزف مع هذا لابد له من الحديث مع عمه بشأن التطورات الأخيرة التي حصلت. أجابته رحمة: "هل ستتكلم معه بشأن فرحة ورزاق؟" لا تدر لماذا سألته هذا السؤال لكنها شعرت أن كل ما حصل كان بسبب الغضب ولابد أن يتصلح الوضع. حملق فيها محاولا أن يفكر قليلا في جواب ثم أجاب: "لا يوجد شيء للحديث بشأنه فأختي لن تعود إلى رزاق أبدا. واشكر الله انه طلقها وسهل الأمر علي وادعو ربي ألا يعود هو الأخر إلى هذه العائلة فهو ليس ألا نقطة سوداء يجب أن تمحى" هالها ما سمعت عن رزاق. ظهر الاستهجان على وجهها وانسابت دموعها رغما عنها. قالت له حزينة: "كنت أتوقع أن قلبك أكبر وعقلك متفهم أكثر. ولطالما تساءلت عن سبب قبولك بزواج أخي رزاق من فرحة مع علمك بماضيه مع أن الجواب كان واضحا كوضوح الشمس. كان هذا الزواج بالنسبة اليك فقط مبادلة والان انت حصلت على ما تريد بينما أخي واختك ضحيتان" ابتلعت ريقها وصرخت رغما عنها: "لقد عارضت امي عودتي الى هنا بعدما حصل... ولكن ابي قال لها ان العائلة عائلة والدم لا يصبح ماء ابدا... لقد اتيت الى هنا عل قلبك يفهم.... اننا عائلة واحدة نحن يا ابن عمي وليس ذلك الوزير... اخي رزاق لم يؤذك في شيء فلماذا تتحامل عليه؟ فرحة ماذنبها في كل هذا؟ ماذنبي وذنب ابي وامي؟ ارجوك يا مسعود انسى ان رزاق ليس منا لانه منا ... انظر فقط لكل مافعله لعائلتنا.. لا تدع الامر يتسرب لباقي العشيرة اتوسل اليك. افتح قلبك لاهلك .. أيا كان ما فعلناه أدى الى هذا التحجر من جانبك افصح عنه... دعنا نحب بعضنا...." وبهت في عينيها الباكيتين... تغير صوتها عندما قالت له نحب بعضنا... كانت لا تقصد فقط العائلة بل غلبت مشاعرها الشخصية أيضا على صوتها.... لم يجبها بل نظر اليها مطولا ثم تركها تتابع خطواته بنظراتها المتراقصة بسبب الدموع وهي تتمنى لو أن مسعود يترك قليلا خيلاءه مع عائلته ويحاول أن يلين جانبه تجاههم.

    ردحذف
  47. قررت العودة إلى المنزل فذهبت إلى غرفة فرحة لتخبرها بمغادرتها لكنها وجدتها نائمة فكتبت ورقة ووضعتها على الثلاجة تخبرها فيها أنها غادرت ثم تركت بيت عمها كئيبا واتجهت إلى منزلها. كعادتها دخلت من باب المطبخ المطل على الحديقة وذهبت إلى غرفتها لترتاح. رن عليها الهاتف فنظرت إلى رقم المتصل وقد كان الرقم مغلق. لم تجب الهاتف حتى انقطعت الرنة وبعدها مباشرة سمعت رنة الرسائل النصية ففتحت الرسالة لتجد (أنا سامر ابن الوزير حسان أتمنى إنني لم ازعجك، سأتصل عليك الأن وأتمنى أن تجيبي) بحلقت في الاسم فاغرة فمها وقد وضعت يدها اليسرى عليه. كيف حصل على رقمها ومالذي يريده منها هذا الرجل بالضبط. سمعت صوت هاتفها يرن مرة أخرى فرمت الهاتف بعيدا عنها وهي لم تقرر إذا ما كان عليها أن تجيبه أم لا.

    ردحذف
  48. الفصل التاسع
    غسل رزاق راسه بالماء البارد عل الصداع يهدأ. ورغم الجو المثلج في الغرفة البالية التي يقطنها منذ ترك منزل عائلته فقد غسل راسه بماء الحنفية البارد وانتظر حتى يهدأ صداعه ثم بدل ملابسه ولف حول راسه كوفية بيضاء وخرج ليتناول العشاء. في الشارع المقابل كان يوجد رجل يبيع اللحم المشوي على الفحم ويقدمه للزبائن مع أطايب أخرى. جلس على أحد المقاعد وطلب طبق ثم اطرق ينظر إلى الطاولة القذرة التي يجلس عليها بدون حراك. انتبه بعد عشر دقائق إلى صوت العجوز التي قابلها الليلة الماضية تصيح هنا وهناك. أدار راسه يمنة ويسرة وإذا به يلمحها من بعيد تسير على مهل تحمل على ظهرها كيسها الأسود الكبير وتستجدي النقود من كل من تراه فيعطيها بعضهم مالا ويطردها البعض الأخر. ركض اليها وتكلم معها: "هل تذكريني يا خالة؟" ضيقت عينيها وتفحصته ثم هتفت بصوتها المتأرجح: "لقد تذكرتك!" لم يدر أن كانت تقول هذا فقط كي لا تظهر بمظهر العجوز الخرفة أم أنها فعلا تتذكره. دعاها لتتناول العشاء معه فارتسمت ابتسامه على فمها المقوس وسارت معه بخطوات سريعة بعد أن اخذ منها كيسها وحمله بدلا عنها. أجلسها على الطاولة حيث كان الطعام جاهزا فقدمه لها ثم طلب المزيد له. قال لها: "اطلبي أي شيء وسأشتريه لك" نظرت اليه نظرة رضا وخديها قد انتفخا من كثرة ما وضعت فيهما من اكل ثم عادت لتمضغ الطعام بينما جلس هو ينتظر طعامه. بعد أن انتهت طلبت مرتين ثم اختتمت بالشاي وابتسامة راحة وشبع تعلو وجهها الكهل. سألها رزاق: "اليس لديك أقارب تذهبين إليهم؟" هزت راسها مؤكدة له: "لن اذهب حتى لو كان لدي فابنتي بحاجة إلي وانا يجب أن أجدها" سألها رزاق وهو يوسع الحديث معها: "أخبريني يا خالة عن قصة اختفائها بتفاصيل أكثر" أخذت نفسا طويلا ثم بدأت كأنها كانت تنتظر أن يسألها أحد عن الأمر: "لقد كانت بلقيس جميلة جدا. بيضاء بلون الحليب ذات شعر اسود وعيون سوداء واسعه. ككل فتاة ولدت مع أحلام كبيرة لم يكن من السهل تحقيقها. لم ترض كأختها وأخيها بالقليل بل كانت دائما تقول القليل للضعفاء ورغم إننا كنا فقراء لكنها تدبرت أمرها ولطالما أحضرت لنا المال بعملها في التنظيف في ذلك الفندق ثم فجأة اختفت. ذلك المنزل الذي يطردني منه الخنزير السمين كان بمثابة منزلها أيضا. في ليلة اختفاؤها زارتني وقد كانت سعيدة. سعيدة جدا! قالت لي أن دينا لها سيدفع. وان عملية تنظيف كبيرة تنتظرها عند سيدة غنية ستضمن لها الكثير من المال. ثم خرجت ولم تعد. اختفت ببساطة. ذهبت إلى مكان عملها لأسأل عليها فاخبروني أنها لم تاتي ذلك اليوم سالتهم أن كانوا يعرفون بامر السيدة التي ذهبت للعمل عندها فضحك الاصلع واجابني من تحت اضراسه, أن بلقيس لا تخبر أحدا بما تفعله. وهكذا أنا منذ سنوات ابحث عن بلقيس ابنتي" سالها رزاق وعلى وجهه علامات الحزن الشديد: "كم كان عمر بلقيس حين اختفت؟" أجابت العجوز: "كانت في نهاية الثلاثين ولكن من ينظر لها يعتقد إنها في العشرين. كان عودها رقيق ولم يظهر عليها العمر أبدا" شعر رزاق بالاسى الشديد لهذه المرأة وابنتها لكنه تنبه إلى انها قالت أن لديها ابن وبنت غير بلقيس فسالها عنهما واجابت: "ابنتي في الخارج سافرت إلى استراليا مع زوجها ولكم طلبت مني أن اسافر لهم لكني لن افعل بسبب بحثي عن بلقيس اما ابني فهو متزوج ويسال عني بين الحين والأخر فقد تعب من عنادي في البحث عن اخته " سالها: "لكن الا يبدو لك بعد كل هذه السنوات أن بلقيس قد تكون ماتت فلا جدوى من البحث عنها الأن" لم تجب العجوز بل نهضت وحزمت متاعها على ظهرها وغادرت بعد أن شكرت رزاق على الطعام. سالها رزاق قبل أن تذهب : "مالذي تحملينه في الكيس العملاق" اجابته: "فراش صغير وبطانية وذكريات من بلقيس ابنتي" واستدارت متابعة طريقها في برد الشتاء لا تهتم أن عصفت ريح أو زخ مطر. تذرع كل يوم شوارع المدينة بحثا عن بلقيس التي لا أثر لها ومع هذا هي لا تيأس ولا تكل ولا تمل. يال الأمهات! لو أصبح لديهن مئة طفل لا ينسين أبدا طفل خسرنه. تلك العاطفة التي يحملنها بين أضلعهن. مقدار الحب الغير مشروط الذي يناله كل طفل من أطفالهن لا يمكن لأي حب أخر أن يفوقه. حبهن لا يتقسم بل هو كامل لكل طفل. لا يمكن أن تكره أم طفلها ولو احرقها بالنار فقلبها يغفر دوما وعقلها لديه الف حجة ليعذر طفلها. انهن هبة الله لكل البشرية. النعمة التي لا يقدرها الا القليل. كل جعدة في وجه الام تحكي حكاية من الم وسهر ودمع فلم يكبر ذلك الطفل بالهين بل كبر على حساب حياة امه.

    ردحذف
  49. كان جزءا من سعادتها وجزء من تعاستها وذكرياته حفرت على تجاعيد وجهها وانسابت مع بياض شعرها. تعتقد الام أن طفلها هو بقية من جسدها موقعه قرب قلبها أن تاذى تبكي هي ضعفين وان غاب تغيب عنها دنياها فلا سعادة لها مع عضو مفقود من جسدها. فكر رزاق بحجم المعاناة التي تعانيها هذه العجوز المسكينة وهي في قرارة نفسها تعلم جيدا أن ابنتها لن تعود ولن تظهر ببساطة لأنها ليست على قيد الحياة. فكيف بمرجانة التي تعلم جيدا أن ابنها حيا ولكنه اختار تركها ببساطة. تساءل بينه وبين نفسه باسى. كم يا ترى كبرت امه في هذين اليومين اللذين ابتعد فيهما عنها. هل تشعر بفراقه كما تشعر أم بلقيس؟ شعر كانه قد مرض فانفه احمر وجسده يؤلمه وهذا بالتأكيد بسبب البرد خصوصا انه غسل راسه قبل أن يخرج بماء بارد. عاد إلى الفندق وارتمى على السرير الخرب ذو الصوت المزعج ودثر نفسه بدثارين وبدا يستشعر كل أثار الحمى كأن نارا قد اجتاحته. ظل يهلوس طوال الليل وهو يرى كوابيس مخيفة تارة عن نفسه وتارة عن اهله ولكن اكثر الكوابيس الذي جعله يرتجف ويبكي هو رؤيته بلقيس. لقد حلم بها تشبه الوصف الذي وصفته أمها وهي تمسك يده باكية وقد كانت فعلا تبدو اصغر من العمر الذي قالته العجوز . لم ير نفسه. فقط راها هي بتلك العيون الدامعه ترميه في ازبال قذره وتودعه مرغمة. قفز من سريره مرعوبا. يال هذا الكابوس المريع. لقد اختلطت عليه الأوراق وبدا عقله الباطن يلجا إلى الخطة البديلة التي عن طريقها يخرج سموم أفكاره .. طريق الاحلام. في منزل معصوم كانت رحمة لا تزال خائفة من موضوع سامر الذي كان يرن عليها وهي تتجاهل رنته. ما عساها تفعل فلا يمكن لفتاة محترمة أن تجيب هاتف رجل لا تعرفه يرن عليها بدون سبب. كانت هذه المرة العاشرة التي يرن عليها وهي تنظر فقط إلى الهاتف بدون أن ترفعه. أخيرا قررت أن تغلق هاتفها تماما فاغلقته وأخرجت البطارية منه أيضا ونامت. في الصباح اعادت تشغيل هاتفها واخفت امر الاتصالات عن والدتها. جلست مع معصوم ومرجانة لتتناول الفطور كعادتها وكما هو الحال كانت والدتها محزونة على فراق ابنها تلوك طعامها باسى ويدها تسند راسها الشائب. قالت لها رحمة في محاولة للتخفيف عنها: "امي! لقد اخبرتك انه بخير. في الحقيقة أنا أتوقع انه سيعود قريبا وسيصلح الأمر فكلنا نعرف رزاق. قلبه طيب ولكن الصدمة التي تلقاها ليست بالقليلة واي شخص مكانه كان سيثور كما ثار" ابتلعت الام ريقها ونظرت بعيون محمرة إلى ابنتها وهي تهز راسها قائلة: "أتمنى يا ابنتي لو يعود ويصلح كل ما تهدم. يعيد زوجته المسكينة إلى بيتها ويسعد قلبي وقلب والده" ابتسمت رحمة بعطف وهي ترمق والديها بنظرات ملئها الحب وقالت لهما: "سيعود وسيصلح الأمر فأخي رجل وسيتحمل المسئولية وسأقف أنا وأنتم معه كي يستعيد زوجته وحياته" صمتت قليلا ثم أكملت في موضوع أخر: "لقد طلب مني مسعود أن أبيت مع فرحة لعدة أيام ريثما تستعيد عافيتها فقد تأذت كثيرا بسبب ما حصل لها. هو يقول إن منزلهم كئيب جدا وفرحة تشعر بانقباض قلبها بسبب الوحدة " لم يعجب الأمر مرجانة فاي شيء يقوله مسعود الأن وان كان صحيحا هو سئ بالنسبة لها. هتفت بابنتها: "وله عين ابن راهي . اهان اخيك ولازال يتامر عليك. من المفترض ان تنقطعي عن زيارة ذلك المنزل فلم ينلنا منه سوى ... وجع الراس" اجابت رحمة والدتها برفق: "ولكن يا امي ما ذنب فرحة في كل هذا؟ انها مسكينة عانت الامرين بسبب ما يجري وانا اشفق عليها كثيرا. لو رايت وجهها الأصفر وعينها المحمرة بسبب الحزن. تفطر القلب" تمتمت مرجانة: "ومع هذا لم ينفطر عليها قلب المتعوس اخيها" لم تستمر رحمة في الحديث بل اتجهت الى من هو اكثر تعاطفا مع الموقف.

    ردحذف
  50. والدها. قالت له: "ما قولك يا ابي!" نظر معصوم لرحمة وقال بهدوء: "انه قرارك يا رحمة أن أردت المبيت عندهم لعدة أيام لا مانع لدي ففرحة مسكينة كما قلت وما نشعر به الأن من فراق رزاق هي بالتأكيد تشعر به واكثر على الأقل نحن نتشارك همنا ونصبر بعضنا البعض ولكنها وحيدة هناك تتكلم مع الحائط" تمتمت مرجانة بغل: "الحائط سيفهمها اكثر من مسعود الذي دمر العائلة بغبائه" لم يرض معصوم على كلام زوجته ففي النهاية مسعود ابن أخيه بيد أن اعتراض معصوم لم يوقف مرجانة التي تحمل في قلبها الأن غلا وحنقا على مسعود. قالت لزوجها: "لا تدافع عن ذلك الاحمق. انه رجل عديم الإحساس عديم الفهم لا يتحمل المسئولية. لطالما عاش حياته يحلم بينما ابني يبني ويزرع والان طرد ابني ليتمتع بتعبه وكلما جمع القوم منّاهم بانجازات خيالية سيحققها لهم والى الأن نحن من مشكلة إلى مصيبة بفضله, الحق عليك يا حاج فلو لم تتنازل له عن مكانك لكان الأن يحرث الأرض بدل رزاق" تأفف معصوم فهو لا حمل له ليسمع هذه النقاشات التي لا تجدي نفعا ولكنه مع هذا قال لها: "لقد تنازلت لأنه هددني أن يفتضح امر رزاق. الم اخبرك بالامر حينها. كنت خائفا على ابني ومسعود كما قلت احمق. اخترت أن احمي العائلة ومع هذا وضعت شرطا جعل ابنك سعيدا. الم تلاحظي نظراته لفرحة من قبل؟ لقد جمعته بها ولولا هذا الشرط لما تزوجها أبدا" نظرت مرجانة لابنتها وقالت من تحت اضراسها: "اسدي لي معروفا يا ابنتي وضعي له سما في القهوة وقدميها له قبل الفطور عله يموت ونتخلص منه. لقد حطم كل سعادتنا كي نعيش ببؤس كما يعيش هو وحيدا يقبع في ظلمات مكتبه الصغير يخطط لاحلام لن يحققها أبدا لانه لا يعرف كيف يعمل" شعرت رحمة بالاسى على مسعود فهي لا تشعر حياله بحقد يقودها إلى قتله. تنفست بعمق ثم قالت لهما: "امر أخير يا أبي وعلى ذكر مسعود فقد طلب مني أن اخبرك انه يريد أن يراك فهل تحضر إلى منزله أو تلتقيان في مكان أخر لأنه لا يريد أن يأتي إلى منزلنا والان بعد هذه المحادثة مع امي أنا أيضا لا اريده أن يأتي إلى هنا فقد تتهور الحاجة وتضع له السم بنفسها" ظهر على وجه معصوم الجدية وعقف حاجبيه سائلا: "الا تعرفين في أي شيء يريدني؟" اجابت رحمة : "لا ادري يا أبي ولكن البارحة زاره الوزير في سياراته المتخفية مع ابنه وابنته وتكلما لثلاث ساعات متواصلة وخرج بعدها الوزير سعيدا" همهم معصوم مهموما وقال لرحمة: "ساكلمه على الهاتف لارى م الخبر انت لا تشغلي بالك يا ابنتي" بعد أن انهت رحمة ما في جعبتها من أمور ودعت والديها وغادرت إلى منزل عمها حيث جمعت بعض الملابس وغادرت لتبقى مع ابنة عمها لبعض الوقت تخفف عنها وحدتها. دخلت إلى المنزل فوجدت مسعود واقفا في منتصفه وهو يحك ذقنه. سلمت عليه ثم أكملت طريقها إلى الدرج لتذهب إلى غرفة فرحها عندما سالها: "اذا ستبقين هنا؟" اجابت: "لليلة أو ليلتين ثم اعود إلى المنزل" تمعن في النظر اليها ثم تبسم قائلا: "هل لازلت تضفرين شعرك؟" تعجبت من سؤاله. اجابته وكان العجب واضحا على اجابتها: "نعم دائما ولكن لماذا تسأل؟" اقترب منها بثبات وتوقف وبينهما متر مسافة وقال: "امي كانت دائما تضفر شعرها ضفيره طويلة كانت تصل إلى ركبتها. لا ادري لماذا أنا أتذكر هذه الذكريات الأن ولكن ...

    ردحذف
  51. وسكت! تركها تنظر إلى تكملة كلامه واطرق إلى الأرض يفكر حزينا. رأفت لحاله كانه بدأ يجن بسبب الوحدة . حاولت ان تعامله طفل صغير ... قالت له مترددة: "هل تشعرك ضفيرتها بالسعادة؟" نظر لها بعيون متلألئة تجيب بنعم هو هذه الأيام يتذكر والدته كثيرا جدا وحدته قد زادت وأثرت عليه كثيرا. قالت له: "وانا أريد ان أراك سعيدا يا مسعود. انت تعزل نفسك وتقبع في ظلمة غرفتك وحيدا وهذا بالتأكيد يجلب لك غما. اشعل الضوء في غرفتك ولا تحول حياتك إلى كأبة. لا تكره عائلتك وتبعدها بل قربها منك واضحك معنا وتقبلنا بأخطائنا وعيوبنا فليس المهم المال بل المهم هذه الضحكات التي نخسرها كل يوم" صاح مدافعا عن نفسه: "أنا لا اكره أحدا! بل أنا افكر بالجميع واحب الجميع وبالذات عمي معصوم ولكن تصرفاته التي دائما ضدي تجعلني اشعر أن حبي له لا فائدة منه" ثم وفي لحظة اعتراف منه سالها: "كيف ساعامل شخصا يعتبر احلامي تفاهات. يثنيني دوما عن تحقيق ما تصبو اليه نفسي وهو الخير لكل من أنا مسئول عنهم؟ اخراجهم من دائرة النسيان التي تظل تدور وتدور في مدار حلزوني حتى لا يبقى من ذلك الخط سوى نقطة لا يراها احد. أنا يا رحمة لست الشخص الشرير في هذه العائلة بل أنا من يريد الخير للجميع. اخبريني! كيف سيعيش عمي بدون إيرادات المزرعة التي نملكها؟ كيف سنصرف على كبار العشيرة الذين ياتون إلى هنا بين الحين والأخر للزيارة؟ كيف سنزوج من يحتاج للمال؟ كيف سنساعد من يحتاج إلى المساعدة؟ كيف سنبقي على صفة الكرم التي اشتهرنا بها اذا لم يكن في أيدينا مال؟ المال يا رحمة لا يأتي فقط من العمل بل هو يأتي أيضا من التخطيط والخيارات الخطرة التي نقوم بها لننفذ تلك الخطط" نظر إلى وجهها الذي بان عليه الاقتناع بكلامه. كان من السهل على مسعود إقناع رحمة فهي تتأثر تأثيرا كبيرا بحضرته وتترك عقلها يوافق بإرادتها على كل ما يقوله ابن عمها. قالت له: "أنا فقط أريد منك أن تكون سعيدا. أنا أريد للكل أن يكونوا سعداء حتى لو ضحيت بحياتي من اجل سعادة عائلتي. وعائلتي لن تكون سعيدة بالمال فقط بل أن سعادتها ستكتمل عند اجتماعها , عندما تتقبل رزاق أخي وترجعه إلى كنف بيته وزوجته فهو لا ذنب له بما فعله غيره بل انه ضحية يا مسعود ويستحق أن يكون سعيدا في هذه العائلة ولو كنت تفكر ولو للحظة براحة أفراد عشيرتك كما تقول فيجب عليك أن تبدأ بالأقرب أولا" لم يعجبه قلبها الأوراق عليه وقد كانت دائما ذكية في جدالاتها لذا قال لها ليحسم الموقف: "رزاق ليس من أفراد العائلة ولا من هذه العشيرة، الأجدر به البحث عن المكان الذي ينتمي اليه بعيدا عن بيتنا النظيف" ثم نظر إلى ساعته وتركها تشعر بغصة من كلامه فليس هنالك أقسى من عدم التقبل. كيف يعيش المخطئ أن لم يسامحه الناس وكيف سيعيش من كان هو الخطأ بذاته. هل تلام الأخطاء أم يلام المخطئ أم يلام من دفع المخطئ ليقترف الخطأ؟ لماذا قانون البشر يسير بعكس قانون الرب فيستبق اللوم النصيحة ويستبق العقاب الرحمة ونرى دائما السن الناس تخيط أكفانا من وحل لسمعة ما وقد أمرها الله بالستر؟ وجد رزاق نفسه ذنبا وخطا فتحمل هو اللوم كاملا. انه بشر على هيئة ذنب فمن يبني مسجدا لديه حسنة جارية وهو رجل مجهول النسب فكأنه الخطأ نفسه يسير على قدمين أيحب المرء الخطأ أم يكرهه.

    ردحذف
  52. أيحب رزاق نفسه أم يكرهها. كان نائما يتلوى من الألم بفعل الحمى ولا قدرة له على الخروج من اجل الدواء وذلك الكابوس بابنة المرأة العجوز لا يزال يطارده كلما أغمض عينيه قليلا. مطابقة للصورة والوصف تماما. انه عقله الباطن يصور له تلك المراءة وما قد تكون فعلت في حياتها. أخيرا تحامل على ناره المستعرة وذهب إلى الحمام فاغتسل كي يبرد حماه ثم لبس ملابس جديدة ونظيفة غير ملوثة بلعابه ومخاطه. استلقى وقد هدأت حرارته بعد الاغتسال وبعد فينة قرر الذهاب إلى الصيدلية لإحضار بعض الأدوية الخافضة للحرارة. ذهب بعدها يجرجر أذياله متعبا إلى القهوة وطلب من الفتى الذي يعمل هناك أن يحضر له شايا ثقيلا جدا ثم جلس يأكل ساندويش همبرجر اشتراه لتوه. شعر بوهن يقتص من جسده بلا ذنب. واحتاج إلى أن يكلم فرحة فقد اشتاق اليها كثيرا. لم ينفك يفكر فيها فقد قضى معها أجمل ليالي حياته ولكم كانت مرهفة رقيقة وحبها له كان صادقا عميقا. كان خائفا من أن يقل هذا الحب بعد ما فعله لها في لحظة غضب وتهور. انه يفكر بالعودة إلى عائلته وطلب السماح منهم فلولاهم لما كان حيا .. وها هو يومين بدون امه مريض مهمل. ولولا حب فرحة له لما ذاق طعم الحب الصادق. هذه النتيجة النهائية لبحثه. احضر له الفتى الشاي فشكره رزاق وأعطاه بعض المال كبقشيش وعاد يفكر والحمى تفكر معه. في هذه الأيام التي غابها عن عائلته شعر بأهميتهم في حياته. ثم وهو يترنح نهض تاركا القهوة راكبا تاكسي مع حقيبته المبعثرة متوجها إلى القرية. وهو لايزال في ذلك الشارع الذي وجد فيه المرأة العجوز توقف سائق التاكسي وهو يصفق يدا بيد قائلا: "ازدحام والسير متوقف" نزل رزاق من السيارة متوجها إلى سيارات الشرطة التي أغلقت الطريق وسال: "سيدي هل سيستمر انقطاع الطريق" أجابه الشرطي بدون اكتراث: "ربما" سأله رزاق: "لماذا إذا الطريق مقطوع؟" أجاب الشرطي وهو يحك وجهه: "وجدنا جثة، والان ابتعد من هنا" ابتعد رزاق عائدا إلى التكسي وقد قرر أن ينام في مقعده ريثما يفتح الطريق مرة أخرى فقد دفع أجرة كبيرة للسائق. ابتلع حبة دواء وهو في طريقه إلى السيارة ثم دلفها واستكان في مكانه قائلا: "لن يطول الأمر وجدوا جثة وهم يرفعونها" همهم السائق ثم قال لرزاق: "هل تريد سيجارة؟" أجاب رزاق: "كلا ولكني سأنام قليلا فانا مريض" لم يجبه السائق فقط فتح النافذة قليلا وأشعل سيجارته فتطاير دخانها داخل السيارة أكثر من خارجها وعتم الجو بضباب ابيض برائحة خانقة. رغم إغلاق عينيه، لم يتمكن رزاق من النوم بسبب الاختناق الذي شعر به وبينما هو يحاول أن يتعايش مع قراره بعدم الخروج من السيارة لتفادي الدخان، بسبب البرد، سمع رجلا يتحدث في السيارة التي بجانبه: "مسكينة كانت عجوزا تجوب الشوارع بحثا عن ابنتها، الكل توقع أن يجدها يوما ميتة فان لم يقتلها التعب سيقتلها البرد بالتأكيد" أكد السائق في السيارة التي يركبها الرجل المتحدث: "البارحة كان الجو باردا جدا وبالذات بعد منتصف الليل تخيل يا رجل أن مدفأتين لم تكفيا في غرفتنا" وصعق رزاق مما سمع. الميتة هي تلك العجوز المسكينة والدة بلقيس. لقد تناول معها البارحة طعام العشاء وتحدث معها بشأن ابنتها وها هي اليوم ميتة. دمعت عينه عليها وأحس أن قلبه انقبض. يجب أن يتأكد من هوية الميتة. خرج على الفور وعاد إلى مكان القطع يحاول أن يرى ما يجري فصاح به الشرطي الواقف ليمنع أي أحد من تجاوز القطع: "لا تتجاوز القطع " اقترب رزاق منه وسأله: "هل نقلتم الجثمان إلى المستشفى؟" هز الشرطي راسه نافيا ولم يرد بكلام فتركه رزاق وحاول أن يرى وجه الجسد الملقى من بعيد لم يستطع بسبب الخرقة التي غطت الجسد ولكنه عرف أن الجثة هي لام بلقيس من الكيس الكبير الذي كان ملقى بجانبها لايزال على ذات العقدة المحكمة التي عقدتها هي. سمع احد الشرطة يقول للاخر: "مسكينة تجمدت من البرد" قال الأخر: "هذا هو أخر الزمان حيث يترك الأبناء ذويهم الكهلة يجوبون الشوارع للتسول بدل أن يرحموا شيبتهم ويرعونهم في ضعفهم" كان رزاق يعرف جيدا حقيقة هذه المرأة وتمنى لو أن بموتها تجد الراحة أخيرا وتلتقي ببلقيسها الضائعة. بعد نصف ساعة نقلت الجثة إلى سيارة الإسعاف وترك كيسها الأسود المتهرئ ينام لوحده على الأرض. فتح الطريق وبدات حركة السير تستعيد عافيتها بيد أن رزاق لم يذهب حتى اخذ الكيس الأسود الذي كان يخص المرأة. شعر بانجذاب شديد نحو ذلك الكيس وأحس أن عائلة العجوز قد يرغبون في استعادته لما فيه من ذكرى تربطه بحياة أمهم المسنة.

    ردحذف
  53. وصل الشيخ معصوم إلى منزل أخيه ليلتقي مسعود كما اتفقا. استقبله مسعود بوجه بشوش ممهدا لإخباره بشراكته الجديدة مع حسان المطبك. دخل معصوم وعصاه بيده تعاونه على السير فقد أصبحت حالته الصحية في تردي مستمر بعد كل الضغط الذي حصل في العائلة. قدم له الفتى، الذي أصبح مسعود يستحضره ليخدم على ضيوفه، بعض القهوة فشربها شربة واحدة ونظر إلى ابن أخيه متوجسا خيفة فهو أصبح يعرف جيدا أن لا خير سياتي من وراء أخبار مسعود هذه الأيام بالذات وهو يتخبط بين مستنقع وبركة. قال له مسعود عن اجتماعه بالوزير وكيف انتهى فاحمر وجه معصوم غضبا ورمى فنجان القهوة الثاني الذي صبه الفتي له على الأرض لتتطاير كسراته كالتراب. صرخ معصوم وقد فقد أعصابه كليا: "هذا الرجل حسان ليس سوى شر في شر ابتعد عنه يا ولدي فلن ينالك منه سوى الندامة" قفز مسعود من مكانة معارضا ما قاله عمه: "لا افهم سبب كرهك له فهو رجل محترم...." صرخ معصوم فيه مقاطعا إياه نافذ الصبر: "محترم؟ ماذا تعرف عنه انت يا مسعود؟ انه رجل لطخت يده بالمنكرات وبالدماء. لا تضع يدك في يده اسمع نصيحتي يا ولدي. لقد حاول مع أبيك سابقا ولم يفلح لان والدك يعرفه جيدا ويعرف أساليبه" لم يعجب مسعود ما قاله له معصوم فأكمل معصوم عل ما سيقوله يثني مسعود عن قراره: "أنا لا اقبل بهذه الشراكة وان حصلت فلا تلمني يا ولدي أن أعلنت رفضي لها لكل من يسألني من أبناء عشيرتنا" امتعض مسعود من كلام عمه. أن لمعصوم تأثيرا كبيرا على كبار القرية وكبار العشيرة فهو يعتبر بنظرهم الكبير بعد موت راهي وان لرأيه أهمية قصوى لديهم. قال مسعود بكراهية: "أف يا عمي ألا تريد أن تدعمني ولو قليلا في أي قرار أخذه لمصلحتنا جميعا" هز معصوم راسه وقال كأنه يتوسل بابن أخيه: "يا ولدي بتعاونك مع حسان المطبك انت تقودنا جميعا معك إلى الهاوية وسترمينا الواحد تلو الأخر من أعلاها إلى أسفلها. هذا الرجل وعائلته عبارة عن ثعابين ولدغتهم ستؤدي بك إلى العار والدمار. أنا لن أغير رأيي بهذا الأمر وأنت حر افعل ما يحلو لك ولكن لا تنتظر مني أي مباركة لهذا القرار" خرج معصوم تاركا مسعود يشب نارا من شدة الغضب. خرج خلفه وكان يصيح: "سأفعل يا عمي ولن ادع أي أحد يقف في طريقي لا انت ولا غيرك. أنا حتى لا أدرى لما أردت أعلامك بالأمر؟ لقد كانت غلطة لن تتكرر فقد أثبتت اليوم إنك شخت وانتهى وقتك يا عمي" ابتلع ريقه ومسح بيده وجهه المحمر من شدة الغضب وأكمل بصوت اعلى لان معصوم أصبح ابعد: "أنا السيد هنا يا عمي وسأصل إلى المكان الذي اطمح الوصول مع دعمك أو بدونه وسترى بعينيك كما الجميع.. من اكون" كان يلهث كأنه يجري والحقيقة انه كان يسابق خوفه وكلما ركض أسرع كلما سبقه الخوف وتقدم عليه. كان عليه العودة إلى غرفته المظلمة كي يرتاح فيها ويستجمع أفكاره فركض إلى هناك غير واع لوجود رحمه وفرحه على راس السلم تنظران اليه مبهوتتين مما فعل. قالت فرحة لرحمة: "إن أخي يمر بمرحلة مخيفة من حياته" هزت رحمة راسها وأجابت: "إنها تلك المرحلة التي تختلط الألوان فيها وتبرر الغاية الوسيلة فغاية مسعود جيدة ولكنه يريد الوصول اليها باي وسيلة وهذا يرعبني يا فرحة" عادتا إلى غرفة فرحة بينما مسعود في غرفة مكتبه يفكر بالمرحلة القادمة. يجب عليه إن يتأكد من إن حسان سيبقى على وعده له بعد إن يفوز في الانتخابات القادمة وان لا يقع في فخ مكره الذي يتكلم عنه الجميع. وان لا يسمح للوزير باستعمال قوته للتخلص منه أو سجنه. وبعد تفكير وتقليب بكل الخطط الممكنة تبسم ابتسامة خفيفة. قال بصوت واثق: "سأفعل كما فعل عمي معصوم. سأتزوج ابنتك"

    ردحذف
  54. الفصل العاشر
    وصل رزاق إلى أمام باب بيتهم متعب، راسه ثقيل بسبب الصداع وحرارته عادت للارتفاع. نزل وانزل حاجياته وأعطى سائق سيارة الأجرة ماله فغادر. وقف قليلا يتأمل المنزل وهو يراه مشوشا من شدة التعب. فتح الباب ودخل مترنحا واتجه مباشرة إلى باب المطبخ فشرب قليلا من الماء مع حبة مسكن ثم غسل وجهه وصاح بصوت متحشرج: "أمي؟ رحمة هل أنتم في المنزل" كانت مرجانة مستلقية على سريرها وحيدة في المنزل لان رحمة في منزل عمها ومعصوم لم يعد بعد من الخارج. سمعت صوت ابنها وشعرت إنها بدأت تهلوس. سمعت الصوت مرة أخرى أقرب وأوضح فقفزت من سريرها واتجهت إلى حيث الصوت لتجد رزاق واقفا أمامها بوجه احمر كالنار وعيون مطفية متعبة كطير عاد إلى عشه وقت العوز. ركضت اليه واحتضنته تقبله وتشمه. صاحت: "أه يا ولدي إن الحياة بدونك لا طعم لها ولا لون “ كانت عودته إلى تلك الأحضان هي أثمن ما يملك. يال حضن الأم ويال رائحتها. انه شيء عجيب كيف يتوق الطفل دوما إلى امه كأن رائحة الأمان التي يستنشقها وهو معها غض صغير تبقى مطبوعة في ذاكرته إلى ابد الدهر. وكأنه طفل صغير مجددا، شعر بأنفاس مرجانة وسمع ضربات قلبها وسالت دموعه. مد لها يده كبيرا كما كان يمدها صغيرا طلبا للرحمة والحب فساعدته للذهاب إلى سريره وحضرت الكمادات له بينما هي تكلم رحمة لتاتي إلى المنزل ولم تخبرها السبب كي لا تجفل. عادت رحمة بسرعة إلى المنزل لتجد رزاق فأحست بسعادة مبطنة بخوف على صحته. قامت بفحصه واكتشفت انه حمى عادية رغم شدتها فطمأنته وأمها بانه سوف يكون بخير إذا ما استراح. عادت بعدها إلى بيت عمها تحمل وجها تلون بألوان السعادة والراحة النفسية. لم تخبر فرحة بعودة رزاق فقد كانت تود إن تناقش الأمر أولا معه، وترى ما سيفعل بعد إن عاد وكيف سيعيد زوجته اليه. عاد معصوم إلى المنزل قُريب المغرب ولم يصدق عينيه برؤيه رزاق عائدا وفاضت روحه فرحا. كانت الكأبة لاتزال تعشعش في راس فرحة التي تشعر بشوق لزوجها مع خيبة امل لتركها كل هذه المدة دون حتى إن يحاول التواصل معها باي شكل. لو انه فقط رن وقطع الاتصال على سبيل التواصل سيكون إثبات على استمرارية تفكيره فيها ولكن يبدو انه يستمتع بحياته تاركا إياها وحيدة محبوسة بين أربعة جدران. تواجد رحمة معها قلل من وطأة التفكير ولكنه لم ينهيه. لذا قررت رحمة إن تأخذ ابنة عمها للجلوس في الحديقة ثم بعدها ستحضران العشاء فيجلس الجميع على مائدة واحدة يأكلون ويتكلمون. جلستا لنصف ساعة في الحديقة ولكنهما قررتا العودة بسبب البرد ثم بدأتا بتحضير الطعام. اقترحت فرحة تحضير الكباب المقلي مع الباذنجان والبطاطا وتتويج الوجبة ببعض الطماطم المحترقة اللذيذة وهكذا بدأتا التحضير. ذهبت رحمة- كما تعودت في الأيام الأخيرة من حياة عمها- إلى مسعود لتناديه للعشاء هذه المرة وليس لحمل والده فوجدته غارق في ظلمته مكفهر يفكر. قالت له مازحة: "سأناديك شيخ الظلام الآن!" لم يعجبه ما قالت وقد يكون مزاجه المتعكر بسبب والدها هو السبب. استرسلت وهي تراه يطالعها بجدية: "العشاء جاهز " هز راسه وأجاب: "لا تنتظروني فلست جائع" اقتربت منه وجرجرته من يده قائلة: "يجب إن تأكل يا شيخ الظلام والا ستبدأ بالتغذي على هذه الأوراق التي تبعثرها يمنة يسرة" تطلع اليها عاقفا حاجبيه زاما شفتيه وامسك بيدها التي تجرجر يده وسحبها أقرب فشعرت بالخوف وجفلت. قال لها: "أتغذى على الورق! وهل أنا عثة؟" هزت راسها نافية فهي لم تقصد ذلك بالطبع. قالت له وهي تدفع نفسها للخلف فيقاومها بيده ويدفعها للأمام: "كلا يا مسعود حشاك أنا فقط كنت الطف الجو" كانت ضفيرتها الطويلة قد استقرت على جانبها الأيمن بعد خرجت من شالها لطولها المفرط فجذبت انتباهه. ترك يدها وامسك ضفيرتها بيديه يستشعرها بين أصابعه. نعومتها أشعرته ببهجة فجائية وانسيابيات شكلها ذكرته عندما كان يمسك ضفيرة والدته وتحسسها بفضول. انزل أصابعه على طول الضفيرة حتى وصل إلى أسفلها حيث شعرها الكثيف احتبس تحت الخيط الذي تربطها به ثم تبعثر. قال لها وكان مزاجه قد تحسن: "ماذا على العشاء؟" أجابته وهي تدفع نفسها بعيدا عنه شاعرة بعدم الراحة مع هذا القرب: "مقليات" نظر إلى الأرض وكأنه يفكر ثم قال لها: "اذهبي انت وسأحضر أنا خلفك" أذعنت ثم سارت لتخرج فاستوقفها أمرا إياها بحزم: "ويا رحمة ... اربطي ضفيرتك جيدا في المرة القادمة فلا أريدها إن تسقط من تحت الشال فيراها كل من هب ودب" تبسمت وبرقت عيناها ثم خرجت بينما ظل هو ينظر اليها وهي تبتعد حتى غابت. ظلت عيناه معلقة بالباب وأصابعه تتحسس بعضها كأنه لا يزال يشعر بتلك الشعرات بين يديه.

