الحنين بقلم رؤى صباح مهدي

الفصل الاول
مرت من تحت كرمة انبثقت من باطن تربة خصبة فتناثرت ورقاتها الخضراء العريضة على ساند خشبي صنع بمهارة شديدة ليوضع على طول الطريق المؤدي إلى باب المنزل الخارجي. رحمة ابنة الشيوخ قادتها أقدامها إلى غرفة عمها المنزوي على سرير فاخر من الخشب الأصلي صنع منذ سنوات ليلائم شيخ العشيرة في أيام عزه الذاوية.


لم يصادفها أيا من عائلة عمها فقط الدادة القائمة على المنزل فتحت لها الباب ثم هرعت لتراقب طبختها التي تستوي بإتقان على الموقد.
تنهدت رحمة حزنا على عمها الشيخ راهي وقد اكل المرض لحمه ودق عظمه. تساءلت في نفسها وهي تغير له المحلول الملحي:
"يا للدهر ونوبات السنين! شيخ العشيرة الذي يهابه القاصي والداني كيف هزمه المرض بلا هدنة"
أكلت نفسها حسرات عليه فقد كان يحبها ويدللها كما يدلل ابنته الصغرى التي تقاربها عمرا بيد إن مواساتها لحزنها على عمها المحبوب كانت بمداراته (مثل المي بالصينية) وأحست أنها فعلت الصواب عند ولوجها معهد التمريض وسماع نصيحته كأنه كان يعلم يقينا أنها ستكون يوما ما ملاكه الذي يسهد على راحته.
فتح عينيه الغائرتين يطالع وجهها الحنطي ذو الخدين الأحمرين بفعل لهيب ظهر ذلك اليوم. هتف بصوت خامل:
"رحمتي!"
انشرحت أساريرها وولدت ابتسامه رحيمة على شفتيها وساعدته كي يجلس بارتياح بتكويم وسائد خلف ظهره لتسنده. تمتمت تحاول إن تبعث الأمل في قلبٍ شائخ:
"عمي! لقد قررت إن أزوجك فانت اليوم تبدو أصغر سنا واشد أزرا "
ضحك الشيخ وقال لها وهو يرقبها تضع حبات الدواء في كوب بلاستيكي صغير وتصب قدح ماء عذب:
"بعد الحاجة يرحمها الله ويسكنها فسيح جنانه لا حاجة لي في النساء فهذا القلب قد تفرغ بعد موتها للترحم عليها وتذكر ما جادت به يدها وما أحسن به لسانها"
هزت رحمة راسها إيجابا فقد كانت تتذكر لمحات من تلك المرأة الطيبة الودود. أعطت الحبوب لعمها فزلطها بدون تردد وأنهى كوب الماء فقالت له رحمة:
"هل تود التنزه في البستان وان كان الجو حارا في الخارج فان الكرمة قد فاءت ورش قليل من الماء سيعيد ذكريات جلوسك مع الحاجة المرحومة"
لطالما عرفت رحمة إن لرائحة التراب المرشوش توا بالماء أثرا علاجيا على حواس عمها المتعبة. هي نفسها ورثت عنه ولائها لمن تحب وعشقها لرائحة التراب المبللة.
بعد إن وافق عمها على الخروج طلبت منه الانتظار ريثما تنادي على مسعود ابنه الأكبر كي يساعدها في نقله إلى الكرسي المتحرك الذي يستعمله للتنقل.
هرعت إلى مسعود بقلب ينبض ويد مرتجفة فلطالما كان حضوره قويا أمامها منذ صغرها. هو مقل الظهور في مجالس أقربائه من النساء ولا يجد حاجة في نفسه إلى زيارة بيت عمه بتلك الكثرة التي قد يقوم بها البعض لذا فلقيا رحمة بمسعود كانت قبل عيادة عمها نادرة الوقوع. بعد إن بدأت تشرف على العناية بالعم تواترت لقاءتهما سويا وقد تلتقيه في أي مكان في المنزل بدون سابق إنذار ومع هذا ظلت تلك الرجفة من وجوده موجودة.
ركضت تبحث عنه وضفيرتها المتأرجحة خلف ظهرها تتراقص يمنة ويسرة في تناغم تحت الشال الأسود الذي لا يخفي نصف النخلة الباسقة التي تدلت بالمقلوب.
وأخيرا وجدته يراجع بعض الأوراق في غرفة المكتب الملحقة بالمنزل فطرقت الباب المفتوح كي تنبهه إلى وجودها. رفع عينيه البنيتين بغضب فهتفت:
"أريد مساعدتك فعمي ينشد الجلوس تحت الكرمة"
نهض بلا تردد وسابقها إلى غرفة والده. قبل يده اليمنى ثم حمله بين ذراعيه وأجلسه على الكرسي في مشهد مكرر لرحمة بقدر مرات اقتراحها على عمها الخروج من غرفته. بابتسامة شغوفة ونظرات متطلعة إلى مسعود سارت خلفه بينما يدفع هو كرسي الأب برشاقة فلاح يقفز على أشجار النخيل ليجلب التمر من اعثاقه. وضعه على الجهاز الخاص لإنزاله من الدرجات ورافقه في نزوله للأسفل. بعد إن تموضع الشيخ راهي في الحديقة سأل مسعود رحمة على جنب بصوته الملحمي الشبيه بصوت مذيعي الراديو:
"كيف هو الشيخ اليوم"
أجابته رحمة محاولة إن تكون إجابتها مهنية:
"أفضل بكثير، رغم الهزال ولكن حالته في تحسن اعتقد إن نكبته ستنتهي قريبا"
لاحت ابتسامة على وجه مسعود بعد سماعه هذه الأخبار ونظرة امتنان لابنة عمه التي ما برحت تطبب أباه منذ إن أصيب بنحول وتعب مفاجئين قبل شهر ونصف. 
أحست بالخجل من نظراته المبطنة. احمر خديها ثم تبسمت. حضوره القوي يسبب لها خجلا وارتباك وقد ألف ذلك فزاد في حركات القوة التي يفتعلها أمامها باحتسابها طفلة مطيعة.
نعم أنها رحمة ذات أل 20 ربيعا ابنة الشيخ معصوم المساعي ثاني كبير بعد أخيه راهي المساعي. تلك العشيرة الضخمة التي تتوزع في أصقاع البلد وأرباعه المختلفة الأبعاد يقودها عم الفتاة ذات الضفيرة والعيون البندقية التي لا يظهر لها لون إلا تحت شعاع جريء من الشمس يدخل عينيها فتغلقها ويفشل الشعاع في مهمته.
تخرجت من معهد التمريض ولكنها لم تعمل ابدأ خارج المنزل إلا في حملات التبرع بالدم والتي تعود الشيخ راهي على إقامتها بين الفينة والأخرى يدعو لها شباب القرية ويعلي من هممهم ليتبرعوا بدمائهم كدليل على حسن نيته وإكمالا لأعماله الخيرية التي يحب الانغماس بها بحكم منصبه.
لديها أخ واحد أكبر منها وهو رزاق. واجهت والدتها صعوبات جمة كي تحصل على طفلين ثم قررت ألا تخاطر بصحتها وان تكتفي بهما بعد إن سكبت براميل دموع على ما فقدت من أجنة. في النهاية رضيت بالمقسوم واستكانت لتربية فلذتي كبدها وكرست كل حياتها لهما ومن اجل سعادتهما وحمايتهما وترسيخ مكانتهما بين القوم. 
ورثت رحمة حب العائلة والاستماتة من اجل حمايتها من والديها كما انتهجت نهج الثقة الزائدة بعائلة عمها فكل القرارات التي يأخذها الكبير كبيرة وسارية ولها أحقية ونفوذ.
عندما كان جدها يتولى رعاية قريته وعشيرته شهدت العشيرة ازدهار وغنى وصدحت سمعتها في أرجاء المعمورة وجلب لهم احتراما ونفوذا لازالت له آثارا إلى هذا اليوم. بعد ذلك بدا نفوذ العشائر يقل وسلطتها تخبو ويتجه الناس في اتجاه معاكس لاتجاهات القبيلة أقرب للرغبات الفردية والتطلعات الأنانية وحب النفس وإعلائها على حب الجماعة وانتهى الذوبان في كيان العشيرة ليتجلط إلى استئثار المرء بنفسه مع بقاء صلة رفيعة له بعشيرته. مع هذا بقي الكثير ممن يكنون ولاء لكبير العشيرة وشيخها.
عاد مسعود إلى مخبأه ليكمل تراكمات الأوراق التي يدققها بينما ذهبت رحمة لتحضر لعمها استكان الشاي الذي يذكره بالأيام الخوالي. صادفت في طريقها ابنة عمها فرحة تمطط جسدها الضئيل وتتثاءب بصوت مرتفع ناعس. قابلت رحمة فرحة بابتسامة وسألتها:
"القيلولة وما أدراك ما لقيلولة؟"
ضحكت فرحة قاطعة نصف تثاؤب ولم تجب بل اندفعت إلى الحمام لتنشط حواسها فصاحت رحمة لتعلمها:
"إن أردت الشاي فانا وعمي في الحديقة نتسامر"
جاءها الجواب من داخل الحمام:
"يا منقذتي!"
أخذت رحمة الشاي من المطبخ وأسرعت بتكشيره متفائلة إلى عمها. قابلها بتَنهيده طويلة وراس مطرق ينظر إلى المسبحة الرمادية الفضية:
"إن معصوم محظوظ بك يا رحمة"
أزالت نسمة دخيلة بعضا من خصلات شعرها التي ثارت على الضفيرة وداعبت الخدين بروية ودلع. جلست تطالع وجه عمها المفعم بالسرور في جو البستان الممتلئ برائحة التربة والخضرة. زقزقة من عصفور يقف على غصن النارنج ينادى رفقائه كي ينضموا اليه في فرقة موسيقية عصفوريه ليطربوا أسماع الجالسين ويبهجوا الجو بإيقاع طبيعي. بعض النسمات الدخيلة التي صاحبت وقت العصر جاءت لتنضم إلى الجلسة كما جاءت فرحة.
هتفت فرحة بانتعاش وهي تستنشق رائحة الشاي:
"رائحة الهيل وجلسة العصر لا ينقصها سوى فرحة"
قهقه راهي وهو ينظر إلى فرحته التي يعتبرها صغيرته المدللة. تلك الفتاة المراهقة الجميلة التي تملأ المكان جمالا وبهجة. 
لم يشعر الثلاثة بمضي الوقت فقد كانت جلسة ساحرة تمنت رحمة لو إن ابن عمها توجها وزاد بريقها بحضوره بيد انه اعتكف في المكتب طوال الوقت ينجز أعمال والده ويتم شؤونه. قرب وقت المغرب وبدا الجو يميل إلى الاحمرار واقترب موعد الجرعة الثانية من الدواء فنهضت الصبية من مجلسها وأخرجت ذات الحبات التي أعطتها لعمها قبلا ثم أعطته نفس الجرعة. أزالت المحلول الملحي بكل مهارة فربت العم على كتفها قائلا:
"يدك كيد ملاك يا رحمة"
التفتت اليه مبتسمة ثم طلبت من فرحة إن تأخذه إلى غرفته ريثما تذهب هي لمناداة مسعود ليضعه في سريره. لم تناقش فرحة قرار رحمة فقد كانت تشعر بالانجذاب الخفي لرحمة نحو مسعود رغم انه تجاذب لم يبدو واضحا من جانب أخيها.
ركضت رحمة بتلك الضفيرة المتراقصة إلى مسعود واتجهت مباشرة إلى مكتبه. وقفت لاهثة تنظر بعيون باحثة عنه بين طيات الورق المتراكم على المكتب الخشبي تحاول جاهدة إن ترى وسط الظلمة التي احتضنت الغرفة دون جدوى. تساءلت بصوت خفيض مسموع:
"أين اختفيت؟"
دخلت إلى الداخل وأشعلت الضوء لترى جثة جالسة القرفصاء تتأمل الفضاء المظلم في جو الغرفة الكئيب. انتبه يفرك عينيه عندما دخل نور الفلورسنت اليها فهب واقفا ينظر إلى رحمة بكمد وتمتم:
"ألا حدود لك يا فتاة؟"
ابتلعت ريقها وهي تعلل:
"انه عمي يجب إن يعود إلى سريره قبل إن أغادر"
فرك عينيه للمرة الأخيرة وقد تعودت على الضوء قائلا في عدم راحة:
"وسنرى رزاق من جديد"
ضيقت رحمة عينيها ولم تجبه بل تبعته إلى غرفة عمها حيث وضع مسعود والده في السرير وتركوه الثلاثة لحاله. عاد مسعود إلى الغرفة وأضاء ضوء اقل شدة تاركا أخته وابنة عمه تتسامران ريثما يأتي رزاق كي يقل رحمة إلى المنزل بسبب حلول الليل.
تشتت تفكيره واضمحلت الأفكار التي كانت تجول في خاطره قبل إن تقطعها رحمة عليه. حال العشيرة الذي يقض مضجعه منذ وقت طويل. أين ذهبت أمجاد جده التي رسمها على الصخر؟ كيف وصل الحال بهم إلى أناس عاديين بعد إن حسب لهم الجميع ألف حساب في ماض قريب؟ ا يلوم الشيخ راهي على ضعف قيادته لأهله ام يلوم التطور الذي يرمي بظلاله على شموخ الماضي الذي عاشوه؟ كيف سيعيد تلك الأمجاد ويعيد مكانته ومكانة عائلته للبروز؟ الظلمة تساعده على التفكير وتحثه على اختيار الطرق التي لا يفكر فيها والضوء مشعل. تساعده على إن يغدو طاغية لغرض نبيل فيجبر الكل على سلوك سبله التي في النهاية ستقوده إلى تحقيق العزوة.
وقاطعه مرة أخرى طرقا رجوليا على الباب يعرفه جيدا بسبب ضربات الغل التي يستشعرها منه رغم إنها قد لا تكون حقا موجودة. انه رزاق قد جاء ليقل رحمة إلى المنزل. سمع صوته يجلجل في أرجاء المنزل وهو يتحدث مع فرحة ورحمة يسالهما عن حال عمه بسماحته المبالغ فيها.
لطالما وجد ذلك الصراع بين أولاد العم لسبب أو لأخر والصراع بين رزاق ومسعود صراعا محدد الأهداف. انه لأجل الخلافة.. من سيخلف الشيخ راهي بعد وفاته. تكرر هذا السؤال في الأيام الماضية أكثر بسبب الحالة الصحية التي وصل لها الشيخ راهي وعاد إلى الاضمحلال بعد تحسن حالته ليبقى منه رواسب قليلة. يستشفها الجميع كلما التقى رزاق بمسعود ودارت بينهما محادثة ولو حتى سلام بسيط. 
طلب رزاق من فرحة إن يزور عمه فقادته ورحمة إلى الغرفة. سلم رزاق وقبل يد عمه فقابله راهي ببروده المعتاد ونظرات اللامبالاة التي يرمقه بها لم تتغير. لم يبق رزاق في عيادة عمه طويلا حيث سلم واخذ أخته وهم بالمغادرة فقابل مسعود الذي رسم على وجهه ابتسامة ساخرة من رزاق لقصر المقابلة. تبادلا النظرات العنيفة ثم خرج رزاق تتبعه رحمة وهي حزينة من المعاملة التي تراها تجاه أخيها. لم يتكلما طوال الطريق بل غرق كل من رحمة ورزاق في بحر صمت حزين حتى وصلا المنزل.
دخل رزاق من الباب الرئيسي بينما دخلت رحمة من باب المطبخ فقد توقعت إن والدتها تحضر العشاء وانها بكل الحالات ستزور المطبخ لا محالة.
استقبلتها والدتها بسؤال:
"هل سيموت ذلك العجوز قريبا؟"
لم تبد على رحمة أي علامة من علامات التعجب فهذا السؤال يتكرر يوميا عند عودتها. لطالما كرهت مرجانة والدة رحمة العم راهي. أجابت رحمة وهي تغسل يديها:
"عمي في تحسن اعتقد انه سيبرأ من علته قريبا وسيعاود حياته من جديد"
كانت رحمة تعلم إن والدتها ستستشيط غضبا من جوابها وبالفعل فقد رفعت مرجانة يدها فاتحة كفيها ورمتها تجاه ابنتها في حركة غمة خفيفة فتبسمت رحمة وهي تكور قطع الكباب وتضعه في المقلاة.
في الهول الكبير الذي يحتويه المنزل ذو الطابقين جلس الشيخ معصوم يشاهد برنامجا سياسيا قد حمي فيه الوطيد وبدأ الضيوف يتبادلون الشتائم والتهم. جلس ابنه رزاق على كنبة وثيرة راقية بلون احمر وإطار مذهب وبدا هو الأخر يشتم الضيوف كأنه يفرغ غضبه مما حصل في بيت عمه. لم يستمر البرنامج حيث انقطع للإعلانات بينما استدار معصوم لولده مستفسرا:
"كيف حال عمك اليوم؟"
رد رزاق من تحت أضراسه:
"كعادته بغيض"
عقف الشيخ معصوم حاجبيه رافضا ما قاله رزاق لائما إياه على قلة أخلاقه:
"لا يصح يا ولدي إن تقول هذا الكلام على عمك وكبيرنا"
تنفس رزاق الصعداء وعلل:
"لا افهم لما يعاملني ببرود بينما يعامل رحمة كأنها قطعة من كبده؟"
رنا معصوم إلى ولده غير مجيب. كان يشعر بغصة من أفعال راهي تجاه رزاق ولكنه أيضا يعرف سبب تلك الأفعال وذلك البرود. تنفس قليلا وأجاب ولده ليخفف من غضبه:
"انه عمك من حقه إن يضربك بما في قدمه إن أراد"
حملق رزاق بوجه والده واعترض:
"وهل يحترمك مسعود بربع ما تقول؟"
هز معصوم راسه وأدار المسبحة بين سبابته وإبهامه يستغفر وغادر الجلسة فلا ابنه سيتنازل ولا مسعود وستظل المنافسة بينهما قائمة وهو لا يريد إن يكون جزءا منها.
كونه لا يريد إن يكون جزءا مما بين ابنه وبين مسعود لا يعني انه لن يكون. فلا مكان للإرادة بين سجالات أفراد العائلة ما دامها مستمرة يجب على الأقارب إن يأخذوا طرفا يحاربوا معه ولا مكان للمتفرجين في هذه الدنيا أما معي أو ضدي. أما ابيض أو اسود.
وراهي هو الأخر يجد نفسه رغم مرضه ينحاز إلى جانب ابنه. بعد زيارة رزاق له قرر إن يزيح عن كاهله عبئا ثقيلا ويأتمن ابنه على سر خطير. سر لا يعلمه سوى أربعة أفراد مات منهم واحد والثاني في طريقه. استدعى مسعود بعد العشاء وأجلسه بجانبه على السرير واغلق الباب في سرية تامة ثم طلب منه وعدا:
"عدني يا مسعود إن ما سأبوح به في سكرات موتي لن يخرج إلى العلن إلا إذا استدعت الضرورة"
أجابه مسعود رافضا كلمة موت التي قالها:
"سلامتك يا أبي لا تقل هذا الحديث"
بدا على وجهه المجعد الخشن الكثير من الجدية والخوف أرعبت مسعود وأوصلت له فكرة عن خطورة هذا السر الذي سيفصح به الأب له. بعد أن قدم الابن وعوده قال معصوم بصوت بائس:
"قبل ما يزيد عن الثلاثين عاما كان عمك يعيش في كمد. مرجانة لم يثبت لها مولود ولم تمل من الحمل كي تنجب وليا للعهد. كنت أنا لا أزال عازبا وتصورت إن ولد لها ذكرا فان أبي سيحول الخلافة إلى معصوم وسيصبح هو الكبير بعده. خاب ظن المسكينة وتحملت الكثير من الألم والخيبات حتى جاء الحمل التالي."
ابتلع معصوم ريقه وسعل في تعب سعال مستمر فنهض مسعود ليحضر له كوب ماء وهو واثق إن هذا السر الذي يقلق مضجع والده سيضمن له كما ضمن لوالده إن يكون الشيخ القادم.
ابتلع الشيخ راهي المتعب ريقه وضاقت عيناه وازداد وهنه بسبب الحمل الذي يوشك إن يزيحه عن كاهله. في هذا العمر ومع كل الحكمة التي اكتسبها من سني شبابه وشيخوخته هو يجلس حائرا بين صواب وخطا ما يفعله. لقد وعد أخيه إن هذا السر الذي دخل إلى أذنه لن يخرج من فمه لكنه سبق واخلف وعده عندما أخبر والدة مسعود الراحلة والتي أكدت له خطا إفشائه السر حتى وان كان لها. الآن هو يجلس وفيه غصة مجبر على إن يخلف وعده لمعصوم مرة أخرى ليحفظ الامتداد الدموي الحقيقي لهذه العشيرة التي تتداعى أركانها كلما انقضى شطرا من الزمان. 
أكمل حديثه:
"تهللت أسارير جدك فقد حان موعد لقياه بحفيده الأول وان كان من ابنه الأصغر. ثم خرجت الداية من غرفة مرجانة مرتعبة فقد حصل كما يحصل كل مرة وتدهورت أحوال مرجانة التي أنهكتها ساعات الطلق الطويلة فلم نجد بدا ونحن مجتمعين إلا إن ننقل مرجانة إلى المستوصف. كنا هذه المرة على استعداد تام جميعنا لإنقاذ هذا الطفل وإسعاد قلب معصوم المسكين. نقلنا مرجانة أنا ومعصوم إلى المستوصف القريب ودخلت إلى غرفة الولادة ثم خرجت منهكة متعبة وبيدها لفافة صغيرة لوجه لا يكاد يرى لصغره ولا أثر للسعادة على وجهها الذي كان بلون الكركم. قادتها الممرضة الينا بكرسي متحرك بعد انتظار 5 ساعات قضيناها أنا ومعصوم خارج المستوصف نقتل افكارنا السوداء بدخان السجائر التي كنا ندخنها بشراهة لنقضي على مخاوفنا. أنا كنت خائف على اخي وخيبة امله وهو كان خائف على مرجانة وان يسلب لبها وتفقد عقلها أو تموت اذا ما خسرت الجنين. وفغرنا افواهنا عندما راينا خروج مرجانة الأسطوري من باب المستوصف الضيق في ذلك الكرسي القديم. هرعنا نترقب تلك اللفافة الصغيرة ولا امل لدينا في انه طفل حي ثم تجمدنا في مكاننا. كان الطفل الصغير ينظر إلى مرجانة فاتحا عينيه الواسعتين وفمه يبحث عن طعام يسد به جوعه فلا يجد سوى وجه مرجانة المتجمد المنهك. أخذنا مرجانة من المستوصف إلى البيت ثم تركت الجميع وغادرت لأبشر والدي (جدك) بالبشرى وانا مسلوب الفؤاد بردة فعل مرجانة التي لم افهمها وقتها ووجها الخالي من أي بوادر للفرح بهذا الطفل الذي لطالما انتظرته"
ركز على تعابير وجه مسعود المأخوذة بالحكاية يريد إن يعرف نهايتها فأكمل:
"ثم بانت علائم الحزن على وجه معصوم طيلة فترة الولائم والاضاحي التي ذبحت احتفالا بالمولود. كنت مشغول البال بحالته حتى سألته عن الأمر وألححت فأخبرني إن الطفل الذي يربيه ليس ولده!

تعليقات

  1. الفصل الثاني
    فغر مسعود فاه. لم يستوعب الأمر وظل يحملق في والده مشدوها. سال وهو خائف من الإجابة:
    "كيف يعني ليس ولده؟"
    أكمل راهي الحديث وهو يجمع لحيته البيضاء بكفه:
    "عندما وصلت مرجانة إلى المستوصف كان الجنين قد مات وخرج ميتا من رحمها وجزعت هي جزعا جما. رأفت الممرضة بحالها واستغلت ذهاب الطبيبة لتخبر مرجانة عن طفل صغير لا أهل له وجد مرميا في الازبال حسب قولها عمره يومين أو ثلاث وأقنعتها بأخذه بدل طفلها وإرضاعه فهذا الطفل سيموت إن لم يجد أهلا يعطفون عليه. تشويش مرجانة وحالتها النفسية التي كانت بها قد أثرت على رجاحة عقلها فقبلت وأرضعت الطفل وبدا تعلقها به بعدها اتفقت مع الممرضة على كتمان السر وانتهى الأمر. أخبرت معصوم بعد إن استفاقت من صدمة الولادة والفقدان وتحول حال المسكين من بهجة إلى شقاء"
    هز مسعود راسه غير مصدق لهذه الحكاية. كيف لرجل حكيم مثل معصوم إن يربي طفلا لا يعرف أصله ولا أهله. طفلا وجد بين الأزبال؟!!!
    استمر راهي بعد إن اخذ نفسا طويلا:
    "ثرت بعد إن علمت بهذه المصيبة. يجب إن ينسب الطفل لأهله وان يعرف إن معصوم ومرجانة ليسا امه وأبوه الحقيقيين. معصوم أخبرني انه أشفق على زوجته وحالها فأقنعته إن تخبر الجميع بالأمر فور إن ترزق بمولود أو مولودة. ووافق هو على مضض ووعدني انه سيكشف الأمر فور إن يرزق بطفل من صلبه. لم اهتم حينها لان رزاق كان صغيرا جدا وخفت على غض رضيع من نائبات الزمان إذا ما تخلى عنه أخي فبقي الأمر طي الكتمان فقد وعدت عمك ألا أخبر أي انسي بالأمر حتى مضت 5 سنين تبعتها سنين أخر والأمر يقض مضجعي. عندها فقط رزق عمك برحمة. هببت أطالبه بتنفيذ وعده لأجده أكثر من زوجته تعلقا بذلك الفتى. لم يعد يفرق عنده إذا ما كان رزاق من صلبه أو لا لقد كان يحبه بدون شروط. أقنعته إن الأمر غير جائز وان الولد يعود إلى أبيه فوافق على مضض إن يبحث معي في ماضي الفتى. عدنا إلى المستوصف نبحث عن الممرضة فاكتشفنا أنها قد هاجرت إلى خارج البلد ولم نسأل أحد أخر كي لا نفضح امرنا بدون سبب. عاد معصوم إلى زوجته وحاول إقناعها بان تخبره أي معلومة عن الفتى قد أخذتها من الممرضة بيد أنها أنكرت معرفتها باي شيء وهددت زوجها إن تقتل نفسها إن اخذ الفتى منها. مع إصرارنا أنا ومعصوم على إيجاد عائلة الفتى بدأت تهمل مرجانة طفلتها وتضمر لا اكل ولا شرب فقط دموع حتى بدأت والدتك تتساءل عما يجري. عندها فقط أفشيت السر كي احصل على مشورتها. لكم لامتني على إفشائي لهذا السر ثم طلبت مني ألا أتدخل بين معصوم ومرجانة وان ادعهما يتخذان القرار المناسب لهما وكفى المشورة التي قدمتها لهما. انتهى تدخلي في هذا الأمر رغم عدم تقبلي لرزاق أبدا مما أجج حقد مرجانة ضدي إلى الأن"
    سعل الشيخ متعبا وقد شعر إن الحمل الذي يحمله قد زاد ولم يقِل كما كان يتصور. أحس بعصرة في صدره بينما قال مسعود مصدوما:
    "يجب إن يعلم الجميع بالأمر"

    ردحذف
  2. رفع راهي يده أمرا ابنه بالسكوت:
    "كلا! أنا لم أخبرك بالسر لتفشيه بل.. لتحمي المشيخة من رزاق"
    ثم تنفس قليلا وأكمل:
    "لا أريد منك أن تضع عمك في موقف الضعيف أبدا ويجب ان تبقى العائلة قوية وموحدة. أن اضطررت أن تخبره بمعرفتك افعلها فقط أن احتجت لذلك. ولا تدخل بينكما الغرباء أبدا"
    غادر مسعود غرفة والده بعد إن وعد بان لا يفشي السر وان يحتفظ به في قلبه غير انه قالها بلسانه ولم يصدقه قلبه القول.
    في طريقه إلى غرفته رأى فرحة جالسة تحت ضوء القمر. تبسمت له عندما لمحته فبادلها ابتسامة شاردة. نظرت إلى النجيمات التي في السماء. تتلألأ ببريق أخاذ وتبسمت. كانت تتذكر حديثها مع رزاق . رغم اقتضابه قد ترك اثرا عليها كما يفعل كل مرة. ابن عمها الذي يأسرها بلمحة الحزن التي على وجهه تعلو كلما دخل منزلهم. تشفق عليه من تعامل والدها الخشن معه وتجاهل مسعود له رغم انه يكبره سنا. وتساءلت هل يا ترى يكره عائلتها على برودهم معه وصدهم له بلا داعي؟ نهضت عائدة إلى غرفتها فقد زاد البعوض حولها وبدا يدخل في انفها وأذنها. رقدت على سريرها كما رقد الجميع متأملة أن الغد سيجلب حظا أفضل لرزاق ولها.
    بدأ اليوم التالي بمكالمة هاتفية لم يتوقعها مسعود. كان يجلس جلسته الشريرة في ظلام الغرفة التي أسدل ستارها يفكر بما قاله له والده عن رزاق. ثم أخرجه رنين الهاتف الملح عن إطراقه. نظر إلى رقم المتصل فوجده رقما مخفيا. خمن المتصل واسرع إلى الإجابة اتاه صوتا مستريحا خشنا من الجانب الأخر فهتف:
    "سيادة الوزير! يشرفنا حضورك"
    لقد كان المتصل الوزير حسان المطبك يطلب زيارة الشيخ راهي للاطمئنان على صحته وحدد الموعد في الغد. قال مسعود كطفل يريد اثبات وجوده بين الكبار:
    "سيدي احضر العائلة بأكملها فسنقيم الولائم على شرفكم"
    قهقه الوزير بأريحيه قائلا:
    "لا داعي يا ولدي لندع الولائم عندما تتحسن صحة الشيخ راهي ولتكن هذه المرة قهوة فقط"
    ثم انهى الاتصال المقتضب. خرج مسعود إلى فرح والقائمة على منزلهم واخبرهم بزيارة الوزير. اخبرهم أن الزيارة ستكون ليلية وطلب منهم تحضير ما يلزم. هو لم يكن لديه شك أن دادة ام موسة ستقوم بالواجب فقد اختبرها في مناسبات كثيرة ولم يخيب ظنه.
    هتفت فرحة فور سماعها باسم الوزير حسان:
    "كم أكره هذا الرجل! لقد جلب لنا فالا سيئا منذ زيارته السابقة لنا"
    حملق بها مسعود فقالت:
    "لا تنظر لي هكذا يا أخي كأنك لا تتذكر كيف انتكست صحة والدي فور خروجه وابنه غريب الأطوار من منزلنا"
    ضحك مسعود ولم يجب أخته فقد كانت تميل لتضخيم الأمور.
    عاد إلى مكتبه ليجري بعض الاتصالات الهاتفية وأجرى اتصالا لعمه معصوم يخبره بأمر الزيارة وطلب حضوره لمجاملة الوزير ولم يأتي على ذكر رزاق متمنيا لو انه لا يحضر.
    مرر كفه بين شعراته الكثيفة المصففه وهو يفكر بزيارة الوزير المفاجئة والسريعة. هذا الرجل الغامض الذي بدأت علاقته مع الشيخ راهي قبل سنتين. كان حينها وزيرا أيضا لكن لحقيبة وزارية مختلفة. لم يستسيغه راهي أبدا وقد كانت جلساتهما تتسم بالمجاملات الواضحة وعدم ارتياح راهي له لم يخف على احد ما عدا مسعود. ورنت كلمات فرح التي نعتت الوزير بجالب الحظ السيء وهي تذكر زيارته السابقة لراهي وسرية حديثهما. وقتها خرج مسعود من الغرفة بأوامر والده وبقي الوزير وابنه لنصف ساعة وخرجا غاضبين. كل ما يعرفه مسعود أن الوزير يستجدي دعم العشائر من اجل الانتخابات القادمة. وخمن أن والده الذي يكره التدخل بالسياسة قد رفض رفضا قاطعا أن يكون له أي صلة بهذا الطريق الوعر.
    تنفس مالئا انفه العريض بالهواء ثم فرك عينيه بيده اليمنى تائها في الوضع المتبعثر الذي يعيشه. نزلت يده من عينه لتحك لحيته السوداء التي يطلقها بأناقة. قرر أن يذهب لغرفة والده كي يخبره بأمر الزيارة وجرجر الخطى اليه.
    كانت رحمة برفقة عمها تتضاحك معه بينما تحضره لجولة في المزرعة. لم تنتبه لمسعود الذي اندفع إلى الغرفة كصاروخ فجفلت وسقط من يدها كوب الماء والحبيبات التي تعطيها لعمها على الأرض. امسك راهي بمعصمها كي يهدئها بينما وقف مسعود هو الأخر ينظر اليها مندهشة تمسك صدرها بيد بينما اليد الأخرى بيد عمها. شعر بالخجل قليلا من إجفالها. ثم طلب منها بعد هنيهة أن تخرج من الغرفة فخرجت. أخبر مسعود والده بأمر الوزير فانقبض واصفر. لم يرتح لتلك الزيارة لكنه لم يستطع أن يفعل شيئا فلا يمكن لمسعود أن يلغي الدعوة بلا سبب.