    ردحذف
  55. في غرفة نوم كبيرة نسبيا خلعت وهد روبها الأبيض وجلست على سريرها وفي أذنها سماعات الأذن مربوطة بهاتفها الذي على شاشته يوجد مشغل الكتب الصوتية. تعابير وجهها مشغولة بمحتوى الكتاب التي راقتها كثيرا وانغمست تتضاحك مع مواقفه المضحكة وتنجرف مع مشاعرها تجاه أحداثه لدرجة إنها لم تسمع الطرق على الباب الخارجي حتى تعالى لدرجة إن كادت الباب تكسر. هرعت إلى الباب حيث كان سامر مقوس الحاجبين غاضب وخائف في نفس الوقت. دخل وفي يده مظروف تبدل مزاجها كليا عندما رأته في يده. قال لها وهو يرمي المظروف أمامها: "انظري إلى هذا! سيموت أبي إن راه" كانت قد أغلقت الكتاب عندما فتحت الباب والان أبعدت السماعات عن أذنها بيد مترددة ثم فتحت المظروف وهي تتنفس بسرعة. صاحت في سامر: "أين وجدته؟" أجاب بغضب: "أحدهم دحرجه من تحت باب شقتي! لا اعرف كيف تمكن من دخول العمارة من الأساس ولكني حقا غاضب لدرجة إني إن ثقفت هذا الشخص سأطعنه حتى الموت" أمسكت وهد بكتف سامر محاولة تهدئته وقالت: "هون عليك يا أخي! هون عليك" ثم تجرأت على أن تقول: "لقد استلمت أنا أيضا مظروفا مشابها ولكن محتوياته مختلفة تماما قبل عدة أيام ولكني لم أولي الأمر أهمية " نهض وهو يرعد فيها: "كيف يعني لم توليه أهمية؟ هل رأيت الصور التي في الداخل؟ هذا الشخص يعرف الكثير عنا. انه يراقبنا بشكل مخيف ويلتقط لنا الصور منذ سنين. هو لا يخاف ألا ترين كيف دخل عمارتنا بلا وجل ودحرج مظاريفه كان شيئا لم يكن" عضت على شفتيها وأغلقت عينيها ندما على إهمال هذا الموضوع وهو ليس من شيمها، ولكنها عزت ذلك لانشغالها بأمور اعتقدتها اهم. ذهبت إلى خزنتها وأخرجت منها مظروفها ثم أخرجت محتوياته ووضعتها على الطاولة. كانت أربع صور واضحة تجمع والدها بمجموعة من المطلوبين للعدالة وجلوسهم معا كان حميميا جدا كأنهم أصحاب. بينما مظروف سامر الذي أيضا وضعت صوره الأربع التي كانت أقدم بجانب بعضها. حيث جمعت أحدها الوزير بفتاة صغيرة يقدر عمرها بحدود الخامسة عشر في وضع غرامي وقد ظهر وجه الوزير واضحا جدا بينما عتم على وجه الفتاة ولم يبين ملامحها. بقية الصور هي للوزير وأبنائه في اجتماعات مع أناس لا يجدر بشخص في مكانة حسان الجلوس معهم. سالت وهد: "هذه الفتاة من تكون؟" أجاب سامر لايزال الغضب مسيطرا عليه: "وهل يهم؟" صرخت فيه أخته: "الم تقل لي إن كل شيء مهم؟ انظر إلى أبي هنا انه اصغر عمرا وهذا المكان ا ليست هذه .." وصمتت تفكر وقد اعترتها رجفة الخوف. ثم أكملت وهي ترى سامر يتمعن في الصورة مهموما: "هذه الشقة التي ماتت بها تلك المرأة" لقد كانت تذكر اسمها جيدا لكنها فقط لم تقله. استرسلت: "لا افهم لماذا يرسل لنا أحدهم هذه الصور وكيف أصلا التقطها. إن هذا الموضوع جدي يا سامر أكثر مما كنت أتصور ويجب إن نحتوي الموقف قبل إن يعلم أبي وقبل إن يخرج إلى العلن لأنه فضيحة كبيرة لن نتمكن من تغطيتها" نظر اليها سامر مطولا حانيا حاجبيه يفكر بما قالته. نظر مرة أخرى إلى الصورة التي تجمع والده بالفتاة وقربها من عينيه. تمعن جيدا في تفاصيلها. قال لاخته بعدها: "نحن لا نملك هذه الشقة بعد اليوم. لقد احرقها والدي منذ سنوات واحرق معها كل دليل على أي شيء حصل فيها. دعي الأمر لي ولا تفكري فيه فانا لدي مصادري وسأحقق في امر مرسل الصور. قد يكون شخص يريد ابتزازنا والحصول على بعض المال" لم يكن حتى هو مقتنع إن الأمر مجرد ابتزاز فمن لديه هذه الصور القديمة والجديدة بالتأكيد هو يعرف الكثير عن والده وقد سخر نفسه وموارد مالية جمة لالتقاطها. والسؤال هو لماذا الآن بدأ يرسل الصور؟ ترك سامر شقة أخته بعد إن طمأنها واخذ جميع الصور معه ثم عاد إلى شقته وكلم شخصا من الأشخاص الذين يعملون لحسابه: "اسمع أريد تنصيب كاميرا جديدة في مدخل العمارة التي اسكن فيها .... أنا اعلم إن لدينا كامرتين ولكن يبدو إن أحدهم تمكن ن تفادي الظهور فيهما... نعم هذا عائد لخلل في اختيار موقعهما.. اسمع أريد الكاميرا الليلة تعال ونصبها ولا تذهب قبل إن تتأكد إن الكاميرا تعمل بشكل جيد أريد منها إن ترصد كل من يدخل ويخرج وترسل البث مباشرة إلى هاتفي المحمول. جلس بعدها ينظر إلى خزانته العزيزة الحاوية على تمثاله المرعب. بيده الصورة الخاصة بوالده مع الفتاة الصغيرة التي لم يخبر أخته انه عرفها على الفور. لقد كانت لحبيبته الخائنة ولكن لسنوات سبقت تعرفه عليها. ارعبته فكرة إن والده اخفى عليه معرفته السابقة بها ولم يخبره عنها شيئا حتى ذلك اليوم الملعون. اخرج التمثال السيليكوني الهادئ وانحنى رافعا ثوبها للأعلى حيث طبعت وحمة حمراء كبيرة جدا على فخذها الأيسر لا يمكن إن تتكرر مرتين. لقد تاكد من رسمها في مكانها بعد ان خفت لونها.

    ردحذف
  56. لماذا لا يريد التاريخ إن يدعه ينسى ما فعلته به هذه المرأة؟ اغلق عينيه واضعا يده على وجهه بينما يده الأخرى تسحق الصورة سحقا كأنه يريد إن تبعث هي إلى الحياة فيعيد سحق عنقها من جديد. نظر إلى وجهها الذي أعاد تصنيعه بعد موتها كي يطابق سحنتها الجامدة. عيونها الواسعة ورموشها الطويلة وكل شيء فيها ملائكي لامرأة يعتبرها شيطانة. صفعها على خدها وهو يبكي وصرخ فيها: "لماذا؟ أخبريني؟ لماذا؟ انت ملعونة وستظلين ملعونة إلى الأبد. خدعتني وخدعت أبي ومن أيضا خدعت؟ أخبريني من خدعت؟ لا تنظري لي هكذا كأني السيء هنا فانا فعلت ما توجب والان وضعتك هنا كي اذكر نفسي بك. أعذبها بوجودك الدائم وبحبك وبكرهك. وقد اشتري لها تسامحا كلما رأيت قذارة أفعالك. كم من الأسرار لازلت تخبئين وكم من الناس يجب إن اقتل كي أتخلص من قتلي الأول وأتخلص منك" وضع الصورة أمام عينيها الميتتين وصرخ فيها: "انظري! انت هنا مع أبي في هذه الصورة. فاجرة!" وصفعها مرة أخرى ثم جردها من ثوبها الأبيض الذي كانت تلبسه واحضر سوطا يضعه على الحائط وأشبعها ضربا بالسوط. كان يضرب بكل قوة ودموعه تتساقط على جسدها الخالي من الحياة كان يحملها ذنوب كل ما يفعله الآن. كل قتلة ارتكبها كان يخبرها بها يوميا ويحملها اللوم ويرتاح لصمتها المطبق وهي تنظر له يفرغ لها ما في جعبته من حديث. أكمل ضربها وهي لا تصدر حتى آهة صغيرة فقد استسلم جلدها المتقطع لسياطه. قال لها وهو يجلس القرفصاء على الأرض: "دعيني انقل لك خبر أخر من أزهقت روحها، انت تعرفينها جيدا جدا. لقد المتني كثيرا يا لعبتي الصغيرة وحتى بعد موتك.. تستمرين بإيلامي وانا سارد لك الكيل كيلين. أخبريني قبل إن أعيدك إلى ظلام الخزانة، كيف يشعر من ماتت امه؟ هل يؤلم فقدانها أكثر من فقدان الروح نفسها؟ هل انت حزينة على غيابها أكثر من حزنها على غيابك؟" ورفع راسه ووجهه كوجه مجنون ارتسمت عليه ابتسامة مخيفة وعلى عينيه ظهرت خزرة متألمة ونظر نظرة أخيرة إلى الوجه الجامد وخيل له إن الوجه قد عبس تألما. حملها بعد أن البسها ثوبها ثم أعادها إلى الخزانة لتبقى حبيسته إلى الأبد. نظر إلى الساعة وقد تجاوزت منتصف الليل. اخرج ملابس عادية وحذاء رياضيا ثم خلد إلى السرير بعد انت تأكد من ضبط منبهه على الساعة السابعة صباحا فغدا الاثنين ويجب إن يقوم بواجبه تجاه كل من يحتاج إلى التبرع بالدم. استيقظ على صوت المنبه الذي ضبطه وكأن حياته ابتدأت من جديد. ابتسامة مشرقة ارتسمت على وجهه وبعد إن اخذ حماما وتناول فطورا دسما أعدته له الخادمة- التي تشرف على خدمته وخدمة أخته يومين في الأسبوع – بدل ملابسه المختلفة تماما عن ملابس العمل فتحول إلى إنسان عادي من يراه لن يصدق انه سامر حسان المطبك الذي يهابه الكثير.

    ردحذف
  57. دقق جديا في مظهره ورش رشة عطر رجالي ثم غادر راكبا سيارة عادية جدا إلى القرية . وصل حوالي التاسعة إلى مكان قريب من المستوصف الذي تعمل فيه رحمة يوم الاثنين. استيقظت رحمة من نومها متأخرة وقد كانت فرحة تغط في نوم عميق بجانبها. نهضت على أطراف أصابعها ثم غسلت وجهها وتوجهت إلى المطبخ لتجد إن القهوة حاضرة وإبريق الشاي أيضا جاهز. تساءلت عمن قد يكون حضرهما فلا يعقل إن مسعود قد فعل. ولكن استنتاجها كان خاطئا لان مسعود بالفعل قد حضر القهوة والشاي. دخل المطبخ و رآها تتفحص ما صنعت يداه فقال لها: "اليوم اثنين يجب إن لا تتأخري على حملاتك الخيرية" نظرت له متعجبة بصمت وهي تراه قد لبس كامل هندامه متحضرا للخروج. قالت له وهي تضع المقلاة على النار: "هذه أول مرة تذكر فيها يوم الاثنين مما يثير في تساؤلات مرعبة" وتذكرت عندما نعتت فرحة اخوها بانه شيخ الظلام وضحكت فقد ذكرها الاسم بامير الظلام او دراكولا مصاص الدماء. أجابها: "لا تخافي أنا لن أتبرع بالدم. أنا فقط سأوصلك إلى هناك. سأفعل ذلك من الآن وصاعدا" استدارت عليه مبحلقه عينيها بيدها اليمنى بيضة دجاج وباليسرى ملعقة تساعدها على كسرها. لم تصدق ما تسمع! سيوصلها إلى المستوصف كل اثنين؟ ولكن لماذا؟. قالت: "أنا اذهب إلى ذلك المستوصف لوحدي منذ إن بدأ عمي هذا العمل وكنت اذهب لوحدي اغلب الأوقات وفي حياتك لم تعرض علي إن توصلني إلى هناك أو أي مكان ولو على سبيل المجاملة، مالذي حصل الآن؟" جلس على الطاولة المستديرة الموضوعة في المطبخ وقال لها: "هل ستتركين الزيت يحترق أم إنك ستطهين هذه البيضة لناكل؟" وبالفعل قد بدأ الزيت ينشر دخانا زيتيا يرتفع من حواف المقلاة إلى الأعلى فرفعت المقلاة عن النار حتى تبرد قليلا ثم أعادتها ووضعت فيها كل البيض الذي أعدته. كان هو قد وضع بعض الجبن المصنوع في القرية والقيمر الدسم على الطاولة مع عسل النحل الأصلي الذي ينتج في المزرعة من نحل المزرعة وكذلك دبس التمر الذي يصنع من تمر البستان الذي يملكونه مع مربى التين الأسود الناضج. وضعت صحن بيض عملاق في منتصف الطاولة وقالت له: "سأوقظ فرحة قبل إن يبرد البيض" وذهبت تهرول إلى غرفة فرحة في الطابق العلوي تذرع الدرج الخشبي المتوسط العلو بينما مسعود يطالعها من الخلف ليرى إنها قد أخذت بنصيحته وخبأة ضفيرتها جيدا هذه المرة. تبسم وهو يرى منها ذلك الإذعان ثم عبس وجهه وهو يتذكر سامر واقف يتحدث معها بأريحية يسألها عن يوم الاثنين. ها هو اليوم سيذهب معها ويقضي اليوم بأكمله في ذلك المكان المعطر برائحة المعقمات والأدوية والإبر والمرضى فقط كي يحميها من ابن الوزير الذي سمع قليلا عن علاقاته بالنساء. تناولت العائلة فطورها وسط إعجاب فرحة بأول يوم لأخيها في المطبخ. كانت مندهشة عندما أخبرتها رحمة ألا تلومها إن كان الشاي والقهوة محترقين لان مسعود من صنعهما واندهاشها زاد فور تذوقها لما صنع مسعود وطعمه الطيب. بعد الفطور خرجت رحمة مع مسعود في سيارته ليوصلها إلى المستوصف. كانت تتوقع إن يقتصر الأمر على إيصالها بيد انه فاجأها ببقائه أيضا بحجة الاطلاع على مجريات العمل. في الحقيقة كان عليه إن يبدا بمعرفة ما يجري من العمل على ارض الواقع فهو لن يستطيع الاعتماد على غيره طويلا وسيتأسى بوالده الذي كان يتابع كل شيء عن كثب. اقترب وقت الظهيرة ومسعود أخيرا شعر بالملل فقط كانت أعداد الحاضرين للتبرع قليلة هذه المرة وانشغلت رحمة بمساعدة احدى الممرضات اللاتي تعرفهن بينما جلس مسعود يطالع ساعته بعد إن انتهى من معرفة كل ما يحتاج معرفته في نصف ساعة.

    ردحذف
  58. نهض من مكانه وبدأ يجوب الغرفة الصغيرة ذهابا وإيابا ثم أخيرا قرر إن يطلب من رحمة العودة معه إلى المنزل. رفضت رحمة طلبه معلله إن المكان يجب إن يظل مفتوحا حتى الواحدة وقد يأتي شخص ما قريب وقت الإغلاق. اضطر إلى إن يتركها ويغادر بعد إن شعر بان سامر لن يظهر اليوم فركب سيارته وأخبرها انه سيقللها في تماما الواحدة. أجابت: "لا تتعب نفسك يا مسعود فانا لست طفلة وبإمكاني العودة إلى المنزل بمفردي. بالإضافة إلى إن المسافة من المنزل إلى المستوصف ربع ساعة سيرا وانا حقا لا افهم سبب كل ما تفعله" عبس في وجهها وبحزم أنهي النقاش: "كلميني وبدون نقاشات لا فائدة منها" ثم حرك السيارة وغادر. في القهوة القريبة من المستوصف كان سامر جالس ينتظر مغادرة مسعود الذي راه يوصل رحمة صباحا. دفع الحساب وغادر متجها إلى المستوصف حيث التقى برحمة. كانت متفاجئة جدا لرؤيته ولم تضع في بالها موضوع مجيئه بل نسيته كليا. أجلسته على السرير الخاص وطلبت منه إن يرتاح بينما بدأت هي عملها. قالت له ملاطفة إياه: "يقول الجميع انهم لا يشعرون بوخزة الإبرة عندما أقوم أنا بالعمل، واليوم كانت أعداد من حضر قليلة لذا بقيت لوحدي وقد يكون هذا من حسن حظك يا أستاذ سامر" ابتلع ريقه وأجابها وهو في الحقيقة مستمتع بقربها منه وحديثها معه: "أنا أيضا لم اشعر باي شيء. إن يديك كيدي الملاك " احمرت وجنتاها من كلامه وشكرته بينما هي تطالع أنبوب الدم يوصل الدم من يده إلى القارورة الخاصة بحفظ الدم. أكمل وهو يطالع عينيها الناعستين: "اعتقد أنى سآتي إلى هنا كل اثنين فقط كي أراك تتبسمين" زاد خجلها من كلامه وأجابته بصوت خفيض: "يجب إن تأتي لمساعدة الناس وليس لشيء أخر يا استا..." وقاطعها بهدوء وهو يصطنع حركات مضحكة: "ناديني سامر فقط، أرجوك والا سأزعل وسيؤثر ذلك على جودة الدم" ضحكت على نكتته وجلست تراقب عملية النقل فاغتنم الفرصة وبدا يتكلم: "أخبريني يا رحمة.. هل انت مرتبطة بابن عمك مسعود؟" وحملقت في وجهه فسؤاله غريب جدا وهي لا تعرفه جيدا لتجيب عن أسئلة شخصية كهذا السؤال.

    ردحذف
  59. قالت له: "أنا لا أتكلم عن حياتي أثناء العمل" شعر بعدم ارتياحها لذا غير الموضوع قائلا: "أرجوك اعذريني فانا ليس في نيتي سوء! أنا فقط أردت تجاذب الحديث معك لتمضية الوقت الذي يسير ببطء شديد، دعيني أحدثك إذا عن نفسي " شعرت بالضيق قليلا من عدم تكلفه معها وشعر هو إنها ليست كباقي الفتيات اللاتي اعجبنه سابقا. إنها كما قالت له أخته "ابنة شيوخ" وخامتها مختلفة عن خامة الفتيات اللاتي يلتقيهن في النوادي والملاهي التي يرتادها أينما حط الرحال. انتهى من التبرع وكان تبرعه على مرحلتين حيث أعطى 450 مليلتر ثم أصر على إعطاء 450 مليلتر أخرى كي يبقى لفترة أطول مع رحمة. بعدها جلس ليشرب كوب عصير برتقال ويأكل بعضا من الحلوى الذي وعدته بها رحمة. قال لها: "لقد أعجبتني هذه الحلوى كثيرا. انت لن تصدقي إني لم أكل بمثل طيبتها في حياتي" تعجبت من قوله وسألته وهي ترتب الأغراض: "حقا انت تشعرني بالخجل بكلامك؟" ثم نظرت اليه على وجهها علامة استفهام وقالت له: "كيف لم تتذوق هذه الحلوى الشهيرة إلى الآن؟ ضحك وقال متفلسفا: "كثير من الأمور الرائعة نتخطى استكشافها لسبب أو لأخر ولكن عند استكشافها نتمنى لو إننا ما عشنا قبلها" لم يكن يمثل كلامه أي معنى بالنسبة لها لكنه كان يقصد الكثير مما يتعلق بحياته وما عاشه وما فعله. كانت الساعة على أعتاب الواحدة وحضرت احدى الممرضات الرسميات في المستوصف لتجمع أرطال الدم التي تم التبرع بها ثم أغلقت العيادة الصغيرة في تمام الواحدة بالضبط حيث خرج سامر ورحمة إلى خارج المستوصف وقد اعتقدت انه سيذهب في حال سبيله لكنه قال لها: "سيارتي قريبة دعيني أوصلك" شعرت إن هذا اليوم هو يوم التوصيل العالمي فكل من يراها يريد إن يوصلها إلى البيت رغم إن البيت لا يبعد كثيرا وبإمكانها إن تسير اليه ككل مرة. شكرته بلطف ولباقة معتذرة عن ركوب السيارة معه فأصر على مرافقتها إلى البيت فرفضت قائلة: "لا يمكنني السير معك يا سامر إلى البيت. ماذا سيقول الناس عني وأنت ترافقني " لم يكن من عادته تقبل إن يسمع كلمة لا ولو لم يكونوا في قريتها لكان رده اختلف عما قاله: "اسف فانا غرضي شريف صدقيني وأردت فقط إن أشكرك على لطفك معي في العيادة بإيصالك إلى البيت"

    ردحذف
  60. هزت راسها متبسمة وقد شعرت وهي تنظر إلى نظراته الخائبة ونبرته المحملة بالذنب بالاسى. أجابت: "أنا لم أقم سوى بعملي وابن عمي مسعود سياتي لإيصالي على أية حال" امتعض مما سمع. بالتأكيد مسعود علم بمسالة حضوره هذا اليوم عندما راه ذلك اليوم يتكلم مع رحمة. هل هو ينافسه أم هذا خوف على ابنة عمه من ابن الوزير. زاد تدخل مسعود من إصرار سامر على البقاء مع رحمة ففي الحقيقة مسعود لا يخيف سامر على الإطلاق بل إن مسعود من يجب إن يخاف سامر. بينما كان يتناقش مع رحمة وصل مسعود بسيارته وقد أكله الغضب وترك فيه القليل من الحجا. شعر بنار تحرق وجهه وعينيه ونزل من السيارة في عاصفة ودفع بيديه سامر بقوة مبعدا إياه عن رحمة المصدومة بفعل مسعود. صرخ: "ماذا تفعل هنا؟ متى أتيت؟" قالت رحمة متوسلة بمسعود: "لا تتعصب يا مسعود انه فقط جاء ليتبرع....." قاطعها سامر وقد أثارته عصبية مسعود وزاد من عصبيته ببروده مقابل هيجان مسعود: "لا بأس يا رحمة يبدو إن مسعود فهم الأمر خاطئا" طلب مسعود من رحمة الذهاب إلى السيارة فأذعنت كي لا تفتعل فضيحة مع مزاج مسعود الغاضب. اقترب مسعود من سامر الذي كان يتبسم بسماجة وهمس له: "لا أريد إن أراك قرب رحمة لأي سبب كان فهي محجوزة " سمعته رحمة عندما قال "محجوزة" وزادت صدمتها على صدمة الموقف الذي حصل بينما سامر لم يهتم مطلقا باي شيء فعله مسعود. غادر مسعود ورحمة والسيارة تكاد تنقلب من شدة غضب مسعود رغم سكوته وعدم تطرقه للموضوع كان واضحا انه منزعج بشدة ولم تفهم رحمة مالذي يجري. أخذها كل شيء على حين غفلة ومسعود وتصرفاته التي لا تفهم منها شيئا. وصل مسعود ورحمة المنزل ولم ينظر لها ولا حتى نظرة فشعرت بالسوء. قالت له: "مسعود أرجوك! اسمعني لا تسر هكذا وتتركني في متاهة أفكاري. لقد سمعتك عندما قلت له محجوزة. مسعود!" وركضت خلفه بينما سار هو بخطواته السريعة المنفعلة إلى المنزل وهي تتبعه راكضة تحاول الحصول على جواب وكل ما تحصل عليه غضبه العارم وأنفاسه المتسابقة. صاحت مرة أخرى: "مسعود! لقد كان فقط يتبرع احلف لك بتربة جدي وعمي. أنا لم افعل شيئا خاطئا. حتى انه أراد إن يوصلني إلى البيت ولكني رفضت وقلت له إنك ستاتي. أنا لا أريد إن أفقد ثقتك ولا أريد منك إن تنفعل بلا سبب" كان راسه يدور ويدور وكثير من الغضب يشحن عواطفه. توقف فجاءة فتوقفت هي وقد دمعت عيونها كأنها مدانة بذنب لم ترتكبه. من السهل جدا إن يعتقد الناس سوءا باي شخص ومن الصعب جدا الغاء هذه الفكرة على عكس الأمور الجيدة، فليس تذكرها سهل ونسيانها يكون كلمح البصر. قالت وهي تلملم شتات دموعها وتشهق بهدوء غير مسيطرة على نفسها: "لماذا تعاملني بهذا التناقض. الست أنا من عائلتك؟ اليس عليك إن تقف ولو قليلا لتسمع مالدي وتؤمن بصدقي وثقتك بي تكون محسوبة بعدد المرات التي استحققتها بجدارة؟ مسعود انت تبعد الجميع عنك بطريقك تعاملك. زمن الشيوخ انتهى والان نحن نعيش بعصر أخر. انت لست ملكا في قبيلة ولا أنا أميرة فيها بل انت رجل عادي يقود قليل ممن استمر على نهج القدماء. لا تعامل عائلتك بتعالي يا مسعود فلو فقدتهم لن يبقى لك شيء في هذه الحياة" كان ينظر لها شزرا وهو يستمع لمحاضرتها التي أخرجت فيها كثير مما تخبئ بين جوانحها. قادتها محاضرتها الصغيرة بعيدا حتى عن الحادث الصغير الذي أدى إلى المحاضرة. قال لها بنبرة متألمة وصوت خائب: "اعتقدت إنك الوحيدة التي تفهميني يا رحمة. والان انت كالباقين لا فرق بينك وبين عمي. أنا خائف عليك من سامر لأنه ليس رجل مستقيم. عنكبوت ينصب شبكته أينما حل وأنت يا ابنة عمي. انت فراشة تحمل كل الجمال الذي من الممكن إن تحمله أنثى. لا أريد منه إن يكسر لك جناحيك ويتركك للموت البطيء تتعلقين بشبكته بينما يلتهم روحك" ثم تركها متهالكة على أريكة قريبة تشعر بانها مخطئة كعادتها عندما يحملها ذنبا لم تقترفه ويجعلها تصدق بكلماته الحانية إنها هي سبب مشاكله.
    نهاية الفصل

    ردحذف
  61. الفصل الحادي عشر
    ورحلت...
    تاركا خلفي دموعك وانتصار الحزن ما بين ضلوعك
    ورجعت... اطلب الغفران من ذنبي.. وأرجو طيب عفوك
    أ يا ام السماحة وميراث الأطايب إن اصل العفو من شيماء جدك
    فانا الأرض بعد أن جف ترابي وقد جار التعب من بعد بعدك
    سامحيني... واعذري حزني فقد جن الفؤاد راضيا كسري وكسرك
    فتح رزاق عينيه شاعرا بضوء الشمس المتمركز في نقطة فوق راسه. كانت لاتزال حرارته اكثر بقليل من الحد الطبيعي ولكن زال الصداع عن راسه وصفى فكره. نظر إلى الساعة الدائرية البيضاء المعلقة أمامه، فتأكد انه نام كفاية كي يرتاح وهو مستعد لمناقشة كل خططه التي ينوي تنفيذها بعد نومته السخية. جلس قليلا على سريره وقد اجتاحته ذكريات فرحة. نظر إلى الجانب الأخر من السرير والذي أخبرته زوجته في صباحية زفتهما انه سيكون جانبها محذرة إياه من إن ينام عليه بطريق الخطأ. ارجع ظهره ونام على ذلك الجانب من السرير وهو مغلق عينيه. شعر بغصة في حلقه تمنعه من التنفس وسال دمعه مدرارا على جانبي وجهه والتصق بالوسادة. انه يريد منها العودة إلى المنزل. قلبه يطلبها بشدة واحتياجه لها في هذا الوقت شديد. يريد لحياته أن ترجع إلى سابق عهدها بسيطة وسعيدة وهذا لن يكتمل إلا بفرحته. نظر إلى كفه التي صفعتها وعاد إلى تلك اللحظة التي لمس فيها خدها لا ليحنو عليها بل ليضربها فكسر وعده لوالده ولها بان لا يؤذيها فأذاها وان لم تكن الصفعة هي الأذية الوحيدة فقد زالت أثارها الجسمانية لكن أثارها النفسية لن تزول أبدا لان فرحة ستظل تتذكر تلك اليد التي من المفترض أن تمُد لتحتضنها وتحميها مدت لتوجعها. سمع صوت خطوات قادمة باتجاه غرفته فخمن أنها مرجانة. مسح دمعه وجلس من جديد على سريره ينظر إلى الباب. دخلت مرجانة وتهلل وجهها فرحا برؤيته مستيقظا بحال أفضل. وقفت بمحاذاته وحشرت راسه في صدرها تحتضنه بقوة وتحمد الله على سلامته ثم جلست بجانبه وهي تمسح خده وتبعد شعره للخلف كأنه طفل صغير ثم قالت: "سيعود كل شيء إلى سابق عهده وسننسى ما حصل وعائلتك ستقف بجانبك إلى الابد يا ولدي. لا تغتم وليُشرح قلبك بالأمل" أجابها مكتئبا وهو يشير بيده: "لن تكتمل عائلتي يا أمي إلا بنوم فرحة على هذا الجانب من السرير" هزت الأم راسها بثقة قائلة: "ستعود يا ولدي ففرحة تحبك وقد أخبرتني رحمة عن عذابها لفراقك لكنك تعرف أن نساء هذه العائلة لديهن عزة نفس وستتدلل عليك قليلا قبل أن تعود. انت فقط لا تفقد الامل وتمسك بها يا بني كما تمسك أبوك بي فقد فعل كل شيء ليبقي العائلة قوية ومتوحدة" هز راسه وقال: "لنذهب إلى بيتهم ونعيدها " اتفقا على الذهاب بعد الغداء وذهبت مرجانة تحضر الطعام بينما جلس ابنها ينظر إلى الكيس الأسود الموضوع في غرفته وقد نسيه تماما. بالتأكيد قد أحضرته العائلة من حيث تركه ووضعوه في غرفته ظنا منهم انه كيسه الخاص. اقترب من الكيس يطالعه بفضول وهو يتذكر تلك السيدة المسكينة التي كان بحوزتها. ما حصل لها كان مأساة! فتح الكيس المغلق بأحكام فتطايرت منه رائحة كريهة اغلق انفه بسبابته وإبهامه ليتفادى الرائحة ثم بعثر محتوياته برفق فلم يكن فيها غير بطانية قذرة ممزقة من عدة أماكن وبطانية أخرى يبدو إنها أجدد من سابقتها وبعض الملابس السوداء الخاصة بكبيرات السن وفردتي حذاء اسود بلاستيك قذرة وعلبة لبن رائب نظيفة فيها بعض الأشياء.

    ردحذف
  62. فتح رزاق علبة اللبن الرائب فوجد فيها صور طويت ووضعت حشرا في العلبة. كان يوجد خلف كل صورة تاريخ وكلمات مقتضبة تصف الصورة فطالع الصور جميعها وزاد شعوره بالاسى على هذه العائلة التي فرقها الزمن. كانت احدى الصور تجمع جميع أفراد عائلة العجوز يجلسون في متنزه مشمس حيث كانت أعمارهم صغيرة وبدت العجوز في الصورة أصغر بكثير وزوجها طويل اسمر يبدو عليه الهيبة والاحترام وابنتها الكبرى التي خمن إنها بلقيس كانت في تلك الصورة بعمر العاشرة بينما ابنها وابنتها الأخرى كانا صغيرين بالكاد يسيران. ثم نظر إلى صورة كانت الأخيرة بين الصور وهي تجمع بلقيس برجل يضاعفها سنا لم يتبين ملامحه فقد لُطخ وجهه بالحبر عن عمد كي لا يتم التعرف عليه. كانت بلقيس في الصورة تلبس ملابس فضفاضة وعلى وجهها أثار التعب والبكاء تجلس في حديقة خاصة مع الرجل ومن الواضح أن الصورة التقطت بدون علمهما. كتب خلف الصورة تاريخ ومعه كلمات تم أيضا طمسها بالحبر. لم يهتم رزاق كثيرا بالصور فهو يعلم جيدا أن بلقيس حصلت على ما كانت تتوقعه تماما من سلوكها طريق المنكر الذي افترضه من قصتها التي سمعها من والدتها. أكمل جرد الأغراض وقد كانت كلها قذرة ورائحتها عفنة ولم يحصل منها سوى على الصور ورقم هاتف كتب أمامه اسم بدون لقب... رائد. وضع الرقم في هاتفه ووسمه بالاسم وبملاحظة ليتذكر فيما بعد أهمية الاسم اذا احتاجه واحتفظ بالصور بينما اخذ بقية الأشياء التي تخص العجوز ورماها في الأزبال فهي لن تكون ذا نفع لعائلة العجوز على الاطلاق. ذهب بعدها لوالدته التي كانت قد حضّرت الطعام واكل ثم عاد إلى غرفته وبدل ملابسه بينما تحضرت مرجانة وهي مستبشرة بعودة الأمور إلى سابق عهدها. استعجلت معصوم ليعود من جولته على إصطبلات الخيول كي يتأكد أن البرد لا يتسلل إلى ما يملكونه من حيوانات. في تمام الثالثة كان الثلاثة يسيرون بهوادة إلى منزل راهي. لبس رزاق دشداشته البيضاء التي تحبها فرحة رغم إنها تجعل وجهه أكثر اسمرار. كانت لحيته قد طالت بعد كل الأيام التي لم يحلقها فيها فتركها تحكي حكاية المه لكل ما جرى له في الأيام السابقة. وصلوا إلى باب المنزل وقد كانت رحمة تعلم انهم سيأتون ففتحت لهم الباب فور أن طرقوها. كانت فرحة في المطبخ تراقب قدرا ممتلئا بالماء الفائر والباستا على النار بينما أدخلت رحمة عائلتها وذهب لتنادي مسعود الذي كعادته جالسا يراجع بعض الأوراق في مكتبه المظلم. قالت له رحمة مترددة: "أبي هنا وهو يريد الحديث معك" رفع راسه من على الورقة التي كان يطالعها وبحلق قليلا فيها ثم نهض بدون أن يتبادل معها حديثا. كان قلبها يطرق طرقا فبمجرد أن يرى مسعود رزاق سيجن جنونه وسيفتعل معركة ثانية ودعت الله أن يكون مزاجه قد تعدل بعد المعركة الأولى مع سامر والتي انتهت على خير. فور أن سمعت فرحة صوت عمها وزوجته ركضت لتسلم عليهما فتفاجأت برزاق يجلس واضعا راسه بين يديه ينظر إلى الأرض. تراجعت قليلا ولكن فات أوان هربها من أمامهم دون أن يرونها. صاحت لها مرجانة: "فرحة يا ابنتي انظري من جاء اليوم اليك" حملقت فيه فرحة بينما هب هو واقفا ينظر لها باشتياق. قال قبل أن تتفوه باي كلمة: "فرحة سامحيني!" قاطعه وصول مسعود الذي صرخ فور رؤيته: "الك عين يا رزاق لتطأ عتبة هذا البيت" ثم خزر رحمة بعنف لاويا فمه بغضب. أشار إلى الباب امرا: "اخرج لا مكان لك ...." وتقدم معصوم مادا عصاه الطويلة ناحية مسعود صائحا فيه: "يكفي! اليس لك كبير يا ابن راهي؟ يكفي الآن صياحا واستمع لما يريد رزاق قوله ثم دع صاحبة الشأن تقرر" ضيق مسعود شفتيه غضبا ورد على كلام عمه: "يا عمي لا تختبر صبري فانت في بيتي" رفع معصوم يده اليسرى ليسكت مسعود وبغضب أشعل وجنيته قال: "هذا الأمر ليس بشأنك انت بل بشأن ابنتي فرحة فدعها تستمع لزوجها وانا متأكد انه سيفعل اللازم ليعيدها إلى بيتها ملكة" كان الجميع يراقب الحديث الذي جرى بين مسعود ومعصوم وقلوبهم وصلت إلى حناجرهم فهم هنا ليصلحوا لا ليخربوا. أخيرا رضي مسعود بالسكوت على مضض تاركا رزاق يتكلم: "يا فرحة كانت تلك المرحلة من حياتي صعبة كثيرا ولكن الأمور الآن قل التباسها. لم أتمكن من السيطرة على مشاعري وقتها وتركتك كما تركت عائلتي ولكني الآن نادم صدقيني نادم وأريد منك أن تعودي إلى المنزل معي أعدك أمام كل من في هذه الغرفة معنا إنني لن أتركك مرة أخرى" لم يلق ردا منها كانت تبكي بحسرة. كانت تريد العودة له ولكن خوفها من أن يتركها مرة أخرى وعزة نفسها بعد الصفعة التي شكلت جرحا في جبهتها ولازالت أثارها بائنة. اقترب منها فعادت لها ذكرياتها معه. ذلك القرب الدافئ. في توجهه ناحيتها توجه للحب والحياة.

    ردحذف
  63. ألوان من العاطفة تتزين بوشاح دنيا جديدة تغلفها بغلاف من الخدر. ابتعدت عنه. اتجهت إلى مسعود ففي بروده ستجد بعضا من القوة لمواجهة ذلك الدفيء المنبعث من رزاق. وقفت خلف مسعود بينما انتابت رزاق عاصفة من الخيبة والحزن. مالذي فعله بامرأته كي تهرب منه خوفا. كيف وصل الحال به إلى عكس الطريق الذي ود أن يسلكه في علاقته بها. رنا ناحيتها وهي دامعه ونظرة الحيرة تعتلي مقلتيها الحمراوين ولمح سحجا رماديا ظهر جزءا كبيرا منه من تحت شالها الأسود الطويل. لقد كبرت كثيرا بتلك العيون الباكية وزاد السواد تحتهما من بؤسها والمها. نظر لكل الوجوه التي تنظر باسى لهما ثم وقف عند وجه مسعود المتحدي إياه على أن ينال عودة زوجته بعد كل الأيام التي شحنها هو ضده. طأطأ راسه فتكلم معصوم قائلا: "ما هذا الذي أراه يا فرحة؟ زوجك هنا ليعيدك إلى المنزل فاذهبي واجمعي أغراضك ويكفي " قال مسعود: "اعتقد يا عمي أن رزاق قد اخذ جوابه وقد حان وقت رحيله. أنتم أن أردتم البقاء وتناول الطعام معنا فهذا عائد لكم أما هو فليس مرحب به في هذا المنزل" قال رزاق وهو يتناوب على النظر إلى وجه فرحة المتردد الحزين ووجه مسعود المتحدي المنتصر: "سأذهب الآن يا فرحة.. دعيني فقط أخبرك أن حزني عندما علمت أن والدتي هجرتني لا يصل لحزني وانا أراك تهجريني بهذا الشكل، اعتقدت أنك ستكونين أكثر تفهما وتسامحا. ولكن يبدو أنك تريدين عوضا لجرح هامتك" ثم ذهب إلى المطبخ وعاد وهو يحمل في احدى يديه القدر الذي كان على النار وفيه الماء المغلي والباستا بينما يده التي ضربها بها متأهبة وجاهزة للعقوبة. قال: "قبل أن اخرج يا فرحة دعيني أعاقب نفسي ولتكن واحدة بواحدة" في جو مشحون بالتوتر وعيون ممتلئة بالخوف وعلامات الاستفهام تتقافز امامها لم يدر أحدا ما سيفعله رزاق ولم يخطر على بال احد أن هذا الرجل قد فقد توازنه العقلي في هذه اللحظة الحاسمة كل القلوب تخفق وقلب فرحة يحذرها من مغبة تمنعها عن زوجها. رفع راسه وعينيه مثبتتين على وجه فرحة وتنفسه يتعالى ودشداشته البيضاء تحدد معالمه المصرة على الفوز أمام مسعود واقفا بوجهه الأسمر يعيد سؤال نفسه هل حقا ستصل إلى هذا الحد من الجنون؟ رفع يده التي لا تحمل شيئا ثم غمرها في القدر الساخن وهو يصرخ بصوت يقطع القلب وعينه لازالت تنظر إلى فرحة باستسلام.

    ردحذف
  64. انقض عليه مسعود وقد أرعبه ما فعل فابعد يده عن الماء الحار بغترته. وحنى وجهه للخلف ليحتمي من البخار المهلك المتصاعد من القدر. أسقط رزاق القدر من يده ناثرا ماءه الحار في كل مكان بينما ركضت اليه أخته وفرحة تمسكانه فقد تهالك على الأرض من شدة الألم. امسك مسعود رزاق بقوة حيث غاب عن الوعي تماما فحمله بمساعدة رحمة ووضعاه على الأريكة. صرخت مرجانة والألم يعتصر قلبها: "يا ولدي الحبيب مالذي فعلته بنفسك" ولطمت فرحة على وجهها وهي ترى وجه رزاق قد انقلب إلى لوحة الم وتهاوت بجانبه تبكي وتنوح وتعتذر، بينما لم يجد معصوم ما يقوله فانحني على جسد ابنه يقبله مكتفيا بالتسبيح وعينيه المرعوبة معلقة به. بدأت رحمة بفحص يد رزاق بحكم خبرتها كممرضة. صاحت رحمة بصوت باكي بعد أن رات اليد: "يجب أن ينقل إلى المستشفى حالا" ثم حاولت تحريكه فدفعها مسعود وهو مرتعب مما حصل وقال بصوت خفيض: "سآخذه أنا إلى المستشفى" ثم حمله بين يديه بينما تبعه معصوم طالبا من النساء البقاء في المنزل. بقيت الثلاثة تبكين بينما كانت مرجانة تلعن فرحة ومسعود بين الحين والأخر بصوت مسموع فتتغاضى فرحة عما تسمعه وتعود لبكائها. قالت لها رحمة غاضبة: "الم يكن من الأفضل لك أن تتفادي هذه الدراما التي سببتها لو كنت فقط على قدر قليل من التسامح" صاحت فيها فرحة تدافع عن نفسها: "لو حصل لك ما حصل لي لكنت فعلت أكثر فلا تدعي السماحة وأنت لم تمري بما مررت به" أجابتها مرجانة وقد احمر وجهها من العصبية: "لقد كان يمر بمرحلة حرجة بسبب مسعود والان هو على قدر كبير من الألم بسببك. عائلتكم لا تعرف سوى الأذية. وانا اعتب على نفسي لأني أعطيته أملا فيك ولكنك ابنة راهي الحقد لا يترك قلبك أبدا. ولو أخرجت ذلك الفؤاد الذي تملكين لرايته اسود كالفحم" هزت فرحة راسها وهي تبكي أكثر من السابق: "أنا لم أتصور أن يفعل ما فعل. هذا جنون كيف يمكن لامرء أن يؤذي نفسه بهذا الشكل.. هل كل هذا لأجلي!" تعاطفت رحمة مع نشيج فرحة وهي الأخرى ترى أن ما فعله رزاق جنون. احتضنتها وقالت: "انه يحبك يا فرحة فانت زوجته ولا يمكنه أن يجبرك على العودة وهو يستطيع فعلها إن أراد ولكن لا امرأة في عائلتنا حصل لها هذا وهو أراد فقط أن تعودي اليه بارادتك" قضت العائلة ليلها في كمد وتفكير بينما كان معصوم ومسعود يجلسان صامتين خارج غرفة الطبيب في المستشفى حيث يتم فحص رزاق. خرج الطبيب من الغرفة مستبشرا وقال لهما: "انه حرق من الدرجة الثانية ولو لم يتم إخراج اليد سريعا وإحضاره إلى المستشفى لحصل ضرر أكثر، سنقوم بالإجراءات اللازمة وسيأخذ الجرح فترة حتى يتحسن"

    ردحذف
  65. عاد الثلاثة قريب الفجر وقد كان رزاق ممتلئ بالمسكنات وبالكاد يسند راسه فساعده مسعود الذي كان لايزال مصدوما بما فعل. أعاده إلى بيت معصوم حيث أوصله إلى سريره ووضعه فيه وهو ينظر له باستغراب. عاد بعدها إلى منزله حيث طمأن النساء عن حالة رزاق وطلب منهن الاستعداد للعودة للمنزل ثم اقترب من فرحة وقال لها: "هل تعودين معهما أم تبقين؟" نظرت له من غير جواب فأكمل: "عودي أن أردت فرزاق سيعيدك إلى عصمته حال استعادته لوعيه وانا لن أتدخل باي قرار تتخذينه" تبسمت ثم ذهبت مع النساء إلى السيارة حيث أقلهن مسعود إلى بيت معصوم وعاد هو إلى وحدته من جديد! تناقش معصوم مع رزاق -الذي شعر بالقوة تعود له من جديد فور رؤيته لفرحة تجلس على كرسي قربه – بأمر عودته إلى زوجته فقال معصوم ختاما: "يجب أن نستشير شيخ القرية بمسألة عودتك إلى فرحة فانا اشك أن طلاقك منها قد وقع حقا. لقد كنت مجنونا من شدة الغضب وانا اقترح أن نذهب إلى الشيخ فور استعادتك لعافيتك ونتبع إرشاداته" قال رزاق معارضا: "سريعا يا أبي أرجوك فانا لن استعيد عافيتي إلا إذا ما تأكدت من عودتي وزوجتي إلى بعضنا" ونظر لها مشتاقا فتبسمت وعيونها تمتلئ بالخوف عليه. اذعن معصوم لابنه فذهب إلى الشيخ صباح اليوم التالي ليحضره وحصلت عودتهما بمباركته. خرج الجميع وظلت فرحة مع رزاق والكثير الكثير يدور في راسها. كانت مشتاقة اليه مصدقة لحبه وولهه بها. أول ما فعلت البكاء على صدره ثم سألته بقلق وعصبية: "لماذا أذيت نفسك؟" أجابها بحنو وهو يخفي الم يده عنها: "من اجل هذه اللحظة يا فرحتي وكي اذكر نفسي دائما ألا اقترف الخطأ القديم" رنت ناحيته وهي تشعر بتأنيب ضمير بينما اكمل: "ما حصل كان جنون. كيف لي ان اكتشف انني لست انا بل شخص اخر لا اعرفه حتى. ذلك جعل كل ما بنيته في عقلي من ذكريات وامال يتهدم وتساقط. جن جنوني. اعذريني!" هل يوجد رجل كهذا في الحياة؟ كيف لام ان تتخلى عن هكذا وليد؟ سالت فرحة نفسها وهي تنشج وتلوم نفسها على مضاعفة الم زوجها مرات ومرات. بينما ذات اليد التي احترقت بسببها تطبطب عليها وتدعوها للسكوت. في غرفة الجلوس حيث اجتمع معصوم بزوجته وابنته سعيدا نسبيا أعلن لهما انه سيذبح خروف ويفرقه على المحتاجين شكرا لله على نعمته بعودة الزوجين إلى بعضهما ثم حل فجاءة حزن أضنى ملامحه. قال وهو يرى علامات التساؤل على محيا زوجته وابنته: "ما يقلقني مسعود! انه وحيد ووحدته شر فهو لا يجد من يتكلم معه أو يستشيره إلا نفسه والنفس أمارة بالسوء" ثم استرسل: "لا اريد منه ان يتحدث مع نفسه فيرد الشيطان عليه" ثم نظر إلى رحمة وأكمل: "أريدك يا رحمة أن تعودي إلى العناية بمنزل عمك نهارا إلى أن تعود الدادة من سفرها أنا أرى الكثير من الثقة التي يوليها مسعود لك حتى انه يتكلم معك كثيرا وأريدك انت ان تربطيه بالعائلة وتكونين له الغراء الذي يلصقه بنا كلما هم بالبعاد. انه ابننا ومهما فعل فالعائلة تبقى عائلة وقد رأيت شفقته وخوفه على رزاق عندما نقله إلى المستشفى حتى انه أعطى الممرضات هناك إكراميات كي يعتنين برزاق بشكل ممتاز رغم إننا لم نبق سوى سويعات. انه طيب القلب بيد أن أحلامه المجنونة تمنعه من إظهار طيبة قلبه" ثم نظر الى زوجته وهتف: "اذهبي معها يا مرجانة. اعتنوا بمسعود واظهروا له الحب عله يبادلنا إياه" تمتمت مرجانة وهي تنظر إلى ابنتها: "اللهم اجعله من نصيبها" وبحلق فيها معصوم بينما احمرت رحمة خجلا. قال لها معصوم: "الآن أنا لا افهم هل انت تكرهين مسعود أم تحبينه؟" هزت مرجانة راسها وقالت: "أنا لا أكره يا شيخ أنا فقط اشعر في بعض الأحيان بالألم من تصرفاته المتعالية وعدم احترامه للوعود او للكبار. انا في كثير من الأحيان اتفهم تصرفاته فهو طفل تربى بلا ام تعلمه الحكمة او الحنان ... واعتقد في كثير من الأحيان انه يحسد رزاق لان لديه نحن بينما هو وحيد" سكت معصوم فهو شيخ كبير ولا حاجة له بتقليب صفحات ما مضى على خير ليختلق معركة. فعلا مسعود كما قالت مرجانة لا يحترم الوعود ولو احترمها لما حصل كل ما حصل بين رزاق وفرحة. توقف سامر بسيارته المظللة أمام مبنى الوزارة وهو يطالع والده من بعيد وقد حضر تزامنا مع وصوله. كان عمله توفير الحماية للوزير والتأكد من ألا أحد سيقتله أو يؤذيه وهذا ليس بالعمل السهل فحسان المطبك لديه ملايين الأعداء قد كونهم على مر السنين ولكن مالم يكن حسان قد عمل حسابه أن أحد أفراد عائلته سيكون عدوه اللدود.

    ردحذف
  66. يوما عاديا في الوزارة عاد بعدها حسان إلى المنزل المرفه الواسع الذي أجره بمال الشعب واحضر فيه من الخدم والحرس ما يزيد عن حاجة رجل جشع أصلع يعيش بمفرده ويخطط لخراب البلد كي يزيد حسابه في بنوك العالم ثم يهرب بعدها لأي دولة تعطيه حصانة أو يهرب إلى بلد لا يوجد بينها بين بلده تبادل للمجرمين ويعيش حياة ملوك لأخر يوم في حياته. كان قصره شاسع الكبر يتكون من ثلاث طوابق مليئة بالغرف الفارغة التي لا يسكنها سوى الهواء وغرفه كانت في الطابق الثالث حيث عليها حراسة مشددة. دخل إلى الغرفة ينظر إلى الفتاة التي كانت بانتظاره فتبسم لها. أسرعت اليه تأخذ منه الحقيبة ثم جلس فجلست عند قدميه خلعت حذائه ثم جواربه وذهبت لإحضار الماء المعطر لتدلك به قدمه. لربع ساعة ظلت تدلك أقدامه ثم نهضت بسرعة لتبدل الماء الذي برد وعادت للتدليك من جديد. كان هو بالإضافة إلى استمتاعه بتدليكها لقدميه يخطط مسترخيا لمستقبله السياسي والذي لن يكون فيه أي تعقيدات بعد أن رتب كل شيء قبل الانتخابات وسيشتري كل الأصوات وسينتهي الأمر على خير. رن هاتفه فرفعه ليسمع إلى صوت مسعود من الطرف الأخر. سمع مسعود لخمس دقائق ثم ثار على وقع طلب مساومة من الشيخ. ضرب وعاء الماء بقدمه فانسكب محتواه على الأرض وعلى الفتاة ثم هب واقفا وهو يفرك جبهته محاولا أن يهدا قليلا. قال محاولا الهدوء: "زواج! تريد مني أن أزوجك ابنتي كي تضمن بقائي على وعدي لك للانتخابات القادمة؟ هل تعني أنك تريد مني أن أودع ابنتي أسيرة لديك حتى تحصل على ما تريد؟ إذا هذا كله كي احصل أنا على ما أريد؟ لا يمكنني الجواب الآن يجب أن اعرض الأمر على وهد ولا أعطيك أي ضمانات بموافقتها" ثم ودع مسعود والنار تتأجج في مقلتيه. ضرب الهاتف بالأرض وكالمجنون بدا يذرع الغرفة جيئة وذهابا يفكر بما عساه يفعل. لا هو لن يذعن لذلك الطفل ولن يفرط بعزيزته وهد التي يتكل عليها في كثير من الأعمال الحساسة والضرورية في حياته ليس لهذا البدوي. ظل يفكر بالأمر حتى أثقل راسه بالتعب فنام بينما كانت الفتاة المسكينة تدلك له ظهره وقدميه وهو مستلق على السرير لا يوليها أي انتباه. كلم وهد وأخبرها انه ضروري أن يراها في صباح الغد قبل اجتماعاته بدون إعطائها أي سبب وتركها للتخمين. جلست تنظر إلى التلفاز كعادتها تتابع البرامج السياسية وترى ما يحصل من حولها في البلد بشقتها الأنيقة والكثير من الأمور تشغلها. سمعت صوت خطوات ثقيلة على سلم بيتها وخمنت انه سامر فنهضت وفتحت الباب قبل أن يطرقها. دخل ومعه بعض الطعام ليتشاركاه ثم نظر لها بجدية وقال: "هل اتصلت بأمي مؤخرا؟" رفعت كتفيها بلا اكتراث وقالت وهي تأكل: "لم اتصل بها منذ أخر مرة رأيناها أنا وأنت. لماذا؟" أجاب وهو يلوك لقمته: "كنت أفكر بمرسل الصور وقد جاء اسمها في خاطري"

    ردحذف
  67. تبسمت وهد بمكر وقالت: "أمي قد تفعل أي شيء من اجل المال لكنها لم تطلب مالا لقاء هذه الصور أو ترسل تهديدا لذا لا أدرى أن كانت أمي حقا وراء ما يحصل والأمر غير منطقي من وجهة نظري" هز سامر راسه موافقا على كلام وهد فهو أيضا يعرف امه جيدا وإذا لم يُطلب مالا من اجل الصور فقد لا تكون امه هي المرسلة. فوز تلك المراءة التي أوصلت حسان إلى القمة ثم بعد أن وصل رماها من اعلى الجبل. عندما تزوج حسان وفوز كان حسان معدما. لا يملك أي شيء ثم قامت فوز بإدخاله عالم السياسيين بعد أن أصبح سائقا لأحدهم بفضل مكرها وجمالها. بعدها حاكت له خططا من اجل أن يتدرج فسرقت أسرار السياسيين الذين سمحوا لها بإغوائهم ودخول حياتهم وسلمتها لحسان كي يهددهم بها ويرتفع على أكتافهم. ثم بعد أن أنجبت له اطفالا وحسبت أن حياتها استقرت وان زوجها سيقدر تضحياتها لأجله بدأ حسان ينظر إلى فتاة أصغر منها. أجمل منها. وأغبى منها فقد تعب من المرأة الذكية التي تحسب خطواتها وخطواته وأراد فتاة صغيرة غبية لا تفقه من الحياة شيئا ولا تعارضه في شيء وهمها الأول والخير في الحياة إطاعة أوامره وإمتاعه. لم يعد يحتاج خدمات زوجته ولا مكرها لذا استبدلها فأصبحت مجرد صورة في منزل كبير وتحطمت لنكرانه لما قدمته لأجله. عندما اكتشفت فوز خيانة حسان لها كان ردها عاصفا مؤذيا فقد دمرت الفتاة تماما إلى درجة ما عاد لها مكان بين الناس الأسوياء حتى حسان لم يردها بعدها ونبذها شريدة منبوذة على حافة الجنون. وكما نبذ تلك الفتاة نبذ فوز وطلقها وكعقوبة لها حرمها من وهد وسامر الذي كان صغيرا جدا وقتها مقابل إعطائها مرتب شهري لتعيش به حياة مرفهة. كبر الابن والابنة بعيدين عن فوز وتعلما على عدم وجودها فما عاد لها أهمية في حياتهما وطبع في راسيهما أن والدتهما تهتم أكثر بالمال من أي شيء أخر. قد تكون هذه حقيقتها وقد لا تكون تعتمد على منظور رؤية من يرى فوز وحياتها. مع أن لفوز تواجد قليل بحياة أطفالها فلها تأثير كبير على شخصيتهما فقد كبرا يشبهانها جدا حتى أن لهما نفس عينيها ومنخارها ونبرة كلامها وطريقة تفكيرها. في منزلها الصغير حيث انزوت عن الناس منذ فترة حتى اعتقد البعض إنها ميتة أمسكت فوز كتابا صغيرا تقرأه مرتدية نظاراتها الطبية تلبس وشاحا تربط به راسها القليل الشعر واضعة ساقا على ساق على المنضدة التي أمامها وبنهم ترفع حاجبيها وتنزلها ثم تبتسم متفاعلة مع الكتاب. نظرت إلى الساعة بملل واضح وزمت شفتيها بلا مبرر ثم نهضت لتبدل ملابسها وتخرج. دخلت أحد المطاعم الراقية حيث طلبت طعاما وجلست تأكله لوحدها. وضعت خصلة من شعرها المستعار المصبوغ بالأشقر خلف أذنها الصغيرة فعادت الخصلة تداعب خدها الذي لا تبدو عليه تجاعيد الكبر بفعل المساحيق التي تضعها. امتصت شفتيها فمسحت بعضا من اللون القاتم الذي وضعته عليها. احضر لها النادل قهوة فشكرته بلطف بالغ وتبسمت له بأناقة ثم جالت بعينيها الزرقاوين بين الحضور وشربت رشفة صغيرة من قهوتها وهي تتنفس دخانها المنعش. بعد أن أخذت رشفة أخرى نظرة إلى ساعتها ثم إلى باب المطعم حيث دخل رجل أجلح الراس طويل اسمر يلبس قميصا اسود ونظارات طبية غليظة. اقترب منها وجلس على الكرسي المقابل لها حيث سألته: "هل تشرب شيئا؟" هز راسه سلبا فقالت: "اسفه لوفاة الوالدة لقد قرات في الجرائد كما رأيت الأمر على التلفاز في نشرة الأخبار، لقد كانت معروفة بين الناس في هذه المنطقة" حملق فيها حزنا وسألها: "وكيف عرفت إنها والدتي؟" أجابته بمكر ودهاء: "ومن غيرها يعيش في ذلك الشارع منذ عشر سنوات. أنا أيضا اخرج وارى. كانت سيدة طيبة! وابنتها..." خزرها بعينيه ولوى فمه محذرا إياها من ذكر أخته فسكتت ولم تكمل جملتها. بل غيرت الموضوع قائلة: "لقد ماتت والدتك وهي لا تريد التصديق أن بلقيس ماتت. ظلت تبحث عنها بين الأحياء بينما هي يجب أن تبحث عنها بين الأموات في القبور...." قاطعها مرة أخرى كأنه لا يريد أن يسمع عن هذا الأمر وقال: "لقد انتهى هذا الأمر لا نريد أن نعرف عنه شيئا وبموت والدتي انتهت بلقيس ومصائبها ويكفي ما عانيناه من نشوزها وفسقها" ارتشفت فوز بعض القهوة وهي تنظر إلى وجه محدثها الأحمر وحركاته العصبية ثم حشرت يدها في حقيبتها الغالية وأخرجت بعض الصور منها وقالت: "انت صحفي اليس كذلك؟ امر مضحك أن رجل صحفي يقول انه لا يريد أن يعرف ملابسات موت أخته. انت حتى لا تدري اين دفنت. الصحفي الجيد يكون لديه الكثير من الأسئلة فهل انت صحفي جيد أو سئ؟" وقت اختفاء بلقيس كان أكيدا لوالدها انها ماتت لانه لطالما اعتقد أن نهاية الطريق الذي سلكته الموت. بلغ الشرطة عن اختفائها واكتفى بردهم بعد يومين.

    ردحذف
  68. لم يعثروا على الجثمان وأكدوا له أن الفتاة قد تكون غادرت البلد لتمارس عملها الذي تمتهنه منذ وقت طويل وعبارة أخيرة من الشرطي جعلته يصاب بنوبة ذعر. قال له وقتها توقف عن البحث عنها حفاظا على ابنتك الأخرى. وهكذا توقف الأب عن البحث ليس فقط خوفا على ابنته الصغرى بل أيضا لأنه قطع الأمل والعلاقة ببلقيس منذ انحرفت عن الطريق قبل سنين كثر. قسى قلبه عليها ولم يكن بيده حيلة لإيقافها. تبدلت تعابير وجهه عندما سمع خطابها المقتضب. كان رائد خائفا ثم اخذ من يدها المظروف بوجه مكفهر وفتحه وكأن ماء وجهه سال. عقد لسانه وشلت عضلات وجهه واغلق عينيه كأنه لا يريد أن يرى المنظر الذي أمامه من شدة التقزز. قالت له بإصرار: "هذه كانت بلقيس قبل أن يسلخ جلدها. لقد قتلت بأبشع صورة ومن قتلها حر طليق لقد بقيت على صمتي لعشر سنوات ولكني قررت أن اعترف لك بما حصل فقد تعبت من السكوت" ثم بان التوتر على صوتها وترقرق الدمع في عينيها وارتجفت مفاصلها عندما استرسلت: "شبحها يطاردني بلا رحمة وضميري يؤنبني. أنا خائفة ويجب أن اعترف بكل شيء" رنا اليها رائد الذي كان لايزال مصدوما بالصورة التي رآها خائر القوى وعقله مغيب عنه. نقل عينيه بين الصورة المقززة لفتاة عارية تماما من الجلد ولحمها الأحمر المدمى يقطر دما بعضه تيبس والبعض الأخر تحول إلى الرمادي. كان على وشك أن يتقئ وهو يطالع عينيها اللتين اخرجتا من محجريهما فبقي مكانهما فراغ مرعب وشعرها المنتوف ولسانها الخارج إلى الأمام بلا شفتين يحميانه. منظر مرعب ولا ينساه المرء على الإطلاق. سألها بعد أن استعاد جزءا من رباطة جأشه: "وكيف اصدق أن هذه الفتاة هي أختي بلقيس؟" أجابته بصورة أخرى وضعتها على المنضدة أمامه. اخذ الصورة واشتدت صدمته فقد كانت أخته بلقيس عارية هذه المرة من الثياب يغطيها شرشف ابيض لاتزال ملامحها واضحة تنظر في الفضاء بتلك العينين الغائمتين لا روح فيهما ولا نفس. قالت له: "أنا لدي العديد من الصور التي حفظتها عبر السنين تربط طليقي حسان المطبك بأختك بلقيس وحتى لدي صور للمكان الذي دفنها فيه. لقد كنت حاضرة ذلك اليوم عندما تم التخلص من جثتها لطمس أثار الجريمة" قال لها متألما غير مركز من أثر ما رأى: "إذا انت من أرسل لي تلك الصور السابقة" هزت راسها إيجابا ثم نظرت إلى رائد الذي كان على وشك أن يغيب عن الوعي وأكملت: "حتى أن لدي صورة من عقد زواجهما!

    ردحذف
  69. الفصل الثالث عشر
    لم تجب وهد على والدها سوى بنظرة تساؤل عندما أخبرها بطلب يدها من قبل مسعود. قالت متضاحكة: "أبي! أخبرني أن هذه مزحة!" تنفس حسان بعصبية وقال لها: "أنا اعرف إنني وعدتك بالا أقوم بعد أخر زيجة لك بصفقات زواج مع أي أحد ولكن هذه هي المرة الأخيرة أعدك" ابتلعت ريقها ووضعت يدها على جبهتها وقالت: "لكن يا أبي لماذا لا تترك هذه العائلة الغبية وشانها فنحن لسنا بحاجة لهم بل هم بحاجة لنا فلماذا انت من يقدم التنازلات لهم" لم يجبها فقد كانت على حق تماما فاذا ما سحب مسعود دعمه سيبقى حسان قويا. مالم تعرفه وهد أن والدها طماع بشكل مفرط. هو لم يكن يريد فقط دعم مسعود بل كان يريد أيضا أراضيه الشاسعة التي ورثها عن والده. رغم أن تلك الأراضي لم تعد كالسابق صالحة للزراعة ولكنها لازالت صالحة للمشاريع السكنية التي ستدر على حسان الملايين عندما ينفذها. أخيرا أجاب ابنته: "هل تذكرين المشاريع التي وضعناها قبل خمس سنوات والتي لم تنفذ إلى الأن بسبب نقص الأموال. قد اقنع مسعود بتحويل أراضيه إلى تلك المشاريع وادخله كشريك. انه شاب طموح وبسبب ذلك سيكون من السهل علي إقناعه وارتباطك به سيساعدني كثيرا في تسهيل هذه المهمة. فكلنا نعرف قدرتك على الأقناع يا وهد. سنربح الملايين يا ابنتي من هذه المشاريع وسيكون لك انت الربع من مجموع ما نربحه" عضت وهد على شفتيها وأغلقت عينيها وهي تفكر ضاغطة بأصابعها على الكرسي الجلدي الذي تقف أمامه. لقد اخلف والدها وعده كعادته. وها هي من جديد تجد نفسها أداة في خططه ليحصل على ما يريد. قالت: "أريد النصف يا أبي. أريد النصف وبعد هذه الصفقة سأهاجر إلى بلد أخر لأعيش حياتي كما أريد ولن أبقي هنا " رمقها الأب بنظرة مطولة وهو يفكر بما قالت وعرض عليها عرضا أخيرا: "سأعطيك الثلث وهذا نهائي" وافقت على عرضه ثم وقعا ورقة على إنها عقدا بينهما بدون شهود وأعطته موافقتها على عرض الزواج بشرط ألا يتم الزواج قبل أن توثق هذه الورقة التي وقعاها بشهود يشهدون على الاتفاق. أوصل حسان موافقة ابنته المبدئية لمسعود فانتعش الأخير لوقع الخبر. كان يشعر بانتصار لأنه جعلهم يوافقون على طلبه وهو لا يعلم أن موافقتهم على طلبه ليس لخوفهم بل لطمعهم. حالته السعيدة انعكست على تصرفاته ذلك اليوم فقد عامل جميع عمال المواشي بلطف وأعطى إكرامية للفتى في القهوة وكانت إكرامية كبيرة ثم قرر زيارة منزل عمه للاطمئنان على رزاق للمرة الأولى في حياته. هذا الشعور بالانتصار قلب كيانه. رفعه للقمة حتى وان كان ارتفاعا خياليا من نسيج العقل وخدعه. عندما يعتقد الإنسان انه في الحقيقة ولأول مرة جعل من حوله يعترفون بقوته غير عالم أن هذا الاعتراف الذي اعتبره هو كبيرا ورائه شيء أكبر قد خطط ليوقعه في شباكهم. كأنه خروف يقاد إلى مذبحه ولكن قبل هذا يعطى بعض الطعام والماء فقط لأشعاره بالأمان وهو لا يدري أن بعد هذه المعاملة الجيدة سينحر. دخل إلى منزل عمه وقد دعي على الغداء حيث بدأت مرجانة تحاول استمالته بعد أن أقنعها معصوم بان أفضل حل لسلام العائلة هو تقريب مسعود أكثر منهم وعدم تركه وحيدا فيرى في سعادتهم كرها وفي ضحكاتهم مقتا.. اخبرها أيضا انه ان ترك مسعود يصول ويجول دون مراقبة او نصح او حتى رفض قد يحصل الاسوء لهذه العائلة. معصوم لم يكن مستعدا ليبعد ابن أخيه الذي يرى فيه رعونة الشباب التي لايريدها ان تنتهي بندم. أقنعت مرجانة رحمة بان تلبس ملابس فيها الوانا زاهية وبعد أن أخبرتها ابنتها بما حصل في العيادة سابقا تشجعت مرجانة وحسبت أن مسعود بزياراته لهم يريد في الحقيقة أن يحقق ما قاله لسامر من أن رحمة محجوزة له. دخل مسعود منزل عمه الذي لم يدخله منذ وقت طويل ولكن هذه المرة دخل ضيفا والشعور العام في المنزل كان إيجابيا حيث اطمأن على فرحة سعيدة بين يدي رزاق يدللها بكلماته ونظراته حتى أن مسعود شعر لا إراديا بالغيرة منه ومن حبها له. لا يدري م الذي حصل له بعد أن راه يحرق يده ليثبت لفرحة حبه فقد شعر مسعود بان رزاق رجل قوي وثابت الكلمة ويستحق الاحترام. نعم لقد فرض رزاق عليه احترامه وعن جدارة استحقه. لأول مرة في حياتهما مسعود ورزاق يتبادلان حديثا بدون أن يتصايحا وهذا التغيير أثلج قلب معصوم ورسم ابتسامة رضا على وجهه المجعد.

    ردحذف
  70. حضرت النساء السفرة بينما جلس الرجال في غرفة الجلوس يتحدثون ولم تصدق مرجانة أن مسعود يضحك بصوت مرتفع وحتى أن صوت ضحكته أنساها منظره الغاضب. جلس الجميع على طاولة الطعام وبينما فرحة كانت تطعم زوجها بين الحين والأخر بسبب يده الملفوفة بشاش ابيض كانت رحمة تنظر إلى مسعود نظرات مسروقة وهو سعيد مستبشر ضاحك. مع كل لقمة ابتلعتها كان قلبها يبتلع دقاته الشغوفة بالشيخ مسعود. ثم وفي لحظة انشغالها بالنظر اليه تقاطعت أعينهما وفي لحظة واحدة بثت له مشاعر الوجد التي انتابتها متراكمة على مر الأيام تحنو اليه. أهداها ابتسامة سريعة وعاد ليكمل موضوعا مهما كان يتحدث فيه مع معصوم فشعرت بالغبطة فهل تكون هذه البسمة اليتيمة إنذارا عجولا بحبه لها؟ كانت عائلة أخرى تجتمع على مائدة في منزل كبير. مائدتهم كانت مختلفة كثيرا فيها الكثير من الطعام والقليل من الضحك والكلام. تبادل النظرات بين الأفراد الثلاث قد يكون وسيلتهم للتفاهم فلا شيء أخر يفسر تلك النظرات المتحاملة على بعضها. أكمل سامر طعامه أولا وجلس يشرب بعض العصير بينما بقي طبق وهد ممتلئا بدون أن يمس واكتفت ببعض السلطة التي كانت لا تزال تأكل منها على مهل. أخيرا كسر حسان حاجز الصمت وهو يقول لابنه: "انت لم تأكل شيئا؟" أجاب سامر من تحت أضراسه: "أكلت طبقي وشبعت والان أريد مناقشة امر زواج وهد الصادم من ذلك القروي" رمت وهد شوكتها في صحن الخضار وتراجعت على مقعدها ناظرة إلى سامر بعتب. لقد تكلما بهذا الشأن وأخبرته إنها موافقة وان والدها لم يجبرها على فعل شيء وسمعت كل شكواه ورفضه وصياحه ثم هدوء وصياحه مرة أخرى معلنا رفضه الشديد للمرة المئة لهذه الزيجة لأنه لم يعرف السبب الحقيقي وراء موافقتها وهاله اعتقاده بان أخته ستكون ضحية بينما العكس هو الصحيح. رفض حسان مناقشة الأمر مع سامر معللا أن زواج وهد لا يخصه هو وأنهى حديثه بان ترك الطعام وذهب ليدخن كعادته بعد الأكل. استدار سامر لأخته ورمق أحدهما الأخر بنظرة طويلة ثم تبسمت بمكر شبيه إلى حد كبير بمكر فوز. قالت له: "انظر للجانب الإيجابي فحليمة أصبحت متاحة" أخطأت باسم رحمة وأسمتها حليمة فصحح لها: "تقصدين رحمة؟ هذا ما يزعجني فقد قال لي شيخك أن الفتاة محجوزة وكذب علي" نفضت كتفيها غير مبالية ثم نهضت من مكانها وقالت له: "سأعود إلى الشقة هل تعود؟" أجابها: "سآتي معك ولكني سأنزل في مكان أخر" ضيقت عينيها وسألته بصوت خفيض: "أين؟" لم يجبها فقط سار قبلها إلى سيارتها وجلس على مقعد الراكب الأمامي بينما استلمت هي القيادة. سألته مرة أخرى فور أن سارت سيارتها قليلا: "أين تريد مني أن انزلك؟" أجابها: "عند الجسر" سألته بفضول شديد: "الجسر؟ هل سترى تلك العجوز المجنونة؟" أجابها بملل ونقل اليها الأخبار الجديدة: "لقد ماتت العجوز والان أنا ابحث عن كيسها الأسود " أوقفت سيارتها على جانب الشارع وصرخت: "ماتت؟ العجوز المسكينة لطالما شعرت بالاسى لأجلها" ثم استرسلت بعد أن فكرت قليلا: "لماذا تبحث على كيسها القذر؟" تنفس طاردا شهيقه ثم قال بنفاذ صبر: "ستبقين تسالين إلى أن اخرج من السيارة واذهب إلى هناك سيرا؟" استشعرت خطرا في كلامه ونبض قلبها قلقا. قالت له وهي تضع يدها على كفه: "أخي أخبرني هل لك يد في موت تلك المسكينة" لم يجبها فقط رمقها بعيون متعجبة ثم تمتم: "يوجد في كيسها شيء مهم يجب أن احصل عليه" صرخت فيه خائفة: "سامر أخبرني الأن م الذي يجري؟" اخذ نفسا عميقا وأجاب لأنه يعرف أن لا مفر من وهد فهي ستبقى تسأله إلى أن تعرف كل شيء: "لقد بدأت تتكلم. أخبرني الرجل الذي وضعته ليراقبها إنها كانت تتحدث لشاب وتخبره عن بلقيس وتعمقت معه بالحديث فخفت من أن تأتي على ذكر أبي وطلبت من مراقبها أن يقتلها ويحضر لي كيسها. بيد انه بعد أن أنهي الأمر سمع حركة قريبة وولى الإدبار خوفا من أن يكشف أمره وقد كان محقا فقد صدف وجود بعض الجنود المرابطين في مكان قريب وقد جاءوا ليستطلعو الأمر بعد أن سمعوها تستنجد بصوتها الواهن" بصوت ذابل وراس خفيض عبرت وهد عن المها لما حصل قالت: "لماذا يا سامر أخبرني لماذا؟ أنا حقا اشعر في بعض الأحيان بالضيق من تصرفاتك، أخبرني الأن ماذا في ذلك الكيس" أجابها وهو ينظر من النافذة: "صور لابنتها وصورة تجمعها بابي" صرخت فيه: "وكيف عرفت بالأمر ومتى ولماذا لم تسرقها باي وسيلة بدل أن تقتل المرأة المسكينة؟" ضرب السيارة بيده وصرخ فيها فجفلت: "يكفيك استجواب لقد تعبت" شغلت السيارة وانطلقت بسرعة البرق غير مهتمة إذا ما تجاوزت السرعة. كانت فقط تريد أن تنزله من السيارة وتتخلص منه. أوصلته إلى الجسر فنزل بينما ذهبت هي في طريقها. أصابها ارتباك شديد من صرخات سامر عليها.