    ردحذف
  3. كانت رحمة برفقة عمها تتضاحك معه بينما تحضره لجولة في المزرعة. لم تنتبه لمسعود الذي اندفع إلى الغرفة كصاروخ فجفلت وسقط من يدها كوب الماء والحبيبات التي تعطيها لعمها على الأرض. امسك راهي بمعصمها كي يهدئها بينما وقف مسعود هو الأخر ينظر اليها مندهشة تمسك صدرها بيد بينما اليد الأخرى بيد عمها. شعر بالخجل قليلا من إجفالها. ثم طلب منها بعد هنيهة أن تخرج من الغرفة فخرجت. أخبر مسعود والده بأمر الوزير فانقبض واصفر. لم يرتح لتلك الزيارة لكنه لم يستطع أن يفعل شيئا فلا يمكن لمسعود أن يلغي الدعوة بلا سبب.
    تلك الدعوة لم تعجب معصوم أيضا. لم يرتح يوما لحسان المطبك قبل حتى أن يكون وزيرا. لطالما دعاه رجل بلا مبادئ وكره ابنه سامر الذي يبدو ببدلته السوداء وأكتافه العريضة مخيفا. قرر أن يكلم مسعود ويخبره بعدم حضوره ثم عاد ولغى الفكرة.
    لم يكن راهي ومعصوم كوالدهما أبدا. على عكسه، كرها السياسة ومالا إلى الانعزال ومفهومهما عن الحياة العشائرية كان منفتحا قليلا وغير متزمت. معصوم لم يكن يوما رجلا عصبيا بل سمحا متساهلا. وراهي كان اقل تسامحا وتساهلا من معصوم مع انه لم يك أيضا عصبيا. قد يكون تساهلهما بأمور العشيرة هو ما أدى إلى تراجعها وتدهور أحوالها في السنين الأخيرة.
    رن هاتفه معلنا اتصال ابنه رزاق. كان يخبره بشأن حمولة التمر التي باعها بنجاح وكسب عليها ضعف السعر. لطالما حاول رزاق أن يبهر والده ويجتهد بعمله في المزرعة كعامل أو فلاح وليس كمالكها. لم يشعر يوما انه يملكها والفضل يعود لمسعود وعمه راهي. العم بسبب الماضي ومسعود بسبب الخوف من منافسه والغيرة منه. كان يعرف جيدا أن رزاق منافسا أفضل منه إذا ما جاء وقت المشيخة فهو ودود ويعرف العمل بحذافيره بفضل معاشرة الموظفين ومتابعة العمل المكتبي مذ كان صغيرا بينما مسعود هو أكثر رجل تفكير وتنظيم لا يحب العمل بيده بل يحب التفكير أكثر.
    هذه المنافسة بينهما بدأت وقت المراهقة حيث دارت المعارك الطاحنة بينهما ولم تخفى على أحد وفي كل مناسبة يلتقيان بها يتناحران ويتجاذبان الحديث السلبي عن بعضهما البعض فيفوز مسعود بسبب والده وتحيزه له.
    لطالما فكر رزاق بسبب لهذا التحيز ولكن لم يكن له أي سبب من وجهة نظره. سمع صوت أخته من بعيد تناديه بينما كان يحمل صناديق الخضار في البيك أب البيضاء التي يملكها كي يأخذها للسوق. لوحت له وبيدها عمها العابس تدفعه بينما فرحة تنظر على استحياء له. مسح عرقه بقميصه المفتوح الأزرار بسبب الحر ثم بدا يغلق تلك الأزرار كي يهندم نفسه أمام عمه. سار باتجاههم بينما هم يقتربون. ادخل قميصه في بنطاله الجينز الممزق الخاص بالعمل ثم مسح عرقه من وجهه الذي ازداد اسمرارا بفعل الحرارة والعرق. هتف من بعيد:
    "عمي! لقد أشرق المكان"
    ثم امسك يد راهي وقبلها بينما قال راهي:
    "أين بقية العمال؟"
    أجاب رزاق مثبتا عينيه على عمه وكالعادة خائبا من ردة فعله:
    "لا يوجد عمل كثير اليوم فقررت أن لا داعي لصرف مبالغ إضافية"
    همهم راهي ثم سال:
    "ألن تتعب لوحدك؟"
    امسك عضلات يده التي قوت بفعل العمل وحمل الصناديق الثقيلة وتفاخر:
    "لا يوجد شيء لا يمكن لهذه العضلات حمله"
    كانت فرحة تسترق النظر له بعينين حالمتين. ياله من رجل! قالت له متسائلة:
    "ماذا يوجد في هذه الصناديق؟"
    كانت تريد منه أن ينظر لها ولم تهتم مطلقا بالصناديق وخاب ظنها عندما أجاب وهو ينظر لعمه:
    "طماطم"
    قالت رحمة له تشجعه:
    "ارايت يا عمي كيف يسير العمل كالساعة بفضل رزاق"
    هز العم راسه فلا يمكن نكران تكريس رزاق نفسه للعمل واجتهاده فيه بدون حتى أن يطالب بالأجر. كل ما يشغل تفكيره هو إرضاء عمه وان يصبح مؤهلا ليكون شيخا للعشيرة يعرف كل صغيرة وكبيرة.
    طويل بشكل مبالغ فيه واسمر اكثر من اللازم ذو شعر خفيف يحلق

    ردحذف
  4. لحيته كي يظهر وجهه النحيف ذو الفك المدبب. هذا ما يراه الناس بينما ترى فرحة رجل تشفق عليه وهكذا بدا حبها له من شفقتها عليه. أو ليس الأشفاق في الحب اصل للرومانسية.
    استدار رزاق بعد أن قرر العم أن يتحرك ليرى بقية المزرعة وظهرت على شفاه شبه ابتسامة. في لحظات تركيزه على عمه كان في الحقيقة يشعر بنظرات فرحة له ومحاولتها الحديث معه. كان يشعر بلذة الانتصار عليها لانه لم ينظر لها عندما أجاب. استدار متظاهرا برفع صخرة من على الأرض كي يراها بدون أن تراه فهذا ما يفعله منذ وقت طويل. يراقبها بصمت وهو يعرف جيدا أن عمه وابن عمه سيذلانه أن تقدم لخطبتها لذا هو منتظر عسى أن يتخلص من احدهما قريبا.
    رجع لعمله المتعب الذي يجد فيه راحة عقلية في نهاية اليوم عندما يشعر انه انجز عملا ناجحا وحقق مكاسب جيدة لعائلته.
    عادت رحمة بعمها وفرح إلى المنزل حيث قرر راهي اخذ قيلولة بينما جلست فرحة ورحمة تتسامران في الهول الكبير أمام مكيف الهواء.
    تعالى صوت ضحكاتهما وهما تقلدان مسعود, تارة صوته وأخرى نظرته الغاضبة. و اكثرت فرحة تقليد اخيها حتى تعالت قهقهات رحمة وجذبت انتباه مسعود. لكم حنق على تلك الفتاة المسماة رحمة. انها تضغط على اعصابه وتقود اخته إلى تصرفات لا عقلانية أو هذا ما تصوره. نهض من مكتبه الذي يحبس نفسه فيه طوال الوقت يتعامل مع العمل الذي تركه والده والخاص بشؤون المزرعة والذي يكرهه ولا يجيده مطلقا. سارع الخطوات إلى الهول الذي يحتضن ضحكات رحمة وفرحة وهو لا يعلم أن محور المسرحية الكوميدية هو ذاته. وقف متفاجئا وهو يرى رحمة تلبس على راسها شالها بالشكل الذي يلبس هو كوفيته البيضاء وتكشر عن اسنانها مصطنعة وجه شبيه بوجهه مع ضفيرتها على خديها كانها لحيته. كانت تجيد ذلك بالشكل الذي هو نفسه عرف نفسه!
    صرخ بها مجلجلا :
    "من هذا أن شاء الله؟"
    توقفت رحمة وهي ممتحنة بصوته العالي. قالت فرحة وهي تمون على مسعود لانها تعرفه جيدا وتعرف أن كل مظهره الخارجي ليس سوى تمثيل ليحوز على مكانة مخيفة بين الناس:
    "حبيب رحمة"
    وشهقت رحمة من قلة عقل ابنة عمها الذي لفته غمامة المسلسلات التركية التي تراها فنسي حدوده. تلعثم مسعود الذي لم يدر أن اخته تمزح بلا أساس للمعلومات التي قالتها. تقرب من رحمة التي اصفر وجهها خجلا وخوفا من مسعود. امسك بضفيرتها الطويلة وسحبها بلطف وروية مستمتعا بما يفعل قائلا:
    "هذه الضفيرة سأقطعها لك أن لم تعتدلي، تصرفاتك هذه قد يتقبلها اخوك ال..."
    وكاد أن يقول ما يندم عليه ولكن طفرة عقلية استوقفته فجاءة فترك ضفيرة رحمة واكمل:
    "انت لا حل لك يا رحمة. الا تفهمين أن بعضنا لديه عمل كما أن عمك مريض! اخفضي صوتك أو اذهبي إلى منزلك"
    وانقلب الضحك إلى جد! غابت ضحكات البنتين وغادر مسعود إلى كهفه كخفاش منعدم النظر.
    شعرت رحمة بالخجل والذل. حتى مع كلمات فرحة التي حاولت بها التخفيف عن رحمة الا أن دموع احتبست في عينيها واحساس بالذنب اكل قلبها. انها هي سبب أذية العائلة. لطالما شعرت ذلك الاتهام في نظرات مسعود لها. قالت فرح وهي تحاول منع رحمة من المغادرة:
    "لا تتركيني مع فارس الظلام لوحدي ارجوك يا رحمة. أن اخي يمر بوقت عصيب وهو يرمي بضيمه على أي احد لانها دائما مشكلة شخص أخر أن مخططاته تفشل"
    بدأت رحمة تبتلع ريقها بصعوبة كمن يبكي من الداخل فيبتلع دمعه المالح ليختلط مع دمه ولحمه فيبنى ويشتد من معاناة وأشجان.
    جلست على الأريكة وهي تعلم جيدا انها أن خرجت الأن سيتحتم عليها العودة من اجل دواء عمها المسائي. بينما جلس مسعود عاقدا حاجبيه في غرفة المكتب يفكر في زيارة الوزير وكيف عليه أن يتصرف اذا ما أراد منه والده الخروج في مرحلة ما من تلك الزيارة لمناقشة أمور سرية يتوق هو لمعرفتها. ثم شوش عليه تفكيره الموقف الذي حصل قبل قليل. هز راسه كانه ينفض عن كاهله الإحساس بالذنب. مشاعره تجاه ابنة عمه متناقضة. ومنذ القدم كانت تشوش عليه رغم قلة المرات التي كان يراها فيها وعدد المرات القليلة التي زار منزلهم فيها والتي اغلبها كانت لرؤية الخاطبين الذين دخلوا ذلك المنزل مرة واحدة ولم يعودوا. لقد تأكد هو وراهي من ذلك. وها هو الأن يكرهها لانها تسيطر على أفكاره وهو يريد أن يصفي ذهنه. ركز محاولا طردها كليا من عقله ثم عاد إلى زيارة الوزير المرتقبة.

    ردحذف
  5. ذلك الوزير الذي تنقل بين الوزارات يفكر الأن أن مجرد وزير لم يعد يكفي. حسان المطبك رجل ممتلئ بالطموح والمكر. جمع حوله ابنته وهد وابنه سامر وعلمهما بطرق قاسية كيف يعيشان حياتهما في عالم كثرت فيه المطامع والشكوك حتى كبرا وقد طورا ما ورثاه عن والديهما من مكر وطمع في كنف حسان بعيدين عن أمهما المنفصلة عن والدهما والتي تعيش حياتها حذرة من أن تقربهما إلا ما ندر.
    ركب حسان سيارته المظللة المضادة للرصاص في سرية مع ابنه سامر وحارسين شديدين احدهما السائق في تمام الموعد المقترح مع مسعود. وصلا إلى البيت الكبير الذي في معظمه بساتين بعضها يانع والبعض الاخر ذاوي فنظر سامر إلى المدخل وهو يتذكر خريطة المنزل في راسه. مدخل ضيق ثم هول واسع يؤدي إلى مطبخ وغرفتين ومكتب ثم درج خشبي يؤدي إلى الطابق الثاني ثم درج مرة أخرى وسطح كبير. هو يعرف جيدا أن عليه أن يضع الحارسين في مكانين مناسبين باستراتيجية ذكية يتقنها جيدا. اعطى أوامره إلى احد الحراس أن يطوف حول المنزل بينما كان موقع الحارس الثاني السطح كي يراقب. ادخلهما مسعود إلى غرفة استقبال الضيوف المهيبة حيث كان كل من معصوم ورزاق يجلسان مع راهي ينتظرون قدوم الوزير. بعد المجاملات جلس الوزير متضايقا من وجود هذا العدد من الناس ولم يدخل إلى الموضوع الذي جاء لاجله بل دار حوله مبينا موقفه من التالفات السياسية التي تتواجد على الساحة معطيا رايه في تصرفات بعض السياسيين بينما نفاذ صبر معصوم تراقص على وجهه فقرر أن يستأذن بعد ساعة من القصص المملة التي يعرفها والاكاذيب الواضحة التي يؤلفها الوزير. قال معصوم لابنه هامسا:
    "لنغادر!"
    ثم اعتذر بلباقة وغادر مع رزاق الذي تبعه مرغما وسط نظرات مرتاحة من الوزير ومسعود. قابلا سامر خارج الغرفة ينزل الدرجات قادما من الطابق العلوي. تبادل رزاق مع سامر النظرات ولم يرتح رزاق لسامر بل شعر بقوة سلبية تنبعث منه. شخصية غريبة بنظرات مريبة وتعابير غير مفهومة تثير كل من يراها. استأذن رزاق ذاهبا إلى الحمام بينما قال سامر لمعصوم :
    "كنت اتاكد من الامن في الاعلى أن كل شيء بخير"
    هز معصوم راسه غير مبالي بما يقوله سامر فهو لا يريد أن يتدخل باي شيء يخص هذا الوزير ولا اولاده. انتظر الشيخ رزاق في حديقة المنزل الكبيرة حيث خرج وسامر يقوده إلى هناك يحدثه في مواضيع لا تروق لشيخ في عمره. عاد رزاق بعد دقائق وغادر مع والده.
    بعد ربع ساعة طلب الوزير من الشيخ راهي الانفراد فانفرد براهي وهذه المرة بقي الوزير وراهي لوحدهما بينما انتظر سامر مع مسعود خارجا. سال مسعود سامر كانه يتلمس طريقه وسط الظلمة:
    "هل انت تعمل بصفة حكومية مع والدك؟"
    أجاب سامر مبتسما ابتسامة مجنونة:
    "بالطبع فانا رجل المهمات الصعبة"
    رنا مسعود للحظات يفكر بمعاني هذه الصفة. فضحك سامر وقال ليزيل الضبابية عن كلامه:
    "أنا احافظ على امن والدي الوزير"
    هز مسعود راسه رافعا حاجبيه كانه منبهر بما سمع بينما قاطعهما صوت الباب يفتح من الغرفة التي يجتمع فيها راهي وحسان ليخرج الأخير غاضبا ممتعضا وغادر.
    في منزل الحاج معصوم وصل الرجل الاشيب مع ابنه يتناقشان بمواضيع شتى أهمها زيارة الوزير لراهي. وصلا إلى المنزل حيث كانت فرحة عند بيت عمها مع رحمة تتلاطفان بطيب الكلام وضحكاتهما تتعالى في المنزل الفارغ الا من مرجانة. دخل معصوم فاستقبله صوت الضحكات فتبسم. كم يطربه سماع صوت فتاتيه تتضاحكان فرحتين. حب حياته ابنته رحمة وابنته الأخرى فرحة. صاحت مرجانة بالبنتين"
    "لقد وصل الرجال"

    ردحذف
  6. سكتتا فلام معصوم زوجته على ما فعلته:
    "دعيهما يا مرجانة لتضحكا قبل أن تثقل الدنيا قلبهما بهمومها"
    لم تعلق مرجانة على ما قال بل سألته عن زيارة الوزير فلم يفدها باي معلومات كانت تتوق لها فاتجهت إلى ابنها. سألته وهي تعطيه كاس ماء:
    "ماذا حصل؟"
    أجابها ممتعض:
    "لقد غادرنا في بداية الجلسة. لا اعرف اكثر مما قاله أبي لك"
    لوت شفتيها بتهكم وتمتمت:
    "والدك سيجلب لي الجلطة"
    وتركت ابنها يذهب إلى غرفته فمر من غرفة اخته القريبة من غرفته حيث كان الباب نصف مفتوح وهي مع فرح تتكلمان. لم يمنع نفسه من سرقة النظرات لابنة عمه الصغيرة وهي تضحك مع اخته على صورة كانتا تتكلمان بشانها. ثم سمع اسمه بعد أن مر بضع خطوات مبتعدا فتوقف. استرق السمع فقد كان بالتأكيد الموضوع بشانه. قالت فرحة لرحمة:
    "هل تؤمنين بالحب"
    وتذكرت رحمة ما حصل لها مع مسعود والجملة التي قالتها فرح فاختفت الابتسامة وحل محلها هما. اجابت ناصحة:
    "فرحة لا تكثري من المسلسلات التركية اتوسل اليك, ولا تقولي هذه الكلمة أمام رجال العائلة لانه عيب"
    عقفت فرحة حاجبيها متعجبة من كلام رحمة واجابت:
    "كيف وابي يجاهر بحبه لوالدتي المرحومة في كل مناسبة وكذلك عمي معصوم قالها في مناسبات عدة لخالتي مرجانة؟ أن رجال هذه العائلة يعترفون بالحب ويقدسونه والا لتزوج أبي بعد وفاة والدتي"
    تنفست رحمة بتعب ففرحة لا تريد أن تتعقل. أكملت فرحة :
    "ماراي رزاق بالامر؟"
    بحلقت فيها رحمة متعجبة وصرخت:
    "لما لا تسأليه ألست متيقنة من أن رجال العائلة مختلفين، لا تلوميني على الكف الذي ستتلقينه منه"
    تبسم رزاق بهدوء! كم يحب شخصية فرحة العفوية المحتشمة. هذه الفتاة التي ينتظر أن يصبح الوقت مناسبا كي يملك عصمتها. قرر أن يتدخل فسعل بصوت عال كي ينذر الفتاتين لوجوده كأنه يمر من أمام الغرفة ومر على مهل وتظاهر انه رآهما فسلم على فرحة وردت على استحياء سلامه. قال لرحمة:
    "هل تعشيتما؟"
    اجابت رحمة التي تلاحظ نظرات اخوها الحانية لفرحة منذ فترة :
    "نعم واعتقد أن وقت عودة فرحة قد حان فهل ستوصلها ام تنتظر مسعود ؟"
    هتف رزاق وهو يضرب بيده على صدره:
    "أنا سأوصلك، تحضري ونادي علي"
    ضحكت فرحة بدلال بينما غادر رزاق لتتحضر فرحة للخروج. قالت لرحمة بعد أن خرج رزاق :
    "سأسأله في الطريق وسنرى ما يقول"
    هزت رحمة راسها يمنة ويسرة مبتسمة على مضض فهي تعرف أن فرحة مندفعة قليلا وصغيرة.
    خرجت فرحة تتبع ابن عمها في خطوات تملاها الحياء ويكسوها الغنج حتى وصلت منتصف الطريق بين المنزلين. قالت بصوت متلعثم بينما تسير خلف رزاق السريع الخطوات:
    "رزاق! ما رايك بالحب؟"
    عقف رزاق حاجبيه مبتسما وهي لا تعلم بفعله فالظلام غطى على وجهه كما انه يسير امامها. أجاب بعيدا عما يفكر فيه :
    "ما هذا الكلام يا فرحة؟ احتشمي"
    شعر بخيبة املها من اجابته. سكتت ولم تزد حرفا فقال مرتجفا خائفا مما سينطق به لسانه:
    "لذيذ مخيف وملئ بالخيبات!"
    فغرت فاها. ركضت لتصبح بمحاذاته وهتفت:
    "وتحت ضوء القمر يصبح اجمل. هل تعتقد انه عيب أن نجاهر بهذه المشاعر علانية؟ أنا أرى أبي يجاهر بها امامنا دائما وانا اعتبره مثالي الأعلى"
    نظر لها عاقدا حاجبيه محاولا استجوابها متلهفا لها:
    "وهل انت تحبين يا صغيرة؟"
    خجلت وغرق وجهها باللون الأحمر وأحست بحرارة خلف أذنيها وتباطأت حركتها لتصبح خلفه مرة أخرى. ضحك وهو يهز راسه وتوقف عن مضايقتها بأقواله. بعد لحظات قال لها:
    "لم تجيبي سؤالي "
    وتوقف عن المسير وتخصر وهو يحملق فيها فلم تجبه بل طأطأت راسها. قال مكملا كلامه:
    "انظري الي! هل في قلبك الصغير احد"
    دمعت عيونها وأحست أن اندفاعها كان خطا وان ابن عمها هو بالضبط كما كل رجال قريتها وعشيرتها وليس كوالدها وعمها. قطعت عليه نظراته بالقول:
    "ارجوك لا تخبر أحدا بامر هذا الحوار فقد كان غلطة"
    وضحك ملئ شدقيه.

    ردحذف
  7. هو يملك قلبا قد رف لها منذ وقت طويل. هو أيضا تربى ليرى عمه الذي لطالما عامله بلؤم يعشق زوجته ويجاهر بحبها ويكرمها في كل مجلس. هو أيضا عاش اكثر منها في هذه العائلة ليعلم أن رجالها يعشقون نسائهم فالأخوين راهي ومعصوم احبا زوجتيهما وزرعا ذلك الحب في بذور افعالهما تجاه السيدتين.
    قال لها بعد أن انهى ضحكته:
    "حبي ولكن لا تنحرفي. اعشقي بحدود, وتزيني بالعاطفة الذكية. وتذكري أن حب الرجل لزوجته واكرامها من اصفى واطهر أنواع المحبة ولكنه مختلف عن الحب الذي بدون زواج . انه حب التعلق وحب الرغبة وحب التعود. حب ينعكس على الأجيال القادمة ويبني معها احتراما ليس فقط للعلاقة الزوجية بل أيضا لكيان الرجل والمراة"
    كان تاثير كلامه بائنا على وجهها فاكمل:
    "أنا أؤمن بالحب وفي قلبي انثى صغيرة اشعر باكتمالي فور رؤيتها. اشعر بانها تحت ضوء القمر تبدو خيالية كانها خرجت من قصص الف ليلة وليلة وحلقت دهورا لتضيء حياتي بابتسامتها. لا تساليني عنها! لانك في داخلك موقنة من تكون"
    خجلت من كلامه وهي ترى يديه تشيران نحوها كلما قال جملة من جمله الغزلية. تجرأت أخيرا وسالته :
    "لا اعرف من تكون انت اخبرني يا ابن عمي"
    تبسم وازداد اجتياح عواطفه وهو يرى نظرات الخجل على وجهها بصعوبة تحت الضوء الفضي:
    "كل ما فيك فيها, وخجلها الأن يزيد في نيران الوله"
    ثم سار بخطواته السريعة وهو يشعر بالراحة بعد هذا الاعتراف. تبعته هي وكأن عالمها قد تحول إلى عالم وردي. انه يقصدها هي بلا شك !
    وصلا إلى المنزل حيث توادعا بالنظرات والابتسامات ودخلت فرحة بينما بقي رزاق ينظر اليها حتى اختفت وأغلقت الباب.
    توجهت إلى غرفتها وبقيت ساهرة تفكر بما حصل. يال سعادتها بما حصل. انه عهد جديد في حياتها سيبدأ. عهد الحب!
    استيقظت في اليوم التالي وقد كانت الشمس في كبد السماء على صوت صراخ مسعود ونواح رحمة. ضرب قلبها تسارع وتنفسها تشنج وتخلخل انتظامه. أبعدت شعرها عن عينيها وهتفت :
    " يارب استر يارب"
    نهضت وهي ترتجف لترى رحمة تنوح أمام غرفة راهي ومسعود يصيح داخل الغرفة بوجع وحسرة:
    "لا تتركنا يا شيخ لا تتركنا"

    ردحذف
  8. الفصل الثالث
    كان يوما عاديا كباقي الأيام في المزرعة والقرية بصورة عامة. روتين في روتين. نهضت رحمة من اجل الذهاب لبيت عمها ومارست نشاطها اليومي كما تفعل كل صباح. قبلت جبهة راهي واعطته دواءه ثم ذهبت إلى مسعود مستبشرة كي يساعدها في نقل والده على الكرسي الذي يستعمله للتنقل. كانت ستاخذ عمها في جولة طويلة في القرية ثم تعود به وقت الغداء ليرتاح.
    عادت برفقة مسعود لتصدم برؤية العم قد دخل في تشنجات جاحظ عينيه ينظر بألم نحوهما لا يقوى على الكلام ولا التنفس. هرعا اليه فقامت رحمة مرعوبة ومصدومة من حالته بعمل احتياطات طبية له لكنه كان قد فارق الحياة قبل حتى أن تبدأ في إسعافاتها له. فقدت اعصابها وارتجفت يداها ثم لطمت وجهها كمدا بينما ركض مسعود إلى والده مشدوها لا يعرف ما يفعل. صرخ بها:
    "ماذا حصل؟ ماذا فعلت بوالدي؟"
    هزت راسها مختنقة بدموعها تقرص خديها بقسوة قائلة:
    "لقد مات! لقد مات! "
    نظر لها مسعود حائرا ووجه لها اصبعه السبابة:
    "هل قتلت عمك؟ "
    ثم بدا يهز والده بلطف ويصرخ متوسلا:
    "يا شيخ لا تتركنا يا شيخ! انهض يا شيخ ارجوك"
    وبعد محاولات من مسعود لم يجد استجابة من والده فانهار بجانب السرير ينشج كطفل. كانت هذه اول مرة ترى فيها رحمة مسعود بهذه الحالة البائسة الضعيفة. حزينا كطفل خائف من أن يتيه اذا ما ترك يد والده ضغط على اليد الباردة البارزة العروق. يغلي كقدر على نار عالية احرقته . بانت في عيونه المحمرة المجنونة نظرات الانتقام. ترك يد والده أخيرا وصرخ على رحمة بقسوة فاقدا عقله فانهارت باكية:
    "لقد قتلت عمك! ا يصل الانحاط بك إلى هذا المستوى. كان على ما يرام البارحة فهل رزاق اقنعك بقتله ام انها فكرتك انت؟"
    لم تفهم ما يقوله مسعود. هل يتهمها بقتل عمها؟ هل يعقل؟ نهضت وهي تمسح دمعها بأذيال انكسارها وغادرت هاربة مسرعة أمام دهشة فرحة التي خرجت من غرفتها لا تدر ما حصل. صرخ مسعود بها وهو يهددها:
    "لن ينتهي الأمر على خير يا رحمة"
    عادت رحمة راكضة إلى منزل والدها وحالتها الغير طبيعية ارعبت والدتها التي كانت لوحدها في المنزل. صرخت بها:
    "ماذا دهاك يا رحمة؟"
    صرخت رحمة مرتعبة باكية مرتجفة:
    "لقد مات عمي ومسعود يتهمني بقتله"
    لم تدر مرجانة اتفرح لهذا الخبر ام تحزن. لطالما كرهت راهي لعلمه بسر ابنها وها هو قد مات واعتقدت أن السر ذهب معه إلى قبره. بانت على وجهها الأسمر العريض وعينيها السوداوين الواسعتين إمارات حزن وقلق. عدلت عصابة راسها وتمتمت:
    "ليرحمه الله ويرحمنا من ابنه. ما احببته يوما ولكن موته سيجلب الأن عدم استقرار للجميع. ابنه لن يترك المشيخة بسهولة لوالدك"
    نظرت رحمة بعيون مستغربة لوالدتها. ولم تعلق على كلامها. هي الأن في حالة مشتتة من الحزن والخوف. لقد مات عمها وانها بشكل أو باخر متورطة بالامر. قالت لها أمها:
    "ما بك؟ كان رجلا عجوزا ومريضا وقد حان يومه فلا تولي بالا لكلام ابنه المجنون. سيهدأ بعد حين ويتعقل ويرى أن لا دخل لك في وفاة راهي بل أن يومه قد حان وردت الأمانة"
    ثم عدلت العجوز عصابتها وتمتمت:
    "لنذهب إلى منزلهم كلمي والدك ورزاق واعلميهما بالخبر"
    اقتنعت رحمة جزئيا بكلام والدتها ثم نهضت لتفعل ما أُمرت به. وفكرت كيف أن ذلك المسعود دائما يشعرها بانها مسئولة بشكل أو باخر عن مشاكله وهمومه.