    ردحذف
  71. يبدو أن حالته العقلية بدأت تتدهور وبدأ يفقد أعصابه بسبب تلك الجثة السيليكونية التي يتكلم معها كل يوم. إنها عالقة بين والدها وطموحاته السياسية وبين أخيها الذي على شفا جرف من الجنون الرسمي. أوقفت سيارتها من جديد وفكرت بالذهاب إلى والدتها فهي دائما تفتقد رؤيتها لكنها تكابر أمام من يسألها عنها وتعلل إنها لم تعد جزء من حياتها والحقيقة إنها تعبت من مطاليب الرجال في عائلتها وحتى عقلها بدا يتعب من كثرة التفكير والتخطيط لوالدها على حساب حياتها الشخصية. غيرت رأيها وذهبت إلى شقتها حيث نامت فور وصولها بدل التفكير عسى أن يكون الصبح جالبا للحظ. وصل سامر وقد كان رجله الذي قتل العجوز ينتظره في الظلمة فاستقبله بالأخبار: "لم أجده. لقد سالت هنا وهناك ومع بعض المال علمت أن الشاب الذي كانت العجوز تتكلم معه قبيل موتها أخذه. لا أحد لديه معلومات عن الشاب" ضرب سامر قبضته بباطن كفه غضبا وتمتم بينه وبين نفسه: "هذا الشاب لابد انه يعرف شيئا والا لماذا اخذ الكيس" صرف الرجل وجلس يفكر بما عساه يفعل فهو لا يملك أي معلومات عن هذا الشاب ومن قد يكون. عاد إلى شقته يصرعه تعب التفكير. فعمله يستوجب القضاء على أي خطر يحيط بوالده ولكن هذه المرة الخطر يحوم حوله أيضا. ذهب إلى الخزانة وفتحها وبحزن اخرج جميلته النائمة وصرخ فيها معاتبا: "تصرين على الانتقام أليس كذلك؟ تصرين على تذكيري دائما بك. بلقيس! من بين كل النساء اخترتك انت ومن بين كل النساء انت التي لم احصل عليها" حملق فيها وهو يفكر متعبا كعادته عندما يخرجها من محبسها. قال لها متسائلا: "هل ستنتهي مشاكلك يوما يا مفتعلة المشكلات. حتى بعد موتك بسنوات انت تتحكمين بي كما يتحكم محرك الدمى بدميته تنقليني جسديا وعاطفيا إلى حيث تريدين ومتى ما تريدين. تاهت علي من الدمية بيننا يا بلقيس" ونام على كرسيه الجلدي وهي أمامه بجمودها تنظر اليه كأنها تنظر في الفراغ. استيقظ صباحا وهو على حالته الأولى عندما نام. يشعر بتقلص عضلي في رقبته بسبب ميلانها على كتفه والم في راسه يكاد يقتله. مرر أصابعه على مكان الألم وبدأ يدلكه بيد من حديد ونهض مقتربا من دميته التي تركها طول الليل تطالعه وقبلها قائلا: "صباح الخير يا حبيبتي" ثم ذهب إلى الحمام طالبا منها أن تصنع له الشاي. خرج من الحمام يقطر ماء وقد لف فوطة رمادية حول خصره وطبعات قدمه تتبعه أينما ذهب. دخل غرفته وقد كانت دميته لاتزال واقفه في مكانها فسالها وهو يجفف شعره بالمجفف الكهربائي: "إذا اليوم أيضا انت تريدين مني أن اصنع أنا الشاي لك. هذا الدلال سيفسدك يا وردتي ومع هذا فانا لا أمانع من إفسادك ففي النهاية نحن نفسد بعضنا البعض" أنهي تجفيف شعره ولبس ملابس البيت ثم بدا بعمل الشاي وهو يدلك بين الحين والأخر رقبته ويتضاحك مع نفسه. أخيرا أكمل قلي البيض وجلس على المائدة حيث وضع صحنين وكوبي شاي وأمامه تجلس بلقيس دميته الحسناء وهو يطالعها بعيون شغوفة. أكمل الطعام وقال لها: "لا تنتظريني على الغداء فلدي عمل " ثم نهض وأعادها إلى الخزانة وقبلها بشغف قبل أن يغلق عليها الباب. خرج من المنزل بعد أن بدل ملابسه وقابل أخته في طريقه على السلم فصبَّح عليها ببرود وهي لم تكن في مزاج جيد لذا تفرقا ولم يتبادلان حديثا. لازالت وهد تشعر بالاضطراب من حديث ليلة البارحة معه وقررت أن تتحدث مع والدها بشأن حالة سامر إلا أن والدها رفض الخوض في حديث كهذا وعلل مزاجية ابنه بكثرة العمل.

    ردحذف
  72. قريب الظهيرة استلمت وهد بريدا الكترونيا من مرسل لا تعرفه. نظرت طويلا لتقرر إذا ما عليها أن تفتحه لترى محتواه أم لا ثم أخيرا قررت أن تفتحه فامرأة مثلها سيأكلها الفضول من الداخل إذا لم تفعل. زال توترها فور قراءتها للرسالة. كانت من والدتها! تطلب فيها لقياها بشكل طارئ. حذفت وهد الرسالة كي لا يراها أحد الرجلين ثم اتصلت على فوز من رقمها المشفر: "أنا وهد!" وجاء صوت فوز بحنين جارف إلى رؤية ابنتها. اتفقتا على اللقيا في مطعم فوز المفضل بعد ساعة. وحتى موعد اللقاء فكرت وهد بألف سبب وسبب يجعل فوز تتصل بها وتستجدي لقاءها بعد كل هذه السنوات. وزالت غمامتها عندما التقت والدتها أخيرا. احتضنتها فوز بلهفة وقبلتها بينما كانت وهد باردة جدا معها. جلستا وقد لاحظت وهد الشعر المستعار الذي تضعه فوز. قالت فوز بعد أن طلبت قهوة لها ولابنتها: "لا تعرفي مدى سعادتي بلقياك يا وهد. لقد اشتقت لك ولسامر كثيرا. أدعو ربي أن ينتقم من حسان الذي شتت جمعتنا بهذا الشكل. انت لابد تتساءلين عن سبب هذا اللقاء" ونظرت إلى وهد لترى تأثير كلماتها عليها ووجدت نظرت استفهام تعلو زرقة عينيها فأكملت: "لقد قررت أن أخبرك وسامر بحقيقة ما حصل بيني وبين حسان والذي أدى بنا إلى الفراق. أنا مريضة يا ابنتي وأصابع يدي باتت أكثر من عمري المتبقي. أريد أن أموت وقد أخرجت كل ما حملت به ضميري ونلت السماح من كل من أسأت إليهم. وأولهم أولادي" رقت ملامح وهد لمصاب والدتها وسألتها ودمعة تترقرق في مقلتيها: "ما بك؟" أجابت الأم بألم: "السرطان يا ابنتي، انه يغزوني منذ فترة وقد حاولت أن أتغلب عليه ولكنه في النهاية تغلب علي" وأخذت كوب القهوة من بين يدي الجرسون وشكرته ثم عادت للحديث: "هل سترتبين لي لقاء يجمعك وسامر كي أودعكما قبل أن ارحل وأريح ضميري " فكرت وهد قليلا ثم قالت: "أمي! لا يوجد ما يحتاج توضيح فنحن تجاوزنا مسألة هجرك لنا والان بتنا لا نفكر حقا إذا ما المنا الأمر أم لا" قالت الأم بصوت متوسل: "أرجوك يا وهد دعيني فقط أقول ما لدي قبل موتي فانا في مرحلة إزاحة أعباء الأسرار. أريد أن أراك وسامر اليوم أن أمكن مساء في بيتي ولن أضايقكما بعد هذا أبدا" أغلقت وهد عينيها حزينة وقالت بصوت مترج: "أمي! أ ألقاك بعد كل هذه السنين لتخبريني أنك ستموتين؟" رشفت فوز رشفة أخرى من قهوتها وقالت وقناع القوة الذي تتقنع به زال كليا عن وجهها: "لكل اجل كتاب يا ابنتي وقد حان أجلى ولدي الكثير لأفعله قبل موتي" أنهتا الحديث بعد أن تبادلتا بعض الكلام المقتضب عن بعضهما فعلاقتهما ليست قوية وقد زاد من رخاوتها حسان وكلامه السيء عن فوز بمناسبة وبدون مناسبة. غادرت وهد المطعم بينما بقيت فوز لتشرب فنجان قهوة أخر. وتنتظر موعدا ثاني مع رائد. بعد نصف ساعة حضر رائد وجاء مباشرة إلى طاولتها حيث جلس أمامها وقال: "هل لديك كل شيء؟" أجابت وهي تخرج حزمة كبيرة من الأوراق وصندوق بقفل خاص: "كل شيء تريده هنا لا تدع حسان المطبك ينجو بفعلته" ثم أخيرا أعطته ورقة وضعتها بعيدا عن الصور وقد كانت نسخة من عقد زواج حسان المطبك وبلقيس راضي عند مأذون شرعي ومسجل في المحكمة أيضا. ذهل رائد وهو يقرا ما كتب أمامه وتساءل: "هل ستخبرينني إذا كيف احترفت أختي مهنة الدعارة إذا كانت متزوجة من هذا الرجل؟" هزت فوز راسها موافقة وبمكر بدأت تحيك قصتها: "كان حسان قد مل مني. وبدا يتجه إلى الصغيرات. التقى ببلقيس عندما كانت تعمل في منزلي كمنظفة وقرر لحظتها انه يريدها باي ثمن. كانت صغيرة بعمر الرابعة عشر أو الخامسة عشر جميلة جدا وبريئة جدا هذا قبل أن يحطم حسان براءتها ويشوه جمالها ويسلمها إلى المجون بيديه. لم يترك حسان شيئا إلا وعمله ليقنعها بان تصاحبه حتى انه عرض عليها مالا وفيرا كانت هي بحاجة اليه فرفضت وأصرت على الزواج. وأمام إصرارها قرر أن يتزوجها فله أن يتزوج أربع اليس كذلك؟ أنا لم أكن اعلم أي شيء حتى تزوجا فجننت ولكن كان الأوان قد فات فقد بدأت بلقيس بالفعل تشعر بعلامات الحمل وسعادتها بحملها عكرها حسان بغضبه لكسرها الاتفاق الذي كان بينهما وهو انه لا يريد منها أطفالا.

    ردحذف
  73. ظل يلح عليها أن تجهض بيد إنها رفضت رفضا قاطعا وأصرت على إنجاب الطفل فزاد غضب حسان تجاهها وقلت رغبته بها. في نفس الوقت كان الغيرة من هذه الدخيلة الصغيرة قد أحرقت خلايا عقلي تماما والانتقام كان كل ما أريده لذا ظللت الح والح على حسان ليطلقها وعندما رفض استغللت سفره برحلة دبلوماسية وقتها و....." وصمتت وهي تبكي دمعها مدرارا فقد كانت كأنها تعيش اللحظة من جديد ولكن هذه المرة نادمة على ما اقترفت يداها. حثها رائد المشدوه على الاستمرار ولكنها شعرت بتعب شديد وصداع واعتذرت حيث ذهبت إلى دورة المياه. أخذت دواء ومسحت خديها بالماء بحذر وهي تنظر إلى وجهها في المرآة ثم أخذت نفسا عميقا عادت إلى رائد لتكمل له سرد جزء اخرا مفقودا من تاريخ أخته بلقيس.

    ردحذف
  74. الفصل الرابع عشر
    قبل أن تجلس فوز على كرسيها طلب منها رائد أن يغادرا المطعم. نظرت فوز يمنة ويسرة وقد كانا يجلسان في الطابق الثاني من المطعم حيث له باب اعلى الدرج تطل على الطابق السفلي والتي لم يدخلها أي أحد غيرهما منذ أن التقيا. كان المكان فارغا ألا من زوجين يجلسان على طاولة بعيدة وشاب يدخن النارجيلة يجلس قرب الشباك الواسع الذي وضع هناك خصيصا لمدخني النارجيلة بينما جلسا هما في ركن فوز المفضل والذي يكون خاليا من أي أثاث وتوضع الطاولة خصيصا لها خلف العمود في هذا المكان. قالت له وهي مصرة على البقاء في مكان عام:
    "أنا أفضل أن أبقي هنا فهذا المكان مناسب لي. ولا أرى داع لقلقك فمكاننا بعيد عن العين ويسترنا هذا العمود عن الأعين"
    لم يجادل وارتاحت فوز لصمته فما ستتلوه عليه من أحداث مرعبة ستحثه على قتل فوز لجسامه ما فعلت ببلقيس لذا هي أرادت بقائهم في مكان عام كي تجد من يعينها اذا ما تهور. قالت له:
    "لقد كان قُريب ولادة بلقيس. وحسان سافر تلك الرحلة الدبلوماسية وانا كنت صغيرة وملأتني الغيرة من تلك الشابة التي تستمتع بكل ما بنيته أنا. عندما جاءها المخاض أخبرتني الممرضة التي كانت تولدها في المنزل بالأمر وفق اتفاق بيننا فذهبت إلى هناك وبمساعدة الممرضة حملت بلقيس في سيارتي ورميتها في الفندق الذي كانت تعمل فيه. أعطيت صاحب الفندق بعض المال وأبقيت بلقيس هناك بينما أعطيت الطفل إلى الممرضة التي ولدته وطلبت منها أن تحتفظ به لفترة كي أساوم به والدته واشتريت سكوتها بالمال"
    وشهقت وهي تستذكر ما حصل كأنها تعيش تلك الليلة التي منعتها من النوم طيلة السنوات التي مرت. كان رائد يستمع وقلبه يتقطع من هول ما تعرضت له أخته القاصر على يد هذه المرأة. ولكنه لم يستمع بعد إلى ما فعله زوجها حسان ببلقيس وما تبعه من فعل ابنها وابنتها بها.
    سألها وقد طال سكوتها:
    "ماذا حصل بعدها؟"
    قالت له وهي تجفف دموعها السوداء وقد سال كحلها معها:
    "أعطيت صاحب الفندق مالا وطلبت منه أن يبقي الفتاة معه حتى تتعافى وكنت أرسل ذات الممرضة بين الحين والأخر كي تحقنها بالمهدئات والمنومات كي تحد من نشاطها"
    ابتلعت ريقها وأكملت:
    "كنت أريد أن تعود إلى عائلتها بعد أن تتعافى وان تخاف مما فعلت وان أساومها بابنها فأعيده لها وتترك عائلتي وشانها ولكن بلقيس كانت قد انتهت في ذلك الفندق الوضيع، لقد تعرضت للانتهاك فيه عندما كانت على المهدئات واختفت الممرضة وعلمت بعدها إنها سافرت إلى خارج البلد، بعد أن علم حسان بما فعلت تطلقنا وطلق بلقيس بعد أن هددها أن أخبرت أي أحد بعلاقتهما سيقتل عائلتها... أنتم! "
    وغطت وجهها بكفيها باكية بينما تساقطت دموع رائد على المنضدة مشلولا فكريا وجسديا لما سمعه. قال لها بعد لحظات صمت على روح البراءة:
    "لماذا تخبريني بهذا الأن؟"

    ردحذف
  75. أجابته وهي تجفف دموعها بكلينكس مجعد قذر كانت تعصره بين أصابعها:
    "لابد لي من إزاحة هذا عن كاهلي فقد احنى ثقل ذنبي ظهري وأريد السماح"
    ثم أخرجت ورقة مطوية من حقيبتها وأعطتها لرائد وتمتمت:
    "ما أخبرتك به هو فقط ما فعلته أنا لأختك وهذه الصور والوثائق جمعتها كي انتقم منها لتخريبها حياتي فانقلب الأمر الأن"
    غادرت راكضة وسط نظراته العنيفة فاخذ الورقة وحشرها في جيب بنطاله الجانبي وركض خلفها حيث امسكها من يدها قبل أن تنزل الدرج. صاح فيها:
    "إلى أين يا سيدة؟ نحن لم ننتهي بعد"
    قالت له وهي تسحب يدها:
    "لقد أعطيتك كل ما لدي من أدلة لتنتقم لبلقيس وأنت حر افعل ما تريد وانا يجب أن اذهب"
    صرخ فيها بينما تجمع عمال المطعم ليبعدوه عنها:
    "الأن تريدين مني أن أقول عداك العيب. وأسامحك؟ وأقول عفا الله عما سلف؟"
    وزاد صراخه بينما تجمع الناس بنظراتهم الفضولية:
    "سأخبر البوليس بما فعلت أيتها المجرمة، انت وعائلتك ستموتون على يدي"
    كان يعلم جيدا أن تهديداته الفارغة لن تتحقق. فعائلتها ستسحقه كذبابة أن أرادوا. تجمهر الناس وحالوا بينهما بينما خرجت فوز بسرعة وانطلقت إلى بيتها. أجلسه عمال المطعم ومنعوه من الخروج إلى أن يهدأ.
    هربت فوز إلى منزلها خائفة رغم إنها كانت تتوقع ردة الفعل التي حصلت من رائد إلا إنها لم تستطع منع نفسها من الارتجاف. كم أن الحياة متقلبة. قبلا كانت هي من يرتعب منها من يكلمها ثم انقلبت الموازين وتركها الجاه الأولي وأصبحت وحيدة مريضة تسير في الشوارع تصفي ديونها التي لا تستطيع دفع بدلها. ديون النفس لا يدفعها ألا الموت بيد من أزهقت يدك روحه وذلك غالبا لا يحصل في هذه الحياة. والان هي فقط تريد أن تخفف من حملها فعلى الأقل إذا لم يغفر لها الله ستنتقم من حسان الذي خانها. وتبسمت أمام المرأة وهي تغسل وجهها فتزيل المكياج الصارخ الخافي لمعالمها كقناع. ويزال معه زيف هدوئها ليخرج خوفها من حتفها القريب. ستلتقي ببلقيس قريبا. ونشجت فتطايرت قطرات الماء القريبة من انفها وفمها والتصقت بالمرأة. يجب أن تدمر حسان قبل موتها. يجب أن تخرج الحقيقة إلى العلن. يجب أن يعرف الناس من يكون هذا الرجل يجب أن تجرده من القناع الزائف الذي يعتلي أفعاله كما جردت وجهها من المكياج برشة ماء. رغم أن فضح حسان سيتطلب رشة دماء.
    كيف لم تر ذلك وقتها. لم تشكل بلقيس لها أي مشكلة بل أن مشكلتها منذ البداية كانت مع حسان نفسه. وبلقيس كانت فقط في المكان غير المناسب وسقطت صريعة في حرب ليست كفؤ لها.
    حضرت الطبق المفضل لولديها ودعت أن يحضر سامر مع وهد فهي مشتاقة اليه كثيرا. يال تعاستها بأولادها فقد رباهم حسان آثميَن فأصبح هذا هو الصح الوحيد الذي يعرفانه.
    جلست أمام الساعة الكبيرة التي تعلقها على الحائط تضع قدما على قدم وتهزهما يمنة ويسرة. تطالع الساعة تارة والباب تارة أخرى تستجدي عطف أبنائها منذ سنوات ومضت ساعة على هذه الوتيرة حتى تعبت من الانتظار فنامت على تلك الهيئة. استيقظت قبيل منتصف الليل، وقد كان الجو خارجا بارد ممطر، لا تشعر بقدميها. خدرتا وهما متشابكتان الواحدة فوق الأخرى. دلكتهما قليلا حتى عادت الدماء اليهما ودثرت نفسها بالروب الصوفي الأصفر الذي تلبسه ثم نهضت تشعر بالإحباط والضيق لعدم حضور أبنائها كما تأملت. أرادت أن تتصل بوهد إلا إنها رات رسالة نصية منها تخبرها انهما سيحضران متأخرين بسبب انشغالهما مع حسان.
    أراحتها الرسالة قليلا فصنعت شايا ليدفئها وجلست تنتظرهما وقد كانت امرأة مختلفة كليا عن شكلها الصباحي الذي يراه الناس. بدت تجاعيد العمر واضحة على جبهتها وحول فمها وتحت عينيها المتعبتين. بعد نصف ساعة سمعت الباب يطرق وصوتين رق قلبها لهما يتكلمان بانزعاج خارج بيتها. فتحت الباب ونظراتها معلقة بوجهيهما بيد انهما دخلا مكتفيان بالسلام البارد الذي تعودا عليه معها. أغلقت الباب وتبعتهما حيث جلسا في غرفة الضيوف الصغيرة. قدمت لهما بعضا من الشاي الذي حضرته فلم يشرباه بل وضعاه على الطاولة وهما متضايقان من هذا الاجتماع.

    ردحذف
  76. قالت وهد كي تنهي عذاب تحمل هذه اللحظات:
    "أمي لقد أخبرت سامر بمرضك ولهذا هو هنا. أرجوك لا تفتحي جراح قديمة ودعينا ننسى الماضي ونبدأ صفحة جديدة في الأيام المتبقية لك بعيدة عن المشاحنات بينك وبين أبي"
    نظرت فوز لسامر نظرات حانية فهي لم تتمعن في وجهه منذ فترة طويلة وودت لو تحتضنه كما كانت تفعل عندما كان فتيا. أجابت فوز مصرة على إنهاء ما خططت له من سلسلة اعترافات قبيل الموت:
    "يجب أن أخبركما بكل ما أريد أن أخبركما به فأنتما على أي حال لن ترتميا بأحضاني وتعبرا عن خوفكما علي لذا دعاني فقط أتعامل مع الأمر كانه عمل ويقضى، لكن أولا لقد حضرت لكما الاكلة التي تحبانها ووضعت لكما فيها لحم الغنم الذي تفضلانه فهل تأكلان؟ "
    نظرا لها متعجبين. تساءلا بينهما وبين نفسيهما كل لوحده لماذا هي تريد أن تلعب الآن دور الأم؟ اعتذرت وهد عن الأكل بحجة الريجيم بينما اكتفى سامر بهز راسه معلنا عدم جوعه. قالت متوسلة:
    "قد تكون هذه أخر وجبة تأكلانها من يدي فانا على شفير الموت"
    كان كلا من وهد وسامر يصارعان في صمت رغبه فطرية لإظهار حبهما الدفين تحت أنقاض سنين يتمهما الأمومي لوالدة على قيد الحياة وظهر صراعهما جليا على حركاتهما المتوترة. نهضت وهد وجلست على المائدة بينما تبعها سامر بدون أن ينبس ببنت شفه. وضعت أمامهما الطعام وجلسوا يأكلون كعائلة كأن هذا هو موعد طعامهم اليومي. احتبست دموع فوز لهذا المشهد الذي فات أوان إعادته. يال الحياة التي عاشتها والخيارات التي أوصلتها إلى هذا المكان التعيس. يال بلقيس التي لعنتهم جميعا بلعنة التشتت والحرمان من بعضهم.
    بعد أن انهوا وجبتهم وهم يشعرون بحنين لامهم الفانية، جلس الجميع يشربون شايا أخر. قالت فوز وهي تقشر أظافر يدها بعصبية:
    "لقد اجبرني حسان على الابتعاد عنكم. أنتم تعرفون الحقيقة المشوهة عني. حقيقة مأخوذة من فم والدكم فقط ولم أستطع أبدا أن اشرح ما حصل معي"
    نظرات بعدم الاهتمام رمقها بها سامر بينما كانت وهد أكثر تفاعلا مع الم والدتها. استرسلت فوز مباشرة في صلب الموضوع:
    "بلقيس كانت طليقة والدك لذا هي لم تأخذ طلبك الزواج منها على محمل الجد أبدا"
    أصابت الصدمة كلا من وهد وسامر فهذه أول مرة يعلمان فيها أن والدهما قد تزوج حقا من بلقيس وكل اعتقادهما كان إنها فقط على معرفة به. أكملت فوز في خضم النظرات العدائية من ابنها ونظرات الخيبة من ابنتها:
    "عندما كنت في الأسبوع الثلاثين من حملي بك يا سامر أصبت بتسمم الحمل. تعبت كثيرا وكنت طريحة الفراش لمعظم الوقت. خادمة واحدة لم تكن تكفي لذا طلبت منها أن تحضر من يساعدها. أحضرت بلقيس. قالت لي إنها طفلة ولن تطلب الكثير من المال كما إنها ممتازة بأعمال المنزل وسريعة جدا بإنهائه. وافقت على عملها في المنزل فورا فقد أعجبتني كثيرا وأحببت صوتها الخفيض واحترامها لي. عملت في المنزل لبعض الوقت وكنت سعيدة جدا بوجودها. ساعدتني خلال فترة حملي الصعبة وكانت قربي عندما أنجبتك. اعتنت بك طوال الوقت وكانت دائما تقول إنك الطف طفل رأته في حياتها"
    واختنقت فوز بدمعتها بينما سامر احنى راسه ينظر بين ركبتيه بجمود. أكملت:
    "لم اعلم أن والدك كان يلاحقها حتى تزوجا. ثم اكتشفت انه يلاحقها منذ رآها تعمل في المنزل لأول مرة. أرادها له. وهي لم ترض إلا بالزواج فتزوجها. عندما واجهتها بالامر قالت لي انها لم تملك خيارا اما الزواج أو السفاح. فحسان كان مصمما على أن ينالها. لا انكر انني كرهتها لسنوات. وحملتها كل الذنب على ما تحولنا اليه ولكني في الحقيقة وفي داخلي اعلم جيدا انه والدك! هو الشيطان الذي يجب أن يرجم حتى الموت. لقد كان يتلاعب بالجميع وأول الجميع عائلته. لقد حولكما إلى أدوات ليتسلق سلم السياسة والغنى كما جعلني أنا قبلكما متسلَقا ثم رماني مع مبلغ شهري بدأ بتقلصه لا يكفي لنهاية الشهر ليشتري سكوتي على ما اعرفه من اسرار"
    وكور سامر قبضته بعنف وصك فكيه ببعضهما. نظر لوالدته وعينيه تنطق غضبا بينما هي تبكي وتشهق. تسارعت الكلمات من بين اسنانها وهي تكمل متوسلة:
    "كنت اراقب بلقيس حتى يوم مقتلها. سامر! والدك هو من حول تلك الفتاة إلى ما تحولت له. والدك هو سبب تعاستك وليس هي. ارجوك يا بني ارجوك سامحني وسامح والدك على ما فعلناه بك. دع تلك المرأة ترتاح ادفن ما تبقى من جسدها دفنا لائقا واترك روحها لترتاح فقد طالت لعنتها الجميع"

    ردحذف
  77. صاح سامر بها:
    "بعد كل هذه السنوات اعتقدت أن خيرا يرجى منك سياتي في هذه الزيارة ولكن يا امي خاب ظني. لقد خبأتما عني سرا ما كان يجدر بكما أن تحبسانه. لقد دمرتما حياتي بما فعلتما. والان تريدين غفرانا مني؟ وابي؟ كيف له أن يفعل ذلك بي وقد كان يراني موجوعا بحبها؟ كيف له ألا يخبرني ببساطة أن اتركها لانها كانت يوما ما زوجته؟ وانا الغبي كيف لم اكتشف تلك الزيجة؟ كيف؟"
    واغلق عينيه وهو يحاول السيطرة على أعصابه ولكن جذلا لم يقدر فاكمل ثورته:
    "زوجة أبي؟ أحببت زوجة أبي؟ من بين كل النساء أحببت زوجة أبي؟ وابي وأنت ببساطة لم تخبراني بل تركتماني اقتلها ليموت معها السر كما يموت معها حبي"
    امسكت به وهد لتهدئه فنكث عن كتفه معصمها ورفع كفيه متسائلا ليكمل:
    "ماذا أيضا تخفين عني؟ اخبريني يا امي؟"
    اجابته فوز:
    "لقد كان امر قتلها مدبرا! في تلك الليلة التي حضرت فيها هي لم تكن في منزل والدك لما اعتقدتها هناك بسببه. لقد ...."
    وترددت فصرخ فيها:
    "ماذا؟"
    اجابته :
    "عندما شاهد حسان ولعك بها وعلم بانك لن تترك الأمر كلمني. أراد خطة محكمة كي نتخلص منها نهائيا والى الابد. وهكذا كان. كلمتها بحجة اني أريد أن اتناقش بامرك معها. كانت هي الأخرى مرتعبة من تصرفاتك وخائفة.... عليك"
    ونزلت دمعة من عيني سامر المبحلقة في امه وسمعها تقول:
    "والدك قال لي وقتها انها تستعملك لتنتقم لما حصل في الماضي وصدقته. لم اعلم في الحقيقة نيتها الحقيقية وراء ما تفعله. تواعدنا في تلك الشقة وحضرت هي على الموعد. وبعد أن تكلمنا قليلا وضعت لها الروهيبنول في العصير فتهاوت بعد مدة قصيرة ونقلناها أنا وحسان إلى السرير ووضعتها بالوضعية التي شاهدتها عليها. كان كله مدبر. أنا ووالدك دبرناه"
    ضرب الحائط بيده غضبا وزمجر فيها:
    "لقد تلاعبتما بي؟ وتسمين نفسك ام؟ لا تسالي لماذا حياتك تحولت إلى جحيم. بل انظري إلى ما اقترفته يدك وستعرفين السبب"
    ترك سامر تلك الجلسة التي بدأت باستعادة لحنين ضائع وانتهت بضياع الحنين. قال لاخته بصوته المبحوح المكسور قبل أن يغلق الباب خلفه:
    "سانتظرك في السيارة "
    وصفق الباب خلفه تاركا فوز بدموع منهمرة. ابتلعت وهد ريقها وقالت لامها:
    "امي! اعتقد أن هذا الاجتماع قد انتهى اذا لم يكن لديك شيئا أخر سارحل"
    هزت فوز راسها وهي تبكي بياس وقالت لابنتها وهي تحتضنها أخيرا :
    "احبك انت وسامر فقط تذكري هذا. رغم الم المرض الا ان حبكما كان اقوى من اي شيء ورغم كل شيء. أنا اعترف انني كنت اما فاشلة وقد فشلت في كثير من واجباتي تجاهكما ولكن كان كله بسبب والدكما فقد اجبرني على البعد وهددني أن يقطع عني أي مساعدات مالية اذا ما طالبت بكما يوما وقد كنت بحاجة إلى المال يا ابنتي. لقد اصابني السرطان لحظة ترككما واستاصلته ثم عاد مرتين بعدها والان لا امل لي في أي شيء. الألم يا ابنتي يشتد ولكنه لايقارن بالم فراقكما"

    ردحذف
  78. بتعدت وهد عنها برفق ونظرت في عينيها وهي تبكي وقالت لها:
    "أمي! لقد فات الأوان الآن على هذا الكلام . الطفل هو من يحتاج ليسمع كلمات الحب من امه ويشعر بقبلاتها على خده اما عندما نكبر فنحن نحتاج اكثر إلى ذكريات ذلك الحب لنتشبث بانسانيتنا ونقول كانت أمي وكان أبي... مع هذا فانا أيضا اشعر عميقا بحبك واحتاج في كثير من الأحيان اليك قربي لتنصحيني وتدليني على الطريق الأفضل ثم أتذكر انك لست اهلا لفعل ذلك لنفسك فكيف ستفعلينه لي"
    ابتلعت وهد ريقها ثم تمتمت:
    "لقد دمرت سامر بذلك الاعتراف ولو لم تخرجيه لكان افضل للجميع"
    وقبلت جبهة والدتها ثم غادرت المنزل بعد أن وعدت أمها بزيارة أخرى وهي تبكي باسى على تلك المرأة الوحيدة.
    عادت مع سامر إلى المنزل حيث سهدت تلك الليلة وهي تفكر بوالدتها وما آل اليه حالها في كبرها وخافت أن تكون نهايتها كتلك النهاية المريرة تقتلها الوحدة في شقة خربة افنت حياتها جزء من مخططات والدها وطموحاته. ثم حمدت الله انها ليس لديها أطفال ليعانوا من ذات المصير الذي عانته وسامر في طفولتهما التعيسة.
    لم يجل في بالها أن رجلا في تلك اللحظة يفكر بمستقبله معها. تحت النجوم الخجولة التي تطل بين الفينة والأخرى من خلف السحاب مع نهاية شتاء حافل بالمصائب لمسعود جلس ينظر إلى إيرادات العلوة. كانت تتناقص يوما بعد يوم رغم انها كانت كافية لمعيشة العائلة الا أن استمرار تناقصها سيؤدي إلى افلاس قريب. كان يحضر لكلامه مع عمه في عصر الغد ليخبره بخطوبته القادمة. لقد تم الاتفاق مع حسان على خطوبة بسيطة ووهد لا تريد الكثير من البهرجة فقد نالت كفايتها من الزواجات المبهرجة للمرات السابقة.
    في الموعد عصرا طرق مسعود باب بيت عمه ففتحت له رحمة بابتسامه غير طبيعية على وجهها. كانت سعيدة بتردده على منزلهم بعد أن كان لا يحضر مطلقا واقنعتها مرجانة أن هذا كله ليمهد لطلب يدها. لا تدري من اين جاءت والدتها بفكرة كهذه مع هذا فقد وجدت لذة بالانصياع لما تقوله أمها. ادخلته إلى غرفة الجلوس حيث حضرت فرحة كعادتها للسلام عليه بوجه اصفر متعب وعللت أن السبب زكام بسيط. جاء معصوم فخرجت الفتاتين وبقي العم وابن أخيه لوحدهما.
    قال مسعود :
    "أريد أن استشيرك يا عمي بموضوع زواجي فقد قررت أن أخيرا حانت تلك اللحظة التي ينتظرها الجميع "
    تهللت اسارير معصوم وظهرت سعادته على صوته الضاحك وقد تسلل اليه بعضا من تاثير كلام مرجانة بخصوص مسعود ونظراته لابنتها فاعتقد أن مسعود يتكلم عن رحمة. اكمل مسعود وقد سهلت فرحة عمه عليه الحديث:
    "في الحقيقة يا عمي لقد كنت افكر لبعض الوقت بهذا الموضوع وانا اعرف أن والدي في عمري كان لديه زوجة وابن لذا فقد اخترت لي عروسا من عائلة اعرفها منذ زمن طويل..."
    ربت معصوم سعيدا فقد تأكد أن رحمة هي المقصودة فمسعود لا يعرف أحدا لفترة طويلة بسبب عزلته وطباعه الصعبة غيرهم. قال معصوم قبل أن يتم مسعود كلامه:
    "دعني احضر لك القهوة أولا يا بني ثم نكمل حديثنا"

    ردحذف
  79. مد معصوم راسه من باب الغرفة وصاح:
    "رحمة بنيتي احضري دلة القهوة لابن عمك"
    وهرعت رحمة لتحضر الدلة حيث ادخلتها الغرفة ووضعتها بين يدي الرجلين ثم همت بالخروج ولكنها لقطت بداية حديث والدها حاثا مسعود على الاكمال:
    "اذا يا ولدي ماذا بشان طلب الزواج؟"
    وسقط قلبها بين قدميها. لقد كانت والدتها على حق. ها هو هنا ليحقق ما كانت هي تتمناه دوما. خرجت وأغلقت الباب خلفها ووقفت باذنين منتصبتين تستمعان لما يدور في الداخل وابتسامتها قد ازهرت بين شفتيها:
    قال مسعود:
    "عمي انت تعرف انني رجل طموح وأريد امراة تساعدني على الوصول إلى ما تصبو اليه نفسي. ولم اجد افضل من وهد حسان المطبك لهذه الغاية"
    اقتلع الزهرة بضراوة وحلت محلها دغله باشواك على ذلك الفم الصغير. تعسر عليها كتم قنوطها وجزعها. تلك كانت ضربة قاضية لكمها بها مسعود بعد كل ما فعلته لتقف إلى جانبه. هربت إلى غرفتها تبكي ولم تخبر مرجانة أو فرحة عند سؤالهما بالامر. لم تكن صدمة معصوم اقل من صدمة ابنته ولكن السبب اختلف. قال لمسعود حائرا:
    "لماذا يا بني لماذا انت تصر على وضع يدك بيد ذلك العجوز الماكر؟ الم احذرك منه مرارا؟ الم اخبرك أن ذلك الرجل خطير؟ وعائلته ليست اقل خطرا. اتريد أن تتزوج ابنته التي كثرت حولها الاقاويل. الم تسمع بالاشاعات التي طالت ابنه المخيف غريب الاطوار؟ اتريد حقا ربط عائلتنا بعائلته؟ سمعتنا يا ولدي كانت لعقود ناصعة والان انت سترش عليها طين الخنازير"
    هز مسعود راسه ملولا وأجاب :
    "يا عمي لقد قلتها بنفسك اشاعات لم يثبتها احد وان ثبتت لما استطاع حسان أن يترشح لمرات ومرات لمناصب حكومية مختلفة وها هو سيدخل الانتخابات المقبلة بنية رئاسة الوزراء وساصبح أنا زوج ابنته في منصب حكومي مرموق وسادخل عن طريقه إلى السياسة"
    زفر معصوم فهو يرى ابن أخيه يدخل إلى وجار الضبع راغبا برجليه. اذا لم يتمكن من منعه على الأقل لينصحه بنصائح يتسلح بها عند سلوكه هذا الطريق:
    "يا بني! لا يكن حسان المطبك مثلك الأعلى في هذه الحياة فهذا مثل سئ. عائلتك هي من يجب أن تقتدي بها. لا تتخذ السياسة تجارة دنيوية بل هي تجارة للاخرة. و لا تطفئ زر الضمير يا بني لانك أن فعلت ستعيش في تخبط الجشع. وتذكر لكل خطأ مرة أولى والمرة الأولى للحرام هي بداية الضياع في كأس من الخطايا"
    كان كلاما فلسفيا لم يرق لمسعود كثيرا وفي النهاية فعل ما جاء لاجله. أخيرا بدأ معصوم يحاول أن يلين لعقل مسعود العنيد. لقد تاكد انه أن عاند العنيد سيخسره وقرر أن يتنازل قليلا كي يكون قرب مسعود ويحميه من عناده.
    خرج مسعود بعد أن افضى باتفاقه لمعصوم حول العرس القادم ونقل معصوم الخبر لعائلته. فانهارت مرجانة وقد توضح لها سبب بكاء ابنتها. صعدت إلى غرفة رحمة كي تواسيها فلم تجدها. نزلت إلى الأسفل لتبحث عنها ولكنها لم تكن موجودة في المنزل.

    ردحذف
  80. بينما كان البحث متواصلا في المنزل كانت رحمة جالسة تبكي وهي تشيع مسعود بنظراتها وهو يبتعد عن منزلهم. هكذا اذا انتهت الحكاية. منذ البداية كانت كل العلامات التي تصلها خاطئة فابن عمها لم يفكر بها أبدا كما يفكر رزاق بفرحة. وتذكرت يوم اخبرها إنها شبيهة بوالدته ولكم فرحت عندما قال لها تلك الملاحظة عن ضفيرتها. وامسكتها بغل وهي تسحبها كانها تريد أن تقتلعها من راسها. ارادت أن تركض خلفه و تقول لها كم يؤلمها مايفعله بها. كم يؤلمها أن يجعلها تعتقد أن له تجاهها إحساسا ثم يسلبها فجاءة كل الاحاسيس. سمعت والدتها تنادي عليها وتجاهلتها فقد أرادت أن تبكي كثيرا وحيدة وقت الغروب وهي تنظر إلى أخر بقايا منه تتلاشى في الطريق كما تلاشت احلامها التي جمعتها به حيث ابتعد عنها الأن وأصبحت رؤيته التي لا مفر منها كالسير على الزجاج مؤلمة ومدميه.
    أخيرا ظهرت مستجيبة للنداء فارتاح قلب والدتها واحتضنتها وهي ترى عينيها المحمرتين فتشعر بالذنب لانها ساهمت بزرع أوهام مسعود براسها وندمت لانها تصورت أن هذا الرجل سيفكر يوما بالتقرب من بيت عمه أو الاندماج مع عائلته.


    .... احبكم

    ردحذف
  81. الفصل الخامس عشر
    *في رحلته في الحياة يرى الإنسان الكثير من الأمور. بعضها يتجاهله أو لا يكون له أثر عميق لذا ينزلق من الذاكرة بيد إن البعض الأخر يكون شخصية هذا الإنسان ويشكله كما يشكل النحات تمثاله. أسابيع من المرارة وأسابيع من التفكير تتلوها أسابيع من الحزن. أفكار لا يمكن للفرد تداولها فيحبسها في خلايا عقله حبسا أبديا أو يحكم عليها بالإعدام كي يتخلص منها. مع هذا تبقى شظايا من تلك الأفكار تزرع في اللاوعي وتبدأ بالتكاثر والتزايد. كل شظية على حدة تفجر العقل بأفكار وليدة الفكرة الأم وتنتقم من ذلك الإنسان بان تطغى على حديثه وتصرفاته ومشيته ونظراته. لا مجال الأن لحبسها فقد ثارت بعد إن تكاثرت وأضحى حبسها مستحيلا. الأن أعلنت الأفكار الثورة ولن ترتاح حتى تصل للكل وتتزاوج في عقولهم لإنجاب جيل جديد يكمل مسيرها* جلس رائد يدخن الأكيلة بغل. لقد تعقدت الأمور كثيرا وتكدر عليه صفو عيشه. طرده صاحب الجريدة التي يعمل فيها قبل يومين من عمله بسبب فقدانه التركيز. هذا هو شهر مر على لقائه بفوز ومعرفته تلك المعلومات منها والتي شلت تفكيره ويغضبه انه لا يستطيع إن ينتقم لما جرى لبلقيس. يده مقيدة بقيود الخوف وعقله مشبع بمخدر الحزن. هل سيذهب دم أخته هدرا. طوال هذه السنوات اعتقد إنها فاجعة للعائلة. لا يكفي تبرء والده منها في تخليص العائلة من انتمائها لهم لان انتمائها هو انتماء الدم وحتى إزهاق روحها لن يفك تلك الرابطة. نفث الكثير من الدخان ثم دفع حسابه وخرج يحمل مظروفا اصفر اللون متجها بخط ثابت إلى مكان يعرف الطريق اليه جيدا. ويدخله بدون اثارة الشبهات باستعمال هوية الصحفيين الخاصة به. نظر يمنة ويسرة ثم بخطوات سريعة صعد بسرعة درجات العمارة المكونة من طابقين وزحلق المظروف من تحت باب شقة سامر ثم هرب سريعا. كان يريد باي طريقة إن يفعل شيئا ليفضح تلك العائلة وتذكر والدته وهو يعبر الشارع. تلك العجوز المسكينة التي بقيت تبحث عن بلقيس وقد فقدت عقلها عندما اختفت قبل ما يقرب العقد من الزمن. لم تصدق إنها ماتت وطالبت بالجثمان فهذا هو الدليل على الموت وبما إنها لم تلطم على واحد ولم تشق الجيب فوقه إذا فابنتها لاتزال على قيد الحياة.

    ردحذف
  82. تذكر أخر مرة تحدث معها راجيا إياها إن تأتي لتعيش معه في المنزل وتنسى الماضي لتعيش الحاضر مع أطفاله الصغار فقالت له بصوتها المرتجف.." لن تصبح بلقيس ماضي أبدا". رغم إن جميع العائلة نفرت منها بسبب سمعتها التي كانت تجري على كل لسان إلا إنها ظلت تدس المال لوالدتها في مظاريف بيضاء وترسلها مع أحد الأطفال الذين يعملون في الفندق الذي تسكنه منذ تركت البيت. كان المال لشراء الأدوية لوالدها والطعام لعائلتها. لقد مات كل من عايشوا هذه القصة ولكن ماذا بشأن ابن بلقيس الذي سرقته تلك الممرضة. وصل إلى نفس المكان الذي كان يجلس فيه في القهوة وطلب المزيد من الأركيلة. فتح الورقة التي تركتها له فوز للمرة الألف وفيها كُتِب اسما وعنوانا كانت قد تركتهما الممرضة لفوز لتبرئة ضميرها من موضوع الطفل. هل عليه إن يذهب الأن بعد كل هذه السنوات ليبحث عن شخص يقال ان أخته ولدته. كيف بإمكانه أن يثبت انه ابن بلقيس وماذا سيقول له. وهل سيكون النبش في ماضي هذا الرجل وأخباره بالحقيقة أمرا جيدا أم إخفائه عنه ورحمته من كل تلك الحقائق المؤلمة التي سترهق حياته وقد تقلبها راسا على عقب. بعد إن أنهي نارجيلته عاد إلى المنزل حيث كان فارغا. لقد ذهبت زوجته إلى أهلها لبعض الوقت بعد إن رات ما فيه من ارتباك وعصبية. كانت حجة أيضا لترى عائلتها في الجنوب. نام فور وصوله المنزل ولكن نومه كان مكدرا. كوابيس وأشخاص مختلفين زاروه في الحلم في مواضع لا علاقة لها بهم واشتباكات فكرية ونيران تشتعل ثم بشكل سحري تطفئ وبعدها انتظمت رؤياه ورأى وجهها حزينا باكيا مصفرا. كانت بلقيس أخته قد انقسمت نصفين. نصف منزوع الجلد ومدمى الجوانب أصلع الراس والجزء الأخر كانت هي بشحمها ولحمها بيضاء ناعمة يتطاير شعرها النامي على تلك الجهة يمنة ويسرة. ارتعب من رؤيتها ولكنها طمأنته. قالت له بحنو: "دعه يفعلها" سألها رائد وهو لايزال مأخوذا بمنظرها المخيف: "من هو ويفعل ماذا؟" صرخت فيه وقد انقلب مزاجها الهادئ إلى عذاب والم: "بذرة رحمي دعه يفعلها " سألها للمرة الثانية وقد كان العرق يتصبب منه فقد اشتعل المكان حرارة واخته كانت تزداد هيجانا كلما زاد الحر أمسكت معصمه وصرخت بصوت يهز الأبدان: "الانتقاام الانتقااام الانتقاام " وظلت تردد كلمة الانتقام حتى اختفت وقفز رائد من منامه فزعا يشعر بخدر في يده ونقاط حمر بدأت تتلاشى من على جلدها. عقد العزم على الارتحال إلى العنوان المدون في الورقة فور طلوع الفجر محثوث برؤيا أخته المخيفة. في مبنى الوزارة، كسر سامر الكوب الذي وضعه الفراش في مكتب والده أمامه ليضّيفه. صرخ معترضا على كلام والده: "لم تخبرني! لم تحذرني! جعلتني اخنقها بيدي. لماذا يا أبي؟" تنفس حسان مفكرا بما يقوله لابنه. كان هائجا مع هذا فحسان يسيطر عليه سيطرة فكرية

    ردحذف
  83. خوف زرعه به منذ الصغر. عقوبات روضته عقليا وفكريا ليصبح أداة لا أكثر ولا اقل بيد والده. ولازال جسده يحمل أثارها إلى اليوم ليتذكرها سامر كلما أراد إن ينشز. تمتم حسان: "كانت تستعملك للانتقام مني ومن فوز. واستحقت ما حصل لها. أنا حاولت تحذيرها من اللعب بالنار كي لا تحترق بها ولكنها لم تستمع. لا تشعر بالذنب الأن لما حصل قبل سنين. إنها امرأة والنساء كثيرات فاختر أي واحدة غيرها وامضي بحياتك" صك سامر على أسنانه وهو يرى برودة والده أمام نيران قلبه. هذا الرجل الحديدي لا يشعر بالذنب أبدا لأي شيء حتى لأذية فلذات كبده. وكل من يتأذى بسببه بنظره استأهل الأذية. خرج سامر من مكتب والده وقد استهلك النقاش معه طاقته لذا رجع إلى بيته كي يرتاح قليلا. بعودة سامر إلى البيت اكتشف فور دخوله ذلك المظروف المرمي على عتبة بيته. هرع راكضا إلى الكاميرا الجديدة المثبتة أمام المدخل وبدأ يسرع ويبطئ إلى إن وصل إلى اللحظة التي دخل فيها رائد إلى العمارة. راقب ذلك الرجل الأسمر الصليع يدفع المظروف من تحت الباب وكشر سامر عن أنيابه. هذا هو الرجل الذي يتلاعب معهم لعبة لا يفهمونها. فتح المظروف وقد كان فيه صورة تجمع بلقيس بحسان. اغلق سامر عينيه. تساءل هل يا ترى هذه الصورة عندما كانا زوجين سعيدين أم قبلها. لقد حقد على والده لأنه لم يخبره إن بلقيس كانت يوما زوجته. كيف امكنه إن يرى ابنه يقع في حب امرأة كانت يوما زوجة ابيه بدون إن يمنعه. وكيف استطاع إن يراه يقع في حبها ويتبعها ويحاول الفوز بقلبها بينما هي كانت لوالده قبلا وهي ... لما لم تخبره.. وقد يكون لنظرات الاسى في عينيها تحذير لما هو مقدم عليه فعالمها عالم الخطايا و ذنوبه لا غفران لها. عالم متلخبط بوهيمي لا اعتراف لأبسط المحظورات فيه. متشابك بشكل عسير على الفهم. لقد حولت حياتها إلى تجديف وفقدت فيه كينونة البراءة التي وشحتها سابقا مدفوعة بكل الأذى الذي نالته من حسان وفوز ثم تاليا من سامر. استخرج صورة الرجل ووضعها في هاتفه ليبحث عنه وعندما يجده سينتزع منه اعترافا وبعدها لن يرى النور. لم ينتبه سامر لما هو مكتوب خلف الصورة التي أرسلها له رائد وانشغل بتوقه لمعرفة هذا الرجل الدخيل الذي لديه معلومات كثيرة عنهم. أرسل الصورة إلى أحد الرجال الذين يقومون له بعمليات خارجية وطلب منه إن يبحث هو الأخر عن صاحب الصورة ثم وقبل إن يترك الأمر للغد رأى الكتابة التي على الجانب الأخر. كانت تقول (أنا اعرف كل شيء عن بلقيس وسأفضحكم). زادت الكتابة من غضبه واحمرت عيناه واخرج بلقيس من خزانتها ليفرغ غضبه فيها. خلع ملابسها ثم خلع حزامه الجلدي وبدأ يضرب المنيكان على ظهرها وهو يسمع صوت أهاتها المتألمة المتوسلة في عقله الذي أصبح على شفير الضياع. صاح بها وقد تطاير شعره من كثرة ضربها: "انت أيتها الملعونة. انت سبب كل ما أنا فيه. لماذا لم تخبريني بأمر أبي؟ لماذا لم تتركيني ارحل. لماذا جعلتني أتعلق بك وتلك النظرة الحزينة فى عينيك سلبت فؤادي معتقدا أنك مغلوبة على أمرك والحقيقة إنني كنت أبلها ساذجا طفلا راك أمامه وتعلق بك. لماذا يا بلقيس أخبريني أرجوك " وسقط على الأرض يبكي كطفل صغير وقد امسك بكعب قدميها ووضع خده عليهما يقبلهما متوسلا: "سامحيني يا بلقيس سامحيني " فات الأوان الأن فلا سماح يجدي ولا غفران. تاهت على الكل من المصيب ومن المخطئ ومن الذي يتلاعب بمن. "حبيس عذابي الابدي" من منهما لمن؟ ا هي التي بجسد في جمود تقبع بخزانة الذكريات حبيسه يرهقها ظلام الوحدة أم هو حبيس في ذكريات عنقها المسفوح. من يا ترى السجين ومن منهما السجان. امن يملك الجسد أم من يملك الروح. لا فرق بين الربيع والصيف في بلد يختبر فصلين فقط طيلة السنة. فصل الخيانة وفصل الغفران. كلا الفصلان يعتمدان على بعضهما فلا يحدث احدهما الا اذا حصل الأخر . تفادت رحمة النظر إلى مسعود الجالس في الديوان وهذا ديدنها منذ علمت بعزمه على خطبة وهد. اجتمعت العائلة ذلك اليوم بطلب من فرحة نفسها موعودين بخبر سار. جلسوا ينظرون إلى مرجانة وقد تورد خداها وهي تعلن عن الحفيد القادم. لم يسع معصوم الأرض وما فيها للخبر بينما قبل رزاق فرحة وهو سعيد بالخبر الذي نقلته امه وسط استحياء فرحة الشديد. قال معصوم لرزاق وهو يربت على كتفيه برفق: "وأخيرا يا ولدي ستنجب لنا طفلا ليملا المنزل علينا في كبرنا" احتضنه رزاق وأجاب: "سأسميه معصوم على اسمك يا أبي إن كان ولدا" ضحك معصوم فرحا فقد نال أخيرا أمنيته بان يصبح جدا ثم نظر إلى رحمة بقلب محزون قائلا: "ستكتمل فرحتي يا ابنتي عندما أرى أحفادي منك يسيرون سعداء على هذه الأرض المباركة التي سار عليها قبلا أجدادهم" ابتلعت ريقها ولا شعوريا نظرت إلى مسعود الواقف على جنب سعيدا هو الأخر لسعادة اخته يقبلها من راسها. تبادل مع رزاق بعض النظرات ولكن البرود كان لايزال بينهما سيد الموقف. هما

    ردحذف
  84. يحاولان قدر الإمكان تفادي بعضهما مع أن في داخل كل منهما بعضا من الميول إلى التصالح والتقارب خصوصا بعد موقف مسعود الاخير مع رزاق ولكن عزة النفس منعتهما من الابتداء وتركا بداية التصالح معلقة بينهما. طلبت مرجانة من فرحة إن ترتاح في غرفتها ثم صرخت في رزاق: "اذهب مع زوجتك وساعدها كي تصعد السلالم فهي منذ اليوم وحتى إن يصبح الطفل سنتين ستحتاج اليك اكثر." ضحك رزاق وهمهم: "وهذا ما سأفعله يا ست الكل" وامسك يد فرحة وقبلها ثم سارا للحظة قام بعدها بحملها فصرخت متفاجئة بينما قال لعائلته: "هل هذا افضل يا امي" ضحكت الام وهي تؤشر ناحيته متعجبة ثم قالت: "افعل ما تجده مناسبا يا ولدي " ثم انفل الجميع وقرر مسعود العودة إلى منزله. شكر مرجانة على الطعام فقالت له متقصدة: "يجب إن تشكر رحمة فهي من حضر الطعام اليوم " كان يرى برودا في حديثها كأنها عادت إلى حالتها القديمة معه مع هذا نظر إلى رحمة نظرة امتنان ولكنها هي الأخرى متبدله عليه ولا تبدو كسابق عهدها. لقد كان مسعود يفكر في كل الاحتمالات ماعدا احتمال أذيتها بسبب خطوبته المرتقبة. قال لعمه: "أنا أفكر بتوظيف امرأة لترى احتياجات المنزل فالفتى الذي يصنع لي القهوة والشاي لا يمكنه الاعتناء بحاجات المنزل الأخرى فهل تعرف أحدا موثوقا بإمكاني الاعتماد عليه؟" حملقت فيه مرجانة متعجبة وأجابت مكان زوجها: "نعم اعرف ابنة عمك " وأشارت إلى رحمة التي كانت تنظر إلى والدتها المفروسة من مسعود وتصرفاته متعجبة. قال مسعود مجيبا: "لكنه عمل متعب " أجابته مرجانة من دون إن تعطي فرصة لأي أحد إن يجيب: "قد يكون متعبا لابنة الوزير ولكن ليس لابنتي" قال مسعود بهدوء وقد رأى إصرار مرجانة على الحوار العصبي فهو ليس في مزاج هذه الأيام ليتخاصم مع أحد: "هل تستطيع إن تأتي غدا إذا" أجابت مرجانة وهي تؤشر بيديها يمنة ويسرة: "ولماذا غدا اذهبي معه الأن يا رحمة واريه كيف تعتنين بمنزل عمك وانا معك " رفع مسعود حاجبيه ووسعت عينيه متعجبا بينما قال معصوم لزوجته التي أخذها تيار الحديث: "ولكن يا مرجانة سيحل الظلام قريبا وابني مسعود متعب وبالتأكيد يريد إن ينام ويرتاح، ستاتي رحمة غدا صباحا يا بني ولا حاجة إلى غريب يدخل بيننا.." قاطعته مرجانة لتقول: "أو زواجك عندها لن ترى ابنتي أبدا" نظر مسعود إلى رحمة التي تبدل لونها إلى الأصفر فقد خجلت من كلام والدتها الذي يلمح لمسعود بالكثير من التلميحات. هز راسه موافقا ثم مر من أمام رحمة وقال لها: "تعالي في أي وقت تشائين وفي أي يوم تريدين فهذا سيظل منزلك حتى بعد إن أتزوج" والتفت إلى مرجانة مودعا الجميع مثبتا ناظريه عليها. بينما هي متضايقة من بروده. في اليوم التالي نهضت رحمة مبكرا وحضرت إفطار عائلتها مع والدتها ثم خرجت برفقتها متجهة إلى منزل عمها. فتحت الباب ودخلت بدون إن تخطر مسعود بقدومها كما طلب منها وكان المنزل هادئا جدا دليلا على إن مسعود نائم. حضرت له الفطور أيضا وبدات عمليات تنظيف بسيطة بينما خرجت والدتها لتسقي الزرع في الحديقة وبعد ساعة استيقظ مسعود وسمع صوت خطوات فعلم إن رحمة في المنزل. مد راسه من بين فراغات الدرابزين الخشبي ليرى ان كانت مرجانة معها فلم ير سوى رحمة تمسح الأرض بممسحة خشبية طويلة وقد رفعت أكمامها وربطت شالها حول رقبتها فتطايرت ضفيرتها الطويلة خلفها تتراقص كعادتها على أنغام اللحن الذي كانت تدندن به. راقبها لخمس دقائق وهي تقوم بعملها بكل اجتهاد حتى انتهى المسح فابتعد هو داخلا إلى غرفته على أطراف أصابعه ثم لبس الشبشب وبدا يسير بخطوات ثقيلة كي تعلم بصحوته. بسرعة أنزلت أكمامها وربطت شالها بعناية ثم أكملت ترتيب المكان. نزل الدرجات إلى الأسفل حيث سلم عليها فأجابته برسمية فلا داعي الأن لأي لين في كلامها معه. سألها وهو يتابعها تتحرك هنا وهناك باضطراب: "ماذا؟" أجابت: "ماذا ماذا؟" قال: "ماذا بك؟ لماذا تعامليني برسمية وأنت على هذا الحال لفترة الأن؟ " لا تدري هل يصطنع الجهل بما يجري حوله أم انه يتقصده. أجابته: "أنا لا أفهمك يا مسعود أنا حقا لا افهمك. انت تتعبني كثيرا بما تفعل. هل تتقصد إيذائي أم إن حظي كليل بلا قمر" تطلع فيها وهي تجلس على احدى الأرائك تحاول إن تهدأ فجلس على الأريكة المقابلة وقال لها: "انت من لا يفهمني يا رحمة.

    ردحذف
  85. من دون العالم بأكمله اعتقدت إنك الوحيدة التي تفهمني وها انت الأن تعامليني بهذا الشكل" هزت راسها متعبة نفسيا من كلامه، تصرفاته، محاولاته الدائمة لتحويل الأمر كأنه خطئها. لماذا هي متعلقة به هكذا؟ من الممكن إنها تريد إن تعيش كما تعيش فرحة سعيدة مع الإنسان الذي اختارته ولكن مسعود ليس كرزاق. انه مختلف عنه عنيد وجامح ومجنون. سألته من تحت أضراسها: "متى ستخطب؟" أجابها: "قريبا جدا. نحن لن نحتفل بالخطوبة وسنبقي الحفلة الكبيرة للزفاف. ستقتصر الخطوبة على لقاء العائلتين فقط. هذا ما يريده والد العروس" شعرت بغصة في حلقها المتها. سألته خجلة خائفة من جوابه: "هل ... تحبها؟" أجابها ضاحكا وهو ينظر اليها: "الهذا انت ساخطة وحزينة؟" لم تجبه. شعرت بغباء شديد فكيف سألته هذا السؤال؟ أي حب هذا وهي التي كانت تضحك على كلام فرحة عن الحب. الأن هي تجلس جلستها وتسال عما نهتها عن الحديث عنه سابقا. وتساءلت هل كانت فرحة قوية لتسال رزاق تلك الليلة عن الحب؟ لم ينتظرها حتى تقرر الكلام ولاحظ انكماشها على نفسها فقال: "لا! أنا لا اهتم لوهد ولا اهتم لعائلتها يا رحمة. زواجي كأنه صفقة عمل بين العائلتين لتقريبهما من بعض. كما يفعل الملوك والرؤساء. يتزوجون كي يحلوا مشاكل الدولة بالتقرب من دول قوية تسندهم. وهد أيضا بالتأكيد لا تهتم لي. ولكني أجبرت عائلتها على القبول بهذا الزواج وانا سعيد لأني استطعت بسط سلطتي عليهم" حملقت فيه. يتكلم عن الزواج بهذا الشكل كأنه عقد عمل. نهضت من مكانها لإكمال عملها فكلامه لم يخفف عنها فاستوقفها قائلا: "رحمة! لا تعتقدي إن وهد أفضل منك أو أجمل. انت بنظري لا تقارنين بأحد ولا أحد كفؤ لك لا أحد. يكفيك إنك رحمة المساعي" خنقتها دمعتها. كانت تود إن تقول الكثير من الكلام ولكن الحياء منعها. اكتفت بالقول: "قد يكون كافيا للناس ولكن ليس لك يا مسعود" ثم ابتعدت عنه كي تتمكن من إطلاق العنان لحزنها. القريب البعيد. الحبيب الغريب. هذا ما كان يمثل لها. ومازال! قد لا تفصلهما البحار ولا تبعدهما مئات الأمتار ولكن سيكون بينهما خندقا عبوره محال. خندق مؤمن بآلاف الخوازيق ومن يعبره مزال. وحارت في عينيه. هي بالنسبة اليه. الأحسن والأفضل.. ولا أحد يقارن بالأفضل. ومع هذا يصر على اختيار أخرى. فقط ليرضي طموحه.

    ردحذف
  86. الفصل السادس عشر
    هلمي يا حبيبة عمري
    يامن اختارها لي قدري
    وجادت بها الأيام مقابل ما عانيته من صبري
    هلمي نرقص فرحا في سراديب المحبة
    ففي ظلام السراديب سيشع نور البهجة
    من عينيك فلا تعد هنالك ظلمة
    بل تشرق شمس وجهك وسط وجع العتمة
    ولان كل امرأة تحتاج إلى رجل يسقيها كل صباح قبلة
    كي ينتعش يومها وينتشر عطره بين ملابسها.
    الثم ناظرك في جنوح كتوقيع صك ملكية يقول انت ملكتي...

    استيقظت فرحة متأخرة وهي متعبة وقد أضنتها علائم الحمل والوحام الشديد. رفعت راسها ولم يكن رزاق بجانبها ففي هذا الوقت هو بالتأكيد قد خرج لعمله الذي يتبادل بين العلوة وبين المزرعة فلا أحد له قدرة على إدارتهما مثله. كان يذهب إلى العلوة مرتين بالأسبوع بينما يبقى بقية أيام الأسبوع في المزرعة كي يصبح قريبا من زوجته. تحاملت على نفسها ونهضت فأي رائحة تداعب انفها ستكون نذيرا بالتقيؤ والإعياء. غسلت وجهها المتعب وأخذت حبة فيتامين وحبة للغثيان وصفتها لها الطبيبة ثم جلست تنظر من شباك غرفتها للخارج. بعد خمس دقائق فتحت الباب بهدوء ومد راس يطالع ما فيها. ضحكت فرحة عندما رأت رزاق يمد راسه وتفاجأت في نفس الوقت. سألته: "الم تذهب إلى العمل؟" أجابها وهو يناولها عصير فواكه: "سأذهب فور تناولك الفطور. هذا العصير المغذي صنعته لك خصيصا بوصفة من أحسن المجلات العالمية وفيه الكثير من الفيتامينات وطعمه لذيذ أيضا" خافت أن تشرب العصير إلا انه شجعها قائلا: "كل ما فيه فواكه وإذا لم يعجبك بإمكانك إخراجه كله بدون أن تحملي هم التنظيف" ضحكت وأخذت رشفة فاعجبها العصير كثيرا وأثنت عليه ثم بدأت تشربه بهدوء بينما جلس رزاق بجانبها واضعا يديه حول خصرها يتأملها وهي تبتلع ما صنعت يداه. تبسم وهو يطالعها برفق فسألته: "لماذا تتبسم؟" قال: "تراقص جيدك وأنت تبتلعين العصير يرهق أعصابي. اشعر بالغيرة من هذا العصير الذي يدخل جوفك فيقويك بينما أنا اجلس بجانبك لا افعل شيئا" ضحكت واضعة راسها على صدره بينما تسلم الكاس الفارغة منها ووضعها على الطاولة التي بجانبه. قالت له: "هل تعتقد أن في شيبتنا سيكون بوسعي أن أضع راسي على صدرك هكذا؟" أجابها: "في شيبتنا وفي شيخوختنا سيكون هذا القلب ملكك يا حبيبتي والصدر الذي يعتليه وسادتك تنامين عليها متى ما أرادت عيناك الغفوة" اخرجها كلامه الجميل من جو الاستمراض والكابة الذي كانت تعيشه. واشعل خديها بحمرة الخجل والحب. اخذ الكوب ليحضر لها مزيدا من العصير فأخبرته إنها تشعر بتحسن وستذهب معه. كان معصوم جالس كعادته يطالع الأخبار هذه المرة في الجرائد. تهللت أساريره وهو يشاهد ابنه وفرح في الأسفل سعيدين معا وشعر معصوم بالراحة والاستقرار لمجرد رؤية تلك الابتسامة الشغوفة التي تضيف إلى البيت طاقة إيجابية. طرق الباب فذهب رزاق ليفتحه وخمن الجميع أن مرجانة ورحمة عادتا من منزل مسعود ومن الممكن إنهما نسيتا أن تحملا المفتاح معهما. فتح رزاق الباب وكان هنالك رجل اسمر ينتظره. نظرا إلى بعض ثم قدم الرجل نفسه: "أنا رائد راضي.." رحب به رزاق فأكمل رائد: "أنا هنا .... حسنا لا أدرى كيف أقولها إنها قصة طويلة هل انت رزاق؟" هز رزاق راسه فتغيرت ملامح وجه رائد ورقت. احتضن رائد رزاق وسط دهشة الأخير الشديدة وبكى قائلا: "هل أستطيع الحديث مع الشيخ معصوم" هز رزاق راسه وادخل رائد إلى الديوان ثم أخبر والده: "يوجد رجل غريب ومخيف في نفس الوقت. يريد لقائك انه في الديوان" ذهب معصوم ورزاق متحيرين وجلسا مع رائد. كان في جعبة رائد الكثير ليقوله لهذه العائلة. الكثير من المعلومات التي ستغير حياتهم إلى الأبد. حقائق ستقلب حياة رزاق الهادئة ولو أن رائد لا يخبره بها لكان أفضل. في منزل مسعود أنهت رحمة العمل وأصبح البيت يلمع كالبرق. تحضرت للعودة إلى منزلها مع والدتها فاتجهت ناحية الباب وهي تبحث عن مرجانة التي كانت تسقي الزرع فاستوقفها مسعود. قال لها: " سآتي معكما " قالت له رحمة: "في الشهر الأخير أصبحت تزورنا كثيرا جدا" تبسم وأجاب: "أريد أن أراك أكثر"

    ردحذف
  87. حملقت فيه بحاجبين متسائلين متعجبين من تصابيه معها. كان هو يعني كل كلمة قالها. مشاعره تجاهها مجهولة بالنسبة له، فقط، لأنه متعود عليها ويعلم جيدا إنها ستكون موجودة دائما في حياته. لقد تأكد من إبعاد الكل عنها بشكل غير مباشر. عندما بدوءا الخطاب يتوافدون على خطبتها شعر إنها ستضيع من أمام ناظريه. لم يقم بخطبتها لأنه لا يريد سوى إبقائها بجانبه. يعتقدها والدته وبقائها معه مرتبط بالدم. هذا هو العقد الوحيد الذي يعقدهما في الوقت الحالي. يكفيه رؤيتها يوميا وهذه الرؤية هو متأكد إنها لن تنقطع أبدا لأنها ببساطة لن تتركه وحيدا، هو لن يسمح لها. إيمانها به مختلف وعلاقتها به ليست كباقي العلاقات البشرية. علاقتها به هي علاقة المخلص بالمذنب. لا تنقطع حتى ينقطع النفس. ورحمة هي رحمته التي يربط بضفيرتها عقد الأبدية الغير مشروطة. ضحك وهو يقضم تفاحة وجدها في الثلاجة وقد أشرق وجهه. ثم خرجا مع بعضهما ليجدا مرجانة تجلس على اريكة خشبية وبيدها مسبحتها... ثم سار الثلاثة وبينما تقدم مسعود ورحمة لسرعتهما بقيت مرجانة تسير بهوادة خلفهما ليست بعيدة... وسط الحقول التي بدأت تسترد عافيها وتشرق مع بداية تحسن الجو. سألها بصوت خافت: "هل ضايقك سامر المطبك مرة أخرى؟" بنظرة جانبية وصوت متعجب قالت: "هو لم يضايقني يا مسعود سابقا. جاء الرجل فقط ليتبرع ثم خرج. أنا فقط لا افهم ما بك" كيف يخبرها انه رأى سامر يفترسها بنظراته ذلك اليوم وود لو يقتلع عينيه رغم أن لأشيء ليراه سامر إلا أن مسعود شعر أن حرمته انتهكت وأملاكه عرضة للسرقة.

    ردحذف
  88. لم يجبها بل غير الموضوع. قال: "ستتم حفلة الخطبة بعد أسبوعين سأجمع فيها الكبار وأخبرهم بدخولي حزب الوزير حسان المطبك" قالت بمرارة: "ولكنك قلت إن الخطبة ستكون بسيطة وعائلية" شبك يديه خلف ظهره وأجابها: "نعم! لن تكون كزواج رزاق فلا ولائم ستقام فقط عشاء . الوزير حسان يرى أن ذلك افضل لجمع العائلتين وسيكون تاثيره على الحاضرين كبيرا" لم تجب سارت بجانبه وهي تتفادى رؤيته لعينيها. كانت تأن بجانبه لوحدها. صوتها يعافر للخروج صارخا كي يشعر قلبها بالتحسن ولكن أسنانها القوية عضت على لسانها واحتجزته وبقيت قوية لا تهزها ريح المها. وصلا إلى المنزل فدخلا من الباب الرئيسي واستقبلتهم فرحة المصفرة قائلة: "يوجد في الديوان ضيف غريب. لقد دخلا إلى هناك منذ بضع دقائق" رفع مسعود جانب من جانبي الغترة إلى الأعلى وطبقه على راسه ثم قال: "سأذهب أنا إلى المزرعة إذا، كلميني إذا ما أصبح عمي متفرغا. لقد اقترب موعد الخطبة وأريد أن أتناقش معه بشأنها" خرج وهو ينظر إلى الغرفة المغلقة على عمه متسائلا من عساه هذا الغريب وماذا يريد. كان الغريب (رائد) يتطلع بحيرة إلى رزاق ومعصوم. كل ما راه إلى الأن يمنعه من أن يدلي بدلوه. رزاق يبدو سعيدا جدا بحياته الحالية وقد يكون جاهلا بالحقيقة التي سيخبره بها رائد. ارتشف بعض الماء ليبلل ريقه وسال معصوم: " هل انت كبير العشيرة؟" أجاب معصوم بسؤال: "لماذا تسألني؟" نظر رائد نظرات متواترة لكل من رزاق ومعصوم وقد كان معصوم يجلس قريبا جدا من ولده وبينهما تفاهم عظيم. كانت الكلمة تقف على طرف لسان رائد ليخبر رزاق من يكون ثم وفي أخر لحظة... جبن. الحياة التي عاشها هو نفسه في ظل سمعة أخته وحياتها السابقة قد تكون سببا لما فعل ليحمي هذا الشاب وهذه العائلة من حقيقة مرة وحياة من العذاب والخطيئة لارتباطهم ببلقيس. تبسم وهو يتراجع عن قراره: "أنا صحفي. وأريد أن اكتب مقالا صحفيا عن الزراعة في البلد وتصورت إنني بسؤالكم ساجد الكثير من الأجوبة باعتباركم تعملون في هذا المجال" وظهرت الصدمة على وجه رزاق. هل يحتاج السؤال عن الزراعة إلى تلك الدموع التي ترقرقت في عيون رائد وذلك الاحتضان الغريب؟ ضحك معصوم وارتاح في جلسته وقد تحضر ليسمع أخبارا سيئة قبلها. نظرا لوجه رائد الجدي والان تبدل الأمر. قال لرائد: "بالطبع بإمكانك الاعتماد على ولدي رزاق في هذا الأمر فهو مزارع ناجح" ابتلع رائد ريقه ثم تنحنح ليغادر بيد أن معصوم عاجله قائلا: "لن تخرج الأن فالسفرة ستفرش قريبا ولا يصح خروجك دون أن تشاركنا المأكل" تبسم رائد وشكر معصوم على كرم ضيافته وقد احتاج إلى البقاء أكثر مع رزاق. كل الحب الذي وشح نظراته له كان لا يخفى على معصوم. كان يرى كيف ينظر هذا الرجل لرزاق وتعجب كثيرا واحتاج لتفسير. حتى أن رزاق لم يقتنع بموضوع المقال لان الحميمية التي قابله بها رائد كانت محط تساؤل. خرج رائد مع رزاق ليرى البيوت الزجاجية التي يشرف عليها رزاق منذ سنوات وقد جادت بمختلف المحاصيل في مواسم مختلفة. انبهر رائد من المعرفة التي يملكها هذا الشاب وهو لايزال في عمر صغير فلم يسأله سؤال إلا وأجابه كأن هذه الأرض جزءا منه هو نفسه. لديه معرفة واسعة بتاريخها وما تحب وما زرع فيها منذ سنوات سبقت حتى توليه زمام أمورها ويحفظ كل شبر فيها عن ظهر قلب. سال رائد وهو يمسح نظاراته بباطن قميصه الأبيض: "هل يوجد شيء لا تعرفه عن هذه الأرض يا بني؟" أجاب رزاق ضاحكا: "هذه ليست مجرد ارض نستعملها للزراعة والمشي والبناء. إنها نحن! ذكرياتنا التي عشناها. حياتنا التي مضت والتي ستاتي منقوشة على كل ذرة تراب" ثم حمل حفنة من التراب بين أصابعه فانغمس في أظافره وتساقط بعضه من كفه ثم قال: "كل حبة من هذا التراب تحكي حكاية كونت تاريخ هذه العائلة. كلما أردت أن أرى أسلافي أتمعن في تراب هذا البستان فأرى فيه ضحكات صدحت ودموع نزلت. أقدام سارت لتحتفل بزواج وأقدام سارت لتحمل أكفان.