    ردحذف
  9. انقلبت القرية كلها تلبس السواد على الشيخ راهي. عم حزن عام في ثنايا العشيرة عليه فقد كان محبوبا من الكل رغم بعض الاختلافات بينه وبين البعض.
    انهارت فرحة عند معرفتها بموت والدها. تلك الفتاة الصغيرة التي لم تبلغ العشرين بعد. بشعرها الأسود وعيونها البنية وبشرتها البيضاء تبث حزنها دموعا وتتجرع فقدانها لوالدها سما والما. عادت لها ذكرى وفاة والدتها قبل سنوات والتي علقت في ذكرياتها رغم صغر سنها انذاك. تركت ابنتها وحيدة ولكم احتاجتها بعدها في مواقف شتى. وهي الأن في عمرها هذا اخذت على حين غرة بفقدان والدها لتصبح بلا والد ولا ام. شهقت لاطمه خدها الذي صار احمرا من كثرة الضرب عليه. جزعت وهي تسمع مسعود يتوعد لرحمة فكيف بامكانه الاعتقاد أن صديقة عمرها والوحيدة التي ساندتها وساندت راهي قد تقدم على فعله شنعاء كهذه. كره مسعود لبيت عمها معصوم يقتلها ويزيد المها وشوقها لوالدها. كيف ستتمكن من العيش مع اخيها الغير متوازن. كل يوم له شان لا تعرف كيف تقرأ تصرفاته. وعادت لتبكي بجزع على الفقدان. صاحت بصوت يقطع اللب:
    "لمن تركتني يا شيخ! يا والدي يا اغلى من روحي. فض فيَ أن ضحكت من بعدك ذات الضحكة. لا رغبة لي في حياة لست فيها يا تاج راسي. لا رغبة لي في حياة لست فيها يا نور عيني. خذني معك. ادفن دونك يا والدي ... ادفن دونك"
    وصرخت بآه الحزن وعلى نواحها أبكت من اجتمعن لمواساتها والتحضير للمأتم. امسكت بها مرجانة تحاول تهدئتها وتكلمت معها بتعقل محاولة أن تصبرها على المها بيد أن فرحة كانت بعيدة عن الصبر قريبة إلى الجزع على والدها.
    في ركن المطبخ جلست رحمة خائفة من مواجهة مسعود تستجمع قواها كي تعود إلى العمل على التحضيرات الخاصة بالمأتم. كانت على قدميها طوال النهار وقد اقترب وقت العصر وهي لا تزال تعمل في المطبخ منتظرة اخبار من المستشفى التي نقل لها جثمان الشيخ راهي للفحص بأوامر من مسعود.
    ثم أرهفت السمع بقلب مرتجف عبر باب المطبخ المؤدي إلى الحديقة حيث سمعت والدها يتكلم مع مسعود بنفاذ صبر:
    "لندفن الشيخ راهي ثم نتكلم عن جنونك الذي لا يبدو له نهاية يا مسعود. لا تفتعل الفضائح فلا حاجة لنا بها وتذكر أن رحمة ابنة عمك وقد سهرت على رعاية المرحوم لفترة طويلة فاحترمها ولو قليلا وكفاك شكوك باطلة"
    سمعت رد مسعود على عمه :
    "رحمة هي سبب وفاة والدي. ولن يغير أي كلام سواء منك أو منها أو حتى من المستشفى أي شيء, ساخرج الجثمان من المستشفى اليوم فلنعجل بالدفن فلا يصح لابي الذي عاش عزيز قومه أن يهان أو يفتح مشرط جسده وهذا هو السبب فقط وليس لأني اصدق كلام رحمة"
    ابتعدت رحمة وهي تلعن حظها بينما ضرب معصوم على كتف مسعود بخفة يشجعه على ما قال وزاد:
    "لا داعي للفضائح يا مسعود. أن ما تفعله عين العقل وان رحمة لبريئة مما تقول وكذلك رزاق فلا يمكن لهما أن يفكرا بأذية راهي ولو قطعهما اربا دع هذه الأفكار الغريبة وركز على الدعاء لوالدك بالمغفرة انت ابنه ويقع على عاتقك الكثير من المسئولية من بعده"
    ثم ابتلع ريقه واكمل باقتضاب:
    "نحن عائلتك وحري بك ان تصفي النية تجاهنا يا ولدي"

    ردحذف
  10. نظر مسعود نظرة فيها كثير من الريبة ثم همس لمعصوم:
    "سنتكلم بعد الدفن فقد اخبرني والدي قبل وفاته بالكثير كانه شعر بقرب اجله"
    وترك معصوم باهتا للطريقة التي كلمه بها مسعود وايقن أن مسعود سيفعل المستحيل ليحل محل والده في هذا المنصب الذي كان في يوم ما يحمل الكثير من معاني الفخر والعز وبات اليوم فيه اقل عزة واكثر وجعا.
    كم هو يوم عصيب على الجميع. حتى رزاق الذي لطالما حمل في قلبه على عمه بسبب معاملته الباردة له اظهر الكثير من الألم واللوعة وهم يستلمون الجثمان المكفن ويضعونه في تابوته ثم يودعونه سيارة البيك اب لنقله إلى مسكنه الجديد. وصلت السيارة إلى المقابر التي يدفن فيها جميع أهالي القرية ثم هرع رزاق ليكون احد حاملي النعش ليتفاجأ بمسعود يدفعه بعيدا بعدوانية ويرمقه شزرا. ساله معصوم بصوت غاضب:
    "لماذا يا ولدي تمنع ابن عمك من حمل النعش"
    رمق مسعود عمه بنظرة حانقة مستفزة ولم يجبه فقط نادى على رجلين من اكابر العشيرة من اجل أن يحملان النعش من الخلف بينما هو و معصوم -الراضخ لابن أخيه ليمنع الفضائح- يحملانه من الامام. جلس رزاق مذلولا يشعر بالخزي من تصرفات مسعود تجاهه وهو لا يدري أن مسعود لا يريد من رجل غير معروف النسب أن يحمل نعش والده.
    نزل المرحوم إلى لحده ووضع مسعود قبضات من تراب القبر فوقه كما فعل معصوم ووارى الجثمان تتابعا من تراب اختلط بدموع المشيعين لراهي.
    في منزل راهي منعت النساء من حضور الدفن فجلسن يواسين فرحة المنهارة ويصبرنها بقراءة نسخ من كتاب الله تحوي اجزاء صغيرة فرقتها عليهم رحمة الحزينة ليس فقط على فقدان عمها بل لشعورها بالذنب تجاه موته وحزنها من اتهامات مسعود لها.
    انتظرته بعد عودته من الدفن وهي خائفة مما سيحصل اذا ما تكلمت معه. تبريراتها له قد لا تاتي في صالحها ولكن عليها القيام بالامر كي لا تبقى في منطقة رمادية معه. دخل البيت مكتأب وهو يشعر انه فقد نفسه بفقدان راهي. كان يقدس والده وبفقدانه يشعر ألا احد بقي له ليسند ظهره. هذا التفكير الغير منطقي من قبله لم يفهمه معصوم يوما. اعترضت رحمة طريقه قائلة:
    "مسعود أريد الحديث معك!"
    كانه لم يرها. مرق من جانبها بدون حتى أن يتنفس. استجمعت قوتها وسارت خلفه وهي تنظر يمنة ويسرة مصرة على ان تتكلم معه. قالت له بصوت حزين يائس:
    "أنا اعلم أن عمي كان في عهدتي. اعلم جيدا انني مسئولة بشكل أو باخر عن وفاته. ولكني لم افكر يوما باذيته. صدقني! اعطيته حبوبه كما يجب قمت بذات الروتين اليومي الذي افعله"
    توقف معطيا إياها ظهره. انتصر قلبه واوقف قدميه كي يسمعها. صوتها الحزين وبحته جعلا مسعود يندم على القاء اللوم عليها مستغلا ضعفها وبراءتها كي يخفف هو عن كاهله اثر الصدمة. ابتلعت ريقها ثم تجاوزته لتصعد وتقف امامه. أكملت حديثها بعيون ملتاعة وقلب مجروح:
    "سامحني ارجوك أن شعرت انني أخفقت. ولتعلم اني لن اسامح نفسي على اخفاقي"
    رفع عينيه بغضب ينظر اليها بينما تطلعت هي بانكسار في كفي يديها وهي تحركهما بقلق تبللت رموشها بدموع عينيها. لم يجبها فقط اندفع بعيدا عنها إلى غرفته وهي تنظر اليه بينما قلبها سقط ارضا.
    كلما مرت أيام اكثر على دفن راهي كلما قل احتقان مسعود ناحية رحمة وكلما تذكر وقفتها امامه على الدرجات لامه قلبه على القاء اللوم على فتاة صغيرة كل ما فعلته العناية الدائمة بعمها. شعر انه تسرع باتهامها بقضاء الله وقدره وبدأ شيئا فشيئا يحتقر تلك الفكرة. وبالذات بعد أن تكلم مع فرحة ذلك اليوم حيث كانت تجلس باكية في غرفتها. طرق عليها الباب ثم ولج. كانت غرفتها مظلمة حزينة ولم يربكه الظلام أبدا فهو يحبه بل ما اربكه لوعة فرحة واحمرار جفنيها. حاول تصبيرها ببعض الجمل التصبيرية ولكنه فشل ببساطة لانه غير متعود على مواساة غيره. ولا حتى مواساة نفسه.

    ردحذف
  11. سالته وهي تنظر له بكدر:
    "لقد رايت والدي في حلم الليلة السابقة. طلب مني ألا اجزع. الكلام سهل ولكن من يستطيع إفهام القلب؟"
    ربت على كتفها وقال:
    "لا الومك يا فرحة. رغم اني أريد منك أن تخرجي من هذه الظلمة"
    ارتجفت شفتيها ونزلت دمعة من عينيها ثم قالت:
    "وأنت يا مسعود متى ستخرج من ظلامك يا اخي؟"
    بحلق فيها متسائلا فاكملت:
    "هل لازلت مصر على أن رحمة مسئولة عن وفاة والدي؟"
    لم يجبها. فاردفت:
    "رحمة هي حبيبة أبي! لقد كان يناديها رحمتي! الا تفهم؟ في الأوقات التي كنت فيها تحبس نفسك في غرفة المكتب كانت هي من تسلي أبي وتخفف عنا"
    اجابها:
    "كان مسئوليتها!! لقد وصلني التقرير الاولي للوفاة كما اخبرني الطبيب انه حصل لوالدي توقف مفاجئ للقلب..."
    قاطعته مبحلقه عينيها بوجهه:
    "الم تقل انك أوقفت التشريح؟"
    هز راسه واجابها:
    "اوقفته ولكن مع هذا فقد تم فحص اولي للجثمان. أنا لم افتح التقرير بعد...."
    قالت له:
    "ولن تفتحه! ارجوك يا اخي ارجوك. لنمضي في حياتنا. وسواء كان موته مسئولية رحمة او لا فهذا لن يغير شيئا. لقد ذهب الغالي ولن يعود. اتهامك لرحمة قد يؤدي بها إلى السجن وان كانت بريئة. اتريد أن ترى ابنة عمك خلف القضبان؟ هل هذه الفضيحة التي تنوي افتعالها؟ هل تعتقد أن عمي معصوم أو رزاق سيدعانك تلمس شعرة من رحمة؟ وهل سيرتاح والدي في قبره ان تأذت من كانت تسر عينه برؤياها "
    اغلق عينيه وأجاب:
    "ولكن يا فرحة ..."
    قالت فرحة وهي تبكي:
    "مستحيل أن يكون لرحمة يد فيما جرى وانتهى الأمر. انها ممرضة واذا الطبيب يخطئ وقد يقتل مريضا أو اكثر ولا يذهب إلى السجن. ورحمة استحالة أن يكون لها يد في موت والدي. انها رحمة يا مسعود. قد تكون نسيت السنوات التي تربينا فيها معا بسبب بعدك عند الكبر ولكني معها دائما. انها ابرء مخلوقة على وجه الأرض"
    قال لها وقد اقتنع بكلامها نسبيا:
    "وماذا أن كان رزاق من خطط لكل هذا؟"
    بهتت فرحة في وجهه. قالت له:
    "رزاق؟ وكيف وصل إلى أبي ؟ ولماذا يقتله؟ ماذا سيكسب؟"
    لم يقل مسعود كلمة أخرى. شعر أن ما قالته فرحة اقنعه في الوقت الحاضر فلا داعي للفضيحة وامامه طريق طويل ليصبح السيد على اهله. ولكنه لن ينسى أبدا أن يكتشف الحقيقة بعد أن يصبح شيخا محل والده.
    بعد أيام ذهب مسعود إلى عمه معصوم لفض نزاع المشيخة وسيفعل أي شيء كي تنتقل اليه. فقد وعد راهي أن رزاق لن يتمكن من انتزاعها.
    طرق مسعود باب منزل معصوم الذي كان فارغا الا من العم لان رحمة ووالدتها ذهبتا للبقاء مع فرحة المنتكسة للتخفيف عنها كما يفعلن كل يوم بينما غادر رزاق كي يرعى شؤون المزارع كما امره والده.
    فتح معصوم الباب وعلى وجهه نظرات جدية بينما دلف مسعود بعد أن حيا عمه ببرود. جلسا متقابلين في غرفة ضيوف معصوم الواسعة ذات الديوان الفخم والتي لا يدخلها الا الضيوف العالي الشأن. قال معصوم بعد أن صب بعض القهوة في الفنجان الصغير المدور ففاح أريجها اللذيذ في اركان الغرفة الأربع:
    "غدا سيجتمع الاعيان وأنت تعرف مسبقا نتيجة هذا الاجتماع.."
    فقاطعه مسعود قائلا:
    "عمي أنا...."
    بحركة من يده اليمنى التي رفعها وهو ممسك بمسبحته أوقف مسعود عن الكلام واكمل:
    "انت هنا كي تجبرني بطريقة أو باخرى على التنازل فادخل في صلب الموضوع انت تعرف جيدا إنني أريد لعائلتنا أن تظل قوية وصلبة كما انك على يقين أن اجتماع الكبار غدا لن يكون في صالحك ابدا."
    بدل مسعود جلسته وكطفل صغير مال بجسده للامام ورفع ذقنه للاعلى كما صوته. قال:
    "لقد اخبرني أبي بسر رزاق, ساكتم السر اذا أصبحت أنا الشيخ فلا حاجة لي للفضائح في عشيرة أريد أن اقويها واعيد اليها امجادها"

    ردحذف
  12. رنا معصوم ناحية مسعود بغصة في قلبه. ابنه المسكين حكم عليه في هذا الزمان أن يكون دائما مظلوما. تبسم وهو يدير مسبحته بدون تركيز ووجهه الغائب تحت سحابة من الحزن وفقدان الحيلة زادت تجاعيده. قال لمسعود خائب الامل:
    "رزاق هو ولدي. لا افرق بينه وبين رحمة فقد جلب سعادة لهذا القلب التعيس بضحكاته الطفولية في صغره وحبه الغير مشروط لي ولمرجانة في كبره. لم نشعر أبدا طيلة السنوات التي عاشها معنا انه ليس من صلبنا. هل تعتقد يا مسعود أن لنا فضلا على رزاق؟ أنا وأنت والعشيرة؟ كلا يا ولدي. هذا كله من فضل الله عليه وعلينا"
    تنفس معصوم ليزيح دمعة من عينيه الضامرتين واكمل:
    "ساترك لك كل شيء بشرط أن توافق على زواج فرحة لرزاق. بهذا اضمن انك لن تخبر أحدا غريبا بالامر"
    وبهت مسعود من شرط عمه الذي لم يتوقعه. يزوج اخته من رزاق اللقيط؟ مستحيل أن يحصل هذا..... ثم حملق في معصوم الذي غلب طمع مسعود بحنكته و قال:
    "ليكن! فهو يحوم حولها منذ أن ولدت. ساعرض الأمر عليها ولن اتدخل في قرارها. لك كلمتي"
    وتصافح الرجلان ثم غادر مسعود المنزل غير راض كليا عما انتهت به المحادثة بيد انه كان متاكدا أن اخته لن ترض برجل لطالما سمعت والدها يذمه ولذلك هو اعطى كلمته انه لن يتدخل بقرارها مهما كان.
    عائدا إلى المنزل رأى رحمة تنشر بعض الملابس التي غسلتها على حبال طويلة وضعت متوازية على السطح. عندما كان راسها المغطى بالشال الأسود ظاهرا من فوق السقف العالي للسطح حسب أن الدادة هي التي تنشر الغسيل ولكن فور دخوله المنزل ورؤيته للدادة في المطبخ تتحدث مع مرجانة عرف أن رحمة هي التي في الأعلى. صعد الدرج في خطوات تعرف مقصدها. كان يريد الحديث مع رحمة لوحدهما في موضوع موت والده حديثا نهائيا. دفع الباب الحديدي العريض وكانت رحمة منحنية على كومة من الملابس حيث اختارت احدها ونفضته لتخرج الماء الزائد منه ثم وضعته في مكانه على الحبل وقرصته بقراصتين للملابس كي لا يقع. اقترب منها حتى اصبح قريبا ومن بين اكوام الغسيل المعلقة ظهرت قدمه وجزء من دشداشته البيضاء التي يلبسها. ابعد قطعة ثوب كانت تحجبه عنها فظهر وجهه ورجعت هي إلى الوراء مرتعبة منه. تعثرت بالثوب الأسود الذي نشرته قبل دقائق على الحبل الأخر ففقدت توازنها وتعلقت باذياله كي لا تسقط. نهضت عن الأرض بينما هو ينظر لها عاقدا حاجبيه فعدلت هندامها ووقفت في حضرته صامتة. تخاف أن قالت أي شيء أن يحسب ضدها. ابتدأ هو القول رافعا حاجبيه:
    "هل قتلتِ أبي؟"
    هزت راسها نفيا وانحدر الدمع من مقلتيها وانسابت الكلمات منها انسياب:
    "لا تتهمني هذا الاتهام ارجوك انت تقطع قلبي كلما ذكرت هذا الامر فانا أحببت عمي كاب لي ولم افكر يوما الا في شفائه. الم اخبرك مرات ومرات أن مرضه انتهى وسيعود صحيحا من جديد في وقت قريب؟ الم استطع قتله فور مرضه لماذا اساعده ليشفى ثم اقتله؟ لماذا تعاملني بهذه القسوة يا مسعود انت تفطر قلبي باتهاماتك. حتى اني اعتذرت لك عما لم افعله فقط كي ترضى"
    شعر بالتراجع فور رؤيته لدموعها. عيونها الحزينة وانفها الأحمر وفمها الذي تقوس كمدا جلبا جانبا إنسانيا فيه كان يكبته. انها تظهر هذا الجانب وعليه أن يمنعها. لم يقل لها أن كان يصدقها أو لا رغم انه في داخله كان يعرف انه يظلمها باتهاماته وجانبا منه احب ذلك. تركها تبكي بعد أن ختم حديثهما:
    "حسنا اذا. ستكشف لنا الأيام الحقيقة"
    نظرت له مستسلمة وعقلها يقول:
    "ترهقني بافعالك!
    تراهن ضد ضحكاتي وتكسب دائما...
    وانا.. أحاول ان اقنع نفسي
    اني ... بفكرة حبك لي واهما
    ويصيح قلبي بي منعفا
    مهما فعل..مهما حصل.. ساظل انا لحبه ملازما
    يجبرني قلبي عليك..
    ليظل عقلي بقربك حالما
    تقربني.. وتبعدني ... عن ناظريك
    ويبقى تفسيري لافعالك مبهما
    بقلبي غصة... وكثير من الم..
    حسبي ربي فهو بجرحي عالما"
    غادرها منهارة تبكي على ارض السطح. لا تدر أن كان مسعود سيفهم يوما ما طيبتها أو انه بتصرفاته سيدمرها ويدمر طيبتها وحبها لعمل الخير. ضربت بيدها على قلبها وقالت له:
    "الم تجد أحدا غيره لتحبه. الم تتعظ من نصائحي لفرحة بترك هذا الطريق فسلكته انت لتدمرني؟ كيف عساي الأن اثبت له انني بريئة من دم عمي كيف"

    ردحذف
  13. وقضت ربع ساعة تبكي حتى جف دمعها وأنهت انينها . أكملت الملابس ونزلت إلى المنزل حزينة واثار الدمع بائنة على وجهها. استقبلتها مرجانة محتضنة إياها. بادرتها السؤال:
    "هل كل هذه الدموع على راهي؟"
    لم تجب رحمة بل استسلمت إلى أحضان والدتها كي تنسيها هم الدنيا ولو للحظات.
    استيقظت فرحة من قيلولتها على صوت شباكها يطرق وبعد هنيهة يفتح. نهضت مذعورة لترى رزاق يقف داخل غرفتها المظلمة يدخل بازاحته الستار بعض الضوء اليها. جفلت وقالت بصوت يغلب عليه الدمع:
    "هل تريد من مسعود أن يقتلنا؟"
    اقترب منها وجلس على الأرض بجانب سريرها وتمتم:
    "لقد كنت اتوق لرؤياك يافرحة. لم اعزيك بوفاة عمي حتى الأن وحاولت أن افعل مرات كثيرة بيد انك لا تخرجين من هذا المكان ودائما امي ورحمة ترافقانك لذا وجدت أن افضل وقت عندما تكون ستائرك مسدلة اتسلل إلى غرفتك متسلقا النخلة التي بجانب الشباك واستأذنك للدخول"
    تبسمت رغم حزنها فرؤيته جعلتها ترى بعض الألوان في حياتها غير الأسود. قالت له:
    "لقد أصبحت بلا ام ولا اب. كيف سأعيش حياتي الأن؟"
    اجابها بحنية ورقة:
    "الست تؤمنين بالحب؟ اليس الحب يصنع المعجزات؟ سيجلب لك الحب ما يعوضك عما فقدت"
    نظرت له نظرات ذابلة مستسلمة لما يقوله لها بينما اكمل:
    "لا تقنطي..
    فالورد وان يبست بتلاته
    وانتهى بها على التراب مسقطي
    فبذوره امل لزهر يانع
    بالحب تتفتح أوراقه وتبسطي
    وعقود الحزن التي حول جيدك
    سياتي يوم وحباتها تفرطي
    وبين دمع وصبر يا جميلتي
    وازني وفي مشاعرك فاقسطي
    افهِمي نفسك انت قوية
    وبشرور الدمع على مقلاتك لا تضغطي
    ابكي قليلا.. وقليلا فتجلدي
    كوني بحزنك امة وسطي
    لا تجزعي فيُذهب الحزن لبك
    فتحكمي على نفسك شططي"
    واخرج من جيبه وردة صغيرة حاول الحفاظ عليها قد الإمكان ووضعها على طرف السرير ثم هم بالمغادرة فاستوقفته قائلة:
    "رزاق ليكن الله معك"
    تبسم قائلا:
    "انه دائما معي"
    وغادر كما جاء, بخفة وحذر من أن يراه احد.
    في المساء عادت رحمة ومرجانة إلى المنزل حيث طلب معصوم أن يجتمع الجميع لامر هام فتجمعوا. بيد كل منهم كوب شاي مهيل حملقوا في معصوم الذي كان جديا وعصبيا. قال لهم:
    "سيكون مسعود هو الشيخ القادم للعشيرة. لقد جاء اليوم واتفقنا على الأمر"
    هاجت مرجانة بغضب واضح وضربت على فخذها الأيمن وصاحت:
    "مات الاب والان الابن. لماذا وافقت عن التنازل يا شيخ"
    رمق مرجانة بنظرة المغلوب على امره فسكتت عن مقالها وبدأت تدعي على مسعود. الغضب كان واضحا على رزاق أيضا الذي أوقع استكانة الشاي من يده مصدوما لفعلت والده وساله :
    "لماذا يا أبي تنازلت؟"
    نهض معصوم عن مجلسه بدون تبريرات وقال:
    "مسعود هو الشيخ القادم فلا حاجة لنا بها ولن تغنينا عن شيء وبالمقابل أنت يا رزاق ستكون زوجا لفرحة, هذا هو الاتفاق"
    ثم ترك المجلس بين مرجانة الغاضبة التي كانت عيناها تتطير شزرا وبين رزاق الذي انقسم وسط الخبرين بين سعيد وغاضب. اما رحمة فلم يك يعني لها الأمر أي شيء فبين مسعود وعائلتها لا فرق لديها فجميعهم بالنسبة لها عائلة.
    في غرفتهما سالت مرجانة معصوم بمرارة مفقوعة:
    "لماذا تنازلت يا شيخ؟"
    تمدد معصوم على سريره وتدثر بدثاره وأجاب:
    "لقد اخبره راهي بالامر. لقد أعطاه سرنا قبل أن يتوفى. وهو يضغط علي بإفشائه"
    شعرت مرجانة بالخيبة واليأس وهي تسمع كلام زوجها. قالت والخيبة تعلو وجهها:
    "اه من راهي! لا يمكنه الاحتفاظ بسر لنفسه. ولم يتحمل إبقاءه في أحشائه حتى يموت"
    لم يجبها معصوم فقد كان أيضا يشعر بالخيبة لفعلة راهي. كيف يعطي سر كهذا لمسعود الغض و اذا لم يتمكن الشيخ الكبير من الحفاظ على عهده في إبقاء سر أخيه امنا فهل سيتمكن مسعود المندفع قليل الحكمة؟
    هذا ما جعل معصوم يشترط شرط زواج رزاق من فرحة. ومع انه يرى نظرات فرحة لرزاق ويعلم بانجذاب ابنه لها كان يعتقد أن من المستحيل أن يوافق راهي أو مسعود على جمعهما سويا ولطالما اقلقه انكسار قلب ابنه على يد عائلة عمه عندما يقرر طلب يد فرحة.. كان على يقين من استحالة اجتماعهما سويا في حياة راهي ولكن الان الامر اختلف كثيرا.
    وبهذا الشرط فقد تمكن معصوم بحسب ما كان يفكر من ضرب عصفورين بحجر واحد وهو يعتبر ذلك نصرا اكبر من المشيخة نفسها.