    ردحذف
  89. معاول حرثت الأرض ثم ذات الأيدي حملت ذات المعاول لتطرد المحتل. رويت هذه الأرض بمطر ودموع وعرق وفي أيام القحط رويت بالدم. لم تخذلنا هذه الأرض طوال سنين مرت ولن تخذلنا فيما يأتي. خيراتها فيها بركة كل من صلى عليها ونالت ثواب كل من دعا فيها" ثم قرب حفنة التراب من انفه يستنشقها. اخذ نفسها عميقا و قال: "عطر هذه الأرض كعطر أنفاس الشهيد " ارتاح رائد أكثر لعدم إخبار رزاق بالحقيقة فليدع هذا الشاب يعيش حياته بعيدا عن تعقيدات بلقيس. من بعيد كان مسعود يطالع رائد ورزاق بعيون فضولية. رغم أن فرحة كلمته لتخبره بما أرادها أن تخبره به لكنه لم يذهب إلى بيت عمه وظل يراقب من بعيد خط سير رزاق مع ضيفه ثم بعدها قرر أن يسير باتجاههم ليرى ما الخبر. وصل إلى حيث يقفان وقد كان رزاق يخبر رائد بمعلومات عن البيوت الزجاجية التي يملكونها. قاطعهما مسعود مسلما فقدمهما رزاق لبعضهما برسمية. قال مسعود لرائد متبسما: "لدينا علوه كل خضارها يأتي من هذه المزرعة ورغم تدهور الإنتاج في السنوات الأخيرة ولكن الأرض لازالت تجود بخيراتها" هز رائد راسه موافقا فأكمل مسعود: "أن لعلوتنا صيت طيب والوزير حسان المطبك أحد مستثمريها لذا فهي متفوقة على جميع الأصعدة" وحاز اسم حسان المطبك على انتباه رائد. نظر إلى رزاق ثم إلى مسعود وتساءل: "إذا انت لديك علاقة طيبة مع المطبك؟" قهقه مسعود وقال بتفاخر واضح: "في الحقيقة نعم. علاقتنا لا تقتصر على التجارة فسنكون نسباء قريبا" وبحلق رائد بمسعود ولعن حظه العكر على هذه المصادفة. ولكن هل يعلم أي من محدثيه بلقيس؟ أو والدته؟ إذا كانا يعرفان حسان فمن يعرفان أيضا؟ ابتلع ريقه وقال بصوت مهزوز: "مبارك لك يا شيخ" ثم سكت ولم يقل أكثر. اعتذر بعدها مسعود منهما قائلا: "سأذهب للقاء عمي الأن فلدي موضوع مهم أناقشه معه. اعذراني" وغادر فانتهز رائد الفرصة ليعرف مقدار ما يعرفه رزاق عن حسان. قال له: "أنا لم أرد أن أتدخل ولكن عائلة المطبك ذات سمعة ... امممم كيف أقولها.." قاطعه رزاق: "سيئة!" أجاب رائد متحفزا: "نعم نعم! انه رجل مخيف. كيف يرضى شيخكم بمناسبته؟" فكر رزاق قليلا ما عساه يقول ثم أجاب: "شيخنا يعرف مصلحته" ثم سارا باتجاه إسطبلات الحيوانات ولم يرض رائد سوى بمتابعة الحديث عن حسان. قال مستكملا الحوار السابق: "لقد ماتت والدتي قبل أيام! بسبب حسان المطبك وابنه ولم أستطع فعل أي شيء. كيف أواجه رجل بمثل مكانته وقوته. هذا مثال بسيط على الظلم الذي تقترفه يد تلك العائلة العتيه" توقف رزاق وبحزن بالغ قال: "البقاء في حياتك ولكن كيف بسببه؟" اخذ رائد نفسا عميقا وأكمل: "إنها قصة طويلة يا رزاق قد ارويها لك فيما بعد ولكني فقط أريد إبعادكم عن شر تلك العائلة فانصح ابن عمك بترك قرابة بيت المطبك لأنه سينال شرا عظيما إذا ما تقرب منهم" رد رزاق يائسا: "أخبرتك أن الشيخ يعرف مصلحته" ثم رأى رزاق مزارعين يلوحان له من بعيد فاعتذر من رائد وغادره ليرى ما يريدانه. وفور ابتعاد رزاق استدار رائد ناحية البيوت الزجاجية ودخل في احدها. بعد دقائق خرج رائد ليرى أن رزاق في طريقه ليعود اليه وعندما وصل إلى مكانه استهلا سيرهما وغير رزاق الموضوع تماما فهو لا يريد أن يتدخل باي شيء يخص مسعود. في ذلك الوقت جلس مسعود مع معصوم ليخبره بخطط حسان للايام المقبلة. قال: "لقد تناقشنا أنا والوزير حسان وقد طلب مني أن نقوم بوليمة للخطبة ونعزم فيها كبار العشيرة ثم نخبرهم بانضمامي لحزب المطبك وبدعمنا له في الانتخابات القادمة" ضرب معصوم الأرض بعصاه غضبا وصك على اسنانه.

    ردحذف
  90. الفصل السابع عشر
    لم يعرف أحد كيف تمكن حسان المطبك من التربع على عرش السياسة غير فوز. حياتهما معا كانت بسيطة. تزوجا زواجا تقليديا وبسيطا ولسنوات عمل حسان في اعمال مختلفة. ولم يستقر على عمل معين لأنه وبعد فترة قليلة إما يطرد من عمله أو يتركه. حياة الضنك لم تترك لهما خيارا سوى التذلل لمن يملك البلد. الأحزاب! ابتدأ حسان عمله بتنظيف سيارات من يعمل في تلك الأحزاب بعدها جائته فرصة ليصبح سائقا لاحد المنتمين لذلك الحزب بسبب مرض سائقه الخاص ثم اخذ العمل لنفسه. في احدى زيارات فوز لزوجها لتوصل له الغداء الذي نسيه لمحها أحد المقربين من رئيس الحزب وأعجب بها أعجابا شديدا. كانت جميلة ومثقفة وعمرها صغير. لم تختبر الأمومة بعد لذا حافظ جسدها على رشاقته ومرونته. حاول الرجل إغوائها ولكنها استغلت ذلك بان تقنعه بتقريب زوجها منه كي يراقبه بينما يأخذان هما راحتهما سويا. كل شيء سار بعدها حسب ما خططت له فوز ووافق عليه حسان. ورغم انه لم يجر بين فوز وذلك الرجل أي شيء سوى المقابلات والوعود إلا أن فوز تمكنت بدهائها من أن تجمع بعض الأسرار التي أدت إلى مقتل ذلك الرجل فاخذ زوجها مكانه. ثم استحوذ حسان بعد سنة على الحزب بأكمله بالترغيب تارة والترهيب تارة أخرى. استبدل من ترك الحزب رافضا سطوته بأناس أخرين يمجدونه وكانت فقط مساله وقت قبل أن يدخل حسان حياة السياسة كرجل صغير فيها. متسلحا بفطنة فوز وقدرته على عمل أي شيء ليحقق مأربه أوصل حزبه إلى أكبر الأحزاب التي تحكم البلد فلم يعد بحاجة إلى فوز بعد ذلك. شبك يديه خلف ظهره ووقف باعتدال يراقب الناس من شباك غرفة مكتبه العالية المطلة على نصف المدينة. احتكت أسنانه ببعضها وهو يفكر بمسعود. ذلك الشاب التافه من وجهة نظره والذي يريد أن يجبره على تنفيذ ما يريد. الم يكن راهي كافيا ليأتي ابنه؟ وهدأت ملامحه عندما فكر بالجائزة التي سيحصل عليها. كل تلك الأراضي التي من المستحيل أن يشتريها ولو عرض الملايين. ومن المستحيل أن يأخذها بدون إرادة العشيرة التي ستدافع عنها حد الموت. يجب أن يتم الزواج ليس لان مسعود يريد لا! بل لان حسان يريد. سيأخذ بعدها الأراضي كلها منه تلك هي الخطة منذ البداية فتلك العائلة لا تهمه وسواء حصل على دعمهم السياسي أو لم يحصل هو لن يتأثر وكل همه الأرض. طُرقت باب غرفته ودخلت السكرتيرة مضطربة لتدخل خلفها فوز عصبية. استدار حسان غاضبا من تلك الجلبة ثم بعدها طرد السكرتيرة من غرفته وبقي هو وفوز يتطلعان في وجه بعضهما بنفور واشمئزاز. قالت له فوز: "هل تعتقد إنني سأموت قبل أن يعرف العالم من تكون؟ لا يا حسان سأخبر الجميع ...." قاطعها محذرا: "فوز! لا تصرخي في حضرتي فانت تعرفين جيدا إنني بإشارة مني سأفصل لك لسانك وارميك من هذه النافذة ثم سياتي البوليس ليسجن جثمانك في مقابر السجن" زاد اشمئزازها منه. كشرت عن أنيابها كذئب يريد الانقضاض لكنه مربوط بسلسلة من نار. أكمل وهو يرى ذلتها: "لقد طلبتك لأني غاضب منك. اعتقدت أننا أصدقاء. الم نتفق على أننا سنبقى أصدقاء مقابل الراتب الشهري الذي خصصته لك؟ ولكن! أرى إنك تحدثت مع وهد وسامر في موضوع أقفلته أنا منذ سنوات وطلبت ألا يتحدث فيه أحد على الإطلاق. لقد أزعجني حقا ما قاله لي سامر قبل يومين. لماذا قلت له أن تلك المرأة كانت زوجتي؟ لماذا يا فوز؟ هل تتلاعبين الأن بعقل الأولاد وتألبيهم ضدي؟ " ابتلعت ريقها وهي تلمح تلك النظرة المخيفة في عينيه. لم تجب. فقط ظلت تطالعه بضيق فاسترسل: "يا فوز! لقد نسي الجميع ما حصل وأنت انسي. مات الكثير من أعدائنا فلماذا تذكرين تلك القتيلة إلى الأن؟ انسيها كما نسينا مَن قبلها ومَن بعدها. اعتبريها ضررا جانبيا لرحلتنا سويا. لا أحد يذكرها سواك" تبسمت ابتسامة جانبية ساهمة وأجابته: "انت حقا لم تتغير. مصلحتك تأتي أولا وأخيرا. ولكن دعني أخبرك أمرا اكتشفته للأسف متأخرة. تلك المرأة غيرت حياتنا لدرجة إنها وحتى بعد موتها لازالت تعبث فيها" ثم بكت وأكملت: "في أحيان كثيرة اشعر إن روحها قد حبست في هذه الأرض. تسير بيننا وبين الحين والأخر تبعثر أوراق حظوظنا يمنة ويسرة وضحكة نصر تعلو شفاهها الزرقاء الميتة لأنها ترى الحوبة تحيط بنا ولازالت كل يوم تفعل شيئا إضافيا لتنتقم منا انتقاما جديدا" صفق حسان بيديه ساخرا من كلام فوز وأجابها ساخرا أيضا: "العلاج الكيميائي لم يسقط شعرك فقط بل تجاوز الحد إلى دماغك. انت مجنونة فتلك المرأة ماتت تلك الليلة وكعائلة دفناها وانتهى الأمر" شرب قليلا من كاس الماء القريب منه وأكمل: "كانت خاطئة نالت ما استحقت وتستقر الأن روحها في جهنم ومرضك لا علاقة له بها فكفاك جنون"

    ردحذف
  91. انهارت على الكرسي وهي تنحب خافية وجهها تحت كفيها المرتجفين ثم قالت: "هذا ليس صحيحا يا حسان .... هي أخبرتني هي أخبرتني ستدمرنا تباعا، ستدمرنا تباعا.. يجب إن نخرجها من ذلك المكان القذر وندفنها دفنا لائقا. يجب إن نحترم الميت ما حصل لبلقيس حرام يا حسان إنها تنتقم الأن منا بعد إن فقدت الأمل في توبتنا" تأكد حسان إن فوز قد جنت تماما. صرخ فيها محاولا تهدئتها: "اسكتي لا تصرخي هكذا" ودفعها فظهر وجهها المحتقن وعيونها المجنونة وسقطت على ذراع الكرسي محتضنة إياه. نظرت إلى حسان وقالت له: "لقد حاولت إن اكفر عما اقترفته تجاهها بسببك انت بيد إن الألم الذي نالته لا شيء سيوازيه. أنا سأخبر العالم إن اضطررت لذلك كي أريح ضميري ولن يمنعني أحد" ثم نهضت خارجة لتترك حسان وسط الغرفة يكز على أسنانه غضبا من تصرفاتها. اتجهت فوز مباشرة إلى شقتها التي ما نظفتها منذ زيارة اولادها فباتت قذرة والرائحة الصادرة من أكوام الغسيل والأطباق القذرة قد ملئت الغرفة. كأن معركة حصلت في منزلها كانت الكراسي مقلبه والأوراق في كل مكان ودواليب الملابس كلها مبعثرة. جلست في زاوية صغيرة وهي تتحدث مع نفسها: "سأفعل أي شيء فقط دعيني وشأني أرجوك. لقد فعلت كل ما طلبت. اتركيني" وغطت أذنيها بيديها وعينيها مطبقتين بقوة ورأسها يهتز. فتحت بعدها عينيها وقد هدأت ثم انتهى كل شيء. فتحت الثلاجة ذات الرائحة العفنة لتبحث عن طعام وأخرجت بعض الفواكه العفنة وضعتها أمامها على المائدة وبدات تأكل منها. أكلت ثمرتين ثم رمت الباقي على الأرض ونهضت. توجهت إلى الأوراق التي على الأرض وبدات بتمزيقها بقلق. قالت كأنها تحدث أحدهم: "سأمزق كل أوراقي وأبعثرها ثم سأدوس عليها. كحياتي بالضبط" ثم أخذت احمر شفاه من حقيبتها وبدات ترسم على الحائط. شكل امرأة وبيديها طفلين ورجل يقف بجانبها. ثم بقلم الكحل رسمت دائرة تحيط بتلك العائلة. وغضبت فشخبطت على رسمتها وهي تبكي. كانت قد فقدت عقلها كليا! كلمت وهد ولم تتحدث فقط كانت تستمع لصوت ابنتها لدقائق تطلب منها الحديث ثم أغلقت الخط وكلمت سامر فلم يجب فانهارت على الأرض باكية. حياتهم التي تدمرت كان من الممكن إن تنقذها هي ولكنها لم تفعل تركت الأمر لحسان الذي ابعدها تماما ولو أصرت وقاتلت لأجل أبنائها قد يكون اختلف الأمر. قد يكون هذا هو عقابها على حرمان بلقيس من ابنها. فحرمت هي من أطفالها. تلك هي حوبة الظالم والمظلوم. سمعت طرقا على الباب. تصورت إن أحدا أخيرا قد تذكرها وجاء لزيارتها فهرعت لتفتحه ولكن كان المكان خالي. سمعت طرقا على الشباك. ركضت ناحية الشباك ولكن لم ترى أحدا. ثم سمعت طرقا على الحائط. غطت أذنيها. صاحت: "يكفي أرجوك! لا أريد الموت اليوم" وتوقف الصوت وهدأت فوز وظل صوت تنفسها الوحيد الذي يتعالى ضجيجه. وقفت في سكون تنظر يمنة ويسرة كأنها تنتظر شيئا ما لينقض عليها ولكن لا شيء حصل. قبعت في ركن وحيدة تبكي ولم تدر كم مر من الوقت. كانت متعبة جدا وقد أهلكها المرض واستبد بها الألم والخوف. تحاملت على نفسها وذهبت إلى سريرها حيث أخرجت علبة دواء وأفرغتها في كوب ماء ثم شربتها وتمددت تنظر إلى السقف ودموعها تتساقط على جانبي وجهها فيدخل بعضا منها إلى أذنها بينما ينساب البعض الأخر في أماكن أخرى. مكالمة فوز لابنتها أشعلت قلقها الذي لم يهدا حتى ذهبت وهد للقاء والدتها بعد انتهاء دوامها. وصلت إلى المنزل وطرقت الباب مرارا ولكن لم يجبها أحد. اتصلت أيضا كثيرا بفوز وكانت تسمع صوت الهاتف في الداخل ولكن ما من مجيب. احتارت في أمرها فقد تكون والدتها نائمة وهي تعرف جيدا إنها قد تأخذ حبوبا منومة وتنام فلا تشعر باي شيء حولها. مع هذا فقد كلمت وهد سامر وطلبت منه إن يحضر إلى بيت فوز. لم يرد الذهاب ولكنه رضخ لتوسلات أخته. كسر سامر الباب ودخل واخته إلى المنزل حيث اغلقا انفيهما من شدة الرائحة العفنة التي تغطي المنزل. تبادلا النظرات المستغربة فلطالما عرفت فوز باهتمامها بالنظافة. شعرا إن شيئا ما خاطئا فبدآ يبحثان في الشقة حتى وجدت وهد والدتها في سريرها.

    ردحذف
  92. اقتربت منها وهزتها برفق مناديه عليها بدون إن تحصل على أي جواب. أمسكت يدها الباردة لتتحسس النبض ولم تجد أي نبض فشعرت بالخوف. انه امر فطري لا يمكن منعه. صاحت وهد لسامر: "هل بإمكانك إن تستشعر نبضا؟" تفحص يد امه وكان هو الأخر مصدوم. قال لأخته: "إنها ميتة!" تهاوت وهد على الأرض بعيون جاحظة لا تصدق ما سمعت. كررت بصوت مبحوح متسائل: "ماتت؟" أجاب سامر الذي تلقى الخبر بصدمة اقل: "يبدو إنها انتحرت. انظري إلى قنينة المورفين التي كانت تستعملها كمخفف للألم لقد ابتلعت كل حبوبها" بكت وهد على تلك النهاية التي حظيت بها والدتها. لابد إنها قاست الما لا يطاق حتى أنهت حياتها بيديها. ظهر الحزن جليا على وجه وهد بينما لم يكن بذلك الوضوح على أخيها. هي تأثرت أكثر بذلك الموت وشعرت فجاءة إن تقصيرها في زيارة والدتها رغم إنها وعدتها بالزيارة قد يكون السبب. على كل حال. في حياة فوز لا يوجد أي ذكريات جيدة تركتها لدى ابنتها أو ابنها لذا حزنهما عليها قد لا يطول. وقبل خروج وهد من تلك الغرفة الباردة وجدت صورة على تسريحة غرفة نومها فأخذتها كتذكار. تلقى حسان الخبر بحزن. رغم كل ما جرى بينهما هو يعلم في قرارة نفسه إن تلك المرأة كانت سببا فيما هو فيه. كما يعلم إن التعاسة التي عاشتها هو الذي أوصلها اليها متقصدا. أوصلته هي إلى القمة بينما أوصلها هو إلى الهاوية. نقلت فوز إلى الطب العدلي مع أوامر صارمة بتسليمها إلى العائلة في صباح الغد الباكر بدون أي تشريح للجثمان. وتم دفنها بسرعة وتكتم صباحا حيث حضر جنازتها ابنتها وابنها بدون حسان. وقفت وهد متشحة بالسواد تخفي دموع عينيها تحت نظارة سوداء كبيرة وتمسح ما يسيل من خارج النظارة من دمع بكلينكس تبدله بين الحين والأخر عندما يهترئ. ستودع والدتها للأبد الأن ولن تراها أبدا. في السابق عندما كانت تفكر بالذهاب لرؤيتها ثم تغير رأيها كانت دائما تؤجل الأمر إلى وقت أخر. متأكدة إن فوز لن تذهب إلى أي مكان. وعندما علمت بمرض فوز حزنت ولكن ليس إلى حد التعاسة والبكاء. لم يجل في خاطرها يوما إنها ستكون حزينة لهذه الدرجة إذا ما فقدتها إلى الأبد. ومع بدء تغطية الجثمان بالتراب انهارت وهد باكية على أكتاف سامر الذي اهتز لدموع أخته. قالت له بصوت مرتجف: "لقد انتهى الأمر يا سامر. لقد ماتت. لا يوجد الأن من نحمله سبب عاهاتنا العقلية فقد ذهبت أمي إلى غير رجعة. كل ما نفعله الأن هو بسببنا نحن وليس بسببها. لقد كنا قاسيين عليها في المرة الأخيرة التي دعتنا فيها إلى منزلها. لو توقفنا لوهلة عن كرهنا لها وحاولنا إن نفهم إن ليس لديها الوقت الذي لدينا لما شعرت بهذا الندم يعض على أوتار قلبي. اشعر بالذنب لموتها لا أدرى لماذا ولكني اشعر بالذنب الشديد" ربت سامر على كتفيها وهمهم بصوت حزين: "لا تشعري باي ذنب تجاهها يا وهد. هي من اختارت إن تعيش وحيدة وهذا ما جنته. لا اعتقد إنها في يوم ما تصورت إننا سنرتمي في أحضانها بعد إن تركتنا لسنوات. بالذات وهي تعلم جيدا من الذي ربانا وكيف ربانا. لم تتدخل يوما لمنع العذاب الذي كنا نعيش فيه ولو بكلمة" اخذ نفسا عميقا وأكمل: "مع هذا أنا اشعر بالضيق لموتها. مهما حصل هي والدتي ولا يمكنني مقاومة شعور الحزن لنهايتها المأساوية" انتهى الدفن وعاد كل منهما إلى عمله وبينما كان سامر أكثر قوة في مواجهة هذا الأمر قررت وهد إن تأخذ إجازة بعد إن أصابتها نوبة كآبة ذلك اليوم فعادت إلى منزلها. قضت اليوم في سريرها تقرا كتابا قديما هدية من والدتها أعطتها إياه قبل سنوات طويلة. رغم إن القصة رومانسية إلا إن دموع وهد لم تكف عن الجريان. ابنة أخرى كانت تشعر بحزن شديد. رحمة الجالسة بجانب الشيخ معصوم الذي انهار بعد إن تلقى الأخبار الصادمة من رائد. لم يقل رائد أي شيء لأي أحد ولم يعطي جوابا لرزاق عندما سأله عما قد يكون سبب هذا الانهيار المفاجئ لوالده.

    ردحذف
  93. أكد الطبيب للعائلة إن ما حصل لمعصوم ليس خطرا على حياته وطلب منهم الابتعاد عن أي شيء قد يثير أعصابه ويسبب له شدا عصبي. وبقيت رحمة تراوح بجانب سرير والدها الغالي بعيون لم يجف دمعها متعلقة بابيها تدعو ربها إن يحميه من أي أزمات إضافية. انه يمثل كل شيء لها. حياتها كلها التي تعيشها ستتدمر لو حصل لمعصوم شيئا. ستنهار لأنها ببساطة تعتمد في حياتها عليه. ربى معصوم رحمة على الثقة. لطالما أخبرها إن الأب الذي يحبس ابنته ويمنعها من الحياة خوفا عليها، رجل مجنون والأفضل إن يعلمها الصح من الخطأ ويربيها على الثقة ثم يتركها لتفعل ما تريد عندها لن تخطأ أبدا. في قرية كقريتهم قلة من الفتيات يكملن تعليمهن لان الزواج يأتي هناك باكرا جدا. ببساطة لا تجد البنت فرصة لترفض زوجا من اجل إن تدرس لذا يقوم الأهل بإخراجها من المدرسة بعد السادس الابتدائي أو الثالث المتوسط ثم تنتظر العريس. رحمة وكذلك فرحة لم تجبرا على الزواج على الإطلاق. فهذه العائلة الريفية مختلفة عن بقية العوائل الريفية بإعطائها فسحة من الحرية لبناتها أكثر من قريناتهن ممن يسكن في مثل هذه الأجواء. لقد تقدم الكثيرين لخطبة رحمة إلا إن الشيخ معصوم وبنصيحة من الشيخ راهي أصرا على إن تكمل رحمة تعليمها إذا ما شاءت إكماله. وكان مسعود دائما حاضرا في مجالس الخطبة يتحدث سرا بين أفراد القبيلة عن إن رحمة محجوزة. فيبتعد الخطاب عنها بدون نقاش. فالكل يحترم الشيخ راهي ولا أحد يريد إغضابه أبدا. أمسكت رحمة يد والدها وقبلتها طابعة دموعها عليها ثم خرجت من الغرفة لتغسل وجهها الدامع. في الديوان حضر مسعود إلى منزل عمه فور تلقيه خبر مرضه وبدا عليه الحزن والجدية لما حصل. حاول إن يبين للعائلة دعمه لهم لكن مرجانة كانت في حالة لم تسمح لها حتى بالنظر إلى أحد. انزوت تبكي وتدعي بينما فرحة جالسة بقربها تهدئها. رزاق أيضا بدا في حالة مزرية وقد انهار كليا لرؤية الشيخ معصوم ملقى على الأرض ورائد يصرخ طالبا النجدة. لم يفهم على الإطلاق سبب هذا السقوط المفاجئ لمعصوم ولم يفهمه رائد سبب ما جرى. اقترب مسعود من رزاق وقال له مواسيا: "سيتحسن عمي بإذن الله فلا تجزع" ووضع يده على كتف رزاق الذي تعجب من التحول المفاجئ لمسعود تجاهه. لم يدر إن مسعود بدأ يتغير منذ حادثة اليد التي لازالت أثارها لليوم على يدي رزاق. أكمل مسعود: "لقد كلمت طبيبا من العاصمة وسيحضر إلى هنا خصيصا لفحص عمي. إذا ما طلب نقله إلى المستشفى سننقله إلى أفضل مستشفى حتى تتحسن صحته" نظر رزاق إلى مسعود ممتنا وقال: "انت صاحب كرم يا مسعود ولطالما اعتبرك والدي ابنا له" هز مسعود راسه إيجابا وأكمل: "ستتحسن صحته بمشيئة الله" ثم تركه عندما شاهد رحمة تنزل الدرجات مترنحة. اقترب منها وعيون الكل عليها فقالت قبل إن يبادر أي أحد بسؤالها: "لا داعي للقلق يا جماعة فوالدي سيتحسن. أنا اثق بالطبيب فهو رجل حكيم ولا يتكلم جزافا. ستتحسن صحته وسترونه غدا يسير نازلا من هذا السلم وضحكته ....." ولم تتمالك نفسها فبكت وهي تقول: "تنشر البركة علينا جميعا" ود مسعود لو يحتضنها ليخفف عنها عبء الحزن الذي يثقل كاهلها لكنه لم يستطع. هو يرتبط بها بكل الطرق الممكنة إلا الطريقة التي تمكنه من احتوائها بين يديه للتخفيف عنها. رؤيته لها بهذا الانكسار فطرت فؤاده، بل دمرته. قال لها بصوت حاني: "لا تبكي يا رحمة، فعمي لن يقبل إن تبتل تلك العيون بسببه" رنت اليه وقد زاد الدمع من جمال عينيها وانكسارة الحزن في وجنتيها أشعلت في قلبه حربا. اعتصار الفؤاد في سواد عينيه بائنا. وبكائها كسم يعتصر كبده ويؤذيه. اختنق رافعا حاجبيه يتمنى لو يملك سحرا يمحي كل غيوم الحزن ويسرع أمطارها في الهطول كي تشرق شمس ضحكاتها بعدها.

    ردحذف
  94. من أمامه بهدوء معتذرة باحتياجها للراحة مشددة على إخبارها إذا ما استيقظ والدها. ذهبت إلى غرفتها واستلقت بشكل عرضي على السرير حيث تدلت قدماها من الجهة الأخرى للسرير بينما ارتاح راسها على يدها اليمنى. أغلقت عينيها وحالة من الخوف ركبتها. هل سيحصل مع والدها كما حصل مع عمها وسيموت بين يديها؟ وانتفضت غير قادرة على التنفس. انتابتها نوبة خوف وبدات تشهق وترتجف وخفق قلبها بشدة. سحبت نفسها بتعب وحاولت الصراخ لطلب النجدة ولكن صوتها لم يخرج. بكت بياس شاعرة برعب لا يوصف. وزاد خفقان قلبها حتى كاد يخرج من قفصها الصدري ويتدلى من صدرها. مدت راسها من اعلى السلم حيث غرفتها في الطابق العلوي وبعد محاولات للصراخ خرج صوتها مدويا مرعبا. نظر مسعود وكان أقربهم للسلم وراها يتدلى راسها من اعلى الدرج فجحظت عيناه مرعوبا خائفا وركض يصعد الدرج في قفزتين. لم يدر ما يفعل وكيف يسعفها فحملها ووضعها على سريرها. وصل في هذه الأثناء بقية أفراد العائلة مرعوبين لرؤية رحمة بهذه الحال ولطمت مرجانة وجهها بينما انهارت فرحة على الكرسي متعبة خائفة. صاح رزاق: "لا تخافوا لنكلم الطبيب " وكلموا الطبيب الذي حضر في غضون دقائق وقد كانت حالة رحمة أفضل بكثير. قال لها الطبيب: "إنها نوبة هلع! يجب إن لا تجهدي نفسك يا ابنتي" وطمأنهم إن رحمة بخير ولا داعي للقلق. شعر الجميع بالرعب لمنظرها المنهار ولم يعلم أحدا مخاوفها فقد أخفتها عن الجميع. أراد مسعود إن يقول لها الكثير من الكلام ليعبر لها عن مدى قلقه ولكن مالم يقله اللسان قالته المقل الدامعات. أعصابه المشدودة وفكه المتصلب وحاجبيه المتقاربين بنظرة خوف كلها فشل في إخفائها. خرج الجميع من غرفتها تاركيها لترتاح قليلا. استيقظت من نومها مرتاحة تماما وقد نامت لوقت طويل. خرجت من غرفتها وتجمعت العائلة حولها. طالبتها مرجانة بالعودة إلى السرير بيد إنها رفضت وأصرت على متابعة حالة والدها. دخلت غرفته وكان نائما في سلام تام وكل شيء يبدو بخير. خرجت لتجلس مع عائلتها وقبل خروجها سمعت صوت ضعيف صادر من والدها. استدارت لترى والدها ينظر لها فعادت اليه باكية. أمسكت يديه بقوة وقبلتها فقال لها: "لا تبكي يا رحمة " لم تجبه فقط زاد بكائها كأنه وضع بنزين على نارها. كيف لا تبكي على ما تراه الأن. خوفها من خسارته كان أعظم ما تخشاه في حياتها فاذا خسرته لن تستمر بحياتها بعده. نادت على بقية أفراد العائلة وتجمهروا حوله يقبلون يديه تارة وجبهته تارة أخرى ووقف مسعود بعيدا ينظر إلى عمه بحزن. تبسم له معصوم وطلب منه إن يقترب. احتضنه وقال له: "اقترب يا ولدي قف وسط عائلتك" اقترب مسعود وللحظة شعر بذنب تجاه عمه فقد تحمل بالفترة الأخيرة الكثير من الضغط وجاء بعضه من مسعود نفسه. قال لمعصوم: "عمي لا تقلق على أي شيء ستتحسن الأمور وكل شيء سيكون بألف خير" تبسم معصوم له ثم ركز نظره على رزاق. بكى لا إراديا ثم طلب من الجميع الخروج ماعدا رزاق. خرج الكل وبقي رزاق وتنفس معصوم بصعوبة وهو يحتضن رزاق ويبكي. قال له: "يا بني! مررنا بالكثير من المشاكل في السنة الأخيرة. ولكن أصعب ما مررنا به هو خوفنا من فقدانك. انت ذخر لأختك ووالدتك وأريدك إن تعدني الأن إنك ستعتني بهما كما تعتني بفرحة بالضبط. لا تتركهما أبدا وتأكد من استقرار اختك الصغيرة. عدني يا رزاق إنك ستقف مع ابن عمك دائما وستحل محلي كناصح له. صف خلافاتك معه وتحمل حماقاته. لا تسمح له بتدمير عائلتنا. احمه من نفسه يا بني" وسعل معصوم أعطاه رزاق بعض الماء شرب منه بينما قال رزاق رغم إن علامات الامتعاض ظهرت على وجهه: "سأفعل كل ما يرضيك يا أبي. سأقبل قدمي مسعود إن كان هذا ما سيشعرك بتحسن" هز معصوم راسه وأجاب: "لن اشعر بتحسن لذلتك يا بني. أريدك مرفوع الراس دائما عزيز النفس أبدا. أنا أسألك إن تكون ناصحا له لا تابعا" هز رزاق راسه موافقا على كلام والده فارتاح معصوم واغلق عينيه. قال لابنه: "سأرتاح الأن لان غدا لدي عمل مهم ويجب إن أتحسن بسرعة لأنجزه" خرج رزاق بينما ألف فكرة تتابعت في راس معصوم. هو يجب إن يواجه حسان المطبك بالحقيقة التي علمها بأسرع وقت ممكن.

    ردحذف
  95. قبل يومين من الخطبة وبينما مسعود قد حضر كل شيء لوحده بمساعدة شركة خاصة استأجرها لترتيب الحفل الصغير الذي سيقيمه، كانت وهد غير مهتمة على الإطلاق بأمر الخطبة. قد يعود سبب ذلك لتعدد زيجاتها فلم يعد الأمر مهما على الإطلاق أو قد يكون السبب وفاة والدتها وأثره عليها. في هذا اليوم كان عليها زيارة شقتها لتختار أيا من أشيائها ستبقيها وأيها سترميها. دخلت الشقة التي أقفلت منذ وفاة فوز وضربتها رائحة الشقة السيئة. أوساخ متناثرة في كل مكان وطعام متعفن منثور على الأرض وفي الثلاجة وملابس متسخة مرمية على ارض الغرفة ولا محط لقدم في تلك الشقة المبعثرة. رات رسوم والدتها التي تملا الحائط وارعبها ما رسمت. كل تلك الأشكال التي من المفترض أن تمثلها معهم قامت بشخطها بقلم اسود حتى تشوهت. لم تطق وهد أن تبقى في ذلك المكان أكثر فخرجت بعد أن جمعت بعض الحلي العائد لفوز وألبومات الصور التي احتفظت بها وجهاز الكومبيوتر الخاص بها. في المساء رن هاتفها النقال ووجدت ولأول مرة منذ الاتفاق على خطبتهما أن مسعود يتصل بها. تساءلت في نفسها. ما عساه يريد؟ أجابت على المكالمة فجاءها صوته رخيما من الطرف الثاني: "في الواقع ... اكلمك ..." لم يدر ما يقول لها. هو لم يعرف نساء في حياته غير نساء عائلته. لم يبد لديها أي رغبة منذ البداية بالترتيب لهذا الزواج وود لو يعرض عليها امر مشاركته الأفكار ووجد فرصة زيارته لوالدها لمناقشة الترتيبات الأمنية يوم الخطوبة فرصة لرؤيتها على انفراد. استرسل: "هل أستطيع رؤيتك؟" تعجبت من سؤاله وأجابت: "بالطبع!" اتفقت معه بذهن شارد على اللقاء في المساء بشقتها. ركب مسعود سيارته وانطلق بها إلى العاصمة التي تبعد حوالي ساعة ونصف من قريته. وصل إلى عنوانها وكلمها بالهاتف ليخبرها بوصوله. صعد إلى شقتها ففتحت له الباب وقد كانت تبدو في أبهى حلة. لبست ثوبا اسودا بسيطا ووضعت مكياجا صارخا كي يخفي ما عانته في الفترة الفائتة من أذية نفسية ليس من حقها إخراجها للعلن. شعر بالخجل والأثارة في نفس الوقت لرؤيته وهد وهي تلمع كاللؤلؤة. قال لها فور جلوسه: "أنا اسف لزيارتي الغريبة" تعجبت من التغيير في لباسه وقد خلع دشداشته البيضاء وغطاء راسه ولبس قميصا ابيضا اغلق جميع أزراره فأحاط برقبته إحاطة كاملة وتكامل مع بنطلونا اسودا أنيقا، أجابته ضاحكة: "هذه الزيارة تعني لي الكثير يا شيخ مسعود" رمقها بعينين فضوليتين وهي تصب له بعض الشاي وركز عينيه على يديها الرقيقتين وهما تمسكان إبريق الشاي بأناقة بأصابع فخارية مثيرة. اخذ منها الشاي وارتشف بعضه وابدى إعجابه به. قال بعدها: "لقد تمت كل التحضيرات الخاصة ب..." وبدت الكلمة غريبة عندما أراد نطقها. فلا يبدو هذا ارتباطا حقيقيا وكأنه في حلم سيصحو منه قريبا ولوهلة شعر بكره تجاه عالم المصالح الذي يدخله. أكمل: "بالخطبة وقد فكرت أن أسألك إذا ما تحبين إضافة أي شيء أخر" ثم أخبرها بما فعل فبدت منبهرة وغير متوقعه أن كل هذا تم ترتيبه. متأثرة بحالتها النفسية المتخمة بالاسى سألته سؤالا بعيدا عن الخطبة وتحضيراتها: "هل انت مقتنع بما يحصل الأن؟ أعنى انت حتى لا تعرفني ولا يبدو إنك تود أن تعرف عني أي شيء. أم إنك تعرف الكثير بسبب الإشاعات؟" ابتلع ريقه واجابها محاولا أن يكون جنتل مان معها: "أنا وأنت نعرف تماما إلى اين يؤدي بنا هذا الزواج؟" تبسمت وهي تنظر إلى الأرض ثم أجابته: "نعم اعرف! وعن تجربة صدقني! ولكن انت رجل من المفترض أن لديك مفاهيم مختلفة عن ال...." وكانت تود أن تقول الخنازير الذين عاشرتهم قبلا لكنها بدلا قالت: "على كل حال كل ما سمعته عني من إشاعات ليست صحيحة" علق عينيه بعينيها الخبيرتين وقال: "إنها صفقة وستنتهي كأي صفقة. ولا شيء بيننا سيحصل" كانت تنظر له بتعجب فرجل مثله قد أخذه بحثه عن منافعه لدرجة انه نسي أساسيات لا يمكن أن تنسى. ابتلع ريقه ناظرا اليها وابعد بإصبعه ياقة قميصه. هي متفوقة عليه كثيرا بذكائها وفطنتها وهو إنسان بسيط تربى على الصراحة ولو حاول التلاعب أو استخدام الدهاء لما تمكن أن يغلبها. أكملت وهي ترى ارتباكه: "إذا يا شيخ مسعود كلمني عن نفسك" ثم جلست بجانبه ووضعت ساقا على ساق فانزلق ثوبها الأسود وانفلجت فتحته الطويلة لتظهر سيقانها مرحبة باختلاسه للنظر اليها. تلافى ارتباكه وأجاب: "أنا رجل ..." ضحكت مقاطعة إياه وقالت: "بالتأكيد انت شيخ الرجال" ضحك هو الأخر وأكمل: "لا اعلم ما أخبرك عن نفسي فليس لدي شيء اخفيه. بإمكاني القول إني واضح ككتاب مفتوح"

    ردحذف
  96. هزت راسها وهي تطالعه من أسفل للأعلى ومن اعلى للأسفل وجذب انتباهها حركته وهو يبعد ياقته عن رقبته فمدت يدها إلى تلك الياقة وفتحت زرها الأعلى فتطاير شعرها ملتصقا بلحيته وعطرها الحاد تسرب إلى انفه فزاد ارتباكه. هذه أول مرة يكون قريبا هكذا من امرأة مثيرة مثلها. قالت له: "هكذا أفضل! لا أريدك أن تشعر بالاختناق هنا" تصاعدت تفاحة ادم في رقبته دليل الارتباك وهو يشعر أن هذه المرأة ترفع الحرارة في الجو. رفع كاس الماء وشرب نصفه ثم قال: "بالتأكيد أفضل!" عادت إلى جلستها المسيطرة ورفعت ساقا على الساق الأخرى وأراحت ظهرها على الأريكة الوثيرة التي يجلسان عليها وهي تنظر إلى مسعود الذي فقد حاسة النطق لديه. كان ثوبها بسيطا اسودا بفتحة صدر عالية والشيء الوحيد المثير في هذا الثوب كانت هي. جعلت الثوب ينطق جمالا وأنوثة. أبعدت شعرها إلى الوراء عالمة أن ما تفعله بدا يؤثر في مسعود كالمسكر لمن يشربه أول مرة. أصبح ثملا ولم يسعه فعل أو قول أي شيء لها. وضعت كف يدها الساخن على كف يده وسألته: "إذا يا شيخ مسعود دعني أتحدث أنا عن نفسي أن لم ترد الحديث عن نفسك. لا باس فانا اعرف عنك الكثير الأن" بالطبع هي عرفت عنه في هذه الجلسة كل شيء. واهم شيء عرفته عنه انه رجل بسيط ووالدها سيسحقه بلا شك. قالت وهي تُخرج سجائر من علبة فاخرة موضوعة على الطاولة التي أمامها: "أتدخن؟" تملكته لحظة من التفكير. تدخين! هو لم يدخن في حياته! لطالما قال له والده أن التدخين يقصر عمرك ويقطع نسلك. لم يجرؤ على أن يضع سيجارة في فمه سوى مرة واحدة. كانت الأولى والأخيرة. امسكه والده وعنفه كثيرا، كرر راهي على مسامعه صفة واحدة وهي (عديم الفائدة!) وقارنه برزاق الذي يجتهد في العمل بينما يجلس مسعود في البيت لا يرضى الخروج تحت أشعة الشمس والعمل في فلاحة الأرض. أراد راهي أن يحضره ليخلفه أو يخلف عمه ولكنه أبى إلا أن يفعل ما يريد. لطالما اعتقد أن كرهه لرزاق بدأ من تلك الليلة التي قارنه والده بابن عمه. شعر بغصة فهو يعلم كم لا يستسيغ راهي رزاق ومع هذا اعتبره أحسن من ابنه في العمل. اخذ السيجارة منها فأشعلتها له ثم أشعلت سيجارة لنفسها وجلست تنفث دخانها وسط الغرفة بينما اكتفى هو بإمساك سيجارته والنظر لها. منح دخان السيجارتين لمسعود بعض الفسحة ليتفحص عروسه المستقبلية ويمتع نفسه بجمالها وينجذب رويدا رويدا لها بينما هي تحيك شباكها حوله وتفرض سيطرتها الأنثوية عليه. نهضت بعدها من مكانها وقد تبادلا احاديثا عادية أشعرتها بالضجر. أحضرت مزيدا من الشاي وصبت له بعضا منه وعقّبت: "أتمنى أن يعجبك الشاي في الحقيقة أنا لا اعرف الطبخ وهذا الشاي هو شاي أكياس بالطبع هو ليس كالذي تصنعه رحيمة!" صحح لها على الفور وكانت تعرف اسمها جيدا ولكنها كالمرة السابقة تعمدت الخطأ لترى ردة الفعل: "تقصدين رحمة! ابنة عمي؟" أجابت وهي تطرق على راسها كأنها تتذكر الاسم: "آها نعم صحيح. اعذرني فانا لست جيدة بالأسماء. إذاً رحمة! هل هي مرتبطة؟" لا يفهم لما حولت حديثها لرحمة ولكنه أجاب باضطراب: "لما تسالين؟" كانت تريد أن تعرف مدى قرب مسعود من ابنة عمه لأنها قد تشكل عائقا في طريقها إذا ما كان مسعود يكن لها شيئا. أجابته: "فضول!" غير الموضوع بدون أن يكون له أي كلمة زيادة في هذا الموضوع. قال: "لقد اشتريت هاتين" واخرج علبة من جيب البنطلون ووضعها على الطاولة فمدت يدها وأخذتها ثم فتحتها لتجد خاتمي خطبة أحدهما ذهبا والأخر فضة. بسيطان وأنيقان وثقيلان. قال لها: "أنا لا اعرف مقياس أصبعك وقد أخبرني الصائغ أن باستطاعتك الذهاب اليه وتعديل الحجم ليناسبك" أجابته وهي تلبس الخاتم: "لا تشغل بالك سأفعل ما يتوجب" أعطاها عنوان الصائغ ثم قاطعهما طرقا على الباب ففتحت وهد الباب وقد كان سامر فهمست له: "لقد تأخرت!" تبسم ناظرا لها بغموض ثم دخل وسلم على مسعود الذي تفاجأ لرؤيته. مثلت وهد إنها هي الأخرى متفاجئة وقالت: "سامر! ما لذي جاء بك؟" أجاب سامر وهو يصافح مسعود بينما بادله نظرة كره وتحدي: "أتيت لك في موضوع (توب سيكرت)" قالها باللغة الإنكليزية كأنه بتغيير اللغة التي ينطق بها الكلمة سيحولها إلى كلمة اهم أو سيتحول هو إلى مستوى اعلى من مستوى مسعود. استرسل سامر: "إذا يا شيخ مسعود انت وأختي سترتبطان قريبا " أجاب مسعود متبسما: "إن شاء الله" همس له سامر ليثيره: "انت لا تنوي أن تثني صحيح؟"

    ردحذف
  97. رمقته مسعود بنظرة استغراب فأكمل سامر: "حسبت أنك قد حجزت زوجتك المستقبلية؟" لم يدر مسعود ما يقول وخزرت وهد أخيها محذرة إياه من أي اندفاع وراء انتقام أو تحدي لأنه سينتهي بغضب والدها ولا أحد يريد أن يرى حسان المطبك غاضبا. لم يعر سامر نظرات أخته أي اهتمام حيث أكمل: "إذا هل انت من أولئك الذي يعدون ولا يوفون؟ هل وعدت أحدهم بزفة وأبواق ثم نسيت وعدك؟" بات الأمر محرجا جدا لمسعود وهو يتذكر ذلك اليوم أمام العيادة عندما اندفع وقال لسامر أن رحمة محجوزة. لم يجبه اكتفى فقط بمراوحة النظر بينه وبين وهد التي بان غضبها على وجهها. قالت لسامر: "سامر! أنا الأن اجلس مع الشيخ ولا يمكنني مناقشة أي امر معك" رفع سامر حاجبيه وابتسامة نصفية ماكرة على وجهه يرمق بها أخته ومسعود. لقد كلمته وهد عندما ذهبت لإحضار المزيد من الشاي لينقذها من الشيخ الذي يريد مناقشة أمور لا تود هي أن تفكر بها. ناقشتها كثيرا سابقا في زيجاتها المتعددة والتي فشلت جميعا. إذا فمناقشتها الأن لن تغير النهاية المأساوية لهذا الزواج أن حصل! اعتدل سامر في جلسته وتبدل كليا حيث ظهرت علامات الجدية على وجهه وطرح موضوعا مختلفا تماما. تكلم عن الحياة السياسية وصعوباتها وما يكابده هو كل يوم من تحديات لا يتوانى ولو للحظة عن انهائها إلى الابد. تفاخر بانه رجل لا يرحم ويستطيع أن ينهي أي عدو بدون أن ترمش له عين. شعر مسعود أن جلسته المريحة مع عروسه ذات العيون الزرقاء قد انتهت فور دخول سامر إلى المنزل لذا اعتذر عندما وجد فرصة وغادر تاركا وهد وسامر في نقاش حاد سويا. صرخت وهد وهي ترفع شعرها للاعلى: "سامر! تصرفاتك باتت مستفزة جدا. اخبرني لماذا تريد اثارة المشاكل مع مسعود؟ الم تسمع والدي؟ انه استثمار فلا تضيعه" ضرب على الطاولة في غضب وأجاب: "الم اخلصك منه؟ على الأقل قولي شكرا" أغلقت عينيها بخيبة امل وتمتمت: "ارجوك يا سامر. لقد وعدني أبي أن هذه ستكون أخر عملية أشارك بها بعدها ساسافر بعيدا عن هذه الحياة. ارجوك دعنا ننتهي من هذا الأمر" سالها: "أنا افكر في رحمة. بين الحين والأخر افكر فيها. هو كذب علي واخبرني انها محجوزة. انت قلت لي أن لا قدرة لنا على اثارة مشاكل عشائرية ثم فجاءة اراك تصبحين خطيبته ولا تسالين عن تلك الفتاة من تكون وهل لديه علاقة بها" هزت راسها واجابته: "سالته وتهرب من الإجابة ثم انت تعرف انني لا اهتم فهذا عمل وهو أخر عمل لي وساخرج بعدها من هذا المستنقع لاني تعبت. يا سامر أنا أريد أن استقر وأكون عائلة مع رجل يرغب بالبقاء معي حتى يفرقنا الموت. يكون لي طفل اعطيه كل الحب الذي يستحق ويعطيني الحب الذي افتقد. ارجوك ساعدني لأنتهي من هذه المعاناة فقد تعبت حقا" اغلق عينيه كان كلامها اشعره بالملل. هو يعرف جيدا إن والده لن يستغني عن وهد ولو اضطر إلى قتلها كي يدفنها بجانبه. انها بديلة فوز وبقائها معه لا تتحكم به الغيرة أو الزواج بل هي ابنته. ببساطة هو يملكها! بالتأكيد سيجد شيئا يضطرها إلى الغاء فكرة الحياة الوردية السعيدة والبقاء في قلب الحدث. هذا هو حسان لا يترك نسائه أبدا. دائما ما يجد شيئا ليربطهن به. ثم انعطف سامر إلى موضوع أخر قائلا: "لقد وجدت من كان يضع تلك الصور " راقبها وهي تتطلع فيه باهتمام تنتظر معرفة المزيد وتغيرت ملامحها كليا. قال: "اسمه رائد راضي! الا يذكرك الاسم باحدهم؟" وعادت اليها الرعشة من الاسم الذي لمع في ذهنها. انها بلقيس مرة أخرى! اكمل: "لقد وضعت مراقبا عند باب بيته وسازوره اليوم ليلا. هل تودين الحضور؟" وارجع ظهره إلى الوراء منتظرا اجابتها. قالت له: "سامر! يكفي ما حصل لامه واخته! ارجوك يا اخي! هدده فقط . اخفه ارعبه اضربه كفين وخوفه بالسجن وخذ كل ما لديه من صور ولكن لا تقتله" قارب حاجبيه من بعضهما وحملق فيها غضبا وهو يقول: "لن يرحمه بشر مما سافعله به! لا احد يهدد سامر المطبك ويسير بعدها على قدمين" زفرت هواء متعبا فلا فائدة من أي كلام ستقوله إلى سامر وهي تعبت من هذا الوضع الذي يزداد سوءا يوما بعد يوم. خرج سامر تاركا إياها وحيدة تماما كما أصبحت والدتها وحيدة. في ظلمة الليل اشعلت ضوء خافتا وجلست تتكلم مع ظلها وكانها تعيش ذات الليالي التي عاشتها والدتها. نشجت بخفوت وسال دمعها على وجنتيها. تزايدت عليها مرغمات الحياة وأصبحت لا تجد وقتا لتشعر باي حدث يحدث من حولها. لم تنل كفايتها لتحزن على فوز ولم تنل كفايتها من الوقت لتسعد بزواجها الذي فقد حلاوته وسعادته وهذا اخوها الذي بدأ يفقد حصافته التي بالكاد يمكلها وإرادة والدها التي لا تستطيع الوقوف ضدها. هي تكره الحياة وبعد إن رات نهاية والدتها باتت تكره نفسها لانها بخطى ثابتة تتحول من وهد إلى فوز.

    ردحذف
  98. التقى مسعود بالوزير حسان في مكتبه الرفه الواسع فاستقبله حسان بابهة زيادة وترحيب مبالغ فيه: "ابني مسعود لا تعرف مدى سعادتي بهذه الزيارة" شعر مسعود انه يغرق بكل المجاملات التي يظهرها حسان والتي لم يقم بها الأخير اعتباطا بل هو أراد إن يستغل مفاهيم الكرم التي تربى عليها مسعود ليخجله بكل ما يفعل. قال حسان لمسعود وهو يمهد لموضوع الأرض: "كيف حال الأرض التي تملكها عائلتك مع كل القحط الذي يعاني منه البلد؟" اجابه مسعود شاكيا هو لا يدري ما يضمر له: "إن حالة الأرض في سوء مستمر ولولا إن العائلة حريصة على رعايتها لانتهى امرها منذ وقت طويل" تبسم حسان و شبك يديه قائلا: "الزراعة الأن يا بني ليست مصدر رزق فالمستورد غرق الأسواق وسعره ارخص والزراعة التقليدية ليست ناجحة كالزراعة المحسنة وتحتاج الكثير من العناية, يجب إن تستغل تلك المساحات الشاسعة في أمور افضل" نظر مسعود للوزير وهو يفكر في الكلام الذي قاله ثم أجاب: "أمور مثل ماذا؟" تبسم حسان وارتاح للسؤال لأنه يعني إن مسعود منفتح على الفكرة ولم يرفضها رأسا. شرح حسان: "مثلا مشاريع مختلفة بإمكاني إن اجمع لك ملف للمشاريع الممكنة والان وهد ابنتي ستدلك على ما هو أفضل لك فهي ماهرة جدا في مجال التخطيط" شيئا فشيئا بدأ حسان يجتذب مسعود اليه. الخطة كانت إن يفصله عن كل ما يربطه بعائلته ويوفر له المغريات التي من شأنها إن تسهل ذلك الانفصال. انتهى اجتماعهما بعد إن ملئ حسان راس مسعود بالكثير من الأحلام عما سيقومان به في المستقبل من أعمال ناجحة وبالذات إذا ما تعاون مسعود مع عائلة المطبك ولم يخالفهم. بعد نهاية الاجتماع عاد مسعود إلى بيته وقد وصل قريب العاشرة مساءا متعبا كل ما يشغل تفكيره زوجته المستقبلية التي سيطرت على عقله بجمالها. وخلد إلى فراشه يفكر فيها وفي مستقبله الذي سيشرق معها. في تمام الثانية عشرة بعد منتصف الليل دخل سامر ومعه رجلين إلى بيت رائد خلسة حيث بحثوا عن الصور ولكن لم يك لها أثر في ذلك البيت. كل ما وجدوه رائد نائم على سريره لا يدري ما ينتظره على يدي سامر.

    ردحذف
  99. صفع أحد الرجلين الكبيرين اللذين حضرا مع سامر رائد صفعه قوية فقفز من سريره مرعوبا ليجد ثلاثة رجال يرتدون أقنعه يقفون عند راسه أحدهم كان يحمل في يديه مسدس ويصرخ: "أين الصور؟ أين أخفيت الصور؟" ارتعش قلب رائد خوفا وبدأ يتوسل للبقاء على حياته وهو يقول: "أي صور؟ من أنتم؟ أرجوكم أنا رجل فقير لا مال عندي" حملق فيه سامر في عتمة الليل ووضع فوهة المسدس على صدغه وهمس في أذنه: "لا تتذاكى أيها العجوز فهذا ليس وقت التذاكي. أنا قادر على تعذيبك طول الليل لأجد تلك الصور وأنت بإمكانك إنقاذ نفسك من الألم وإخباري أين خبأتهم ومن الذي أعطاهم لك" اغلق رائد عينيه وارتفع معدل ضربات قلبه وضاقت حدقته. ركله أحد الرجلين العملاقين في بطنه بينما رفعه الرجل الأخر من رقبته وفي وسط الظلام صاح رائد مستغيثا: "أرجوكم أنا لا اعرف شيئا" احضر سامر أكبر سكينة من المطبخ وامر الرجلين بإجلاس رائد على كرسي قريب ثم وضع قدمه بين قدمي رائد المرتخيتين من الألم. قال له وهو ينظر في عينيه مباشرة وقد اقترب وجهه من وجه رائد حتى كاد انفهاهما يتلامسان: "أين الصور الخاصة بالوزير حسان ومن أعطاهم لك؟" بكى رائد من شدة الخوف فأكمل سامر وهو يرفع السكينة بينما أحد الرجلين يمسك كف رائد الأيسر: "سأبدأ بتقطيع أصابعك إصبعا تلو الأخر. وسأفعلها ببطء شديد كي تشعر بها جيدا. سأقطع مفاصل أصابعك على حدا ... وعند انتهائي من يدك سأذهب إلى قدمك.... حتى تخبرني بما أريد إن اعرف. صدقني في النهاية ستخسر أصابعك وستخبرني بما أريد لأنك ببساطة! تريد مني إن ابقي على حياتك" ثم ضحك سامر ضحكة مرعبة مجنونة وأكمل وسط ارتجاف رائد الذي تلقى لكمتين أخريين من الرجلين الكبيرين يقف أحدهما على يمينه والأخر على يساره: "أنا فقط لا افهم لماذا هذا الغباء. أتريد إن تخسر إصبعا وتتألم ثم تخبرني بما أريد أم أخبرني بما أريد وارحم نفسك مما سأفعله بك" ثم ضرب الرجلين رائد بقوة على وجهه فتطايرت أسنانه وسقطت على رجله وأن ْمن شدة الألم بينما رفع سامر يده ليمنع الرجلين من التمادي مع الرجل فيفقدوه قبل أن يخبرهم بمكان الصور فيصبح الأمر أكثر خطورة. سالت انهارا حمراء من انفه وفمه وما عاد لوجهه مكان وسط كل الكدمات والدماء التي اعتلته.

    ردحذف
  100. شعر بخوف لا يوصف مأخوذا على حين غرة وتوقع أن يكون محدثه ابن حسان الذي كان يضع له الصور من أسفل الباب. الآن هل يعترف لهم بمكان الصور أم يتركهم يضربونه إلى أن يفقد الوعي فيفقدون هم الأمل ويرحلون. علم سامر أن رائد يفكر بخطوته التالية ولم يعجبه الأمر. نفذ صبره وهو رجل مجنون وعقله على حافة السقوط. كشر عن أسنانه ورفع يده ثم ادخل السكين في فخذ رائد بقوة وقسوة وظل يضغط عليها وهو يستمع إلى صرخات رائد المتألمة المرتجفة بينما ينظر في عينيه. شعر بالنشوة لما فعل. لطالما أحب مقاومة اللحم الطري لنصل سكاكينه. تشعره بأول قتيله قتلها.... بلقيس. تطاير البصاق المدمى من فم رائد وهو يبكي الما ويتوسل لحياته فقال له سامر: "لقد نفذ صبري. الآن لن تفقد أصابعك فقط بل مع كل دقيقة تمر حفرة جديدة في لحمك ستظهر. وانظر إلى هذه السكين. لقد أحضرتها من مطبخكزوجتك من الواضح تشاركني محبتي للسكاكين العمياء فهذه السكين ذات نصل قديم. يعجبني ذلك. قد يعجبها هي أيضا عندما ادخل هذه السكين فيها لحظة رجوعها إلى المنزل مع أطفالك" صرخ رائد متوسلا: "أرجوك يا سيدي أرجوك سأخبرك باي شيء تريده ولكن دع عائلتي وشانها" تبسم سامر ابتسامة نصفية واخرج السكين من فخذ رائد وصرخ فيه صاكا على أسنانه: "تكلم!" قال له رائد بضعف والم: "أعطتني الصور السيدة فوز المطبك قالت لي أنها تريد الانتقام من زوجها على ما فعله ببلقيس وبها. لقد أخبرتني بما فعل ذلك الوحش بأختي بلقيس. وأعطتني الصور كي افضحه" وبكى ندما على التفكير بإمكانية الانتقام من هذه العائلة وندم أيضا على الاستخفاف بهم وبما باستطاعتهم فعله. لم يتعجب سامر من سماع اسم امه فقد تكهن منذ البداية أنها قد تكون خلف الموضوع برمته. لوح بيده التي يمسك بها السكين طالبا من رائد إكمال الحديث: "والصور؟ أين أخفيتها؟" سحب رائد هواء بأنفه وأجاب: "في منزل صديق. أخفيتها في حديقة منزلهم بدون أن يعلموا" خزر سامر الرجل المدمى بعصبيه وكشر مرة أخرى عن أسنانه وهو يسال: "من هذا الرجل وهل يعلم شيئا عن الصور؟" هز رائد راسه خوفا وقال: "لا هو لا يعرف شيئا. أرجوك هذا الرجل لا يعرف أي شيء" وتنفس رائد متعبا فسأله سامر وهو يقرب السكين من رقبته: "من هذا الرجل وكيف استدل على الصور؟" أجاب رائد: "لقد ... دفنتها في حديقتهم المغطاة في مزرعتهم. يوجد تمثال صغير. لعصفور على الحائط وقد دفنت الصور تحت التمثال مباشرة. كنت سأذهب لزيارتهم غدا لأطمئن على صحة والدهم فقد أصابته وعكة صحية ...." نظر سامر للأعلى وقد انتهى صبره تماما وقرب السكين إلى رقبة رائد أكثر وهو يسال: "من ذلك الرجل؟" أجاب رائد: "بيت الشيخ معصوم المساعي. ومزرعته كبيرة ومعروفة في القرية....." ولم يتركه سامر ليكمل حيث مرر السكين على رقبته لينحره وترشرشت الدماء في كل مكان ولطخت ثياب سامر ووجهه بينما دفع بقدمه جسد رائد الذي كان ينازع في حالة صدمة ليسقط على الأرض ويموت ووجهه ينطق رعبا من هول ما عاشه في لحظاته الأخيرة.

    ردحذف
  101. الفصل العشرون
    كيف يمكن لشخص ما أن يسير بخطى ثابتة وواثقة إلى كهف ذئب جائع وهو يعلم انه كهف ذئب ومع هذا يدخله داعيا ألا يأكله الذئب؟ وهل كانت بلقيس تعرف حقيقة أن من تتزوجه أكثر خيانة من أفعى إبليس؟ تطلع رزاق بكل الصور التي بحوزته مرمية في الغرفة وعلى مدى أيام ثلاث محاولا أن يستوعب كل الحقائق المبعثرة التي حصل عليها من اعتراف مسعود له مرورا بلقائه بتلك العجوز المسكينة وحتى مجيء رائد إلى منزلهم وانتهاء باعتراف معصوم له ولحسان بالحقيقة. ها هو الأن يحبس نفسه في غرفة بعيدا حتى عن زوجته مرة أخرى يغلق كل الأبواب عليه شاعرا بمرارة حياته التي تزداد سوء كلما حاول أن يتأقلم معها. طرقت عليه فرحة الباب متوسلة إياه أن يخرج ولكنه كان يأبى الخروج معتزلا عن الكل. يشعر بالتشوه العاطفي فكيف عساه يتعامل مع كل ما يجري حوله. كيف يحب أب لا يعرفه وينكر أب عاش حياته كلها معه؟ وقفت تكفكف دمعها وتمسك خاصرتها المتألمة واضعة راسها على الباب. قالت: "ألن تخرج؟ دعني إذا ادخل. خذ هذا الطعام على الأقل كي لا تموت من الجوع" لم يجب. اتكأ على الحائط رافعا راسه إلى السقف يبحث في ظلامه عن وجه الحقيقة. انزل راسه وطالع حزمة الصور وعقد الزواج الذي أمامه. قرأ الاسمين. بلقيس راضي وحسان المطبك. بلقيس راضي ابنة تلك العجوز التي ظلت تبحث عنها سنين. أضاعت نفسها وهي تبحث عنها. وها هو الأن سيأخذ مكانها ويبدأ البحث ليس فقط عن بلقيس بل عن نفسه أيضا. وبلا وعي بدأ يفكر بعقلية العجوز الميتة وتساءل ماذا حصل لبلقيس بعدها. الأن هي مسئوليته بموتها وحياتها. ومسالة البحث عن حقيقتها تحولت وراثيا له. فرباط الدم لا يمكن نكران بصمته. أطبق يديه على بعضهما كمدا. قال بصوت مسموع: "يجب الأن أن أجدك حية كنت أو ميتة" بعد أن توصل إلى خطوته التالية خرج من الغرفة مسرعا إلى غرفة معصوم حيث كان يستلقي ليستريح. واي راحة تأتي مع عقل مشغول مكدور. دخل على والده الغرفة برائحة نتنة وشعر مشعث وسأله: "أريد رقم رائد. يجب أن اتصل به ليجيب على أسئلتي" أعطاه معصوم الرقم فذهب مسرعا إلى هاتفه وسط اندهاش كل من في المنزل من تصرفاته على رغم علمهم بما جرى معه. دق على الهاتف مرارا وتكرارا ولكن لم يرد أحد. رمى الهاتف وعض على شفتيه غضبا وبدا كأنه يفقد أعصابه. نعم هذا الموضوع يفقده نفسه ويجعله يضيع في خيارات صعبة لا يدري أيها يختار. مثله مثل حسان الهائم أيضا في الحقيقة التي اكتشفها. ابنه! كان طوال الوقت مع العائلة التي يطمح ليسرق ما لديها. وصرخ غاضبا في مكتبه الواسع ثم بيديه سحب كل محتويات مكتبه وبعثرها على الأرض. متغير جديد في معادلته الحياتية ظهر مفاجئا إياه ومشاعره تجاهه متضاربة. هل يتبرا منه وينكر أي صله له بذلك الشاب الأسمر أم يقربه منه ويستفيد من ابن أخر في الحصول على مراده أسرع. الخياران محفوفان بالمخاطر. ونسبة الفشل في أيهما عالية. طرقت عليه السكرتيرة باب المكتب فانتبه من غفلته الفكرية ونظر إلى الساعة ثم إلى متعلقاته التي طرحها على الأرض بعنف. طلب منها الدخول فدخلت. قالت له: "الشيخ مسعود هنا يا سيدي"

    ردحذف
  102. بحركة من سبابته طلب منها الدخول إلى المكتب ثم أمرها بتنظيف الفوضى التي افترشت الأرض بسرعة. فعلت جهدها بينما ظل هو ينظر لها متأملا جسدها المنكب على التنظيف كأنه يأكل قطعة من الكعك. بعدها قال لها: "ادخليه ولا تقاطعينا أبدا" هزت راسها وهمت بالخروج فقال متذكرا: "لا تنسي الضيافة. احضريها فور دخوله" خرجت ليدخل بعدها مسعود فأجلسه حسان وقدم له القهوة التي أحضرتها السكرتيرة ثم تأهب ليفتح معه موضوع الأرض. بدأ ممهدا: "أرى إنك لا تزور وهد منذ خطبتكما. مرت ثلاثة أيام وابنتي أخبرتني إنك لا تسال عليها أبدا" ضحك مسعود بينما ربت حسان على فخذه ليشعره بالانتماء والصحبة. أكمل حسان: "إذا يا بني. أصبحنا أهل. والان يمكنك زيارتي في أي وقت تشاء فهذا المكتب كأنه مكتبك بالضبط" وجد مسعود فرصته ليقول: "لن يصبح مكتبي حتى أصبح جزءا من هذا العمل يا سيدي" هز حسان راسه وهو يرى إلى أين يريد مسعود أخذه. وتساءل هل سيتغدى بي قبل أن أتعشى به. قال له: "نادني عمي!" ثم بلل شفتيه واسترسل: "انت تعلم إنني أريد لك الخير يا مسعود. بالطبع قد يخفى هذا الأمر على عمك معصوم الذي يعارضك في اختياراتك المستقبلية" وظهر الضيق على مسعود. منذ أن احرجه معصوم وهو يتلافى رؤيته كي لا ينفجر في وجهه صارخا لائما. كيف تمكن من أن يوقعه في ضيق وحرج وسط ضيوفه بعد أن وعده بمساعدته. بالطبع مسعود لم يدر بالتطورات الأخيرة التي حصلت في العائلة بسبب انقطاعه عن زيارة عمه غضبا منه. أعطى حسان لمسعود فسحة كي يفكر بالأمر ويظهر تأثيره على معالم وجهه ثم أكمل: "أنا أتفهم لما قام معصوم بما قام به فلا تلمه يا ولدي. انه رجل محدود الطموح ليس مثلك شاب ممتلئ بالنشاط والمستقبل أمامك. لديه ضعف في رؤية ما يحمله المستقبل لذا ترك لك الأمر منذ البداية. حاول ألا تستشره في كل صغيرة وكبيرة فانت الكبير في عائلتك وليس الكبر بالعمر أن فهمت قصدي" هز مسعود راسه وقال: "انه عمي وانا أستشيره بحكم خبرته في الحياة و...." أوقفه حسان مقاطعا إياه: "وأنت أيضا لديك خبره في هذه الحياة يا ولدي. يجب أن تثبت للجميع شخصيتك القوية المستقلة عن معصوم والا فسيتطلع الجميع اليه وقت اتخاذ القرارات المهمة" كان تأثير تلك الكلمات عظيما على مسعود. وفي لحظة غيرت تفكيره تماما وشعر أن حسان محق في كل كلمة يقولها. عندما ارتاح حسان لوقع تأثير كلماته على مسعود قال: "إذا! دعنا لا نضيع وقتا أكثر ونبدأ بالأعمال. الأعمال الحقيقية التي تجلب الملايين بدون تعب يذكر وليس الكد الذي لا نحصل منه سوى على المرض!" واسترعى انتباه مسعود تماما وفي تلك اللحظة أصبح مسعود مأسورا تماما بحسان وهو يتطلع اليه كمعلم أو حتى أب. أكمل حسان: "لدي مستثمر يريد شراء ارض لمشروع يخطط له. أخبرته إنني املك طلبه. وساومته على السعر حتى أوصلته إلى اعلى ما أستطيع. ما رأيك؟" تعجب مسعود من هذا الطرح المفاجئ. يبيع ارض أجداده؟ ولكن كيف؟ قال لحسان: "من المستحيل أن أبيع الأرض. أنا في الحقيقة لا أستطيع بيع ولا حتى شبر منها. هذه الأرض ليست ملكي وحدي بل هي ملك لعمي أيضا. إنها ملك مشترك بيننا. لذلك لا يمكنني أن أتصرف فيها بدون موافقته التامة" وظهر الضيق على وجه حسان. انه يريد الأرض باي ثمن ويريدها بحسب شروطه هو.

    ردحذف
  103. بعد ما راه من معصوم في ذلك اليوم هو متأكد انه لن يبيع الأرض ولو على جثته. امله الأن في مسعود. قال له: "بع ما تملك إذا" هز مسعود راسه وقال: "لا أدرى يا عمي تبدو فكرة البيع غير صائبة البتة. لقد ورثنا هذه الأرض أبا عن جد ولا أرى كيف بإمكاني التخلي عنها فهي الشيء الوحيد الذي تملكه عائلتنا إنها هويتنا فكيف نبيعها؟ ألا يمكن أن نقوم بالمشروع كشراكة ونتقاسم الأرباح" وحملق حسان في مسعود. ها هو يفكر الأن ويريد أن يستفيد فائدة طويلة الأمد. هذا الشاب ليس بالحمق الذي توقعه. يجب أن تقوم وهد إذا بإقناعه بالبيع بينما يعطيه هو امل بالشراكة. خرج مسعود من عند حسان متجها إلى منزل خطيبته بعد أن كلمته بأوامر من والدها ليزورها. لم ترد في الحقيقة أن ترى أي أحد. كانت تشعر باكتئاب شديد وحتى المكتب أهملته وتبدل حالها إلى شقاء. جلست أمام مراتها تطالع وجهها الذي اعتلته صفرة. وضعت على حافة من حواف المرآة الصورة العائلية القديمة التي وجدتها على مرآة والدتها. جمعت الصورة الأم والأب وأولادهما الاثنين. قديمة مشققة الأطراف ولكنها تحمل فرحة سرقت من هذه العائلة التي تمزقت وتباعدت بعد سنة واحدة من التقاط تلك الصورة. وضعت بعض مساحيق التجميل الفاخرة وارتدت قناع القوة الذي بدأت بوضعه منذ فترة طويلة. في الحقيقة تعلمته من امرأة شاركت هي نفسها في دفنها. بلقيس. لبست قميصا اسودا وبنطلونا مرقطا بالأسود وسرحت شعرها وعينيها على تلك الصورة. هطلت دموعها رغما عنها. تساءلت بصوت عال: "لو أن الزمان تجمد على تلك الوقفة. أطفال أبرياء واهل محبون ومنزل صغير بسيط قد يفتقد لأبسط المقومات المادية ولكنه غني بالدفيء والحب" ومسحت دمعتها بإبهامها وتنفست قليلا كي يذهب تأثير الحنين عنها وضعت احمر شفاه صارخ ثم ابتسمت لنفسها في الصورة. مررت أصابعها على صورتها وهي صغيرة بلطف كبير وقالت لها: "لا تخافي يا صغيرة فانا سأحميك. لا تخافي، سأؤسس لك ذلك البيت الذي تفتقدين" ونهضت لتفتح الباب بعد أن سمعتها تطرق. كان مسعود يبتسم بود لها فأدخلته وتغيرت حالتها كليا. ارتسمت ضحكة جذابة على وجهها ونظرة مغرية أهدتها لمسعود فازداد خجله. جلس فجلست كعادتها بقربه ثم أمسكت كفه وسألته: "وأخيرا أتيت لتراني" ضحك مسعود وأجاب: "سآتي كل يوم أن أردت" بغنج تبسمت وبدلال قالت: "لا أدرى قد يكون كل يوم شاقا عليك فالطريق لوحده مع الازدحامات يقطع النفس.. فقط لا تتركني أقاسي هجرك بلا أسباب" وظهر تأثير كلامها واضحا عليه رغم أن الأوراق اختلطت عليه فأمام عرسهما المبني على المصلحة هي تداعبه بالكلمات كأنه قيسها.

    ردحذف
  104. أكملت: "إذا لقد ذهبت لرؤية والدي اليوم؟" أجابها: "لقد فعلت نعم" نهضت من مكانها وأحضرت بعض الفواكه ووضعتها على الطاولة بينما جلست بجانبه ولكن على أريكة منفصلة وبدات تقشر ثمرة برتقال وهي تقول: "وكيف كانت الزيارة؟ أن والدي رجل أعمال قبل أن يكون سياسي لذا فاعذره أن تمحورت الجلسة حول عمل ما" ضحك وهو متعجب مما قالته. سألها: "وكيف خمنت ما دار في تلك الجلسة؟" سلمته نصف البرتقالة وأجابت بمنتهى البراءة: "لقد عاشرت والدي طويلا لأعلم ما يدور في اجتماعاته. كما اعلم انه رجل ناجح بحكم خبرته في الحياة. لقد أخبرني في أخر مرة رايته أن لديه هدية عظيمة سيقدمها لك. وعندما ألححت عليه في السؤال قال لي انه سيجلب لك مشتر لنصف الأرض التي تملكها فيتسنى لك أن تصرف بعضا من المال على الزراعة بينما البعض الأخر ستستعمله بمشروع ما يرفدك بالمال على الأمد الطويل. لقد أعجبتني الفكرة كثيرا" تململ في جلسته وهو يرى إقبالها الشديد على ما قاله والدها. قال لها: "هذا الموضوع ليس هين. لقد وضحت السبب لوالدك" لم تصر على معرفة السبب لأنها أساسا تعرفه من مكالمة والدها. قالت له: "انت رجل ذكي. ستجد طريقة بالتأكيد لتجعل هذا الأمر هينا" ثم نهضت واقفة وفتحت أزرار قميصها الأسود وسط حالة من الجمود والدهشة التي اعتلت وجه مسعود. خلعت القميص لتكشف عن جسد ابيض مرمري برزت عظامه وتكاملت أركانه. ابتلع مسعود ريقه بينما اقتربت منه في محاولة لتجلس على قدميه فهب واقفا وصرخ فيها وهو يعطيها القميص ممتعضا: "ما هذا يا وهد؟ انه ضد أخلاقي" ثم احنى عينيه للأرض وأكمل: "بعد الزفاف سيكون ما تفعلينه هو أكثر شيء ابتغيه. أما الأن فرجولتي تمنعني. انت أغلي من أن تكوني مباحة لي قبل أن أكمل كل واجباتي تجاهك. وأولها الزفاف" لفلفت نفسها بقميصها الأسود متعجبة بينما هو لم ينتظر لتتكلم معه كلمة واحدة بل هرب من بيتها مرتجفا وأوصاله تصرخ طالبة إياها. ضرب راسه ليبعد صورتها المتكاملة عن ناظريه وقاوم مغناطيس جسدها الذي يجذبه ليعود اليها. قال لنفسه مهذبا: "مسعود! لقد أخذك التيار بعيدا جدا" هرب خارجا من باب العمارة وركب سيارته وانطلق عائدا إلى منزله بدون أن ينظر إلى الوراء. بعد أن سار ثلث الطريق عائدا صادف سيارة كيا معطلة على جانب الطريق تحمل عددا من الركاب ولمح من بينهم شخصا يألفه. كان رزاق يقف متأملا محركها بينما خرج بقية الركاب ليجلسوا على رصيف الشارع متضايقين من توقف السيارة. أوقف هو أيضا سيارته قريبا منهم وترجل متجها إليهم. سلم أولا ثم تبادل مع رزاق نظرات مستغربة من وجودهما في هذا المكان. لقد علم أن السيارة بحاجة إلى البنزين فتكرم هو بإعطائهم كيمه مما لديه كافية لتوصلهم إلى أقرب محطة. ثم من باب الفضول سال رزاق: "لماذا لم تركب البيك أب؟" أجاب رزاق: "إنها للعمل وليست للرحلات الشخصية" حملق فيه مسعود ثم سأله: "إلى أين تريد الذهاب؟" أجاب رزاق متثاقلا الإجابة: "لزيارة الصحفي رائد. إنها قصة طويلة انت بالتأكيد لا يهمك معرفتها لأنها ببساطة تخصني وتخص لعنتي"

    ردحذف
  105. استشعر الحزن الدفين في عيني رزاق كما أراد أن يعرف أكثر عن هذه الرحلة التي يقوم بها زوج أخته. قال له: "دعني أوصلك إذا" اعترض رزاق ولكن مسعود الح: "دعني أوصلك. سيارتي موجودة" واستمر بإلحاحه فذهب رزاق معه راكبا السيارة يدله الطريق إلى الحي الذي يسكنه رائد. أخبر رزاق مسعود عن رائد وما قاله لوالده عن عائلته الاصلية والتي اختتمها ب: "لن تصدق يا مسعود من هو والدي" وتبسم وهو يرى حاجبي مسعود يلتويان. اكمل: "ولن تصدق من هي اختي ومن هو اخي" وزادت حيرة مسعود وحث رزاق على أن يتكلم قائلا: "هل هم أناس معروفين يعني؟" قال رزاق وهو يراقب ردة فعل مسعود فور تلقيه الخبر: "حسان المطبك هو والدي" وضغط مسعود على مكابح السيارة فجأة فتوقفت السيارة كليا وسط ارتجاج راكبيها. سال مسعود مصدوما: "لم اعهدك مازحا يا رزاق" أجاب رزاق وهو ينظر في المرأة الجانبية الصغيرة القريبة من كرسيه: "لا اعتقد إننا عهدنا أي شيء ببعضنا البعض يا ابن عمي" سال مسعود وهو يسمع صفير أبواق السيارات خلفه ويهم بالتحرك مبتعدا: "أخبرني الآن الصدق؟ لأني اعتقد إنك تؤلف كل هذا" نظر له رزاق متعجبا وأجاب: "هذه هي الحقيقة ولو كنت متواجدا ولو قليلا بحياة عائلتك لسمعت الحقيقة كاملة من فم عمك المريض" وشعر مسعود بالتقصير ناحية عمه. فعلا هو دائما يدع الكبر يأخذه بعيدا. أجاب: "معك حق! لا المك على ما قلت. ولكني أيضا حائر مثلكم ولدي حياتي لأخطط لها. وبحياتي أعنى حياتكم أيضا فأي تغيير في حياتي يؤثر عليكم جميعا وأنتم كلكم ضدي. حتى عمي أحرجني أمام الضيوف وأمام الوزير بشكل سيء" تبسم رزاق وقال لمسعود: "لو أراد أبي إحراجك لسحب منك المشيخة ذلك اليوم ولأعلن عدم قدرتك على القيادة. لكن أبي يحبك يا مسعود ويحترمك وفوق كل هذا هو يدعمك ويدعم أحلامك ولكن ليس بالشكل الذي تريد انت إن تسير بها. لقد صدقت عندما قلت إن حياتك تؤثر على حياتنا وليس لأنك شيخ أو رجل لا بل لأنك عضو في هذه العائلة ومرتبط بها ليس فقط باسمك بل باي عمل تقوم به. صدقني أنا افهم ذلك واضحا خصوصا بعد إن عرفت بقصة والدتي وكيف أثرت تصرفاتها على حياة الكثيرين" ابتلع مسعود ريقه وصمت. لم يزد حرفا وامتص كل كلمات رزاق مثل الإسفنجة. وصلا إلى الحي وسط حيرة مسعود التي ابتدأتها وهد بتصرفاتها ثم ها هو رزاق يزيد يومه إثارة. بدا البحث عن بيت رائد ولم يستغرقهما الأمر طويلا حتى وصلا إلى بيته الصغير طرقا على الباب. لم يجبهما أحد. سالا أحد الجيران عنه فاخبرهما انه لم يره منذ أيام وزوجته في منزل عائلتها منذ أسابيع. طرقا مرة أخرى ولكن ما من مجيب. احتار رزاق في أمره.