    ردحذف
  14. الفصل الرابع
    تمر الأيام وما فيها نشعر. وكأنها اخت الثواني. تسير على خطى النهاية مستقيمة. حتى نرى للموت آن أواني. أيا لاحقا قطر السنون بخ لك. تستحق على نباهتك التهاني

    كانت الأحوال في القرية هادئة رغم التوتر الذي حصل بين أفراد العشيرة عند تنازل معصوم لمسعود عن مكانتة. لم ينظر المجتمعون يومها إلى مسعود كما كانوا ينظرون إلى والده. فهو رجل عشريني فيه كثير من التهور في وضع لا يستحمل تهور الشباب بل يتطلب حنكة شيخ عاش حياته يحسب خطواتها. خرج الجميع يصفقون يدا بيد لا قدرة لهم على تغيير قرار معصوم ولا يريدون أن يفتعلوا مشاكل ليس لها داع. كل فرد يفكر لوحده بخطأ ما يجري وبالعواقب المحتملة لتهور الشباب ولو شاركوا أفكارهم لتغير الأمر و لأحدثوا فرقا. مذ ذلك الحين ومسعود يحبس نفسه لفترات أطول في غرفة المكتب في ظلامه يفكر كيف سيقلب الأمور لصالحه ويرتفع في فورة من ارتفعوا في ظل أوضاع البلد المتقلبة. مرت سنة على وفاة والده وفرحة أخته تعيش في كأبة ووحدة لا يخفف عنها سوى نظرات رزاق المسروقة والمعدودة على الأصابع عندما يتقابلان في لقاء عائلي. لم يتكلما أبدا بعد لقاءهما في غرفتها ذلك اليوم. فمسعود وفي لحظة من لحظات تفكيره في غرفته المغلقة قرر إبعاد رزاق عنها بإرساله للعاصمة من اجل أن يتابع مشروعا استثماريا شارك فيه مع الوزير حسان لافتتاح علوه صغيرة لبيع الخضار حيث يتم بيع محاصيل المزارع التي يملكها البو مساعي فيها. اضطر رزاق إلى السفر كثيرا إلى العاصمة والبقاء هناك في كثير من الأحيان ليتابع العمل وشؤونه.

    ردحذف
  15. وبالذات في بداية افتتاح المشروع حيث كان العمل لا ينتهي وانجزه رزاق بأكمله وحيدا يتلقى أوامر من ابن عمه على مضض وينفذها بحذافيرها كي يكسب مودة مسعود وبالتالي يمهد لزواجه من ابنة عمه في ظروف مسالمة. ورحمة أيضا قللت زيارتها إلى بيت عمها في الشهر الأخير بسبب انشغالها في فتح عيادة التطوع بالدم الذي كان عمها قد أسسها حيث أغلقت لفترة بعد وفاته. أصبحت الأن لوحدها تستقبل الناس وتشرف على الممرضات والممرضين الذي يساعدونها كل اثنين. شعرت بان كل هذ الخير الذي تقوم به سيكون مرده بشكل كبير على عمها المرحوم على شكل ثواب وحسنات حتى انها طلبت من رزاق أن يبدل اسم المكان إلى عيادة الشيخ راهي كي يبقى ذكره بين الناس. كان يوما باردا من أيام الشتاء فتدثرت فرحة جيدا وجلست تتابع التلفاز بملل. اقترب منها مسعود وجلس إلى جانبها وفي نيته أن ينهي امر الاتفاق الذي اتفقه مع عمه قبل سنة. قال لها وهو يراقب بؤبؤها المتابع للمسلسل المعروض: "لقد خطبك عمي إلى ابنه رزاق" تركت المسلسل وبحلقت بمسعود فاغرة فاها لا تدر أن قفزت على الاريكة فرحا سيكون ردا كافيا على الطلب ام لا. اكمل مسعود محاولا إعطاء الأمان أن رفضت: "رزاق فلاح وان كان ابن عمنا ولن الومك أن ...." قاطعته قبل أن يقول شيئا أخر فهي تعرف العداوة بين رزاق ومسعود : "موافقة" جاء جوابها سريعا قاطعا فلجم الكلمات في فك مسعود. ابتلع ريقه وعدل غترته مرتبكا. قال لها محاولا تغيير قرارها: "رزاق لا طموح له ولا مستقبل يا فرحة. هو لم يكمل دراسته وعمل منذ صغره كعامل لدينا فلا مقام له بين الفلاحين ولا مال لديه ليفتح لك بيتا لذا على الاغلب ستسكنين مع مرجانة في نفس البيت

    ردحذف
  16. حكت فرح زلف شعرها واخرجته من موضعه فانسابت خصلة خفيفة على خدها وهي تفكر. قالت بعد لحظات: "اقبل" حاول مسعود مرة أخرى أن يثنيها عن قرارها وهو يتذكر وعده لعمه بعدم التدخل في أي كان ما ستقوله محاولا الالتزام به: "أنا حقا لا انصحك بالقبول بشكل فوري. لما لا امهلك بضعة أيام لتفكري فيها. يوجد من هم افضل من رزاق بانتظارك. لا تستعجلي خذي بعض الوقت وفكري مليا" تململت في جلستها وهي ترى ما يفعله مسعود فاسترسل ليزيد من أقناعها: "ما كان أبي ليوافق على هذا الزواج؟ وانا لا أستطيع أن ارفضه إلا إذا رفضتيه انت. انت تعرفين إنني أريد الأفضل لك" نظرت في عينيه لتؤكد له ردها: "وانا أدين لك يا أخي بالكثير. ولكن جوابي لن يتغير. رزاق ابن عمي وأنا أراه رجلا لا يشوبه شائبة" صرخ محاولا ان يتمالك اعصابه وهو يدري انه لن يتمكن من الكذب على عمه بشأن موافقة اخته كما يدري انه على شفا حفرة من تزويج لقيط من ابنة شيوخ فكيف سيمنع هذه الزيجة: "وكيف تعرفين انه لا يشوبه شائبة؟" ابتلع ريقه وبدأت حركاته المضطربة تؤكد انه مرتبك وقد انفلت زمام الامر من بين يديه. اكمل: "فرحة لا تستعجلي يا اختي... اطلبي وقتا للتفكير.. اطلبي أي شيء فقط لتعيدي تنظيم افكارك فانت لا تعرفين رزاق كما اعرفه انا" وصمت بينما قالت هي وقد ابتعدت قليلا عن مدار يديه المتراقصتين في اضطراب: "انه ابن عمي.... ومن احسن منه كي يصونني يا مسعود؟ أنا اعرفه كل حياتي وعلى راي المثل *الشين التعرفة احسن من الزين المتعرفة* ولو كان في رزاق شيء سيء لكان ظهر طيلة هذه السنوات" ابتلع غضبه وقد كان السر على طرف لسانه ولكنه لم يبحه. امسك نفسه وترك فرحة وهو يشتعل نارا. ما عساه يفعل الآن. هل سيزوج أخته لذلك اللقيط؟ لا يمكنه الآن أن يخل بالاتفاق الذي أتفقه مع عمه فهذا كثير وسيجلب له متاعب جمة هو في غنى عنها. وعلى مضض اضطر مسعود أن ينقل خبر موافقة أخته على الزواج من رزاق إلى عمه فغاص الأخير في بحر من السعادة

    ردحذف
  17. سيضع لابنه رزاق مكانة بين الناس قبل أن يغادر الدنيا فزواجه بأخت شيخ العشيرة يدل على أن الشيخ بنفسه يعترف أمام الناس بان رزاق له مكانة كبيرة بين عشيرته. اسعد الأمر كل أفراد العائلة عدا مسعود بالطبع. لم يتمالك رزاق نفسه من الفرح فسجد شاكرا لله على جمعه بمن يحب. لم يهمه وضعه الاجتماعي يوما فهو كاخته تعلما من معصوم التواضع والرضا بالمقسوم. وان في العائلة الكل متساوي ومع انه كان يطمح ليكون كبير عشيرته بعد والده الا أن امر زواجه بفرح انساه الأمر وجعل الضغينة التي في قلبه ضد مسعود تتقلص كثيرا. في غضون شهر كان كل شيء قد تم تحضيره فالطابق الثاني من بيت معصوم قد عزل اغلبه عن الطابق الأول وفيه غرفة نوم وحمام وصالة ومطبخ واسع. فرحة كانت سعيدة جدا رغم أن غياب والدتها ووالدها في مثل هذا اليوم قد جعل في كل هذه السعادة تنغيصه صغيرة جعلت كل التحضيرات المثالية لعرسها تبدو ناقصة. خارج منزل بيت راهي المساعي امتدت الخيام حتى بيت معصوم المساعي ممتلئة بالناس والطعام نصف الخيام للنساء ونصفها الأخر للرجال. نقلت فرحة في سيارة قد أحسن تزيينها إلى بيتها الجديد حيث أصوات الهلاهل تصم الأذان وأبواق الموسيقى وصلت الحانها إلى أخر بيت في القرية. أخذت العروس مكانها بين النساء المتراقصات فرحا يضربن الدفوف وينشدن الأغاني القديمة. "هاي الرادهة وهاي التمناهة بنت الشيخ لابن الشيخ ردناهة" وسط خجل فرحة من نظراتهن وغمزاتهن لها. جلست رحمة على الكرسي الفارغ بجانب فرحة والذي من المفترض انه للعريس عندما يأتي ليجلس قليلا بين النساء ثم يأخذ عروسة إلى غرفتهما. همست رحمة في اذن فرحة قائلة: "هل اجلب لك بعض الطعام انت لم تأكلي منذ الصباح" هزت فرحة راسها رافضة وقالت: "لا اشعر بالجوع بل اشعر بالرهبة" وأرادت أن تقول الوحدة فقد تمنت لو أن والدتها معها لتنصحها فهي معروف عنها النصح القويم. قالت لها رحمة: "لا باس يا فرحة فعندما يأتي العريس سيزيل رهبتك ويشبع جوعك" وزاد احمرار فرحة على احمرارها وشعرت بحرارة في رقبتها من الخجل. قالت لها رحمة: "لقد كلمني ليطمئن عليك

    ردحذف
  18. أخي رزاق (يقطر حنانا) وطلب مني أن اخبرك انه سياتي بعد قليل كي لا تتفاجئي بدخوله" تبسمت فرحة بينما قامت رحمة لتشرف على حفل النساء وطلباتهن مع والدتها مرجانة التي كانت هي الأخرى سعيدة بهذا الزواج. ليس فقط لسعادة ابنها, بل لاجل فرحة التي كانت تراها مرتاحة وسعيدة. بعد ربع ساعة قرر رزاق أن يتخذ مكانة بجانب زوجته في حفل النساء وان ينهي الحفل فقد غابت الشمس ومعها زاد حنينه إلى حبيبته الصغيرة. كلم رحمة ليخبرها بدخوله حالا ولتتخذ النساء الحيطة ثم كلمته هي لتعطيه الأذن بالدخول فدخل مع معصوم ومسعود. اقترب معصوم من ابنة أخيه وهو يراها بالثوب الأبيض كأنه يرى رحمة بالضبط. سعيدا بها وبابنه. قبل جبينها فسالت دمعة من عينها فقال لها معصوم: "انت ورحمة لم افرق بينكما أبدا. الآن وبوجود زوجك وأخيك أعدك يا ابنتي أن أخطأ رزاق بحقك فلن ينال رضاي حتى يرضيك" تدخل رزاق متغزلا بعروسه: "وهل يمكن أن يؤذي المرء نفسه يا حاج" رغم كل أجواء المحبة بين الجميع إلا أن مسعود كان يعمل بمبدأ خالف تعرف. قد بدا عليه الضيق من كل المشاعر التي يعبق بها الجو ورمق الجميع بنظرة تخويف حتى انه قبل راس فرحة بارتباك ولم ينتبه حتى لنظرات رحمة له وهي تتمنى لو إنها تجلس مكان فرحة ويجلس هو إلى جانبها. لم تشعر يوما باي كره تجاه أفعاله معها كأنها تعامله كطفل في أخطاءه وإنها يجب ألا تحملها على محمل الجد. تعتبر كل كلمة تخرج من فمه طبيعته التي تتحملها لان قلبها يريد تحملها رغم عقلها الذي يتساءل دائما لماذا؟ جلس رزاق بجانب عروسه مهيبا ونظرة استحياء اعتلت وجهه من نظرات النساء له. اقتربت منه رحمة وهمست في أذنه: "أخذت الإذن من والدي وسأرقص لك رقصة السيف" ثم وبجلبابها الأخضر الطويل المرصع بلآلئ ملونة وشعرها الأسود الطويل الذي تحرر من تحت الشال الأسود أمسكت سيف جدها الذي توارثته الأجيال ويحتفظ به معصوم في منزلة معلقا على الحائط. كفارسة من العصور الغابرة بدأت تتمايل والسيف المرتاح في غمده يتمايل بيدها على الحان بدوية ريفية وانضمت لها مرجانة بجلبابها الأسود وابتسامتها المشرقة تصفق لها وتقلد بعضا من حركاتها. رفعت السيف للأعلى وأنزلته للأسفل ثم وضعته على كتفها ورفعت ساقها اليمنى وهي تتقافز بعدها وضعت السيف على الأرض كأنه عصاة تتكأ عليها ومالت بخصرها يمنة ويسرة في حركات إيقاعية متناغمة والنساء تصفق لها وتتضاحك. أخيرا شهرت السيف ساحبة إياه من الغمد وهي تنظر إلى مسعود الذي جلس بجانب عمه بعيونها التي زانها الكحل الأسود ونظرات حادة كحدة السيف الذي تتراقص معه. أشارت بالسيف ناحية والدها وقالت بصوت عال ومقصد ما قالته دفين قلبها: "مبارك للشيخ معصوم زواج ابنه. ادعوا لابنته لا فض فيكم" وتضاحكت النساء على قولها بينما هز والدها راسه متبسما. كانت عينا مسعود تحملقان في رحمة التي لم يرها قبل اليوم بهذه الهيئة المنفتحة. تلك الفتاة التي تتزين بضفيرة وجلباب اسود طوال الوقت ها هي هنا بين النساء كقمر مضيء. انتهى الحفل برقصة رحمة المقتضبة وزف العروسين إلى بيتهما الصغير وسط ورود وهلاهل وودع مسعود أخته واحتضنها برفق ثم طبع قبلة حانية على جبينها وبادل رزاق نظرات محذرة ومتوعدة وأودع العروسين الغرفة واقفل عليهما ليتركا وحيدين. جلست فرحة على السرير الوثير مطرقة للأسفل بينما وقف رزاق ينظر لها بجانب الباب الذي اقفله. اقترب منها بهدوء وأزاح الخمار الأبيض عن وجهها وقال لها: "أخيرا يا فرحة أصبحت فرحتي، أخيرا يمكنني أن انظر اليك بدون أن اسرق النظرات أو أخبئها" تبسمت بخجل كبير فقال لها: "يبدو أن ربي راض عني فقد استجاب دعواتي وأمست هذه الضحكات ملكا لي وحدي" جلس على ركبتيه يتطلع إلى عينيها المطرقتين خجلا وقال: "لا تخجلي مني يا فرحة أنا ملكك انظري إلي. الست دائما تتطلعين إلى الحديث معي. تحدثي الآن معي ولنقض ليلتنا هذه في حديث مستمر نعري فيه أنفسنا لبعضنا ونتعرف أكثر على مكنوناتنا.

    ردحذف
  19. تحدثي الآن معي ولنقض ليلتنا هذه في حديث مستمر نعري فيه أنفسنا لبعضنا ونتعرف أكثر على مكنوناتنا. أخبريني عن أحلامك وما تحبين فلدي طاقة أريد أن ابذلها في إسعادك" تبسمت فنهض ليجلس بجانبها وامسك يدها وقبلها. قالت له بصوت ضاوي: "تمنيت لو أن أبي وأمي معي اليوم لزادت فرحتي" نظر في عينيها. شوقه لها يزداد مع كل دمعة تنزل من عينيها لذكر والديها احتضنها بقوة وهمس في أذنها مشفقا: "ناديني أمي إن أحببت وان اشتقت لعمي فناديني أبي" ضحكت فقد كان كلامه مريحا سهلا. سمعا طرقا على باب الشقة الصغيرة فذهب رزاق ليفتح. كانت والدته تحمل مع رحمة صينية كبيرة من الطعام أعطتها لابنها وهي تسترق النظر لداخل المكان فمنعها رزاق قائلا: "أمي! هل أضعت شيئا في الداخل؟" ضحكت رحمة بينما ضربتها الأم بخفة وغادرتا لتحضير الطعام إلى من بقي من الأقارب الذين جاءوا من أماكن بعيدة وسيبقون في ضيافتهم هذه الليلة. كان من بين الجالسين في الضيافة شيخ العشيرة الشاب منشغلا برحمة والسيف. لم يستطع إبعاد عينيها الكحيلتين عن ذهنه. كيف لأمر بسيط أن يغير طريقة تفكيرنا بإنسان. تلك الرقصة التي لا تعد رقصة بل هي أقرب إلى حركات محتشمة قدمتها لأخيها إعلانا لفرحتها بزواجه. تابعها وهي تجرجر جلبابها الأسود الذي تلبسه عند خروجها أمام الرجال. خرجت لتسلم دلة القهوة مع الفناجين كي توزع على الجالسين في ديوان المنزل كنوع من الضيافة. لمح ضفيرتها التي تتأرجح من تحت الشال يمنة ويسرة ففار دمه. تلك الضفيرة الآن ليست ضفيرة عادية بل هي لشعر منساب راه يتراقص فوق جبهة عريضة وخصر مضني. رحمة التي أمامه طوال الوقت لما هو لا يستطيع أن يقرر أن كانت جميلة أو لا؟ يشعر بمشاعر مختلطة تجاهها. تارة يعتبرها قاتلة ثم يعود ليحن عليها أمام كل الطيبة التي تمتلكها في قلبها ينقلب بعدها لكرهها. لا يريد من وجهها المبتسم البريء أن يلين قلبه بل أن لديه مهمة لا مكان للحب فيها. قال له عمه معصوم وهو يقدم له القهوة: "أراك مشغول الفكر يا مسعود، ارح عقلك قليلا وابتهج" اخذ مسعود القهوة من عمه وقال: "الكثير من المشاريع يا عمي في العاصمة وهنا. كلها مرهونة بقرار أتخذه قد يؤدي إلى ازدهارها أو فشلها. كما تعلم أنا الوحيد الذي يفكر بمستقبل العشيرة" أجاب معصوم في نبرته خيط عصبية: "لن يكون لعشيرتنا أي مستقبل أن بقيت يدك في يد ذلك الرجل المدعو حسان وعائلته" نظر مسعود لعمه نظرة نصفية وشرب كل ما تبقى من القهوة في فنجانه شربة واحدة وقال: "نأخذ بعض المخاطر من اجل أن نعبر إلى بر الأمان، هل تعتقد أن الأرض التي نملكها سيكون لها قيمة بعد 10 أو 20 سنة؟ ألا ترى تراجع المنتوج سنة بعد سنة والتصحر الذي بدا يتلف مساحات واسعة من الأرض إضافة إلى توجه الناس إلى الطعام المستورد لرخص أسعاره. هل تعتقد أن أحفادك سينالون نصف الراحة التي نلتها انت وابي لو بقي الحال على السوء الذي هو عليه الآن؟ ألا ترى يا عمي البركان الذي يغلي وسينفجر في أي لحظة معلنا إفلاس الجميع. البنوك ليس فيها أموال والموظفين لا يدفع لهم والمستفيدين الأوحد هم من انضموا إلى الحكومة أو شاركوا بمشاريع مع منتسبيها. الوزير حسان المطبك هو من سيخرجنا من مشاكلنا المالية والعمل معه سيضمن لأولادي أن يعيشوا في المستوى الذي عشت أنا فيه" تنفس معصوم كي يخرج الغضب الذي في داخله تجاه تصرفات مسعود فلا داعي للمجادلة أكثر معه لان حب السلطة قد جعله يجد مئات الأعذار كي ينغمس في مشاريع غير مضمونة النجاح. صب معصوم لمسعود فنجان قهوة أخر ثم اعتذر ليغادر المجلس متحججا بدواء القرحة. استيقظ الجميع تاليا على صوت الديك يصدح بأنفة ليوقظ الجميع حيث استيقظت رحمة منهكة وهي لم تنم سوى سويعات قليلة وبدات بإرشاد المساعدات إلى ما يجب فعله لتحضير وجبة إفطار لمن في ضيافتهم. على عكس رحمة، مرجانة لم تنم طوال الليل. ظلت تتقلب في سريرها تفكر بابنها وزوجته وتذهب بين الفينة والأخرى لتزرع أذنيها على باب الشقة الصغيرة التي يسكنونها علها تسمع شيئا مما يدور هناك. فور الانتهاء من تحضير الفطور أخذت صينية ممتلئة بالأطايب وذهبت إلى غرفة ابنها بعيون فضولية وطرقت الباب. استيقظت فرحة على صوت الطرق وهي تتثاءب وتمط جسدها بغنج. كان رزاق نائما إلى جانبها كطفل صغير فقبلت جبينه سعيدة ونهضت لتفتح الباب بعد أن لبست ملابس ساترة.

    ردحذف
  20. فور أن انفلجت دفتي الباب، دست مرجانة وجهها ودفعتها أمرة الفتاة التي كانت تساعدها في حمل الصينية بالذهاب. شعرت فرحة بالخجل من مرجانة وهي تنظر لها نظرات استطلاعية وقبل أن تسال مرجانة أي سؤال كان رزاق مشعث الشعر عاري الصدر يشكرها على الطعام ويستلم الصينية التي كانت تمسكها بمساعدة فرحة. شكرها بإسهاب وقبل راسها ثم دفعها برفق إلى خارج الغرفة وقال لها: "إذا أردنا شيئا أخر سأنزل بنفسي لإحضاره" ثم خرجت وهي تصفق يدا بيد وتمتم مع نفسها: "إلى متى سيحبس نفسه في غرفته وانا اغلي وحدي خارجا؟" وقابلت زوجها الذي لم يخف عليه حالها الفضولي منذ البارحة. قال لها: "هل تذكرت يوم زواجنا يا حاجة؟ بقيت أمي أسبوع تحاول الدخول إلى الغرفة ولم تترك أي حجة ألا واستعملتها، ورغم عدم نجاح حججها ها انت تستعملينها اليوم مع ابنك" لوت فمها غير أبهة بكلام زوجها وعادت إلى المطبخ لترى سير العمل. بعد ربع ساعة جاء زوجها اليها وعلى وجهه علامات الاضطراب وقال لها: "تحضري يا حاجة فلدينا زوار سيصلون بعد اقل من ساعة" تنبهت رحمة التي كانت تدلك قدمها من شدة التعب وتحولت ملامحها إلى خيبة امل فهي قد أنهت للتو إطعام الضيوف طعام الفطور وقد بدوأ يشدون الرحال للمغادرة وقد تأملت أن تنام حتى العام القادم كي تريح جسدها المنهك. الآن أصبح هذا حلما بحضور الضيوف الجدد. تساءلت الحاجة وهي تضرب راسها بكفها بهوادة: "من هؤلاء الضيوف ولماذا لم يأتوا البارحة للزفاف؟" أجاب الشيخ بجدية واضحة: "الوزير حسان المطبك وعائلته، لم يستطع القدوم البارحة بسبب الإجراءات الأمنية" تذكرت الحاجة هذا الرجل من وقت عزاء الشيخ راهي. رأته بموكبه المهيب يأتي ليلا وبسرية كي يعزي مسعود ولم ينتظر طويلا بل غادر على عجل. قالت الحاجة مستسلمة: "وما عساي أقول. أهلا بهم " ثم صاحت على رحمة: "رحمة تحضري للضيوف وأخبري الفتيات أن تبقى اثنتين أو ثلاث لمساعدتنا واصرفي الباقيات ولا تبخلي عليهن لا بالمال ولا الطعام" هزت رحمة راسها المصدع إيجابا ونهضت لتفعل ما طلب منها بينما ذهبت مرجانة من جديد لغرفة ابنها حتى تخبره بقدوم الوزير للتهنئة طرقت الباب وهي تسمع ضحكات من داخل الغرفة ثم وبعد دقائق جاء ابنها ووجهه يحكي حكاية من الاستمتاع والسعادة وبادرها القول بنفاذ صبر لزياراتها المتكررة وهو يخفي جسده بالكامل خلف الباب ويخرج فقط راسه وشعره المنكوش: "أمي الم ....." قاطعته قائلة: "سياتي ضيوف مهمين بعد ساعة ليباركوا لنا تحضر انت وزوجتك لمقابلتهم" عقف حاجبيه متسائلا: "من؟ لقد رأيت الجميع البارحة" أجابته: "الوزير حسان المطبك وعائلته" زفر من انفه ممتعضا لسماعه هذا الاسم وقال: "سنتحضر لا تقلقي" وغادرت الأم بينما عادت التحضيرات لاستقبال الضيوف الجدد. بعد ساعتين كانت عائلة الوزير حسان المطبك تترجل من السيارات المظللة السوداء. ثلاث يتقدمهم رجل أصلع بقي من شعراته القليل على الجانبين يتخللها الشعر الأبيض. قصير ببطن مدورة يسير بمكر يحتسب خطواته شديد الاحتساب. خلفه على الجهة اليمنى كانت ابنته الكبرى وهد تلبس نظارة سوداء تخفي عينيها الزرقاوين كعيني زرقاء اليمامة واسعتين برموش كثيفة. أطول من والدها وقد ساعد الكعب العالي الذي تنتعله على زيادة طولها على الأقل 5 سم فأضحت سيقانها الطويلة أطول وارشق. ثوبها الأسود القصير يكشف عن ركبة بيضاء بارزة العظام ومشية باردة غير مبالية. على يسارها كان شبيهها سامر يبدو أكبر سنا منها ببدلته التي لا يستبدلها باي موديل أخر وشعره البني الخفيف الذي يبشر بالصلع كوالده. مسير العائلة إلى منزل معصوم كان مهيبا ومخيفا كأن شيطانا سيدخل إلى هذا المنزل فيغوي كل من فيه ويهدم أركانه. وصل الوزير وعائلته إلى معصوم ورزاق ومسعود الذين وقفوا لاستقباله تقف خلفهم مرجانة ورحمة والعروس الخجول. بعد التحيات والمجاملات ذهب الرجال إلى غرفة الضيافة بينما انفصلت عنهم وهد لتذهب مع النساء على مضض. شخص واحد كان قد ركز بشكل زائد في طابور النساء الأفقي الذي يقف خلف معصوم. كان هذا الشخص سامر المطبك الذي جذبته وقفة رحمة المتعبة وابتسامتها الغائبة بسبب الإرهاق. باهتة وضعيفة الوجه تذكره بوجه باهت وضعيف يعرفه جيدا بل يعشقه حد الجنون. رغم اختلاف القسمات والتعابير ألا انه ربط الوجهين معا بدون أي رابط فيزيائي سوى اصفرار الوجه ورقة الملامح وطيبتها. تعالت في داخله أصوات مجنونة تهمس: "قد تكون المنشودة" همس في أذن أخته قبل أن تغادر مع النساء مشيرا إلى رحمة بشكل خفي بخفة وحذر: "احضري لي معلومات عنها"

    ردحذف
  21. الفصل الخامس

    فتح سامر باب منزله الصغير وخطا إلى داخله متعبا. رمى المفاتيح بعشوائية على طاولة صغيرة عصرية مصنوعة من الخشب مطلية باللون الفضي. نظر في أرجاء المنزل يتفقده ثم اقترب من شاشة صغيرة موضوعة على الحائط تمثل جهاز الأمن فغير الرقم السري مرتين حتى رضي عن قوته. شرب بعض الماء من الثلاجة ووضع الكوب في المغسلة ثم توجه إلى غرفة نومه. وسع عقدة رباطه الأسود اقترب من خزانة مقفلة وقف أمامها طويلا ينظر اليها بعيون مشتاقة مجنونة. فتح الخزانة ودس راسه في ظلامها وقد تغيرت ملامحه تماما. رق وجهه الجليدي ولانت عيناه الزرقاوين. سحب بيده جسدا واقفا يلبس ثوبا ابيضا كثياب القديسين. خرج الجسد من مكمنه في الخزانة وفي ضوء الغرفة الواهن تمعن في الوجه المصفر الجامد والعيون الزجاجية المتعبة باهتة اللون. مرر أصابعه برقة على الخد البارد وهو يتلمس الجلد الميت بشوق فانسابت الأصابع بحرية على انفها وشفتيها المنفرجتين ثم نزل إلى عنقها الدقيق الشامخ. ابتلع ريقه وهو يمسك برقبتها ويطبق عليها بينما وقفت هي بجسدها السيليكوني الغض المغطى بجلد بشري حقيقي لا يصدر منها حسيسا ولا تنهدا. تركها ثم جلس على الكرسي الجلدي الفخم يتطلع لها بانكسار. اغلق عينيه بعد ثواني متعبا يتنفس بصعوبة وهو يتذكر أسوء ما مر به في حياته. أشعل سيجارة من السجائر التي يصنعها بنفسه والتي يضع فيها الكثير من الأعشاب المخلوطة فيأخذه دخانها إلى عالم أخر بعيد عما يتعايش معه يوميا. كأنه يذهب إلى ما قبل كارثته فيعيد المشاهد مرارا وتكرارا كي يشعر بنشوة البراءة. كان معها. صاحبة الجلد الناعم الذي يتحسس ملمسه كلما أراد أن يدخن سيجارته المنشية فيبقى ملمس جسدها على أصابعه التي أزهقت روحها. أول روح أزهقها بيديه العاريتين. عندما قرر أن يتزوج كان للتو خارجا من طور المراهقة. مندفع ومحتاج للتخلص من سيطرة والده وقسوته عليه وعلى أخته. ولم تكن قسوة حسان نابعة من رغبته بتربية أولاده تربية حسنة أو عقوبة على سوء افتعلوه. بل عقوباته أقرب إلى التدريب على الانصياع لأوامره والاستعباد التدريجي لهم ولعقولهم. أراد حسان أن يتأكد من انهما سيكونان بمثابة البيدق بين يديه فيستغلهما كما يشاء في لعبة السلطة التي كان يلعبها. ابنته وهد التي شبهت والدتها كثيرا بمكرها انصاعت بسرعة إلى الطريق الذي أرادها والدها الانصياع اليه بعد اكتفائها من الألم، بينما سامر واجه الأمر بعنف فبادله حسان العنف ضعفين. وليلا حيث يمكنه الذهاب إلى حيث يريد اعتاد سامر الشاب الصغير السهر وحيدا في النوادي الليلية. يجلس على طاولة مخصوصه له يبتاع ما يريد وينغمس في صراعه الداخلي حتى تعرف عليها. اقتربت منه وحيته بمنتهى اللطف ثم سحبت كرسيا لتشاركه الطاولة. لم يمانع من جلوسها معه ولا مودتها الزائدة كأنها تعرفه منذ زمن بل شيئا فشيئا فتح لها قلبه وكل يوم توقه اشتد لزيارة النادي فقط لرؤيتها والجلوس معها. ليريح قلبه بمشاركتها الحديث ويزيح عن كاهله عبء العيش مع حسان وعبء فقدان الأم التي لا تزورهم ولا تسال عليهم. يخبرها بما يفعله والده معه فتواسيه وتطبطب على جراحه وتصبره. كأنها تعرف جيدا ما يمر خلاله وتريد أن تساعده ولكن ما باليد حيلة. في غضون سنة تعلق بها سامر بشدة وارتياده للنادي ازداد فزاره حتى في النهار. أي وقت يشعر بحاجته لحضن يواسي سياط حسان يهرع اليها فلا تبخل عليه بقربها ولا وقتها. لم يعد يخفي عنها شيئا وهي كانت تسأله عن كل ما يخطر ببالها. ثم قرر وفي فورة جنونه وشغفه انه سيتزوج بها. أخبر والده فأرغى وازبد وهدد سامر بقتلها أن لم يعتدل وينسى أمرها بيد أن ابنه زاد في عناده. كلم والدته على مضض علها تقنع الأب ولكنها كانت اشد من حسان غضبا. كسرت الأواني وصرخت في وجه ابنها ثم هدأت وتوسلت أن ينساها. تحججت بمستواها الاجتماعي وعملها في ذلك النادي سيء السمعة وبعمرها الذي كان تقريبا يضاعف عمره. كلها أسباب لم تعني سامر أبدا لأنه وقتها كان يحتاج إلى شيء واحد فقط ... أن يحب بإخلاص كإخلاصها! إخلاص أم لأولادها. كان يفتقد الحنان بشدة وحيدا متأذيا وهي لم ترد منه سوى ان تواسيه بلا أي مقابل. عندما لم يجد سامر أذنا صاغية من والديه قرر الهرب وأخبرها بخطته.

    ردحذف
  22. فور أن علمت أن سامر يريد الزواج بها اصفر لونها. لجم لسانها وأخبرته أن زواجهما مستحيلا. ثار وبدا يعربد في النادي جالبا انتباه الجميع وبدأ يتصرف كالطفل الصغير ولإسكاته أخبرته إنها ستفكر بالأمر. لم يهدأ فتوسلته أن يهدأ ولكنه ظل يهلوس بكلام عن والده ولخوفها مما قد يحصل تاليا أخبرته بموافقتها على الزواج به. وأقنعته أن يؤجلا الموضوع قليلا. وافق سامر على التأجيل بشرط أن تترك عملها في النادي نهائيا. بعد شهر من تلك المحادثة اتصل به والده طالبا منه أن يأتي إلى احدى الشقق التي يمتلكها حسان في العاصمة لأمر هام. ذهب سامر ليصدم بمنظر غير حياته تماما. كانت تنتظر في شقة حسان. مستلقية بكامل زينتها على سرير وثير. مبحلقه به مصدومة لرؤيته. لا تنبس ببنت شفة ملجومة اللسان مشلولة الجسد ترتعش قسماتها رعبا. قال له والده حينها إنها جاءت اليه لقضاء الليلة كزبون من زبائنها. وهي تعلم جيدا انه والده. اقنعه بما يعرفه هو مسبقا.. فتاة الليل الاثمة التي تلعب على الأطفال الأغنياء... تلك هي! شتمها حسان وشجع سامر على الانتقام منها لتلاعبها به وبعواطفه فهجم عليها سامر في فورة من غضبه المكبوت كأنه يمسك عنق والده بدلا من عنقها. خنقها بيديه العاريتين بينما يشعر بروحها تخرج منها تدريجيا وهي لا تقوى على الحركة تحته وكل ما فعلته هو دموعها التي تساقطت على جانبي وجهها حتى انتهى الأمر. جلس بعدها ينظر إلى عينيها الغائمتين بلا روح هي لا تبدو جميلة كالسابق. جسدها البارد هو بالتأكيد يشبه تلك اللعبة التي يضعها أمامه... واهن مصفر متعب. حبه الأول الذي كان نقطة التحول في حياته فبعد تلك المقتلة تعلم امرا واحدا وهو أن براءته في عالم ملئ بالفظائع قد ضاعت إلى الأبد. لا يهم على يد من ضاعت ما يهم إنها فقدت بلا رجعة. نام على ذلك الكرسي فبعد ذكرى تلك الليلة لا يمكنه فتح عينيه.

    ردحذف
  23. استيقظ على صوت الهاتف اللحوح ففتح عينيه نصف انفتاحه ثم أجاب بغضب وهو يمسح فمه اللاهث: "أبي! هل علينا أن نستمر بالمجاملات لتلك العائلة ؟ لندعهم يا والدي فلدينا دعم الكثيرين الأن... اعلم أن الانتخابات على الأبواب ... اعلم ...." وتنفس بنفاذ صبر وهو يحاول أن يستجمع قواه ويتحمل صداعه بينما يستمع إلى والده على الخط الامن. صرخ وهو ينظر إلى لعبته الماثلة أمامه: "انت فقط اخبرني ما علي فعله وانا سأفعل لا تناقش معي خياراتك اعطني أوامر فقط" توجه إلى المطبخ حيث شرب بعض الماء واخرج تفاحة بدا بقضمها وهو ينصت لوالده الذي بدا عليه الضيق من صوت الطعام يلاك في فم سامر. أنهى الاتصال مع ابنه فسامر ليس للنقاشات ولا لاتخاذ القرارات. هو لطالما توجه لوهد اذا ما أراد أن يطبخ طبخة ولم تخذله يوما لذا هي كانت وماتزال يده اليمنى وسلاحه الفتاك بعقلها الماكر وبالقطب الشمالي الذي يسكنها. كانت وهد تجلس في شقتها التي تقع فوق شقة سامر بالضبط تشاهد الاخبار وتكتب الملاحظات في دفتر صغير انيق. شربت بعضا من عصير الفواكه الطبيعي الذي تتعشى به كل ليلة للحفاظ على رشاقتها وكتبت في مدونتها: "الانتخابات القادمة ستكون مهزلة كعادتها والغضب العارم سينتهي بفوز ذات الاحزاب وذات الوجوه ستتبادل مناصبها وتعلن نجاح انتخابات حسمت قبل بدايتها" تبسمت ابتسامة نصفية فكشفت عن اسنان مفترقة تكسوها شفاه غليظة مكتنزة. هزت راسها وهي تستمع لبرنامج سياسي وضحكت معلقة: "كم احب رؤية تصريحات السياسيين وبالذات وانا اعرف رايهم بالامر مسبقا فيأتي كذبهم كفلم كوميدي" اتصل بها حسان فاجابت فورا: "أبي انت تعلم سامر هو مختلف .... لماذا فقط تناقشه فقط اعطه أوامر وهو لن يخذلك... لا افهم فقط ما سبب اصرارك على هذه العائلة.... أبي! ارجوك راهي مات وانتهينا منه وابنه يبدو كاحمق !" أخيرا قالت: "لا باس سنفعل ما تريد لا تهتم انت كل شيء سيكون بخير وأنت ستكون ضمن التشكيلة الوزارية القادمة بالتأكيد أنا اعدك" وأقفلت الهاتف وهي تفكر بعائلة المساعي. زيارتها لهم مع والدها والتي استمرت لساعة كانت من أسوء الساعات في حياتها. مجموعة نساء لا يرتبطن معها في أي فكر ولا طبيعة. مختلفات كاختلاف الحياة نفسها وتلك الفتاة التي طلب منها سامر أن تجلب له معلومات عنها أشعرتها بالرهبة. وجهها المستسلم الحاني وأهدابها المسبلة ببراءة أشعلت قشعريرة في جسدها. أغلقت عينيها وهي تفكر بسامر وتمتمت: "كله بسبب تلك المخادعة! والان سامر وضع هذه الفتاة براسه ووالدي يريد دعم عائلتها. كيف ستنتهي هذه المسرحية يا ترى ...." ولعنت تلك اللحظة التي رات فيها جثة بائعة الهوى التي اقتنع سامر بحبها. كانت عارية من الروح أصابع سامر قد توغلت في لحمها حتى دق عنقها بعنف وتعابير الألم على وجهها بفمها الصارخ ولسانها المتدلي وانفها الدامي يقشعر من منظرها البدن. لقد ساعدته يومها على تخطي موتها أو هذا ما حسبته رغم أن الحقيقة ألا احد منهما تخطى ذلك اليوم. لبست معطفها فوق بيجامتها البيضاء الحريرية وذهبت لزيارة سامر. طرقت بابه بضع طرقات ففتح لها الباب ودخلت تتبع خطواته المتثاقلة. قالت بفزع وهي ترى من باب غرفته المفتوح تمثاله السري: "سامر! الفتاة التي طلبت مني معلومات عنها ابنة عشائر. هي ليست ك..." قاطعها وهو يغلق باب غرفته : "اخبريني عنها " بللت شفتيها وهي تجلس على احد الكراسي: "لا شيء مهم هي ابنة معصوم تعمل ممرضة خيرية ولا حاجة لنا بفضيحة قبل الانتخابات. دعها وشانها ارجوك أبي يحتاجنا إلى جانبه في هذا الوقت" هز راسه وتمعن فيها متسائلا: " هل خذلتكم يوما؟" أغلقت عينيها مستسلمة فجدال كهذا لم ينتهي يوما بفوزها به. قال لها : "أريد رؤيتها مرة أخرى , أريد الحديث معها" تأففت وهد بنفاذ صبر وصرخت فيه: "الم اخبرك انها ابنة شيوخ هي لا تتحدث مع الغرباء بلا سبب .

    ردحذف
  24. الم تر جلبابها الطويل وغطاء راسها؟" لم يجبها فقد رأى كل شيء كما رأى شيئا فقط عيونه الخبيرة رأته. رأى براءة لا يمكن نكرانها. براءة يفتقد اليها منذ سنين. أكملت وهد بعصبية: "الم ترى أن هذه العشائر تزوج ابن العم لابنة العم والفتاة بالتأكيد ستتزوج ابن عمها مسعود كما فعل اخوها. هل ستدخل الأن في معمعة العشائر والثارات والشرف؟" رغم أن كلامها ما كان له أي تأثير على عقل سامر الغريب الأطوار الا انها رات في عينيه بعض التفكير فيما قالته. تركته وعادت إلى شقتها وقد تجاوز الوقت منتصف الليل. هي تحتاج إلى أن تنام فالغد يحمل لها الكثير من المشاق. صعدت إلى شقتها وفتحت الباب لتتفاجأ بمظروف اصفر قد رمي من اسفل باب شقتها فتمزقت بعض حوافه. حملقت في المظروف لبرهة ثم رفعته عن الأرض متوجسة خيفة مما فيه. أزالت الشريط اللاصق وفتحت المظروف لترى مجموعة من الصور والأوراق في داخلة. ابتلعت ريقها باضطراب وجلست تفكر بمن عساه قد تمكن من تجاوز المنطقة الآمنة التي يسكنون بها والنظام الأمني للعمارة الصغيرة التي تعيش فيها مع سامر بكل جرأة فقط ليضع هذا الظرف على عتبة دارها. في منزل راهي المساعي الذي اضحى فارغا وموحشا بعد زواج فرحة، تناول مسعود وجبة العشاء متأخرا وحيدا مفتقدا أخته الصغيرة التي لطالما جلست معه على المائدة. مفتقدا الضحكات التي كان يعارضها دائما. كم أحس بوحشة لفراق والده واخته وهو الذي ما فكر يوما انه سيشعر بتلك المشاعر المضطربة تجاه وحدته. وضع صينية الطعام جانبا وذهب إلى غرفة نومه حيث تراءت له أشباح الماضي تتقافز بين أركان البيت الواسع فتارة يرى فرحة تكيد له وتنجو من عقابه لصغر سنها وأخرى يرى والدته الراحلة تحتضنه بعد سقوطه وجرح ركبته. نظر إلى كرسي والده المتحرك الذي كان يستعمله في الفترة الأخيرة بشكل منتظم ورأى والده يجلس عليه واضعا كوفيته على كتفيه ويلبس القحفية البيضاء على راسه الأشيب ويتسامر مع رحمة فيتضاحكان ويثني على كل شيء تفعله كأن لا خطا قد ترتكبه هذه الصبية. هذه الصبية! لما يشعر كلما رآها انها تجتذب قلبه وتمسكه بين يديها. هز راسه وصرخ: "ساحرة! انت وامك ساحرتان" ثم بدل ملابسه ونام كي يخرج من طور الوحدة التي بدا يستشعرها. في الصباح كانت الدادة تجلس في المطبخ تذرعه جيئة وذهابا وهي تستمع إلى صوت خطوات مداس مسعود وهو يقترب من المطبخ. كان لديها خبر لن يعجب مسعود على الإطلاق. دخل وسلم عليها وقد كان يراها مقربة منه ومن عائلته كثيرا. صبت له شايا ووضعت صينية الفطور أمامه ثم وقفت على مبعدة منه. لاحظ اضطرابها فبادرها السؤال: "هل تحتاجين مالا يا دادة؟" بللت شفتيها اليابستين وقالت له: "لنتكلم بعد إنهائك الطعام يا ولدي" ترك الطعام واستدار ناحيتها وكله إنصات لما ستقوله وأمرها: "قولي الأن" قالت مترددة: "يا ولدي انت تعلم كم غاليا عندي هذا المكان وقد خدمت فيه لسنوات طوال بعد سفر ولدي إلى الخارج، لقد طلب مني ولدي قبل فترة الذهاب لزيارته هناك وقد اشتقت له كثيرا وأريد أن أرى أولاده الذين ولدوا بعيدا عني. استخرجت الفيزا وتحدد موعد سفري بعد يومين. لقد أبقيت كل هذا سرا بسبب انشغال الجميع بزواج ابنتي فرحة والان وبعد أن تزوجت ارتأيت أن أخبرك بالأمر. بالنسبة إلى طلباتك ...." قاطعها متبسما بمرارة: "لا باس يا دادة وانا سأوصلك إلى المطار بنفسي أن أردت وإذا احتجت مال أو أي شيء أخبريني فقط" ترك طعامه وخرج من المطبخ بعد أن فقد شهيته للطعام فها هو الأن وحيدا تماما.

    ردحذف
  25. حبس نفسه في المكتب ليدرس بعض الأوراق ويخطط للمستقبل كعادته. سيكون عليه أن يسافر إلى العاصمة لأجل الاجتماع ببقية المستثمرين في مشروع علوه الخضار الذي يقوده رزاق. امسك مرغما سماعة الهاتف واتصل بابن عمه الذي لا يستسيغه. جاءه صوت فرحة من الطرف الأخر ينبض سعادة فتعجب وسألها: "هل يترك رزاق هاتفه الخليوي بيدك؟" ضحكت وقالت له: "انه في الحمام الأن لذا أنا أجبت" لوى مسعود فمه وأجاب أخته: "اخبريه أن يتصل بي عندما ينتهي من فصل النظافة الذي يقوم به" واغلق الخط تاركا فرحة في حالة غضب من تهكمه على زوجها. خرج رزاق من الحمام ليرى فرحة تنظر إلى شاشة هاتفه وحاجبيها مشدودان فسالها: "انه هاتف، تعرفين ذلك اليس كذلك؟" بنفس النظرة رفعت راسها لتنظر إلى رزاق الذي أكمل تهكمه: "كان زوجك قبل أن أتزوجك أنا" وضحك ملئ شدقيه بينما لم تستوعب نكتته ولم تضحك بل سلمته رسالة مسعود: "انه مسعود يريد منك أن تكلمه" تغيرت ملامح رزاق إلى الجدية وجفف شعره بمنشفة صغيرة ثم قال لفرحة: "لننزل إلى الأسفل ونتناول فطورنا ثم أكلمه فانا ما زلت في شهر العسل" وضحكت زوجته بدلع بينما عاجلها بقبلة شغوفة ثم رافقها إلى الأسفل حيث تنتظرهما مرجانة أسفل الدرج تضع يديها على خصرها وسابقتهما القول: "لقد برد الطعام ونحن ننتظركما" قال لها معصوم الجالس في المطبخ ينتظر قدوم ولده بيده جريدة يقرأها: "اتركيه يا مرجانة انت نفسك كرهت أمي عندما قالت لك ذلك في الأيام الغابرة" تركتهما مرجانة ودخلت المطبخ بينما تبعاها وهما يضحكان. جلسا بجانب بعضهما فصبت لهما رحمة الشاي وجلست بجانب رزاق من الجهة الثانية وبدات تأكل وآثار تعب الأيام السابقة بادية على وجهها الأصفر. سألها رزاق بقلق: "أرى عودك قد ذبل يا أختي" ضحكت وربتت على يده السمراء وأجابت: "لا تقلق انه فقط دلع بنات" وضحكت بينما اخذ رزاق الأمر بجدية تامة وهتف: "يجب أن ترتاحي يا رحمة كي تعود الدماء إلى وجهك الذابل" صرخت مرجانة منددة بابنتها: "ترتاح! وهل تعرف هذه الفتاة معنى كلمة راحة... انظر الى وجهها كأنه وجه أموات" ثم رفعت يدها تدعي بينما تلوك قطعة خبر: "يا رب أرسل لها نصيب يحسدها عليه القاصي والداني، رجل يقدر ما تحمله بين ضلوعها" هز معصوم راسه مبتسما لا يعرف ما يجيب زوجته بينما أكمل شرب بقية الشاي في استكانه الصغير. بعد الفطور كلم رزاق مسعود على مضض فعلاقتهما ليست وثيقة ومسعود لم يكن يوما ابن عم مقرب له. أجاب مسعود من الجهة الثانية غاضب لبقائه ينتظر تلك المكالمة لمدة طويلة. أخبر رزاق بنبرة متعالية أمرة أن يذهب إلى العلوة حيث الاجتماع غدا مع المستثمرين فانتفض رزاق: "أنا لدي عطلة فكما تعلم تزوجت اختك قبل يومين" كان مسعود يعلم انه أن ذهب بدون رزاق فاجتماعه سيكون فاشلا لان زوج أخته يعلم كل شيء حول المشروع بينما هو يجلس في مكتبه يخطط فقط لا يدر ما يحصل على ارض الواقع. انتفض مجيبا رزاق: "ساعات فقط ونعود لا تكبر الموضوع" أمام إصرار مسعود اضطر رزاق إلى الموافقة على الذهاب. سيكون عليه السفر قبل الاجتماع لتحضير كل شيء. خرج مسعود بعد هذه المكالمة ليتفقد أمور المزرعة وهذا شيء لا يفعله إلا نادرا. وغاب ساعتين ثم عاد بعدها إلى البيت الخالي حتى من الدادة التي تركته وحيدا. دخل إلى الحمام فقد أثر البرد على مفاصله وقرر أن يدفئها بالماء الساخن بينما يفكر كعادته فالماء الساخن يفتح خلايا المخ ويساعد الأفكار الحبيسة على التحرر. فرك فروة راسه كي يزيل الصداع الذي يشعر به ثم شعر انه سمع صوت غير صوت قطرات الماء المصطدمة بجسده. أرهف السمع بإمعان فسمع الصوت مرة أخرى. انتابه خوف وقلق وأبقى الماء منهمرا بينما خرج هو من تحته. لف منشفة سريعا حول خصره ووضع أخرى على كتفه ثم سار بخطوات حذرة تقطر ماء مرهف السمع إلى الصوت الغير خجول ولا خائف كأن لا أحد في المنزل. اقترب من غرفته فبات الصوت اشد وضوحا وتوجس خيفة حتى أن البرد الذي جمد أوصاله تحول إلى جليد حرق حواسه. نظر من فتحة الباب يبحث عن الدخيل الذي لا يهاب صاحب البيت ووجد ظلا في غرفته المسدلة الستائر قرب السرير المبعثر والذي تركته الدادة بلا ترتيب وغادرت. كان الظل منحيا امام الكومودينو الخشبي يتلاعب به في حركة سريعة كانه يبحث عن شيء ما. تساءل مسعود بينه وبين نفسه: "من هذا ماذا يريد؟ " قرر أن يباغت الظل بالهجوم عليه فهجم بكل قوته وطاقته راميا بحمله كله على الجسد الصغير ممسكا بيديه مثبتا إياه برجليه صارخا فيه: "سأقتلك أن تحركت، لا تجرؤ على الحركة" سمع صوت أنات نسائية مكتومة متألمة وأحس أن الجسد الذي يرزح تحت ثقل جسده أنثوي ضئيل وضعيف. سحقه هو بدون اي رحمة!

    ردحذف
  26. الفصل السادس

    ابتعد فور سماعه لصوت يعرفه جيدا. صوت رحمة المسكينة. قال لها غاضبا: "ماذا تفعلين في غرفتي ...لقد كدت ان أقتلك" أجابته وهي تدلك رقبتها المتألمة ومعصمها الذي كاد أن ينكسر من قسوة مسكته: "لقد كسرت عظامي ما بك؟ الم تخبرك الدادة إنني من سينوب عنها في عملها" حملق فيها غير مصدق ما تفعله. بدا يستر نفسه خجلا فقام بتعديل المناشف على جسده وابتعد قليلا عنها واضعا قميصا كان ملقى على الأرض فوق كتفه وأجابها: "ولماذا انت؟ هل يجب أن تكوني متطوعة في كل شيء" نهضت بدون حتى أن يساعدها ومسحت الماء الذي قطر منه عن وجهها وشعرها بشالها ثم تمتمت: " امي طلبت مني ان أقوم بالعمل لان فرحة عروس جديدة وانا متفرغة ولا مانع لدي من خدمتك يا ابن عمي..." ثم عاتبته : "لماذا تعاملني بهذه القسوة؟ الست من لحمك ودمك؟ على الأقل اشكرني على رعايتك في هذه الفترة" رنا ناحيتها يفكر بقولها فقد كانت على حق ولكن استكباره منعه من أن يعترف فتركها وغادر ليلبس ملابسه. أكملت هي ترتيب الغرفة ثم نزلت إلى المطبخ حيث صنعت له قهوة عربية كي يدفئ نفسه وأشعلت مدفئة نفطية وشعور عصيب بالألم يجتاح جسدها النحيل. قد تكون عظمة كسرت في أثناء مهاجمته إياها. كان راسها يؤلمها ورقبتها قد تشنجت من قوة السقطة التي سقطتها. تحملت المها وأخذت القهوة إلى غرفة المكتب حيث كان يجلس ثم بالكاد سحبت المدفئة العمودية إلى تلك الغرفة المظلمة الباردة. لم يعرها اهتمام بل انشغل بتدوين بعض الملاحظات التي يحتاجها من اجل الاجتماع القادم بينما بدأت هي تنظف الغبار وترتب الأوراق. أبعدت الستائر قليلا كي يدخل بعض الضوء الطبيعي إلى الغرفة قبل أن يحل الليل ثم قررت العودة إلى المنزل. قالت له كملاحظة أخيرة قبل أن تتركه وتغادر: "طعام العشاء في المطبخ وضعته لك في أواني حرارية" لم يرفع عينيه عن الورقة التي كان يكتب فيها فقط توقف عن الكتابة واصغى فأكملت: "أنا سأغادر الأن قبل أن يحل الظلام هل تحتاج مني شيئا أخر؟" فكر قليلا ثم قال لها آمرا: "أريد بعض الشاي أعديه واحضريه هنا وضعيه على المدفأة" ذهبت بدون أن تعترض واعدت الشاي بسرعة وهي تجرجر قدمها فقد زاد الألم في راسها وتورم بدا يتشكل في رقبتها. وضعت الشاي أينما أراد وسارت وهي تتلمس طريقها فقد بدا كل شيء غائم حولها. ترنحت قليلا حتى وصلت إلى عتبة الباب ثم وبدون مقدمات سقطت مغشيا عليها. صرخ مسعود وكأن قلبه قد سقط بين قدميه خوفا عليها: "رحمة!" هرع اليها مرتعبا وهو ينظر إلى وجهها النائم وعلامات الألم قد خطت تعابيرها بقسوة على محياها. كانت جبهتها محمرة ودم يخرج من انفها بسبب السقطة. ما شعر به حينها ذكره وقت رؤيته لامه وهي تسقط من اعلى الدرج يوم موتها. كانت متعبة وضامرة القوى ومع هذا كابرت من اجل أن تحضر لوليمة جماعيه أعدها راهي وقتها. سقطت من اعلى الدرج لأسفله ليرتطم راسها بحافة السلمة الأخيرة وتنزف حتى الموت. وقف عند راسها يبكي فقد كان صغيرا على رؤية مشهد دام كهذا. نظرت له ل 5 دقاق تفيض عينها بحنان وخوف. خوف عليه من أن يؤثر هذا المشهد القاسي على عاطفته البريئة. أخيرا مدت يدها اليه فامسكها بلا دموع فقد احتبست مشاعره في داخله وألجمت الصدمة عينيه فبقي الدمع حبيسها.