    ردحذف
  106. انه يريد الحديث مع رائد ليعرف معلومات عن نفسه ويفك طلاسم ماضيه لكن ها هو يصدم بحائط من فولاذ ورائد مختفي ولا يريد أن يتواصل معه. استوقف أحد الجيران المارين من جانبه وسأله: "أن لنا وقتا طويلا نطرق على بيت الأستاذ رائد ولكن ما من مجيب هل تعرف أين من الممكن أن نجد أصحاب المنزل في هذا الوقت من النهار؟" أجاب الرجل وهو ينظر لرزاق بريبة: "ولماذا تسال عنهم؟" قال رزاق: "أريد لقاء السيد رائد راضي من اجل موضوع صحفي وقد ضرب لي موعدا الأن ولكني طرقت الباب ولم أجد أحد" قال الرجل وهو يفكر: "أنا اعلم أن عائلته غادرت إلى الجنوب. وهو لم أراه منذ بضعه أيام. قد يكون ذهب إليهم؟ لا اعلم" سال رزاق متوسلا: "هل لديك رقم عائلة زوجته كي أكلمهم؟" أجاب الرجل وهو يخرج هاتفه: "لدي رقم والد زوجته. رجل محترم ومعروف هنا، دعني أكلمه" وتمت المكاملة وظهرت معالم الحيرة على وجه الرجل وهو يقول: "لا لا تقلق يا سيدي لا شيء خطير فقط نتفقده" ثم اغلق الهاتف وقال: "ليس هناك" وتبادل مسعود ورزاق النظرات ثم قال رزاق للرجل: "هل نكلم الشرطة إذا؟" هز الرجل راسه حائرا وتمتمت: "ماذا نقول لهم؟ الرجل حر في ذهابه وإيابه" امتعض رزاق وهو لا يدري ما يفعل وهنا اخذ موقفا ورفع أكمام قميصه وعبر الباب الحديدي الخارجي. تفاجأ الرجل ومسعود مما فعله رزاق ولم يسعفهما الوقت للاعتراض فقد ركض رزاق ناحية الشبابيك ينظر منها متلصصا وقد كان نورا خافتا مشتعلا في غرفة النوم ومع النور رأى رزاق شيئا أخر الجمه عن الحديث. وقف مبهوتا لبضع ثواني لا يدر ما يفعل. رأى كرسيا مقلوبا غارقا في بحيرة دماء وقد ظهرت منه قدمين مزرورقتين مشنوقتين بلا رحمة. امسك راسه بكلتي يديه وتراجع للخلف وهو مبهوت رافعا حاجبيه فاغرا فمه. ركض بسرعة إلى الخارج بعد أن فتح الباب وصرخ: "اعتقد إنني رأيت جثة في الداخل" بهت الرجلان وتبادلا النظرات أكمل رزاق: "سأكلم رجال الشرطة حالا"

    ردحذف
  107. وبعد ساعة كان المكان مزدحما بالناس ورجال الشرطة ورزاق بينهم يتنفس بصعوبة يجلس بجانبه مسعود وقد بهت هو الأخر مما انتهى به يومه. سال رجال الشرطة رزاق بضعه أسئلة ثم تركوه يذهب ولم يوضحوا له أي شيء عما جرى. وصل رزاق ومسعود إلى القرية عقب منتصف الليل وكلاهما في حالة صدمة وخوف. لقد شاهدا جثة رائد وكيف جرى تعذيبها ونحرها. منظرا تقشعر منه الأبدان، تحزن له العين ويدمى له الفؤاد. انزل مسعود رزاق أمام باب منزل عمه وقال له: "أنا اسف لما انتهى به يومك يا رزاق. أنا حقا اسف" دمعت عيني رزاق وهو يشعر بان كل باب يريد ولوجه ليكشف شيئا عن ماضيه يغلق بوجهه بقسوة وبمظهر مؤلم. اثنين من أقربائه الأن وافاهم الأجل عندما علم بحقيقة نفسه. تلك العجوز المسكينة التي ماتت عند الجسر وهذا الصحفي المسكين رائد. لا يدري لماذا هو يشعر بوخز ابر في قلبه. قد تكون دمائه قد حنت لمن هو منهم. لا يوجد تفسير أخر لذلك. فتح الباب ودخل ليسمع صوت مرجانة تصرخ فيه: "أين كنت يا ولدي فرح في الم لا ينقطع ونقلتها رحمة إلى المستوصف. أن قلبي يؤلمني ولا أدرى ماذا يجري هناك. نسيت رحمة هاتفها في المنزل وتركتني على نار. اذهب يا ولدي فزوجتك بحاجتك" بقيت 5 دقائق على نهاية اليوم والكوارث مستمرة. ركض رزاق ليوقف مسعود قبل أن يغادر. وصاح فيه: "رحمة في المستوصف. لنذهب لها حالا" وغادرا إلى هناك في جنح الليل وهما يفكران هل من الممكن أن يغدو يومهما أسوء من ذي قبل؟

    ردحذف
  108. الفصل الحادي والعشرون
    مضت ساعات ووهد جالسة في نفس المكان تلبس ذات الملابس. واجمة تستذكر ماقاله لها مسعود. الرجل الوحيد الذي حانت له فرصة سانحة لاستغلالها ولكنه رفض. لم تنفع محاولاتها معه لا في وقت الخطبة ولا الأن. تبسمت وبكت في تناقض واضح. هل هذا الرجل مختلف عن الذين عاشرتهم جميعا ابتداء من والدها وانتهاء بكل من تراهم يوميا ينظرون اليها تلك النظرات الجائعة. تكورت على نفسها وعلى ارض الغرفة استلقت كطفلة صغيرة خائفة من الظلام. أغلقت جفنيها في استسلام تفكر ولأول مرة منذ سنين بذكريات طفولتها قبل أن ينفصل والديها كليا. كان عمرها أربع أو خمس سنين. وومضات من تلك الذكريات برقت أمام عينيها بسرعة. بعض من ضحكات العائلة. وسامر يركض ورائها بسعادة وصوت فوز المفعم بالحياة ينادي عليهم أن يهدئا! شعرها الطويل يتطاير هنا وهناك فرحا، حرا، غير مثقل بواجبات اليوم. شعرت بيد تمسك شعرها. قفزت خائفة تتلفت يمنة ويسرة. ماسكة راسها. لكنها لم تجد أحدا. وحانت منها التفاتة إلى تلك الصورة القديمة. لا تدري ما يحصل لها كلما نظرت إلى نفسها الصغيرة ترتجف حبالها الصوتية وتتشنج عضلات وجهها. تبكي حزنا عليها كأنها قادمة من المستقبل لتخبر تلك الصغيرة الضاحكة أن لا مجال لتلك الضحكة البريئة في مستقبلها. جمعت فُتاتها وذهبت إلى سريرها لتنام. قبل النوم أخذت حبة منوم كي تستغرق في سباتها بدون انقطاع. وبين الصحوة والنوم أرسلت رسالة إلى مسعود كل ما كتبته فيها: "لماذا!" وصلته الرسالة وقد كان في طريقه إلى المستوصف مع رزاق. فتحها على عجل ولم يعطها الكثير من الاهتمام فأخته كانت تشغل تفكيره أكثر من أي شيء أخر. وصلا هو ورزاق واندفعا داخل المستوصف الفارغ المظلم يبحثان في غرفه عن فرحة ولم تكن الغرف كثيرة. وصلا أخيرا إلى غرفة مشعلة الأضواء حيث كانت فرحة متمددة على سرير ومغطاة بغطاء ابيض بينما رحمة تعلق لها محلولا ملحيا ووجههما لا يبشر بالخير مطلقا. هرع رزاق إلى زوجته وامسك يديها وبنظرات ملؤها الخوف سألها: "ماذا حصل؟" لم تجبه بل نحبت بصمت والألم يطبق عليها تماما ثم نظرت إلى مسعود وهي منغمسة في بكاء مستعر فاحتضنها اخوها وقال: "ستكونين بخير" ورفع راسه يسأل رحمة: "اليس كذلك؟" لم تجبه رحمة بل زاد تكدرها وهمها. ولم يفهم الرجلان ما جرى. ففرحة كانت تبكي بجنون ورحمة أنّت صامتة بألم. بعدها قالت لهما رحمة: "لنخرج! لندعها ترتاح فقط أعطاها الطبيب منوما كي تستطيع النوم" خرج الرجلين بينما هدأت فرحة ونامت بسرعة ودمعها على الخدين. قالت رحمة لرزاق وهي تمسك يده: "لقد فقدت الطفل!" بحلق فيها رزاق ومسعود مرعوبين. أكملت: "يا أخي لا تجزع فلكل شيء سبب" انهار على الأرض واضعا راسه بين كفيه. قال لها: "لكن كيف؟ كيف؟" أجابته رحمة: "قال الطبيب انه التعب. ولحسن حظها أن الجنين لايزال صغيرا والا لاحتاجت إلى عملية. هي صغيرة وستعوض هذه الخسارة بسرعة" ضرب رزاق راسه بكفيه وهو يشعر أن حظه الأسود بات أكثر حلكة من ليل بهيم. هل يا ترى هو فأل سيء لهذه الدرجة كي يموت كل من يرتبط به. انعزل مسعود عن رزاق وهو يشعر بالاسى لمصابه. المشاكل الأخيرة التي مرت برزاق جعلت مسعود يغير نظرته الأولى له حيث تحولت إلى عطف. جلس سامر أمام لعبته الصغيرة يمشط لها شعرها. كان يعتني بها كثيرا بالذات عندما يقسو عليها يدللها بعدها كي يعوضها. وها هي محبوسة في تلك الخزانة لبضعة أيام انشغل فيهما بالكثير من الأمور. بعد أن أنهي تسريح خصلاتها الناعمة بدأ يضع لها احمر شفاهها المفضل. يعرفه جيدا. احمر قاتم يبرز حمرة خديها الجميلين. وضع أصبعه على شفتيها وهو يربت على احمر الشفاه كي يوزعه بالتساوي ثم قال لها: "انظري هل يعجبك هذا؟" ثم تبسم وكأنه يجيب سؤالها: "بالطبع لم انسه"

    ردحذف
  109. ورش عليها عطرا من زجاجة كادت تنتهي. تنفس العطر وكأنها حية من جديد. ذلك العطر يعيد اليه ذكريات لا يمكن نسيانها. تبسم لها وهو غارق في عمق الزمن. ساقط في حفرة الماضي البعيد يتخيلها تتبسم له وبعينيها تحنو عليه. قال لها: "لحظة واحدة" رآها تهز راسها برقة فقام وشغل موسيقى كلاسيكية من مشغل الجراما فون وعدل هندامه وتقرب اليها مادا يده. سألها بعينين تنبضان حبا: "هل لي بهذه الرقصة؟" مدت يدها له فرفعها وبايقاع متناغم كانا يلفان الغرفة الواسعة يرقصان كعصفورين تشابك جناحيهما وعلى ارض الوله حطا رحالهما. قال لها هو لايزال يضع يده تحت خصرها بينما اليد الأخرى تطبق على يدها النحيلة: "يا ذات الشعر الغجري، اقرئي لي كفي، بعثري لي ورقي، خذي لي فنجاني لتكشفي عن قدري، اترين في ثنايا خطوطي غير عشقك الأبدي؟" والتفت يده عليها أكثر مقربا إياها منه هامسا لها بجنوح مجنون: "أن أشواقي كسيجارة أريد إطفاءها على جسدك .... علها تحرقه بنيران عشقي لك" وابعدها وهو يرقص على أنغام تلك الموسيقى ناسيا كل الدنيا وهي معه تتراقص متبعة خطواته وبخجل تسمع كلماته المجنونة صامتة لا تجد ما تقوله. بعد فاصل الرقص مع لعبته الجميلة أجلسها ثم جلس على ركبتيه واضعا راسه في أحضانها وقد تغير من حالة النشوة الغامرة إلى ركود وحزن. قال لها وهو يبكي: "أخبريني يا بلقيس هل تسامحيني على ما فعلت بأخيك؟ صدقيني هو الذي تحرش بي. لقد استفزني بتلك الحركات الطفولية التي كان يقوم بها. رجل في مثل سنه. اليس من العيب أن يرمي لي صورك من أسفل الباب تخونينني مع والدي؟ لقد انتقمت لك منه فسامحيني" ونظر اليها بينما دمعه يتساقط على ثوبها الأبيض مبللا إياه. لم تقل شيئا. ظلت صامته لا تدري ما تقول. وضع راسه مرة أخرى في أحضانها وقال لها هامسا: "لو كنت تحبينني كما احبك ستسامحينني" شعر بها تمسح على راسه بحنو. تبسم مرتاحا بينما هي تمرر أصابعها بين خصلات شعره وتتلاعب به. رفع راسه وهمس: "لقد وجدت فتاة قد تكون صديقة جيدة لك. الم تشتكي من كثرة الوحدة؟ هذه الفتاة ستكون لك صحبة لا يعلى عليها. إنها طيبة وخدومة ومعطاءة. وممرضة! اسمها جميل كاسمك بالضبط. رحمة. اليس جميلا" ثم نهض ليجلس بجانبها وأكمل: "سأحضرها اليك قريبا. وبعدها لن تشتكي الوحدة أبدا" ثم أوقفها وطبع قبلة على خدها واحتضنها بقوة وقال: "الأن يجب أن تعودي إلى الخزانة. وانا يجب أن اذهب لزيارة أختي" ثم أعادها واقفل عليها وذهب إلى شقة وهد وطرق عليها الباب. كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل ولم تجب أخته طرقاته. عاد أدراجه وخلد هو الأخر إلى النوم. في الصباح الباكر نهض وكعادته حضر فطورا سريعا واجلس حبيبته على كرسيها واضعا أمامها صحنا كبيرا وملعقة وبعض الطعام وجلس على كرسيه يطالعها مبتسما. قال لها: "سأعود اليوم للغداء هنا. سأحضر معي طعاما لا تتعبي نفسك بتحضير الطعام وهاتين اليدين لا أريد أن تتعبا" رمقته بنظرة صامتة حزينة بتلك العينين الغائمتين. وضع لقمة في فمه وهمهم: "أخبرتك إنني ساحل هذه المشكلة. سأحضر لك أنيسه فلا ترمقيني بتلك العينين الحزينتين" مسح فمه بالمنديل ثم نهض ليعيدها إلى الخزانة. اغلق عليها ثم خرج. ذهب إلى شقة أخته وطرق الباب ففتحت له ومظهرها مشعث. سألها: "ما هذا يا وهد؟ ماذا دهاك؟ لا تخبريني إنك لا تزالين تصارعين لومك لنفسك على ما حصل لأمي؟" نظرت له نظرة خالية من كل شيء. ثم ذهبت إلى غرفتها لتبدل ملابسها. خرجت وهي تلبس ثوبا اسودا مزركشا أنيقا فحملق فيها ناهراً إياها: "لا تلبسي اسود! البسي أي لون أخر" هزت راسا ولم تجبه بل أخذت حقيبتها الصغيرة وتوجهت نحو الباب. اعترض طريقها قائلا: "وهد! انت من كان يقول لي ركز على العمل وها انت مشتتة. أبي لن يرضيه ما تفعلينه وإذا علم بانك غير مركزة سيغضب. هذا كلامك ليس كلامي" بحلقت في وجهه وزمت على شفتيها وتسارع تنفسها. نفضت يدها من بين يديه وعادت إلى غرفتها. بدلت ثوبها سريعا بثوب أخر بلون الأزرق الغامق وسألته: "هل يمكنني الأن الذهاب إلى المكتب فان لدي أعمالا متراكمة" تبسم راضيا ثم فتح لها الباب لتخرج وخرج خلفها فأقفلت الباب وذهبا كلا إلى سيارته.

    ردحذف
  110. عند مكتبه وجد سامر رجلا من جواسيسه المنتشرين في الشارع. هذا الرجل بالتحديد كان مكانه عند منزل رائد ليخبر سامر متى ما وجدَت الجثة. صاح سامر باهتمام: "تكلم؟" قال الرجل: "لقد وجدت الشرطة الجثة البارحة. خطيب السيدة وهد كان هناك مع رجل أخر وظلا يلحان على رؤية رائد وهكذا اكتشفوا الجثة" ثم شرح الرجل لسامر ما جرى بالتفصيل كأنه يعرض مسلسلا تلفزيونيا. بينما سامر يشتاط غضبا. هذا الرجل بالتأكيد هو ابن عم مسعود فمواصفاته تنطبق تماما عليه. هذا الرجل أصبح الأن مزعجا جدا ولديه الكثير من الأسرار وما على سامر سوى أن يزوره ليستخرج تلك الأسرار منه ابتداء من اجتماعه مع حسان إلى علاقته برائد. قد يكون على علم بموضوع الصور فقد دفنها رائد في مزرعتهم. استحوذ رزاق على تفكير سامر كليا وهو أيضا لم يستبعد مسعود من معادلته ولكنه سيبدأ برزاق. قال للرجل: "اسمع! أريدك أن تجمع لي معلومات عن رزاق المساعي. ابن عم مسعود. انه رجل يسير في الظل وليس لديه ظهور مميز في أي من الأحداث التي تعيشها العائلة. ولكن دعنا لا ننخدع بهدوئه. هذا الرجل بدأ يزعجني وأريد أن اعرف عنه وعن شخصيته قبل أن أزوره" قال له الرجل: "علم يا سيدي" ثم غادر تاركا سامر في حالة من الغضب. هذا الرجل الأسمر كان دائما أمام عينيه ولكنه أبدا لم ينتبه له ولم يهتم لوجوده. كل تركيزه كان على مسعود والان اتضح أن رزاق هو من يجب أن يدقق في أمره فهو على عكس مسعود لا يحب أن يظهر نفسه. عاد إلى العمل فور أن أدخل له السكرتير الخاص أوراقا تحتاج توقيعه ثم اخذ السكرتير الأوراق إلى حسان ليحصل على التوقيع النهائي منه. لازال موضوع الكشف عن ولد ثالث له يعييه. ابن بلقيس حي. يجب أن يصل إلى قرار بشأنه. هل يقربه أم يبعده عنه. لم يكن يشعر باي مشاعر تجاهه لا سابقا ولا الأن ولم يتوقع أن يكون ابنه حي حتى. قرر أن يقطع شكه باليقين ويجلس مع معصوم ورزاق مرة أخرى ليتحدثا حول هذا الأمر. اتصل بمسعود ليحجز موعدا مع معصوم. تعجب من صوت مسعود الحزين ولكن تعجبه زال عندما علم السبب شعر هو الأخر بحزن لا إرادي. ذلك الطفل كان ليكون حفيده. طلب من مسعود أن يرتب له موعدا مع معصوم ورزاق بدون أن يخبره السبب مشددا على أن تكون الزيارة في مكتبه بسبب سوء الأوضاع لقرب الانتخابات. اغلق مسعود الخط وهو يتساءل عن سبب تلك الزيارة الغريبة التي يريدها الوزير وخمن أن لها علاقة بما عرفه عن علاقته برزاق. لم يدع الأمر يأخذ حيزا كبيرا من تفكيره لأنه كان في زيارة لأخته التي عادت إلى المنزل متعبة ومحطمة وقد ارتأى أن يزورها ويعطيها قليلا من وقته فقد ابتعد عنها في الفترة الماضية ومع انه كان غاضب من عمه بعد تصرفه الأخير إلا انه تجاوز زعله بعد المحادثة الصغيرة التي جرت مع رزاق. عندما عاد إلى غرفة فرحة كانت هي نائمة فخرج مرة أخرى تاركا إياها لتنام وقرر العودة إلى منزله. في اللحظة التي اغلق فيها الباب عليها نهضت هي أطلقت العنان لمأساتها. أمسكت بطنها التي كانت لاتزال منتفخة قليلا وأغلقت عينيها. قالت بصوت هامس: "لقد خسرتك يا ولدي، أو يا ابنتي؟ كيف خسرتك؟ كيف لم أحافظ عليك ولم أرعاك. أنا أم سيئة. أن لم أستطع المحافظة عليك وأنت في أحشائي فكيف كنت سارعاك وأنت خارجها؟" وضربت راسها بيدها وهي تبكي. حزنها ادمى فؤادها وصرير عظامها يأزز مثل باب مخلوع. مع كل شهقة تشعر أن روحها تخرج من جسدها. كانت تنتظر ذلك الطفل بفارغ الصبر والان وبعد وعد بالأمومة تبين الوعد كسراب الصحاري يحسبه الظمآن ماءا. كانت رحمة تمر من أمام باب غرفتها فسمعت صوتها الباكي. هرعت إلى الداخل أشعلت الأضواء واحتضنت فرحة وهي تواسيها: "حبيبتي فرحة استهدي بالله يا ابنة عمي" سقطت فرحة بين يديها ناحبه صارخة وهي تضرب وجهها بيديها فجمعت كل من في المنزل في غرفتها حتى مسعود الذي لم يغادر بعد. جلس رزاق بجانبها على الفراش وامسك يدها كي لا تلطم خدها وتؤذي نفسها. سالت دموعه هو الأخر ولم يحاول هذه المرة أن يخفيها. عندما رات العائلة ذلك المشهد الحزين انسلوا من الغرفة واحدا تلو الأخر تاركين الزوجين يواسيان بعضهما. فمن أحسن منهما ليفهم الم الأخر. رغم أن في ذلك المنزل شخص يفهم تلك المعاناة أكثر من الجميع.

    ردحذف
  111. مرجانة التي عانت من هذا الأمر بشكل متكرر توجست خيفة من ضياع هذا الحمل. هل يا ترى ستصبح فرحة نسخة عنها وتعاني ما عانته هي؟ كانت الدموع بالنسبة لفرحة حبل نجاة. إذا لم تخرج كل تلك الدموع ستغرق بأحزانها ولن ينجيها أحد من فقدان عقلها كمدا. هدأ رزاق وهو يمسح دمعها محاولا أن يهدئها هي أيضا بدأت بالنشيج والاختناق. قال لها: "يا حبيبتي إلا يكفينا! ما بكينا في ليالينا؟ ألا يكفي ما جدنا به من دموع في دياجيرنا ألا من هجوع؟ وتودين الرجوع؟؟ ألا تدرين يا فرحتي معترك الانينا في اصغراي عند رؤيتك تبكينا احتضنته بقوة. لتستمد منه السلوان. قوته كانت مهمة بالنسبة لها. تلك الأيادي الحانيات التي تطبطب عليها من كل شخص في العائلة مع كل مسحة على راسها تمسح جزءا من همها وكدرها وتحمله عنها. تجمعهم حولها ينشر طاقة إيجابية اقوى بكثير من طاقة جزعها السلبية. كأنهم في حلقة يطوقونها لحمايتها من شياطين اليأس يستخرجونها من قمعها لصبرها لأطلاقه حرا. مسح دموعها الجارية وقال لها: "نحن في هذا معا يا حبيبتي! ارمي بحملك علي. تكلمي معي بدل البكاء أخبريني بكل ما يجول في خاطرك فانا صخرتك التي ترمينها على مصاعبك فتكسرين اقواها" بعيونها الحانية الحزينة قالت له: "رزاق! لقد قتلت صغيري!" وضع أصبعه على شفتيها ليسكتها وقال لها: "لقد ردت الأمانة يا فرحة. إنك لا علاقة لك بالأمر. انه قضاء الله ويجب أن نرضاه. هل تريدين أن تسمعي أمرا قد يشعرك بالتحسن" حملقت فيه فاسترسل: "أنا اشعر أحيانا إنني لعنة. كلما أود التواصل مع عائلتي الحقيقية أحدهم يموت" هي تعرف كل شيء عنه فقد أخبرها بقصة رائد كاملة وأيضا بموضوع العجوز أم بلقيس. لكنه لم يناقش مخاوفه معها. وها هو الأن يرمي لها طوق مأسيه كي ينقذها من الغرق في مأسيها. أكمل: "أخبريني انت اليس من حقي أن اشعر إنني لعنت طفلي ومات لصلته بي؟ اليس الأجدر بي التفكير هكذا؟ ها قولي لي" هزت راسها نفيا فأكمل: "إذا انت تعطين الحق لنفسك بتحميلها كل الذنب والبكاء والنحيب وانا لا يحق لي؟ هل يعقل هذا يا زوجتي الحبيبة؟" كانت نظراته الجريئة التي يرمها بها تخجلها. لقد استحوذ عليها شعورا اقوى من الحب. انه الحاجة إلى هذا الرجل المتكامل. لا شيء فيه خطأ فهو خلق ليكون مثاليا. أمسكت يديه وقبلتها وتمتمت: "هل عليك أن تكون بهذه الرجولة. بهذا الصفاء. بهذه الحنية" قرب راسها من قلبه وسألها: "هل تسمعين دقاته؟ هذا الانتظام فيها يتخلخل إذا ما دمعت عيناك وقد أموت إذا زاد دمعك أو بعدك" ثم همس في أذنها برقة وعذوبة: "هل ترغبين بإحراق قلبي؟ فانا لدي سوابق بأمور الحرق وأصبحت بالخبرة الكافية لإشعال أي حريق" همست هي الأخرى له: "الحريق الوحيد الذي أتمنى أن تشعله هو شعله الحب التي ستظل في قلبينا إلى الأبد" استلقت على السرير ووضعت راسها على المخدة كي تستريح فاستلقى بجانبها ورفع راسها ووضعه على صدره وقال لها "أ تعلمين يا حبيبتي.. ترنيمة لا انفك أرددها..... كلما استراح راسك في هوادة.. لما يا حبيبتي تتركين صدري ينبض شوقا.. وتنامي على الوسادة؟" حشرت راسها بين ضلعيه وغفت وقد أحست أن حملا عظيما قد انزاح عن كاهلها. لم يذهب الحزن ولم تنسى طفلها ولكنها فقط انتعشت بالأمل مرة أخرى.

    ردحذف
  112. ونحن نقترب بسرعة للنهاية تزداد الاحداث سخونة وترقب..
    اتمنى فصل اليوم ينال رضاكم
    الفصل الثاني والعشرون
    ذرع سامر غرفة مكتبه جيئة وذهابا وهو يحك شعره بجنون. ما وصله من استخباراته امر مرعب. لديه اخ؟؟ اخ من المراة التي يحبها؟ وزفر وهو يصرخ غاضبا بدون اكتراث لمن قد يسمع صوت زعيقه. وحقد على والده الذي لم يخبره بالأمر. اخفى عليه امر الأخ الجديد كما اخفى عليه امر زواجه من بلقيس. ولمعرفة الأب بابنه هو يعلم تمام المعرفة أن رزاق في خطر إذا ما عرف سامر بأمر قرابته من بلقيس. قد كان على حق! وقفت رحمة أمام غسالة الملابس تضع ملابس مسعود وبعض الشراشف المتسخة فيها بنشاط زائف والدتها لم تقدر على المجئ معها وبقيت تداري مرضاها في المنزل. كانت رحمة في السابق تأتي إلى هذا المنزل بكامل إرادتها ولم يمثل مجيئها اليه أي معاناة لها ولكن بعد أن خطب مسعود أصبح الطريق بين بيتهم وبيته كأنه ملغم بدبابيس وأمواس. يتعبها كثيرا الحضور اليه ولكنها مجبرة. إن أرادت ألا تذل نفسها أمام عائلتها فيجب أن تظهر قوية وتكابر. عاد هو لتوه من رحلة سريعة إلى العاصمة لتفقد أحوال العلوة في ظل الإجازة التي أخذها رزاق ليكون بجانب زوجته في محنتها ولم يشتكي مسعود بل هو نفسه كان في اشد الحزن على أخته ومشاعره تضاربت وتبعثرت وفقدان الطفل بعثر مشاعر الجميع على أي حال. شاهدها مسعود تخرج من غرفة الغسيل متكدرة فسلم عليها ثم جلس على الأريكة منتظرا ما تعود عليه عندما تراه متعبا. كوب ماء أو عصير ينعشه. خرجت من غرفة الغسيل واتجهت للطابق العلوي حيث كان عليها تنظيف الحمام العلوي. وسط تعجبه تبعها إلى الأعلى ظنا منه إنها متعبة ثم وقف في باب الحمام الكبير وسألها: "تعملين بجد الم تتعبي؟" أكملت تنظيفها مرتبكة وهي تعلم جيدا انه جاء لأنه افتقد اعتنائها به. إذا الأن بدأت تأثر فيه كتأثيره بها سابقا. لقد عكست التأثير بمجرد أن قررت أن تتخذ خطوة ليعرف قدرها. قوتها لا تكمن في صراخها ولا حتى في تذللها بل تكمن في حاجته اليها. تلك الحاجة التي لا يشعر بها خفية عن إدراكه متسلله إلى اللاوعي فيه. كحاجة طفل إلى امه حاجة فطرية يكون في اقصى معرفته بها عندما يوشك أن يفقدها. اتكأ على إطار الباب الخشبي واضعا سبابته على فمه وهو يفكر. سألها بعدها: "إذا هل تعتقدين أن فرحة ستصبح أفضل" بدل الموضوع ليسمع منها جوابا. أجابته وهي تلهث من كثرة الفرك والتنظيف: "ستحزن لبعض الوقت ثم ستقارن بين حب ملموس لزوج رائع كاخي رزاق وبين حب موعود لطفل لم تره. ليست بالمقارنة الصعبة بالذات وهي تتحلى بالأمل وتتطلع لطفل أخر يعوضها خسارتها" هز راسه موافقا على كلامها وقال كأنه يفتقد ما تملكه فرحة: "بالفعل هي محظوظة بتجمعكم حولها" حزنه يؤذيها. يكسر قلبها. اقتربت منه وقالت له بحنو وعينيها معلقتين بوجهه: "هذه عائلتك انت أيضا يا مسعود والكل يحبك " شددت على الكلمة الأخيرة وسرحت قليلا وهي تنظر اليه. لماذا لا يفهمها؟ لماذا يقدم كل شيء عليها؟ تساءلت في سكون وترقرق الدمع في عينيها فأغلقتهما وتشجنت أوصالها فهربت لإكمال تنظيف المكان بينما تفحصها مسعود من بعيد بدون أن يقول أي شيء. سمع طرقا على الباب فقال لها: "الباب يطرق سأرى من الطارق" ذهب ليفتح الباب بينما توقفت هي عن العمل لتلتقط أنفاسها.

    ردحذف
  113. نهضت بعد أن سمعت صوت أنثى في الأسفل وأسرعت متصورة إنها والدتها جاءت خلفها رغم ان الصوت كان انعم واصغر. نزلت الدرجات بسرعة قلقة لتجد يدين تطوقان مسعود بينما أعطاها ظهره. توقفت كمن صدمت حائط. شعرت بخجل حزين. تنحنحت وسعلت فانتبه مسعود وحاول إبعاد أنثاه عنه. أدار وجهه وقد كانت وهد بين ذراعيه. أخفضت رحمة عينيها فاقتربت منها وهد متبسمة. قالت لها: "انت هنا؟ لم أتصور وجود أحد هنا" ثم نظرت نظرة سريعة لمسعود وفي قلبها شيئا من الغيرة حاولت قمعها. بعدها عادت للنظر إلى رحمة بمكر وقالت لمسعود: "لقد أتيت لك لسببين. الأول لأراك فقد اشتقت اليك كثيرا" وركزت نظرها على رحمة التي ارتعشت من كلماتها. أكملت وهد: "وثانيا لأريك هذه الأوراق. أعطاني إياها والدي وهي مجموعة من العروض لشراء المزرعة" رفعت رحمة راسها مبحلقه عينيها ناظرة إلى مسعود نظرة تساؤل مرعوبة!" ابتلع مسعود ريقه وسحب وهد من ذراعها بلطف قائلا: "لنذهب إلى مكتبي ونتكلم" ثم وجه كلامه إلى رحمة كانها تعمل لديه: "رحمة كوبين شاي من فضلك" وجرجر وهد التي تغلبت عليها ابتسامتها الماكرة وهي تشعر بما يشبه النشوة لرؤيتها التعاسة في وجه رحمة وكأن استشعارها لحزن رحمة أمدها بسعادة غامرة. قال لها مسعود فور دخولهما المكتب: "لماذا تحدثت أمام رحمة. هي الأن ستعتقد إنني سأبيع الأرض" رمقته بنظرة متسائلة وهي تقترب منه بهدوء وتحشر راسها بين طيات شعره الكثيف لتهمس له: "وهل انت خائف منها؟" أدار راسه ناحيتها مبتعدا قليلا وأجابها: "لست خائف! أنا لا أخاف من أحد. أنا فقط لا أريد أن يصل الأمر إلى عمي فيعتقد إنني جننت"

    ردحذف
  114. عقدت حاجبيها وهي تسال: "ولماذا جننت؟ انت تفعل هذا للأفضل. بع نصفها وبالأموال افتح مشروع يكسبك مالا كثيرا. ولا تنسى انت ستدخل الانتخابات قريبا والمشاريع كلها ستكون متاحة أمامك" هز راسه محاولا الابتعاد عن التصاقها به فهي تشوش تفكيره بحركاتها تلك. قال لها: "أنا لا أفكر بالبيع. انه لا يخدمني باي شيء. أنا لست بحاجة ملحة للمال ولا أجده صحيحا بيع ارضي لأقوم بمشروع بينما أنا أستطيع القيام بالمشروع على الأرض نفسها. لا أدرى يا وهد الأمر كله لا يعجبني" تغيرت ملامحها. كل محاولات الإغراء تلك تموت قبل حتى أن تولد. يبدو أن الحيلة هي الأمر الوحيد الذي سيدفع هذا الرجل ليبيع. ابتعدت عنه وجلست على احدى الأرائك ووضعت ساقا على ساق. سمعا طرقا على الباب ودخلت رحمة الحزينة بيدها صينية مع شاي ومقبلات تترجف بين يديها وواضح من نظرات الغضب التي ترمق بها مسعود أن ارتجافها ليس من برد ولا خوف بل من غضب! وضعت الصينية وغادرت بلا أي كلمة. عادت إلى المنزل وهي تشعر بان مسعود خذلها وخذل عائلتها. هذا الرجل لا يوجد أي شيء ممكن أن يربطه بالعائلة ولا حتى إيمان العائلة نفسها بان له رجعة. حزنها حتى زاد عندما عاملها كأنها خادمة في ذلك المنزل وأمرها بخدمة خطيبته بدون حتى كلمة شكر. دخلت بيت والدها وهي لا تدر ما تفعل. من واجبها أن تنقذ بيتها من الضياع ولكن في نفس الوقت عائلتها تمر بمرحلة حرجة جدا. والدها لم يتعافى كليا من أزمته ورزاق وفرحة لديهما من المشاكل ما يكفيهما. ووالدتها تحمل أثقالا لا يعلم بها سوى الرب. ظلت تصارع نفسها لساعة ثم قررت إخبار رزاق. نعم هو قوي وسيعلم ماذا يفعل بالمعلومات التي ستعطيها له. أخبرته بما سمعت فاصفر وجهه. هذه الأرض التي يتنفس ترابها يريد الأن مسعود بيعها. انه ارث من أجيال وأجيال مرت فهل مسعود فقد عقله. لا يمكن فحتى مسعود يعلم أهمية هذه الأرض بالنسبة للجميع. إنها ما يجمع أفراد العشيرة المنتشرين في كل مكان وإذا ما خسروها فسينتشر شتاتهم ولن يعاد جمعه أبدا. قال لها رزاق: "لنخبر والدي! هو الوحيد الذي سيوقف ذلك الطفل الكبير عند حده.

    ردحذف

طريقة التحميل من المدونة

طريقة تحميل ملفات pdf من media fire والمدونة