    ردحذف
  27. لم يبك والدته حتى اليوم كلما أراد البكاء تذكر عيونها الحانية وهي تفقد لونها الإنساني لتتحول إلى جثة باردة. يدها التي أطبقت على يده الصغيرة واضطر الطبيب إلى أن يعالج أصابعها بقسوة كي يحرر يده فقد تيبس جثمانها وهو ممسك بيد صغيرها منتظر سيارة الإسعاف لساعتين. ومن هنا عمل راهي جاهدا ليؤسس المستوصف الصغير في القرية ودفع رحمة لتصبح ممرضة عندما كبرت! تقلص وجهه وظهرت مخاوفه التي لطالما عاندها وفي ظلام الغرفة الذي غطى المكان بسرعة شعر بالوحشة تتلبسه. صاح في رحمة وهو يهزها: "رحمة! رحمة!" لم تنطق فأسرع وحملها واضعا إياها على الأريكة في المكتب وكلم طبيب القرية الوحيد طالبا منه أن يأتي بأسرع وقت قائلا له إنها مسالة حياة أو موت ثم كلم عائلتها فثارت العائلة بأكملها وأسرعت إلى منزله. دخل معصوم إلى منزل راهي تزامنا مع دخول الطبيب الذي جاء على جناح السرعة عندما استدعاه كبير القرية. نظر الجميع إلى مسعود غير قادرين على قراءة ما يجول في خلده فقد لبس لباس التجلد وقلبه ووجهه في صراع. نظرت له مرجانة بغضب واضح وهي تتمنى لو إنها تصفعه فيشفى غليلها منه لكنها عوضا عن ذلك سألته بصوت مزمجر: "ماذا فعلت لابنتي؟" أجاب من تحت أضراسه: "لم افعل شيئا، كانت تسير وسقطت على الأرض" تمعنت فيه مرجانة طويلا ودها لو تسكب عليه زيتا وتشعل في بروده نارا. رفعت إصبعها مهدده إياه بينما هو ينظر لها شزرا: "لو أصاب ابنتي مكروه يا مسعود يا ابن راهي فلن يطلع عليك صبح الغد" كان معصوم ينظر لها وهو يتمنى لو انه يعرف فقط ما حصل لابنته فالطبيب معها في غرفة المكتب وفرحة تساعده بينما بقي الثلاثة خارجا يأنبون مسعود على ما حصل. كاد التفكير يقتله. ماذا فعل هذا الشاب المتعالي لرحمة كي تغيب عن الوعي ولماذا علامات الذنب تنساب بين الفينة والأخرى من بين نظراته وكلماته. يا وليلتي إن كان قد تحرش بها. كاد راس معصوم إن ينفجر وهو يفكر بابنته وحالها غير قادر على اتخاذ أي إجراء إلى أن يعرف من ابنته ما جرى لها. لم يكن الأمر لرزاق مجرد تفكير فقد تأهب لضرب مسعود فور الحصول على تقرير الطبيب. كان يعرف جيدا إن مسعود وان كان مغرورا في كثير من الأحيان فهو لن يقدم على فعل عديم الشرف كما إنه متأكد من أخته أيضا. مع هذا فان الشيطان قد اخرج ادم من الجنة لذا فان غواية مسعود لن يكون صعبا عليه. خرج الطبيب بعد ربع ساعة وقال للعائلة: "ستكون بخير " هرعت اليه مرجانة باكية نائحة وسألته: "ماذا حل بابنتي يا دكتور؟" أجابها وهو ينظر إلى مسعود بتقزز: "لديها كدمات على يدها ورقبتها من أثار عنف حصل معها، ولكن الإغماء كانت بسبب هبوط في الضغط " لم يتمالك رزاق نفسه عندما سمع كلام الطبيب فسأله: "هل تعرضت للضرب؟" لم يجب الطبيب فقط تبادل نظرات تحمل الكثير من اللوم مع مسعود فهم منها رزاق إن مسعود أذى رحمة. انقض على ابن عمه لائما إياه على ما فعل بينما حاول معصوم ومرجانة إن يبعداه. كان رزاق اقوى من مسعود بكثير فأطاحه أرضا وهو يصيح به: "كيف تجرأت على أذيتها؟ لقد جاءت إلى هنا كي تساعدك.. كيف أذيتها" كان مسعود يعافر كي يتخلص من رزاق وبمساعدة مرجانة ومعصوم استطاع أزاحته قليلا بيد إن رزاق كان مصرا على الانتقام لأخته من مسعود. عندما لم تعد القوة البدنية كافية لإزاحة رزاق بدا مسعود يكيل الشتائم له ثم أخيرا بعد إن نفذت شتائمه صرخ فيه كطفل حانق غاضب: "أيها اللقيط أنا لم افعل شيئا...

    ردحذف
  28. هل تريد الأن إن تخبرني إنك تهتم لرحمة أكثر ممن هو من لحمها ودمها يا لقيط" وضربه رزاق بيمناه ضربه أطاحت بفكه لاعنا إياه على هذا الكلام ولكن مسعود الذي جن بسبب الغضب قال صارخا بعمه: "أخبره يا عمي أخبره من يكون أخبره انه ليس سوى لقيط من الأزبال ويتجرأ على أولياء نعمته" خطف لون مرجانة ومعصوم وزادت محاولاتهما لإبعاد رزاق عن مسعود كي لا ينكشف الأمر بسبب طيش ابن راهي وساعدتهما فرحة بينما هرب الطبيب خوفا على حياته. صرخ فيه معصوم: "ابتعد يا ولدي لنفهم الحكاية فالعنف لن ينفع" ولم يكد يكمل معصوم جملته حتى ظهرت رحمة تترنح وجاءت إليهم مجذوبة بالصوت العالي والصراخ وسمعت مسعود ينعت أخاها باللقيط. قالت بصوت واهن جعل رزاق يبتعد عن مسعود بسرعة ويهرع اليها: "أراكم في خصام فما الخبر؟" امسك رزاق بيد أخته بينما نفض مسعود عن ملابسه وهو يتحسس فكه ووجهه وينظر إلى رحمة بعيون خائفة عليها. سألتها الأم وهي تحتضنها: "ماذا جرى يا ابنتي" أجابت رحمة: "لا شيء لقد أحسست بدوار وسقطت" ثارت ثائرة مسعود وهو ينظر إلى نفسه مغلوبا من رزاق. كان يشعر بخزي شديد وإهانة من شخص يعتقد انه لا يرتقي لمكانته ولولا معصوم الذي رفعه لبقي مهانا. صرخ مسعود محاولا استرداد بعضا من كرامته المهدورة والتي تبعثرت على الأرض: "ا رأيت! أيها اللقيط هي تقول إنها بخير وأنت كالثور هجمت علي بلا سبب. كله بسببك انت يا عمي" وأشار إلى معصوم الذي كانت عيناه تتوسل بمسعود ألا يفشي السر وان يحترم العهد. تحولت مرجانة من الغضب إلى التوسل وقالت لمسعود: "يا ولدي لا خصام بين العائلة ورزاق كان خائفا على أخته" اقترب مسعود من رزاق وقال له نكاية به: "هذا لو كانت أختك ولكن يعلم الله أين هي أمك وفي أي حانة ترقص" حملق رزاق بمسعود والدم يغلي في عروقه ورفع يده ليوجه ضربة لمسعود على اهانته لامه وهو يتصور انه يقصد مرجانة ولكنه توقف بعد إن صرخ معصوم فيه: "توقف! يكفي! هل تريدان قتلي أنتما الاثنين؟ رزاق! اعتذر من ابن عمك فقد كان هذا سوء تفاهم" تنفس رازق بغل وتساءل: "هل تريد الأن إن تخبرني إنك تهتم لرحمة أكثر ممن هو من لحمها ودمها يا لقيط" وضربه رزاق بيمناه ضربه أطاحت بفكه لاعنا إياه على هذا الكلام ولكن مسعود الذي جن بسبب الغضب قال صارخا بعمه: "أخبره يا عمي أخبره من يكون أخبره انه ليس سوى لقيط من الأزبال ويتجرأ على أولياء نعمته"

    ردحذف
  29. خطف لون مرجانة ومعصوم وزادت محاولاتهما لإبعاد رزاق عن مسعود كي لا ينكشف الأمر بسبب طيش ابن راهي وساعدتهما فرحة بينما هرب الطبيب خوفا على حياته. صرخ فيه معصوم: "ابتعد يا ولدي لنفهم الحكاية فالعنف لن ينفع" ولم يكد يكمل معصوم جملته حتى ظهرت رحمة تترنح وجاءت إليهم مجذوبة بالصوت العالي والصراخ وسمعت مسعود ينعت أخاها باللقيط. قالت بصوت واهن جعل رزاق يبتعد عن مسعود بسرعة ويهرع اليها: "أراكم في خصام فما الخبر؟" امسك رزاق بيد أخته بينما نفض مسعود عن ملابسه وهو يتحسس فكه ووجهه وينظر إلى رحمة بعيون خائفة عليها. سألتها الأم وهي تحتضنها: "ماذا جرى يا ابنتي" أجابت رحمة: "لا شيء لقد أحسست بدوار وسقطت" ثارت ثائرة مسعود وهو ينظر إلى نفسه مغلوبا من رزاق. كان يشعر بخزي شديد وإهانة من شخص يعتقد انه لا يرتقي لمكانته ولولا معصوم الذي رفعه لبقي مهانا. صرخ مسعود محاولا استرداد بعضا من كرامته المهدورة والتي تبعثرت على الأرض: "ا رأيت! أيها اللقيط هي تقول إنها بخير وأنت كالثور هجمت علي بلا سبب. كله بسببك انت يا عمي" وأشار إلى معصوم الذي كانت عيناه تتوسل بمسعود ألا يفشي السر وان يحترم العهد. تحولت مرجانة من الغضب إلى التوسل وقالت لمسعود: "يا ولدي لا خصام بين العائلة ورزاق كان خائفا على أخته" اقترب مسعود من رزاق وقال له نكاية به: "هذا لو كانت أختك ولكن يعلم الله أين هي أمك وفي أي حانة ترقص" حملق رزاق بمسعود والدم يغلي في عروقه ورفع يده ليوجه ضربة لمسعود على اهانته لامه وهو يتصور انه يقصد مرجانة ولكنه توقف بعد إن صرخ معصوم فيه: "توقف! يكفي! هل تريدان قتلي أنتما الاثنين؟ رزاق! اعتذر من ابن عمك فقد كان هذا سوء تفاهم" تنفس رازق بغل وتساءل: "ماذا يعني مسعود بكل الكلام الذي قاله؟ لا أراك ثرت على إهاناته لأمي ولا لي كأنه يقول الحقيقة" طأطأ معصوم راسه وامر الجميع: "لنعد إلى المنزل " صاح رزاق بوالده وقد بدا يستشعر إن شيئا ما ليس صحيحا: "أبي! لن اخرج من هنا حتى اعرف ماذا يجري" أشار مسعود لمعصوم ومرجانة قائلا ليكمل انتصاره على رزاق: "هذان ليسا والديك الحقيقيين. لقد وجداك كالقمامة في الأزبال وربياك. باختصار انت لقيط!" وشدد على كلمة لقيط فكان دويها يصدح في أرجاء المنزل وتشتت رزاق بينما انصدمت رحمة وفرحة. نشجت مرجانة وانكبت على ابنها تحتضنه وتعصر ضلعيه بينما وقف هو صامت يبكي. اقترب معصوم من مسعود حانقا وهزه بقسوة. تبدل معصوم وظهر وجهه الآخر. وجه الأب الذي يريد إن يحمي عائلته باي طريقة. عاتب مسعود بصوت عصبي ينقط الما: "عاش راهي ما يقارب الثلاثين سنه يحتفظ بالسر وها انت لم تستحمل ثلاثين شهرا. يقال هذا الشبل من ذاك الأسد ولكني أرى شبلا قد ضل طريقه فلا طابق اللبوة التي أنجبته ولا سار على نهج الأسد الذي ائتمنه. انت يا مسعود رجل جاحد. يعلم الله كم حاولنا التقرب منك كم داس رزاق على كرامته لأجل ألا يتصادم معك. لطالما رضيت أنا بالرضوخ لغرورك كي لا أثير حربا في العائلة. انظر إلى رحمة التي لازالت أثار يدك على جيدها. لقد رضيت بان تصبح خادمة لك كي لا تشعر بالغربة لوحدك. وها انت كسرت قلب أم بلا سبب. لا أدرى إلى أين يأخذك التعالي على عائلتك ولكن لا تظن إننا سنرضى بشطحاتك بعد اليوم" ثم نظر معصوم إلى رزاق الذي كان لايزال مصدوما لا يدر ما يفعل بينما فرحة تنظر اليه متجمدة في مكانها. لم يجب عمه بل اقترب من أخته مستغلا تشوشها: "سأطلقك منه! هو لا أهل له ولا عشيرة. صعلوك من بقايا خطيئة. هل تريدين لأطفالك إن يحملوا اسم لقيط. انت ابنة الأكابر" أجابته باكية: "لماذا لم تخبرني بهذا يا مسعود؟" كان سؤالها ناتج عن تشوشها مع هذا استقبله رزاق مصدوما. هو إلى الأن لم يتكلم ولم يعلق على الأمر. كان راسه ممتلئ بالأفكار حد الانشطار.

    ردحذف
  30. هو إلى الأن لم يتكلم ولم يعلق على الأمر. كان راسه ممتلئ بالأفكار حد الانشطار. ألف فكرة راودته والنظرات المصدومة من الجميع أثقلت قلبه وزادت حنقه على معصوم ومرجانة اللذان اخفيا عنه هذا الأمر طيلة عقود. تقهقرت الدموع في عينيه وشل لسانه خانقا حلقه. لم ينتظر ليستمع إلى المزيد بل هرب من الوجوه التي حملقت في ماضيه بصمته المطبق وهرول خارجا إلى العراء فقد خنقته عبرته ونظرات الشفقة من أخته ووالديه. صرخ مسعود المبعثر الثياب بأخته: "انت لن تبقي معه بعد إن عرفت حقيقته اختاري أنا أو هو؟" صاح به معصوم ناهرا إياه: "هل فقدت عقلك؟ كيف تحرض الزوجة للانقلاب على زوجها وهي عروس جديدة" لم يستمع إلى كلام عمه بل أعماه الغضب على رزاق المتفوق عليه في كل شيء حتى في هذه اللحظة التي كشف فيها عن ماضيه لايزال رزاق متفوق عليه بتعاطف الكل معه. قال لعمه: "أنا ابن أخيك وهو ابن حرام.." وأطبق فمه على صدمة صفعه ضعيفة من مرجانة جعلت غضبه يصعر نارا. صرخت فيه بألم: "هو ابني وابن عمك. أرضعته حولين وداريته بدموع عيني. لقد أنقذ رزاق عائلتنا وثبت حياتنا بعد إن أتعبنا الألم. هو ابني هذه هي الحقيقة الوحيدة التي يجب إن يسمعها الجميع. إن خرج الأمر إلى العلن.." وصكت على أسنانها حتى كادت تطحنهما وصرخت: "سأعيش فقط كي تموت" ثم سحبت ابنتها من يدها وقد كانت مأخوذة بما يحصل وهي بين صداعها وبين كل الحديث المجنون الذي يجري ضاعت. صاحت مرجانة بفرحة: "هل ستاتين أم ستبقين مع أخيك؟" وحسمت فرحة أمرها فلا مكان أفضل للمرأة من بيت زوجها الذي ما رات منه سوى الحب. ركضت تتبعهما وهي تنظر لمسعود بانكسار بينما صرخ هو بهن: "إذا حصل لأختي أي شيء فانتقامي من رزاق لن يعرف رحمة" ثم خرج معصوم يصفق كفا بكف ويهز راسه حزينا إلى ما الت اليه الليلة من أحداث اليمة. اغلق الباب خلفه تاركا مسعود وحيدا من جديد متألم يدفعه كبرياؤه إلى إعلان براءته عما حصل. لم يك رزاق في المنزل عند عودة فرحة وظلت تفكر هي بما سمعته في بيت والدها من مسعود. لقد بدأت تربط الأحداث التي كانت غير منطقية لها من معاملة والدها الغير عطوفة لرزاق الذي كان يعمل جاهدا لينال رضا عمه إلى تكبر أخيها وعدم استساغته لرزاق والتي زادت بعد وفاة الأب. هل عليها إن تفكر بمستقبل أولادها إذا ما خرج الأمر إلى العلن. بدأت تقلق هي وعائلته عندما أصبح الصبح ولم يعد إلى المنزل. لم يعرف أحد مكانه واتصل عليه والده ووالدته وحتى فرحة بيد انه لم يجب. كان الهاتف يرن إلى أخر نفس ثم يموت بلا جواب. رحمة لم يكن لها قدرة على المساعدة فقد كانت متعبة وبعد إن أخذت الدواء الذي أعطاه لها الطبيب نامت مباشرة. نهضت صباحا متعبة كما نهض الجميع. لبس معصوم عباءته واخذ عكازه الذي يستعمله فقط عندما يكون متعبا جدا وخرج ليبحث عن ابنه. انقبض قلبه وقلب مرجانة لغيابه وخافا إن يقوم بلحظة من الطيش بأذية نفسه رغم انه ليس طائش ولكن ما عرفه ليس قليلا وعدم قيامه بردة فعل دليل على انه كبت كل شيء في قلبه وهذا خطر جدا. قالت مرجانة تحدث ابنتها: "لو صرخ لو بكى لو كسر الأثاث لكان أفضل عندي من خروجه هكذا صامتا. إخراج العواطف يا ابنتي يقلل الحزن ويجعله شيئا فشيئا سرابا" ثم دخلت في نوبة بكاء مع ابنتها.

    ردحذف
  31. بعد إن انتهت نوبة البكاء سالت رحمة أمها: "ينتابني فضول لمعرفة القصة كاملة يا أمي" هزت مرجانة راسها وهمهمت: "عندما يأتي الغالي سأخبركم بكل شيء" ثم أشارت إلى ابنتها قائلة: "اذهبي إلى غرفة فرحة. المسكينة حصل لها كل هذا وهي عروس جديدة. تعيسة الحظ بهذا الأخ " ثم انهالت مرجانة تشتم مسعود بغل وعصبية وفي قلبها بئر من كره وازدراء تجاهه. وقطعت عليها سلسلة الشتائم ابنتها التي قالت: "سأخذ لها بعض الطعام فان الظهيرة ستحل وهي لم تأكل شيئا" ثم أخذت بعض الطعام وصعدت إلى الأعلى حيث غرفة فرحة. طرقت الباب. فتحت لها فرحة على استعجال معتقدة انه رزاق ثم عادت خيبة املها عندما رات أنها رحمة. أدخلت رحمة صينية الطعام وقالت لها: "طعام لك يا فرحة فانت لم تأكلي منذ البارحة" أجابتها فرحة بعيون دامعة وصوت متحشرج: "من له نفس ليأكل يا رحمة. لقد خرب علي هذا الخبر فرحتي" نظرت لها رحمة مستغربة وتساءلت: "لماذا يا فرح؟ انه نفس رزاق لم يتغير ذات الأنسان الذي تزوجته وكنت سعيدة معه طيلة الفترة السابقة" تنفست فرحة بصعوبة وغصة في حلقها تؤلمها. قالت لرحمة: "اذا انت لازلت تنظرين اليه على انه أخوك؟" هزت رحمة راسها إيجابا بثقة وقالت: "لم يتبدل شيء هو أخي وانا احبه كالسابق" لم تدر فرحة ما تقول فمشاعرها اختلطت هي تريد بالتأكيد الحديث مع زوجها كي تتأكد من نفسها ومن قراراتها. ---- في مكتب الوزير جلس سامر قبالة أخته يستمع إلى والده المضطرب وهو يلوح بيديه بشكل مبالغ فيه ويتطاير من فمه اللعاب هنا وهناك على الطاولة الخشبية المستطيلة. أخيرا ختم حسان: "الانتخابات هي طريقنا إلى الثروة. إذا كنتم تريدون البقاء في اللعبة يجب أن تساندوني في هذا" أجاب سامر وهو يحك راسه: "أبي أخبرتك أن جميع من وعدك بالمساندة سيوفون لان بيدي أسرارهم جميعا وسأفضحهم ان خذلوك. وبالنسبة للأموال فلا تهتم أيضا لأني جمعت لك الكثير من اجل حملتك الانتخابية" أعقبت وهد على كلام أخيها: "لقد تأكدت بنفسي يا أبي أن العشائر تساندك وسنقوم بحملة لتوزيع الهدايا على فقراء القرى كي نحصل على دعمهم. كعادة كل حملة انتخابية" تمعن فيها حسان طويلا وتمتم: "وعائلة المساعي؟ أنها عشيرة كبيرة لها في كل ركن قريب أو نسيب أنا أريد إن يكون شيخهم معنا" شعرت وهد بخيبة امل لما قاله والدها. بحسب تقديرها هو لا يحتاج إلى أن يبذل الكثير من المجهود من اجل دعم عائلة المساعي لان ما لديهم يكفي ولكنها تعذر حسان لأنه يريد إن يقضي على أي منافسة ومع هذا فهي تفكر أيضا إن هذه العائلة بالتأكيد تملك شيئا يريده حسان بقوة. قال له سامر وهو يرى خيبة الأمل على وجه أخته: "أبي! لقد كان راهي المساعي عنيدا جدا بهذا الخصوص فلماذا تعتقد أن ابنه سيكون لينا؟" نفث حسان بعضا من غضبه على شكل حفيف حار وقال: "لقد تصورت أن معصوم من سيخلف راهي. معصوم رجل ضعيف وكنت سأضغط عليه بسر ولده المتبنى" هز سامر راسه نادما وتمتم: "لقد كلفني معرفة ذلك السر الكثير من الوقت والمال وضاع هباء... حتى اني لم اتوصل الى اهله الحقيقيين بعد كل العناء" لم يعلق حسان على قول ابنه أي شيء وغير الموضوع قائلا: "لنقم بزيارة سريعة للشيخ مسعود ونتبادل معه الحديث" نظرا لوالدهما بينما أكمل وهو يفكر: "وهد اتصلي به! هو رجل وحيد الأن بعد موت والده وزواج أخته. صوت امرأة سيجعله أكثر تقبلا لما نحن بصدد طرحه عليه" تبسمت ابنته ابتسامتها الماكرة وهزت راسها إيجابا بعدها فض الاجتماع وغادر الأخوان مكتب والدهما الواسع. ذهب كل منهما إلى مكتبه. دخلت وهد إلى مكتبها الأنيق بأثاثه الأبيض وتحفه الفضية المذهبة. كان يشع نورا وهكذا هي أرادته أن يبهر من يدخله ويشوش ذهنه بسطوعه. أمسكت الهاتف واتصلت برقم مسعود الذي كان يجلس وحيدا يستعد لرحلته في الغد إلى العاصمة حيث اجتماعه الذي لا يعرف كيف سيكون بدون رزاق. أجابها مغيرا من نبرته المكتئبة إلى نبرة واثقة: "بالتأكيد سيكون الاجتماع عظيما" قالت وصوتها ينضح أنوثة: "إذا متى هو الموعد المناسب لك؟" أجاب وهو يحاول أن يوهمها أن لديه من الأعمال الكثير: "دعيني أتطلع على دفتر مواعيدي يا أنسة وهد" ثم تظاهر انه يقلب في دفتره بعدها عاد اليها قائلا: "الجمعة القادمة في أي ساعة ترغبون فانا متفرغ طوال اليوم" ضحكت بغنج وأكملت: "ممتاز سأخبر والدي إذا بالاتفاق وسنكلمك قبل الحضور، أتمنى لك يوما سعيدا" وأغلقت الهاتف ومنحت مكالمتها لعالم مسعود المغبر مسحة تنظيف وتعطير.

    ردحذف
  32. هو لم يتذكر ملامح وجهها جيدا لأنه وقت زيارتها مع والدها كان ينظر إلى الأرض على سبيل اللباقة لذا هو يتذكر جيدا ساقيها اللتين كانتا تلمعان وحذائها العالي ذو الرنة الواثقة. تساءل مع نفسه: "هل يوجد أنوثة أكثر من أنوثتها، يال صوتها الذي يذيب القلب" وتبسم فقد حانت فرصته الأن ليقوم بأعمال أكثر مع الوزير فمشروع العلوة لا يكفي. رجل مثله ينتظر أن تحين فرصته مذ كان صغيرا ينظر إلى كل تلك الفرص الذهبية التي تنساب كماء النهر من بين يدي والده رافضا اغتنامها. هو يتذكر جيدا حديث والده قبل عقد مع معصوم حول الانخراط بالسياسة. اتفق الاثنان أن لا يقوما بهذا الخطأ في وضع غير مستقر وان يبقيا بعيدا عن أتون الشر كما أسمياه. لا يهم سبب خوف رجل كوالده من امر يرفع شان العائلة ويعزز مكانتها بين الناس. سيكسب أموالا طائلة وحرس وسيهابه الجميع لأنه سيملك زمام أمورهم. سيكون بيده أن يساعدهم وسيوفر لهم كل الأمور التي تنقصهم. يجب عليه أن يستغل هذا الوزير ذي الباع الطويل بلعبة السياسية من اجل أن يدلف هو اليها. بظهر كحسان بالتأكيد سيدخل إلى معترك الحكومة مهابا وطريقه إلى العلا سيمسي معبّدا سلسا. في منزل معصوم الغائم كان الجميع يتساءل عن مكان رزاق. لم يسفر بحثهم السريع عنه باي نتيجة فقد اختفى. فرحة لازالت تحبس نفسها في غرفتها مشوشة التفكير ورحمة تدمر قلبها بسبب رجلا العائلة اللذان ما انفكا في خصام. فكرها انشغل بما انشغل به الكل في هذا المنزل وهو ما يشعر به رزاق بعد القنبلة التي فجرها مسعود. ثم فكرت بمسعود وقلبها يلين له. ابن عمها الذي ضاع في أحلامه وتصرفاته التي تصيبه في مقتل. هو الأن وحيد وعلاقته بالعائلة قد باتت في أسوء حالاتها. خرجت من تفكيرها على صوت نواح مرجانة مفطورة القلب. كان معصوم يواسيها ويهدأها بكلامه العاقل ولكن أي عقل يستعمل مع أم غاب عنها ابنها. ثم سمعتها تشهق على صوت الباب يفتح بغضب ويغلق بعصبية. وعطر رزاق قد سبقه إلى المنزل.

    ردحذف
  33. الفصل السابع
    صاحت مرجانة باسمه فتجمع الجميع بين يديها بينما وقف ابنها في حال مزر وكأنه دخل إلى إعصار غير مكان كل شيء في عقله. وجهه بدا كوجه شبح بكل الغبار والدموع التي ذرفها في المكان الذي اختبأ فيه عن العيون. كان أكثر اسمرارا واقل حياة فعمره أصبح بسبب التفكير ضعفا في هذه اللحظة. وحدته في تلك الفترة الصغيرة ووسواسه الذي كان يرد عليه تساؤلاته المحبطة جعل كل حياته السابقة كقلعة رملية وسحقها مسعود بقدميه. طوال السنوات الفائتة لام نفسه على كره عمه وكره مسعود وعندما تزوج فرحة زال تقريبا كل شعور بالحقد على معاملة والدها الدونية له ومعاملة أخيها المنافسة لكل ما يقوم به. كل ما بقي عدم ارتياح لمسعود وعدم رضا لسرقة ما كان يجب أن يكون له. والان بعد أن اكتشف حقيقته هو حاقد على كل شيء. حتى على نفسه هو حاقد! لم يعرف أحد ما تقوله عينه الحزينة. كان مطأطأ الراس بسبب ماضيه. هو ابن أنجبه رحم الأزبال وقمطته أكياس النفايات بقماط اسود يليق تماما بروح من رماه. شعوره بالخزي والحرد منعاه من النظر في عيون عائلته. قال بصوت ممتعض: "أتيت لأخذ ملابسي وأغادر" انكبت عليه مرجانة تحتضنه وتبكي. صرخت فيه راجيه إياه أن يعدل عن قراره بيد انه كان قد حسم أمره. دفعها برفق فلم يرد أن يؤذيها ولو قليلا بعصبيته المدفونة. سار إلى غرفته في الأعلى فصاحت مرجانة: "ألا تريد أن تعرف الحكاية على الأقل قبل أن تتخذ أي قرار" توقف على أول سلمة قدم على الأرض والأخرى قد بدأت الصعود. اغلق عينيه وغلبه ضعفه وحيرته. استدار ووجهه غارق في بكائه وتمتم بصوت مبحوح: "أخبريني الحكاية قوليها للكل ثم دعيني احمل أوزارا ما أجرمتها وآلاما لا أقدر على احتمالها ثم أغادر معتكفا اخبأ وجهي بعيدا عن أي عز أو كرامه فقد ضاعت الكرامة هناك في بيت مسعود عندما أراني حقيقتي وما أكون" واستنشق قليلا من الهواء ليكمل بسرعة: "الحقيقة التي أخفيتموها عني" نحبت مرجانة بينما تمسكها رحمة الباكية. قالت له امه: "اسمع ما في جعبتي يا رزاق، الم أم لم يشعر بها أحد، كبر معها شرخ قدر لها سلفا وقد يكون له أسباب أجهلها. اسمع من صوتي الهرم تدفقات السنين وعجزي عن تبديل حقائقها أو حتى منعها من الظهور" جلست على أريكة خشبيه وعدلت شيلتها السوداء ونظرت له باستسلام وكمد كما نظرت لكل الموجودين في الغرفة حتى توقفت عينها على زوجها محني الظهر بلل لحيته بعطر دموعه. قالت: "تزوجت والدك في عمر صغير. كان عمري أربعة عشر لم يكن عندي ما يميز أنوثتي غير شعري الطويل وعقد زواجي. سعادتي بالزواج من ابن سيد عشيرتنا لا سعادة غلبتها سوى سعادة حملي. صغر سني وعدم استعدادي للحمل افقداني الجنين ثم جنين بعد جنين حتى فقدت عدة بطون وحذرتني الطبيبة من الحمل قبل أن يستعيد جسدي قوته. كيف أقاوم نظرات النساء إلي وهن يطلبن مني وليا للعهد وكيف أقاوم شوقي لطفل بابتسامته انسى هم يومي وبتقبيله املك دنيا من السعادة والأمل. كان عمري يكبر وانا بلا طفل وبدات جدتك تبحث عن عروس جديدة لابنها بينما أنا أُقمع في سكون والم بين جسدي الذي اذبله الم الحمل والإجهاض والمواليد الميتين وبين وسواسي بضرة ستسرق مني زوجي. كل هذا وانا في شوق لطفل يعيد الفرحة لقلبي المفطور. قررت أن أجازف بحمل جديد ودعوت ثم دعوت ليلي ونهاري أن يرزقني ربي بطفل يعوضني عن كل همي ويكون لوالده عونا وذخرا. وكان الحمل كسابقه وسابقه جسدي ضعيف ومنهك لم ينل قسطه من التعافي وكابرت على كل المي حتى موعد الولادة ولكن حصل ما يحصل دائما. أخبرتني الداية أن الولادة متعسرة ويجب أن انقل إلى يدي الأطباء وهكذا حصل. نقلني أبوك وعمك حينها إلى المستوصف الوحيد في القرية وبين المي وخوفي فقدت الطفل من جديد. كنت لوحدي انحب وقد جننت وفي لحظة من الجزع أمسكت مشرطا وطعنت نفسي به" نظرت لعين معصوم المذهولة فهو لم يعلم أبدا بانها قد أقدمت على ذلك في الحقيقة وهي التي لطالما هددته أن اخذ منها رزاق ستقتل نفسها. لم يأخذ ذلك التهديد على محمل الجد رغم انه لم يجازف بأخذ ابنها منها يوما. أكملت فور أن أخذت نفسا عميقا: "كانت الممرضة معي في الغرفة ورات فعلتي فخافت خوفا عظيما وعلمت إنني سأقتل نفسي عاجلا أم أجلا فقد لبسني شيطان من الجن وقتها. قالت لي وهي تلاعب عقلي إنها ستعطيني طفلي بشرط أن اهدأ وادعها تطبب لي جرحي الذي لم يكن عميقا ثم أحضرتك إلي" واختنقت بعبرة طويلة الشجن.

    ردحذف
  34. طلبت مني إرضاعك فقد كنت جائعا واستسلمت أنا لعاطفتي وكلماتها وبعد أن أرضعتك القليل من اللبأ لم تتركني. لقد أمسكت بي بيديك الصغيرتين وتطلعت بوجهي بعينيك الحانيتين فما كان مني إلا أن احتضنك ليرتاح فؤادي. دخل علي معصوم وقتها ولم أخبره بشيء بل أعطيتك له وقد سعد بك كما لم يسعد من قبل. ضج فرحا ولم أرد أن أبدل فرحته يأسا فسكتت ولم أخبره إلا بعد أيام" ثم نظرت مرة أخرى إلى زوجها المنهك وقالت: "بين حبه الأبوي وبين عمل الصحيح في الحياة كان مثلي ممزق لكن عمك راهي ..." وتطلعت إلى فرحة الجالسة في ركن من أركان الغرفة تمسك راسها بين كفيها وتبكي ثم استرسلت: "علم بأمرك عمك راهي فأصر على إعادتك إلى اهلك. وبحثنا عنهم دون فائدة فقد اختفت الممرضة واختفى معها أي أثر للماضي وقلت الحمد لله فالان انت لي وحدي ولكن يبدو أن راهي قرر أن كرهه لك في الحياة وعدم تقبلك كواحد منا يجب أن ينتقل إلى ابنه المسعور. باح بالسر ثم مات " انهار رزاق على الأرض وجلس على الدرج مغلقا عينيه حزين غاضب اجتاحته مشاعر كثيرة ومجنونة فمن يسمع بهذا الحديث ويبقى عاقلا. حنق على بيت المساعي وحنق على الممرضة وشعر برغبة في قتل عائلته الأصلية إذا ما ثقفها في أي حين. صك على أسنانه وصعد إلى الغرفة بدون أن يتفوه باي شيء فقط نظر للجميع نظره ضائعة بين مشاعر تائهة. تبعته فرحة بينما صاحت عليه مرجانة ليعود. دخلت فرحة خلفه الغرفة وقد كان كالإعصار يفتح الأدراج والدواليب ويجمع أمتعته كالمجنون. صاحت وهي تبكي: "هل ستتركني؟ خذني معك أرجوك يا رزاق خذني معك" ثم أمسكت به محاولة منعه من الحركة. ابتعد عنها فعادت إلى عرقلته وزادت من غضبه. صرخ فيها: "اتركيني واذهبي إلى أخيك لا حاجة لي بك ولا حاجة لك برجل مثلي" صعدت العائلة إلى الأعلى فشاهدوا فرحة تصرخ فيه: "إذا الأن ستتركني معلقة وتهرب من الجميع؟ لم اعهدك ضعيفا على الأقل ليكن لك بعض التعاطف مع أمك التي ربتك طيلة السنوات الغابرة" ترك ما بيده واحمرت عيناه من الغضب وكان يريد أن ينفس عن غضبه المكتوم فامسك زندها بقوة وصرخ في وجهها: "انت طالق! عودي لمسعود وأخبريه أن اللقيط طلقك وهو لا يريدك " اعتلت وجه فرحة صفرة مما سمعت وصرخت والدته به: "كلا يا ولدي لا تضيع كل شيء في لحظة طيش" أمعن النظر في فرحة كأنه ينتقم بها من الجميع وبالذات مسعود. لمحت في عينيه جمودا. لم تر رزاق الحاني العطوف، لقد اختفى وحل محلة وحشا مجروحا مجنونا. نفضت يديها فتركها ثم قالت له: "سأعود لأخي رافعة راسي فانا ابنة الشيخ راهي المساعي كنت قبل أن أتزوجك وسأبقى أما انت يا رزاق فقد كان مسعود محق بشأنك انت لست سوى لقيط" وصفعها بكل ما أوتي من قوة وقهر وحزن.

    ردحذف
  35. لطم وجهها بكفه ومن شدة الضربة ارتطم راسها بالحائط ورض. لم تفقد الوعي لكنها وقعت بقسوة وترنحت منها الكلمات. صاحت متأوهة وهي تبكي ممسكة براسها والدماء تسيل منه فهرعت اليها رحمة بينما صرخ الشيخ معصوم بابنه: "كيف تجرأ على رفع يدك على امرأة؟ أين المعاني السامية التي علمناك إياها؟ أن لم تكن من لحمنا ودمنا هذا لا يعني أن تصبح اخرقا عديم الخلق والمروءة" وتحول إلى فرحة التي رفعتها مرجانة ورحمة عن الأرض يساعدهما بينما خرج رزاق من المنزل حاملا معه حقيبة ملابسه لا ينظر خلفه وقلبه مشبع بالحزن. أراحت رحمة ابنة عمها على السرير وضمدت لها جرحها بينما أحضرت لها مرجانة كوبا من العصير. خاب امل معصوم بابنه بعد ما فعل وتأكد أن رزاق قد تغير كثيرا بعد ما علمه من امر ماضيه. استفاقت فرحة من دوارها وأصرت على العودة إلى بيت والدها ولم تنفع توسلات رحمة ولا نصيحة عمها في تغيير قرارها. تفاجأ مسعود بأخته مفجوجة الراس تسير بتعثر وقد احضرها معصوم على مضض بالسيارة إلى منزل والدها. هرع اليها يسألها عما جرى فقصت له القصة باقتضاب ولام عمه على كل الفوضى التي حصلت. ذهبت إلى غرفتها بينما أكد العم لمسعود أن رحمة ستقوم بعيادتها كي تطمئن عليها بشكل دوري فلم يعره مسعود اهتمام ولم يبد أي شكر لما أخبره به عمه. زادت الهوة بين العائلتين الأن وأصبح بينهما الكثير من الأخطاء ليتم مسامحتها. عاد معصوم مهموما فعائلته تنهار أمامه ويبدو انه لا قوة بيده كي يعيد لصق أجزاءها المتمزقة ببعضها. بعد أن واسى مسعود أخته قليلا أخبرها بسفره إلى العاصمة من اجل الاجتماع واكد لها انه سيعود في نفس اليوم. لم يرد أن يترك أخته الصغيرة لوحدها في ظروف كهذه لذا طلب منها أن تكلم رحمة حتى تأتي وتبقى معها بدل البقاء في المنزل الموحش المظلم تفكر بما ألت اليه ظروف حياتها. كان اجتماعه بالمستثمرين في علوته ليس جيدا ولم يستمر لوقت طويل حيث انفض بعد ساعة بوجوه لم تسر بما قدم لهم الشيخ الصغير من معلومات. وبدل أن يكون شاكرا لرزاق على عمله الذي أوصل العلوة إلى ما أضحت عليه بدون حتى أن يتعبه بتفاصيل العمل حنق عليه وجعله سبب فشل هذا الاجتماع. عاد إلى القرية بعد أن وكّل شخصا لينوب مكان رزاق في العمل. كانت أخته برفقة رحمة تتحدثان وقد زال عنها بعضا من أثار الليلة الماضية وكآبتها وذكرته جلستها مع رحمة بوالده عندما كان يتسامر مع ابنة أخيه فيزول همه وتتعالى ضحكاته. اقترب منهما فدعته رحمة إلى فنجان قهوة فجلس. نظر إلى ابنة عمه مستطلعا ليرى أن تحسنت صحتها بعد تلك الليلة الجوفاء التي انتهت بمصيبة. سألها: "كيف أصبح حالك؟ هل زالت عنك أثار التعب؟" هزت راسها وهي تصب بعض القهوة من الدلة ثم نظرت اليه فأخفى اهتمامه وبادرها القول: "لا تأتي كل يوم إلى هنا إذا لم تستطيعي" قالت له متعجبة: "ولماذا لا أستطيع؟ انت ابن عمي وانا اسعد بالعناية بمنزلك. كما أن فرحة زوج...."

    ردحذف
  36. وتوقفت عن الحديث وتداركت: "ابنة عمي وهي بحاجتي" لم يتوقع جوابا أخر منها فهي دائما ستبقى هي نفس الإنسانة الحانية لا يضرها قسوة تواجهها ولا تغيرها طباعه المشاكسة. تبسم لها وفي عينيه شع بريق الحنان. قال لها: "ذكرتني بوالدتي رحمها الله" ثم تركهما بعد أن ارتشف فنجانه رشفة سريعة. لا يدر لماذا هو يحن لوالدته هذه الأيام أكثر من السابق. قد تكون وحدته ما يقوده إلى الشوق لحنوها عليه. أو قد تكون رحمة التي بتصرفاتها تذكره بأمه وطيبتها. دخل غرفته واقترب من النافذة يطالع البستان الذي تملكه عائلته. كبير وقد كان أكبر في عهد جده بيد انه بدا بالنقصان مؤخرا وزاد نقصانه رويدا. الأن بقايا البستان الشاسع الذي كان عامر بالخيرات لازالت تسد جزءا كبيرا من الرواتب وتوفر عيشة رغيدة للعائلة ولكن استمرار التصحر ونقص الماء وعدم الحصول على أموال إضافية لمعالجة المشاكل التي يعاني منها المكان ستؤدي بالتأكيد إلى تحويل البستان إلى حديقة صغيرة لن تسد حتى حاجة عائلته من المزروعات. فرك عينيه بأطراف أصابعه ثم سحب شعره إلى الوراء غاضبا من عدم قدرته على القيام بشيء لتحسين الوضع. لام عمه الذي لا يساعده البتة وينتقد دائما محاولاته لتعديل الأمور. ثم مشكلة رزاق التي افتعلها الأن بسبب غضبه لم يك لها من داع. تحمل رزاق الكثير من العمل ولم يأخذ مرتبا بل كان يرضى بمدخول العائلة الشهري بدون أن يطالب بمدخول خاص له جراء تعبه. الأن على مسعود أن يجد من هو بكفاءة رزاق ليحل محله في كل الأعمال التي كان يقوم بها ويجب أن يدفع له مرتب ضخم. ضرب يده اليمنى باليسرى وهو يعض على شفتيه كمدا. كل شيء يجري بشكل سيء بالنسبة له. طرقت عليه رحمة الباب تسأله أن كان يريد بعض الطعام فأجابها بدون حتى أن ينظر لها بانه غير جائع. تركته وذهبت للجلوس مع فرحة حتى تلقت اتصالا من والدتها التي كانت تطلب منها أن تعود إلى المنزل قبل حلول الظلام. بقيت فرحة لوحدها بعد مغادرة رحمة واجتاحتها الأفكار الحزينة. عروس هجرت بعد أيام من زواجها وها هي الأن تقضي أيامها كصحراء جرداء براس مجروح وزوج هارب من عالمه. لقد باعها بكل سهولة وهرب مخيبا أمالها به

    ردحذف
  37. لم تتوقع أبدا أن يكون جبانا لهذه الدرجة. هذا كان كل ما تفكر به. جرجرت نفسها إلى غرفتها حيث تمددت على السرير تنظر إلى السقف وتبكي. لماذا تدمر عالمها الوردي وكيف؟ هل سيعود رزاق اليها يوما وهل ستسامحه يا ترى على قساوته معها وهي التي لم تقترف ذنبا بحقه؟ وقت العشاء جلست مع مسعود حيث كان الاثنان لا رغبه لهما بالأكل. يتطلع كل في صحنه كأنه يقرا الطالع وما تخبئه له الأيام في ذلك الصحن. سأل مسعود أخته: "لا أراك لمست شيئا من طعامك؟" أجابته حزينة: "لقد أتخمت بالحزن يا أخي فلا أجد نفسي قادرة على أن أضع لقمة في فمي" سألها: "ولكنك كنت بحال افضل قبل قليل " أجابته وهو تخوط في وعاء الشوربة: "مجالسة رحمة تشعرني بالسكينة. لدينا الكثير من الذكريات الجميلة سويا واشم رائحة كل من أحب فيها" تطلع طويلا في فرحة وقد تكلمت بما يجول بخاطره. تمنى لو أن رحمة تبقى معهم لبضعة أيام عسى أن تتغير أحوال المنزل الحزينة بوجودها. قال لفرحة: "اطلبي منها أن تبيت معك لبضعة ليال فقد يخفف ذلك عنك همك" أجابته: "لقد طلبت ورفضت بلطف، قالت لي إنك لا تستسيغ وجودها في المنزل كثيرا لذا هي فقط ستزورنا يوميا لتطمئن على أحوال البيت وستعود لمنزل عمي، اخبرتها إني الأن سأقوم على رعايتك فلا حاجة لها بالعمل مكان الدادة فلم تجبني فقط تبسمت" فكر قليلا فيما قالته أخته. من قال انه لا يستسيغها؟ هو فقط يظهر امتنانه لها بشكل خاطئ! نهض من مقعده قائلا: "سأكلمها غدا علها تقتنع بالبقاء معك وتسليتك" تبسمت بصعوبة فبادلها الابتسام قالت له: "كنت أتمنى لو لم يحصل ما حصل مع رزاق. أنا افتقده حقا يا أخي" عقف حاجبيه وقال بعصبية مفرطة: "ستنسيه وسأزوجك زينة الشباب. لا تحزني يا فرحة فلم يستأهلك أبدا" ثم سكت وأكمل محملا نفسه ذنب ما حصل: "لم يكن علي تزويجك به. إنها غلطتي أنا" وزاد ليشحنها ضد زوجها اكثر: "ما فعله بك لا يستحق الغفران انه رجل بلا مبادئ وعنيف. عنيف جدا. يفقد أعصابه بسرعة وليس حريا باي امرأة الوثوق به. لقد حسبت أن تربية عمي قد أثرت به ولكن... " وامسك جرح راسها الذي خيطته لها رحمة وضمدته بإحكام وتمتم: "حتى لو جاء حافي القدمين يبكي دما لن أعيدك له. لقد اثبت بضربك انه لا يستحقك" وبكت فرحة وقالت بترح: "انت على حق يا أخي. لن أعود له فمن يتركني مرة سيتركني دائما، لن أعود" ثم لملمت نفسها وهربت إلى غرفتها لتذرف ما طاب لها من الدمع على حبيبها الذي تأبى كرامتها مسامحته وتأبى أحزانه العودة اليها. في فندق وضيع مرصع بأضوية حمراء وخضراء وصفراء دلف رزاق ينظر بريبة إلى حيطان المكان والصور المعلقة فيه. مدفوعا برغبته في البحث عن أثار لوالدته في الماخور الوحيد الذي وجده في بحثه قرر دخوله واشباع فضوله. قد يتمكن من إيجاد والدته اذا ما بحث عنها في هذا المكان فساكناته هن افضل المرشحات ليتركن اطفالهن في مهملات الطريق. ابتلع ريقه وهو يرى رجلا ببطن كبطيخة عملاقة وراس أملس لا شعر فيه يتقدم نحوه وابتسامة مقززة تعلو شفتيه الزرقاوين من كثرة التدخين. سال رزاق بعد أن رحب به ترحيبا حارا: "ما هي مواصفات العروس التي تريدها" تساءل رزاق: "عروس؟!" قهقه الرجل كاشفا عن أسنان مسوس بعضها ومخلوع البعض الآخر. فسر لرزاق: "هذا ما نسمي به فتياتنا يا سيدي!" وغمز له بينما هز رزاق راسه وفكر قليلا ثم أجاب: "أريدها ..." ثم فكر وهو يمسح وجهه بعصبية! هذه الفكرة البليدة التي ينفذها الأن لن تأخذه إلى أي مكان. اكمل: "عمرها كبير!" هز الرجل راسه كأنه اختار اسما من الدفتر الذي يقرأه ثم قاد رزاق إلى غرفة بباب خشبي اخضر حيث ادخله وطلب منه الانتظار ريثما تأتي الفتاة.

    ردحذف
  38. خرج الرجل وما هي إلا ثواني حتى جاءت فتاة بغاية الجمال واللطافة. ليست بالكبر الذي كان في بال رزاق قدَر عمرها بنهاية العشرين وجلست بجانبه متصنعة الابتسام بوجهها الملئ بمساحيق التجميل. بادرها رزاق وهو يتمعن فيها مضطربا: "لا تتصنعي الابتسام فلست هنا من اجل ابتسامتك" زالت ابتسامتها فورا وقالت له: "هذا اسهل بكثير فقد تعب فمي وانا أحاول أن أكون لطيفة" ارادت أن تزيل ثوبها الكاشف فمنعها قائلا: "لا تتعري فما اراه منك يثير اشمئزازي بالفعل ولا أريد اكثر" بادرته بنظرة متسائلة ثم قالت: "لماذا انت هنا اذا" قال مشفقا وغاضبا: "أن اخبرتني لماذا انت هنا اخبرك لماذا أنا هنا" تغيرت معالم وجهها وعقفت حاجبيها ولم تجب بل همت بالخروج فاستوقفها قائلا: "انتظري! أنا ابحث عن شخص! امرأة قد تكون في عقدها الخامس أو السادس!" ضحكت الفتاة ملئ فيها وهي تنظر إلى رزاق كانه يمزح بسؤاله. وبعد أن أكملت ضحكتها سالته: "هل انت تمزح؟ اتبحث عن قريبتك هنا؟" اطرق بعينيه إلى الأرض فخمنت: "العقد الخامس أو السادس؟؟؟ امك مثلا؟" قال لها متجاهلا نبرتها الساخرة: "اسمعي أنا فقط أريد أن اعرف أن كنت تعرفين واحدة بهذا العمر أو صادفتها في مكان ما من زوايا هذه المهنة قد تكون تخلت عن ابنها...." وابتلع ريقه وهو يلوم نفسه على عدم الاسهاب في التفكير قبل أن يقدم على هذه الخطوة. هزت الفتاة راسها قائلة: "في هذه المهنة تطرد المرأة في سن الأربعين حيث تنتهي صلاحيتها للعمل هنا. قد تجد امك الأن في قبر ما أو قد تكون متسولة في شارع من الشوارع هذا أن كانت على قيد الحياة, نصيحة مني إنساها وعش حياتك فنساء مثلنا حكم عليهن القدر بالعذاب الدنيوي والاخروي, لدينا الكثير من الذنوب لنكفر عنها" ثم أكملت : " وابتعاد امك عنك هو جزء يسير من عذابها الدنيوي" شعر بخيبة امل فما قالته الفتاة لا يسهل عليه مهمته. شعر بصداع رهيب يجتاح راسه فكيف عساه سيعرف من هي امه. من اين يبدأ رحلته في البحث عنها. هو فقط يريد أن يسالها عن سبب انجابها له ثم رميه في الازبال. لما لم تجهضه حين حملها به. الم يكن اسهل عليها. سالته الفتاة: "لا تعتقد أن كل امراة تعمل في مجالنا سيئة فالمظاهر خداعة قد يعجبك مظهر رجل ثم تكتشف انه حقيقة من رواد هذا المكان جاء بارادته ليخون زوجته وقد تمقت فتاة لمجرد انتمائها إلى هذا المكان بينما هي في الحقيقة مجبرة على دخوله ولا حيلة لها سوى الإذعان لرجل يملك قيدها.

    ردحذف
  39. قد تكون والدتك أجبرت على عمل السوء وندمت عليه. وقد لا تكون في الحقيقة من هذه المهنة. اترك الأمر يذهب وانساه لان الواضح انها نسيته ففي النهاية لا شيء عقلاني بالنبش في هذا الماضي " تمعن فيها ثم اخرج بعض المال واعطاه إياها ثم قال لها ناصحا: "اتركي هذا العمل فبدايته فسق ووسطه مهانة ونهايته جحيم" ثم فكر قليلا واكمل: "هذا رقم هاتفي. اذا اردت ترك هذه المهنة واجبرك احدهم على الاستمرار كلميني وساكسر راسه. واذا اردت المال كلميني أيضا. قد اوفر لك بعضا منه كي تبدئي حياتك بشرف" ثم تركها متعجبة من موقفه الغريب الذي لم يحصل لاي من ساكنات الماخور قبلا وخرج على غير هدى يسير في شوارع المدينة الباردة لا يدر ما عساه يفعل. اكثر ما يشغل باله هو فرحة التي طلقها و تجرأ على لطمها وهو الذي ثار لاجل اعتقاده أن اخته قد تاذت من مسعود. كيف استطاع أن يفقد اعصابه بهذا الشكل. كيف استطاع أن يفعل ما لم يفعله أي فرد من أفراد عائلته قبله. ضرب المرأة في اعتقاده شبيه باغتصابها ويجب أن يكون عقابه عسيرا. ثم توقف عند النهر ووقف ليطالع منظره وانعكاسات الاضوية على تموجات ماءه العذب. تساءل في صمت الليل وبرودة نسماته: "ما الذي افعله بنفسي" لم يجد جوابا يريح باله. جرفه الماء بين طيات رقصته المثيرة وتلاعب به حفيف الأشجار كموسيقى مهدئة يثير في النفس نعاسا وقد كان بحاجته. طوى سترته الثقيلة على جسده واحتضنها بين ذراعيه بعد أن رفع ياقتها لتغطي رقبته وبعضا من اذنه. اغلق عينيه وهو جالس على مقعد خشبي أمام الماء وكور ركبته إلى صدره ثم ترك نفسه تقوده إلى ما تريد. أغمض عينيه وغفا. كان يشعر بكل ما حوله رغم نومه وقد زاد ذلك الشعور من راحته في ذلك الوقت كأنه نائم وصاحي بذات الوقت. حلم بالكثير. كأن عقله يساعده على إزاحة بعضا من أحماله ليستعد لأحمال جديدة. استيقظ بعد فترة ونظر إلى ساعته وقد نام لساعتين. كان الجو أبرد بكثير والشوارع فارغة تماما من أي حياة. قرر العودة إلى الفندق البالي الذي يسكنه مؤقتا كي لا يمرض. سار بخطوات ناعسة وهو يحاول قدر الإمكان أن يسيطر على عينيه ويمنعهما من الانغلاق. مر من أمام الماخور الذي زاره للتو فسمع صوت عراك بين رجل و امرأة. كانت العجوز تصيح باعلى صوتها شاتمة لاعنة بينما يدفعها الرجل الاصلع ذو الكرش البطيخي للخارج مهددا إياها اذا لم تبتعد فسيقتلها. وقف رزاق يطالع من بعيد المراءة المسكينة تدفع وترمى خارج المنزل المزركش وهي تبكي فاندفع اليها وهو يفرك عينيه محاولا أن يركز انتباهه مع المشهد الذي أمامه. امسك بالمرأة يساعدها على النهوض بينما دخل الرجل الأصلع واغلق الباب.

    ردحذف
  40. الفصل الثامن
    نهضت العجوز بتثاقل وهي تبكي وتدعي على صاحب الماخور بالموت حرقا ثم استدارت بعدها إلى رزاق وشكرته على مساعدتها. سارت لوحدها باتجاه عتمة أحد الأركان القريبة من بناية الماخور ثم أحضرت كيسا مهترئا أسودا قذر متخم بالكثير من الحاجيات. سألها رزاق: "هل لديك منزل تذهبين اليه يا خالة؟" أجابته بصوتها الكهل المرهق: "الشارع هو بيتي يا بني. أحط رحالي أينما أريد متى ما أريد" ثم سارت تجرجر نفسها وعباءتها الطويلة الممزقة تجمع خلفها أوساخ الشارع وورقات العلكة. سحلت بصوت حزين وهي تردد أغنية بالحان حزينة مؤثرة:
    "يبنتي وين رحتي وتركتيني تذوب حشاي ببعادج هملتيني أنا والدمع صرنة أصحاب وانتي ما ذكرتيني يبنتي انت الحنينة وموش من نوع التغدريني اويلي يالدمع ما تخلص وخلصت عليك سنيني"
    كان مجرد سماع العجوز تنطق بتلك الكلمات يقطع قلب رزاق فركض باتجاهها وسألها: "هل تبحثين عن أحد يا خالة" نظرت اليه بعيون غائرة ووجه غابت ملامحه من كثرة التجاعيد والألم وتمتمت بصوت خافت: "بلقيس! ابنتي، لقد خرجت من المنزل ولم تعد اختفت لا أدرى أين. كانت تعمل في هذا الفندق" سألها رزاق مترددا: "بائعة هوى؟" أجابت العجوز: "اخرس! ابنتي كانت أشرف من الشرف! كانت تعمل هنا منظفة، استمرت بالعمل هنا لسنوات طوال حتى اختفت ولا أحد يعرف عنها شيئا" مسحت دمعها بكفة ردائها وأخرجت صورة من جيب ثوبها الأسود المغبر وارتها لرزاق. كانت لابنتها بلقيس. وقالت: "هذه بلقيس! هل رايتها في أي مكان؟" هز رزاق راسه بالنفي فأكملت: "أتي إلى هذا المكان صباحا ومساء وليلا ابحث عنها علها عادت من غيبتها ولكن هذا الخنزير يطردني ويرميني في الشارع، أنا على أعتاب الموت فمتي ساراك يا بلقيس" شعر رزاق بالاسى على العجوز. كان متأكدا أن بلقيس تلك قد أوهمت عائلتها بان عملها لا يتجاوز التنظيف بيد أنها في الحقيقة كانت شيئا أخر. سال العجوز: "هل ستبقين تسيرين هكذا في الشارع في هذا البرد؟" هزت راسها إيجابا وقالت: "عشر سنين وانا في الشارع، انه المكان الوحيد الذي يحتضني في أي وقت بدون أن يطردني، انه المكان الوحيد الذي ابحث فيه عن بلقيس" وتركته ينظر اليها بينما توقف هو عن المسير وسارت هي في خط مستقيم تعرف وجهتها التالية. تساءل مع نفسه إلى أي حد ممكن أن تصل أم في بحثها عن أطفالها بينما امه رمته في الشارع بدون حتى أن يرق قلبها عليه أو أن تسال عن أحواله.

    ردحذف
  41. إما الموت أو أن يعمل لصالح جماعات التسول والمجرمين. ثم فكر في مرجانة. كيف هو حالها بعد أن تركها مكسورة القلب؟ هل تبحث عنه الأن كما تفعل هذه العجوز أم أنها استسلمت إلى حقيقة انه غادر وستنساه في غضون أيام؟ عاد إلى غرفته في الفندق البارد وتدثر جيدا ونام. رؤيته لتلك العجوز المسكينة جعلته متعبا جدا ونام حتى ساعة متأخرة من الصباح. فتح هاتفه المغلق كي يتصل بأخته ويسالها عن مرجانة فانهالت عليه الرسائل النصية التي وصلت إلى هاتفه حال اشتغاله. كل الرسائل من أخته ووالده تحمل الكثير من كلمات القلق والخوف عليه وتنقل مشاعر مرجانة الحزينة لغيابه. تذكر أغنية العجوز الحزينة على فراق ابنتها. هل تغني مرجانة عليه نفس الأغنية أم أن شعورها مختلف لأنه ليس من لحمها ودمها؟ اتصل برحمة التي رفعت هاتفها فور أن رات اسمه. طلب منها ألا تتحدث أمام والديها فطمأنته أنها في طريقها إلى بيت عمها ولا أحد معها.قال لها: "لازلت تذهبين الى هناك؟ لازلت تخدمين ذلك المتعجرف؟" اجابته بلطافة: "في الجيد والسئ.. انها العائلة!" ثم تمتمت بحزن: "عائلتك يا اخي!" لم يعلق على ماقالته وتجاهله كليا فهو لايدري ان كان ينتمي لهذه العائلة ام ان انتمائه لهم انتهى. سالها بتردد: "كيف هي امي؟" نقلت له اخبار مرجانة ثم تكلمت عن كل فرد في العائلة في غيابه وكم الحزن الذي سكن قلوبهم واللوعة التي تعتري مشاعرهم. شعر بالحنين لهم.. بعد كل ما سمعه من اخته.. شعر بالاشتياق لحياته القديمة وخوف من ان لا يتمكن من استعادتها! ثم أخبرها هو عن حاله طالبا منها أن تطمئن مرجانة انه بخير وهو سيستعيد توازن مشاعره شيئا فشيئا ولكنه سيبقى بعيدا حتى يقرر ما عساه يفعل بحياته. اغلق الهاتف بعد أن علم منها أحوال زوجته التي يفتقدها كثيرا. شعر بشوق وقلق فقد كان يعلم جيدا أنها قد لا تسامحه على ما فعل بها مع امل أن ما مر به ممكن أن يشفع له يوما. وصلت رحمة إلى منزل عمها وقد كانت فرحة بانتظارها فأخبرتها على الفور: "أخي مشغول ولديه زوار هذا اليوم. يبدو أن عائلة الوزير ستزورنا" عقفت رحمة حاجبيها متسائلة: "أي وزير؟" أجابت فرحة: "ألا تذكرين الوزير الذي اسمه حسان المطبك وابنته وابنه" رفعت رحمة حاجبيها قائلة: "آها، تذكرتهم. ابنته بالذات أتذكرها لأنها جلست معنا، لماذا سيزورونكم؟" قالت فرحة متفائلة: "يقول مسعود أن الوزير سيساعده على الدخول في مشروع مربح جدا وأمورنا ستصبح أفضل بعدها" قالت رحمة مهمهمة: "ما هذا الوزير الذي لا عمل لديه سوانا" كانت رحمة تعرف جيدا ابن عمها وطموحه العالي كما سمعت كثيرا من والدها عن حسان المطبك ومكره. تبعت فرحة الى المطبخ لتساعدها في التحضيرات فمنعتها فرحة قائلة: "كلا لا تتعبي نفسك فقد طلب أخي كل شيء من مطعم خاص" وعلى ذكر مسعود فقد عاد من المزرعة بعد رحلة تفقدية ليجد رحمة وفرحة تتحدثان وقد كان في مزاج جيد فابتدأ الحديث مع ابنة عمه: "رحمة! أراك حضرت! في الحقيقة أردت الحديث معك في موضوع مهم جدا" نظرت له فرحة وفي عينيها تفاؤل بينما اعتذرت لتتركهما يتحدثان وذهبت إلى غرفتها لتبدل ملابسها. قال مسعود لرحمة وهو يتطلع اليها بعيونه الملونة بالرجاء: "لقد أخبرتني فرحة بمدى تعاستها لوحدتها التي تعيشها بالذات وان الكثير من الأحزان قد باغتت حياتها" رمقته رحمة بنظرة أسى على فرحة المسكينة فأكمل: "هي بحاجة إلى الصحبة يا رحمة ومن أفضل منك في مصاحبتها فانت صديقتها الوحيدة وبمثابة أختها الأكبر" كأنها استنتجت ما سيقوله فبدأت أثار الرفض تبدو واضحة المعالم على محياها. استرسل مسعود وهو يرى تلك الأثار وفي نيته تغييرها: "انت وحدك ستعيدين البسمة إلى هذا المنزل. لأختي و...." وتعثرت الكلمات من فمه ورق وجهه وارتعشت ملامحه. كان خائفا من أن يقول لها انه وبلا وعي يريدها أن تبقى أكثر مما تريد أخته. تواجدها في هذا المنزل حاجة وضرورة لإعادة التوازن اليه. أنها الراحة التي يريد هو أن يشعر بها تواجدها ينشر أمانا عجيبا لا يمكنه إلا أن يشتاق اليه. يشتاق اليه سرا لا علنا! انتظرته ليكمل جملته لكنه غير الموضوع قائلا: "ابقي هنا معها لبضعة أيام علها تخرج من حالة الأسى التي تركها عليها رزاق وتعود إلى طبيعتها" لم تدر ما تجيبه. ببقائها هنا هي ستبقى معه مختنقة بكل ما يجلبه وجوده لها من خوف وحنين ورهبة وتملك. تذكرت كل الأيام التي كان يرعبها فيها بتصرفاته ويتثاقل في كلماته. كل اللحظات التي منعها من الضحك مع فرحة فيها وها هو الأن يريد منها أن تخرج أخته من حالة الحزن التي هو سببها لها بتصرفاته. ثم يلقي اللوم على رزاق. .

    ردحذف
  42. كانت رحمة ترى أن ما فعله رزاق ليس سوى ناتج لما فعله مسعود سابقا. هي في الحقيقة لا تلوم رزاق على أي شيء فقد اقتيد بيد مسعود ليخرج عن حالته الطبيعية إلى حالة من الجنون. قالت: "دعني اسأل أبي أولا فكما تعلم أن منزلنا أيضا يعاني من حالة حزن واضطراب ووالديّ بحاجتي في هذه الأيام الصعبة" هز راسه موافقا ثم سمع صوت سيارات تقف أمام المنزل فأنهى محادثته طالبا من رحمة أن تخبر فرحة بوصول الضيوف ودعاها للجلوس معهم أن أحبت. أسرع وهو يعدل شماغه الأبيض المرقط بالأحمر ويسير بخطى واسعة ليصل إلى الباب. هتف فور أن رأى حسان مسلما عليه ثم سلم على ابنه سامر الذي كان محتقنا كالعادة ينظر بتوجس لكل شخص وكل شيء بينما أطال النظر إلى وهد التي كانت في أبهى حلة تلبس ثوبا زهريا طويلا مع سترة زرقاء ثقيلة. دخل الثلاثة إلى الديوان الكبير ثم جلسوا بينما تركهم مسعود وذهب يبحث عن أخته ورحمة. كانتا في المطبخ مع الفتى الذي احضره ليخدم على الضيوف تحضران القهوة فقال لرحمة: "ابنته هنا أريدكما أن تجلسا معها" ثم قال للفتى: "احضر القهوة " وغادر يتبعه الفتى مع دلة القهوة الذهبية والفناجين المزخرفة. نظرت رحمة وفرحة لبعضهما البعض وهما لا تعلمان أن كان لائقا أن تذهبا وتجلسا مع الرجال في الديوان وبالذات فرحة... أو أن قصد مسعود كان أن تأخذا ابنة الوزير لمكان أخر

    ردحذف
  43. كانتا مشوشتين بتصرفات مسعود المشوشة. و لم تنتظرا طويلا حيث عاد الفتى برسالة واضحة من مسعود تقول: "لا تدعا الفتاة تجلس لوحدها" ذهبت رحمة إلى الديوان كي تدعوا وهد للخارج فهي لن تجلس في مجلس الرجال ابدا. بصوت خفيض سلمت على الجالسين. لم يصدق سامر عينيه. كانت تلك الفتاة التي وضعها في راسه منذ رآها لأول مرة. ذات الخجل وذات البراءة. علق عينيه بها حتى أن مسعود لاحظ نظرته المتسمرة برحمة وكره ذلك ثم اغتنم الفرصة فقال: "لما لا تذهب الأنستان إلى الغرفة الأخرى كي تأخذان راحتهما. رحمة ابنة عمي ستريك البستان أن أردت؟" احست رحمة بالراحة لما قاله مسعود بينما شعرت وهد بالامتعاض فهي جاءت لتسمع ما يقولون وتبدي رأيها كما تفعل دائما في كل شؤون والدها ولم تشعر يوما أن هنالك فرقا بينها وبين أي رجل في أي اجتماع لأنها دائما سباقة إلى رسم الخطط ولا تخاف من إعطاء رأيها باي شأن وبكل صراحة. أرادت أن ترفض الخروج لكن والدها أشار لها سرا بالامتثال فخرجت على مضض. شعر سامر بخيبة امل فقد كان يريد أن يراقب تلك الشابة أكثر وعن قرب. قالت رحمة لوهد الكاظمة لوحرها: "لنجلس في الغرفة الأخرى دعيني فقط أنادي فرحة " ثم غابت رحمة لثواني عادت بعدها مع فرحة التي رحبت بوهد بشكل مفرط. ذهبت النساء الثلاث إلى غرفة الجلوس الأخرى حيث جلسن يتحدثن في أمور لا تريد وهد الحديث فيها. قالت رحمة موجهة كلامها لوهد: "ملابسك جميلة هل تشتريها من العاصمة؟" ضحكت وهد وأجابت السؤال الذي من الواضح أن رحمة أراد به أن تكسر الصمت: "بعضها من العاصمة وبعضها من الأماكن التي أسافر اليها " ثم التفتت وهد إلى فرحة وسألتها: "كيف حال العروس! هل تعانين الكثير من القيود والشروط" وتغير وجه فرحة وغامت عيناها. وأجابت بدون أن تخبر وهد عن طلاقها: "يتبع الثقة والتفاهم" لم يخف على وهد تغير حال فرحة وعلمت أن شيئا ما حل بالعائلة وقد يفيد ذلك والدها إذا ما أضطر للضغط على مسعود. أبدت تعاطفا زائفا مع فرحة وسألتها بصوت محزون: "أرى الكثير من الدموع تختبئ في مقلتيك" لم تجب فرحة فقط اعتذرت وخرجت من الغرفة. تاركة وهد ورحمة لوحدهما حيث انتقلت وهد إلى الأخيرة. قالت: "أنا آسفة لم اقصد إزعاجها فهي عروس ويجب ألا تكون على هذه الحالة من الحزن لذلك ثار فضولي لمعرفة السبب" تبسمت رحمة وهي تنقل نظرها بين وهد وبين الأرض ولم تعطي لوهد أي جواب مريح. انتقلت وهد لرحمة لتستجوبها. سألتها: "هل انت مخطوبة؟" أجابت رحمة على استحياء: "كلا!" صرخت وهد بتعجب رغم أنها تعرف جيدا أن رحمة ليست مخطوبة رسميا ثم قالت: "فتاة بجمالك وليست مخطوبة؟ وابنة عشائر؟ لا اصدق هذا" ضحكت رحمة وأجابت: "يقول أبي أن الزواج قسمة ونصيب.

    ردحذف
  44. لقد خطبني الكثيرين ثم فجاءة توقفت طلبات الخطبة. في الحقيقة هذا الأمر لا يشغل تفكيري في الوقت الحالي كما إني لازلت صغيرة" ابتلعت ريقها ورمت سؤالا فضوليا: "وأنت؟ هل انت متزوجة أو مخطوبة؟" تبسمت وهد ابتسامة ماكرة وأغلقت عينيها نصف انغلاقه وهي تقول بلا اهتمام: " تطلقت من زوجي السابق قبل سنة لقد كان ابن وزير" رفعت رحمة حاجبيها متعجبة وتساءلت: "ابن وزير وتطلقت منه؟" تنفست وهد بعمق وتمتمت وقد بدا أن رحمة هي التي تستجوب وهد وليس العكس: "كان زواج مصلحة فور انتهائها تطلقنا وكل ذهب إلى حال سبيله" بحلقت رحمة فيها فهي لأول مرة تسمع بهذا المصطلح. ماذا يعني زواج المصلحة هل هو زواجا شكليا أو قد كانت العائلتان متخاصمتين فتصالحتا بهذا الزواج؟ لم تفهم حقا ما معناه ولم تسال حيث بدا لها أن هذه العائلة غريبة الأطوار كما كان رزاق ووالدها يقولان عنها ولا يزالان. حسان جلس متربعا وهو يأكل بعضا من العنب الذي وضع أمامه ويتكلم بينما فمه يلوك حبة عنب خضراء عملاقة: "نريد شراكة تدوم لوقت طويل يا بني. انت تعلم لعبة السياسية تحتاج إلى خطط بديلة لكل خطة. يجب أن تكون متحضرا وواعيا إلى كل من يريد أن يطعنك بظهرك. والولاء يا مسعود مهم جدا لاستمرار التحالف.. وهنا التحالفات مهمة أسالني لماذا؟" ونظر إلى مسعود ثم استرسل: "لان حلفاؤك هم عيونك التي تركبها بظهرك، مع هذا يجب أن يكون لك ورقة ضغط على هؤلاء الحلفاء فهم ليسوا في الحقيقة أصدقاء عن محبة بل هم أصدقاء مصلحة وقد يغلقون أعينهم عن خيانة تحصل وهنا يأتي دور ابني سامر" وربت على ظهر سامر ثم استرسل: "إذا أردت أن تكون سياسيا وطنيا فلن يدخلك أي أحد في تحالفاته ببساطة لان الحكومة الأن لا تبحث عن الوطنيين بل تبحث عمن له القدرة على العمل بمبدأ فيد واستفيد.

    ردحذف
  45. لذا التحالفات مهمة للحصول على أصوات إيجابية للخطط التي نستفيد منها وهكذا تصبح مليونيرا. أنا يا ولدي أريد لك الخير فانا أرى تدهور حال الأرض كما أن استثماراتك لن تجني مالا كافيا لسد حاجة الموظفين بصرف النظر عن حاجتك انت وعائلتك. ادخل معي في حربي القادمة للفوز برئاسة الوزراء وسأكون معك في أي شيء تحتاجه. فقط أريد منك أن تعلن أن العشيرة تدعمني. أخبر الناس في القرية أن اسمي هو الاسم الوحيد الذي يجب أن يختاروه في الانتخابات القادمة واجمع أكبر عدد من الأصوات المؤيدة لي ولن تندم لأني بارتفاعي سأرفع معي كل من ساعدني" كان كلام حسان مقنعا وقد قال كل ما يريد مسعود سماعه. لكن مسعود مع هذا كان يطمح لشيء أخر سيجلب له المال بدون الاعتماد الدائم على حسان. قال لحسان واثقا: "أنا سأدعمك بالتأكيد بيد إني أريد أن اطلب منك طلبا مقابل ذلك، أنا أريد أن ادخل الانتخابات معك واحصل على كرسي في الحكومة. مكان لائق اقصد" وبدت نظرة الجدية على وجه حسان وعقف حاجبيه الغليظين وهو يفكر في طلب مسعود. سأله: "تريد أن تدخل الانتخابات انت أيضا؟ أنا لن أمنعك من هذا ولكني أريد أن اقل لك شيئا. الانتخابات القادمة قريبة وأنت لن تستطيع دخولها بهذه السرعة والفوز" قال مسعود: "دعني إذا أترشح عن حزبك" هز حسان راسه معارضا وفسر: "لا يا مسعود لا يمكنني الأن أن احشر اسمك قبل أسماء الكثير ممن هم أقدم منك أو أدعمك أكثر منهم. هذا ليس من الحصافة في أي شيء. مع هذا في الانتخابات التي بعدها أن أردت يمكنك أن تبدأ التحضيرات لها مبكرا ثم تدخلها مرتاحا" لم يعجب ما قاله حسان مسعود على الأطلاق. هو يريد الفوز السريع والسهل خبراته في الحياة ليست كثيرة. لطالما اعتمد على قرارات والده رغم أن له شخصية مستقلة عنه. امر محير. كيف لرجل مستقل عن والده يكون في الحقيقة مسيطَر عليه من ذات الوالد. لم يك في حياة والده قادرا على أن يتخذ أي قرار يخص العمل أو العشيرة بدون أن يقول والده نعم ولم يستطع يوما أن يؤثر على قرارات أو أفكار راهي مهما فعل بينما كان لوالده تأثيرا كبيرا على قراراته هو. الأن وقد تحرر من والده وأصبح شيخا محدود الخبرات لعشيرة كبيرة متنوعة الطوائف يجد نفسه مجبرا على الاختصارات في الحياة ليثبت لكل من عارض قرار معصوم في التخلي عن المشيخة له انهم كانوا على خطا كبير. هو سيعيد أمجاد العشيرة هو رجل العائلة الأوحد. في غرفة النساء انتهت المواضيع المملة التي كانت تستمع لها وهد بينما عقلها كان يفكر بما يحصل في غرفة الاجتماع. لمحت سامر يسير في المنزل من باب غرفتهم المفتوح. لقد خرج ليرى الوضع الأمني لكل الحراس الذي مركزهم هنا وهناك لحماية العائلة. قاطعت حديث رحمة وركضت لتستفسر منه عما يجري فنقل لها الأخبار باقتضاب وعينيه تتراقصان بين قدمي رحمة ورأسها. كانت تقف عند الباب حيث خرجت خلف وهد. ترك أخته اقترب من رحمة وسلم عليها متفحصا إياها بينما هي سحبت شالها الأسود وغطت به جزءا من خدها الأيمن وفمها. قال لها وسط نظرات وهد المتعجبة: "انت صاحبة حملات التبرع بالدم في القرية صحيح؟" تبسمت خجلة وأجابت بصوت واثق، لطالما كان صوتها واثقا وهي تتكلم عما تؤمن به: "انه امتداد لما كان عمي راهي يفعله. إننا نجمع الكثير من الدم أسبوعيا ولكن كيف عرفت بها" رفع حاجبيه مهتما وسألها: "لقد سمعت عنها كلاما جيدا... إذا هي مرة في الأسبوع اعتقد كل يوم ثلاثاء؟" هزت راسها وصححت له: "بل كل يوم اثنين" لقد كان يعرف تماما أي يوم هي الحملات كما انه يعرف بالتفصيل كم لتر دم ترسل العيادة وأسماء العاملين فيها وحتى أسماء بعضا ممن يترددون على العيادة للتبرع بشكل دوري. عندما يختص الأمر بالمعلومات... فهو ملك المعلومات. قال لها مبتسما: "قد امر الاثنين القادم لأتبرع هل ساجدك هناك؟" فتحت وهد فمها عجبا بينما زاد تبسم رحمة وأجابت: "سأشرف بنفسي على سلامتك وسأعطيك قطعة من الحلوى بعدها" قهقه ضاربا فخذه بيده استفسر: "قطعة حلوى؟" هزت راسها قائلة: "نعم أنا اصنعها لأعطيها كعربون شكر لكل من يأتي ليتبرع" لم تنظر في عينيه أبدا طوال فترة المحادثة مما أعطاه فرصة جيدة ليمعن أكثر فيها. لم ير في حياته فتاة مثلها. لأول مرة لا يمكنه أن يقرر أن كانت فتاة ضعيفة أم قوية. كان صوتها الحاني يشوش عليه حكمه ويفسد قدرته على قراءة الناس ينقله لسنوات مضت حيث كان يجلس مع حبيبته فيشفي حنو صوتها المه. لم يرد أن يتركها وود لو يدخل إلى الغرفة فيجلس معهما ويتحدث أكثر معها لكن والده خرج من الغرفة سعيدا يربت على ظهر مسعود ويضحك. تأكد عندها سامر أن مسعود قد وصل إلى اتفاق مع الوزير. حانت التفاتة من مسعود إلى ابنة عمه وهي واقفة مع سامر ووهد بينهما فتغيرت ملامحه كليا. بحلق عينيه فيهما وزم على شفتيه وهو يحاول أن يخفي انفعاله.

    ردحذف
  46. لقد أخرجها من الغرفة لسبب وها هو يراها تقف هناك مع هذا الشاب الذي كان يدرسها بنظراته في الغرفة بلا خوف أو خجل. هالها رؤية ابن عمها ينظر لها بتلك النظرات فهي تتكلم مع الناس دائما وبحكم عملها كممرضة فهذه ليست أول مرة تتكلم فيها مع رجال ولم يكن هذا الأمر محظورا عليها لا من قبل والدها ولا أي من عائلتها ما دام في حدود الاحترام. ما به؟ تساءلت في صمت. بينما خرج الوزير وعائلته وأعطاهم البشرى بقبول مسعود الانضمام إلى مؤيديه ومعاونيه لاحظ أن سامر مشغول الفكر رغم انه حاول ألا يبدو كذلك. سأله وهو يشعل سيجارة: "أرى إنك خرجت من ذلك المنزل مختلفا؟" أجابته وهد من تحت أضراسها: "ابنك وضع ابنة الشيخ معصوم في باله. سيقودنا هذا كالعادة إلى مصيبة" ثار حسان على ابنه وصرخ: "سامر! لقد أقنعت ابن عمها للتو ليكون حليفي. لقد كنت واضحا معك اختر الفتاة التي تريدها ولكن لا تتلاعب مع بنات حلفائي لأني لا أريد أن أقع في ورطة مع هذه العوائل. اختر فتاة أخرى واعبث معها كما تريد واترك تلك الصبية لحالها فعائلتها ليست قليلة في البلد وان كانوا متواضعين فهذا لا يعني انهم ضعفاء. ألا تتذكر راهي وتهديداته لنا؟ تعقل يا سامر" لم يهتم سامر لما قاله والده. هو يعلم ان لكل شخص يواجهه سر وهذا ما يجعله ضعيفا أمام سامر حتى عائلة معصوم بالتأكيد لديهم اسرار وهذا سيجعله اقوى بامتلاكه سرهم إما مسعود فبالتأكيد بتحالفه مع والده سيكون لديه العديد من الأسرار المميتة في المستقبل وسيجمعها سامر كلها ويضعها بجانب لعبته التي يحتجزها في المنزل يتطلع لها كل ليلة ويغفو على ذكرياتها التي تعطيه عالما من الخيال الذي يحيط نفسه به. اقترب مسعود من رحمة ووبخها صارخا: "ماذا كنت تفعلين مع ابن الوزير؟" أجابته وصوتها يرتجف بسبب ما لمحته من نظرات الشك في عينيه: "لقد كان يريد المجيء يوم الاثنين ليتبرع بالدم واخذ مني تفاصيل عن الأمر" صفق مسعود كفتيه واغلق عينيه بقوة كي يسيطر على غضبه و.... غيرته. ثم قال: "إذا سيترك كل مستشفيات العاصمة التي يمكنه فيها التبرع بالدم في أي وقت وسياتي يوم الاثنين لمستوصف القرية الصغير ليتبرع؟" لم تجبه رحمة فهي لم تفهم لما كان يرمي وكل الأمر بالنسبة لها مجرد عمل خيري. أخيرا سيطر على نفسه وقال: "أريد الحديث مع عمي في موضوع هام فهل تستطيعين أن تخبريه باني أريد أن أراه" لم يك بإمكانه الذهاب إلى منزل عمه بعد ما فعل فالجرح لازال ينزف مع هذا لابد له من الحديث مع عمه بشأن التطورات الأخيرة التي حصلت. أجابته رحمة: "هل ستتكلم معه بشأن فرحة ورزاق؟" لا تدر لماذا سألته هذا السؤال لكنها شعرت أن كل ما حصل كان بسبب الغضب ولابد أن يتصلح الوضع. حملق فيها محاولا أن يفكر قليلا في جواب ثم أجاب: "لا يوجد شيء للحديث بشأنه فأختي لن تعود إلى رزاق أبدا. واشكر الله انه طلقها وسهل الأمر علي وادعو ربي ألا يعود هو الأخر إلى هذه العائلة فهو ليس ألا نقطة سوداء يجب أن تمحى" هالها ما سمعت عن رزاق. ظهر الاستهجان على وجهها وانسابت دموعها رغما عنها. قالت له حزينة: "كنت أتوقع أن قلبك أكبر وعقلك متفهم أكثر. ولطالما تساءلت عن سبب قبولك بزواج أخي رزاق من فرحة مع علمك بماضيه مع أن الجواب كان واضحا كوضوح الشمس. كان هذا الزواج بالنسبة اليك فقط مبادلة والان انت حصلت على ما تريد بينما أخي واختك ضحيتان" ابتلعت ريقها وصرخت رغما عنها: "لقد عارضت امي عودتي الى هنا بعدما حصل... ولكن ابي قال لها ان العائلة عائلة والدم لا يصبح ماء ابدا... لقد اتيت الى هنا عل قلبك يفهم.... اننا عائلة واحدة نحن يا ابن عمي وليس ذلك الوزير... اخي رزاق لم يؤذك في شيء فلماذا تتحامل عليه؟ فرحة ماذنبها في كل هذا؟ ماذنبي وذنب ابي وامي؟ ارجوك يا مسعود انسى ان رزاق ليس منا لانه منا ... انظر فقط لكل مافعله لعائلتنا.. لا تدع الامر يتسرب لباقي العشيرة اتوسل اليك. افتح قلبك لاهلك .. أيا كان ما فعلناه أدى الى هذا التحجر من جانبك افصح عنه... دعنا نحب بعضنا...." وبهت في عينيها الباكيتين... تغير صوتها عندما قالت له نحب بعضنا... كانت لا تقصد فقط العائلة بل غلبت مشاعرها الشخصية أيضا على صوتها.... لم يجبها بل نظر اليها مطولا ثم تركها تتابع خطواته بنظراتها المتراقصة بسبب الدموع وهي تتمنى لو أن مسعود يترك قليلا خيلاءه مع عائلته ويحاول أن يلين جانبه تجاههم.

    ردحذف
  47. قررت العودة إلى المنزل فذهبت إلى غرفة فرحة لتخبرها بمغادرتها لكنها وجدتها نائمة فكتبت ورقة ووضعتها على الثلاجة تخبرها فيها أنها غادرت ثم تركت بيت عمها كئيبا واتجهت إلى منزلها. كعادتها دخلت من باب المطبخ المطل على الحديقة وذهبت إلى غرفتها لترتاح. رن عليها الهاتف فنظرت إلى رقم المتصل وقد كان الرقم مغلق. لم تجب الهاتف حتى انقطعت الرنة وبعدها مباشرة سمعت رنة الرسائل النصية ففتحت الرسالة لتجد (أنا سامر ابن الوزير حسان أتمنى إنني لم ازعجك، سأتصل عليك الأن وأتمنى أن تجيبي) بحلقت في الاسم فاغرة فمها وقد وضعت يدها اليسرى عليه. كيف حصل على رقمها ومالذي يريده منها هذا الرجل بالضبط. سمعت صوت هاتفها يرن مرة أخرى فرمت الهاتف بعيدا عنها وهي لم تقرر إذا ما كان عليها أن تجيبه أم لا.

    ردحذف
  48. الفصل التاسع
    غسل رزاق راسه بالماء البارد عل الصداع يهدأ. ورغم الجو المثلج في الغرفة البالية التي يقطنها منذ ترك منزل عائلته فقد غسل راسه بماء الحنفية البارد وانتظر حتى يهدأ صداعه ثم بدل ملابسه ولف حول راسه كوفية بيضاء وخرج ليتناول العشاء. في الشارع المقابل كان يوجد رجل يبيع اللحم المشوي على الفحم ويقدمه للزبائن مع أطايب أخرى. جلس على أحد المقاعد وطلب طبق ثم اطرق ينظر إلى الطاولة القذرة التي يجلس عليها بدون حراك. انتبه بعد عشر دقائق إلى صوت العجوز التي قابلها الليلة الماضية تصيح هنا وهناك. أدار راسه يمنة ويسرة وإذا به يلمحها من بعيد تسير على مهل تحمل على ظهرها كيسها الأسود الكبير وتستجدي النقود من كل من تراه فيعطيها بعضهم مالا ويطردها البعض الأخر. ركض اليها وتكلم معها: "هل تذكريني يا خالة؟" ضيقت عينيها وتفحصته ثم هتفت بصوتها المتأرجح: "لقد تذكرتك!" لم يدر أن كانت تقول هذا فقط كي لا تظهر بمظهر العجوز الخرفة أم أنها فعلا تتذكره. دعاها لتتناول العشاء معه فارتسمت ابتسامه على فمها المقوس وسارت معه بخطوات سريعة بعد أن اخذ منها كيسها وحمله بدلا عنها. أجلسها على الطاولة حيث كان الطعام جاهزا فقدمه لها ثم طلب المزيد له. قال لها: "اطلبي أي شيء وسأشتريه لك" نظرت اليه نظرة رضا وخديها قد انتفخا من كثرة ما وضعت فيهما من اكل ثم عادت لتمضغ الطعام بينما جلس هو ينتظر طعامه. بعد أن انتهت طلبت مرتين ثم اختتمت بالشاي وابتسامة راحة وشبع تعلو وجهها الكهل. سألها رزاق: "اليس لديك أقارب تذهبين إليهم؟" هزت راسها مؤكدة له: "لن اذهب حتى لو كان لدي فابنتي بحاجة إلي وانا يجب أن أجدها" سألها رزاق وهو يوسع الحديث معها: "أخبريني يا خالة عن قصة اختفائها بتفاصيل أكثر" أخذت نفسا طويلا ثم بدأت كأنها كانت تنتظر أن يسألها أحد عن الأمر: "لقد كانت بلقيس جميلة جدا. بيضاء بلون الحليب ذات شعر اسود وعيون سوداء واسعه. ككل فتاة ولدت مع أحلام كبيرة لم يكن من السهل تحقيقها. لم ترض كأختها وأخيها بالقليل بل كانت دائما تقول القليل للضعفاء ورغم إننا كنا فقراء لكنها تدبرت أمرها ولطالما أحضرت لنا المال بعملها في التنظيف في ذلك الفندق ثم فجأة اختفت. ذلك المنزل الذي يطردني منه الخنزير السمين كان بمثابة منزلها أيضا. في ليلة اختفاؤها زارتني وقد كانت سعيدة. سعيدة جدا! قالت لي أن دينا لها سيدفع. وان عملية تنظيف كبيرة تنتظرها عند سيدة غنية ستضمن لها الكثير من المال. ثم خرجت ولم تعد. اختفت ببساطة. ذهبت إلى مكان عملها لأسأل عليها فاخبروني أنها لم تاتي ذلك اليوم سالتهم أن كانوا يعرفون بامر السيدة التي ذهبت للعمل عندها فضحك الاصلع واجابني من تحت اضراسه, أن بلقيس لا تخبر أحدا بما تفعله. وهكذا أنا منذ سنوات ابحث عن بلقيس ابنتي" سالها رزاق وعلى وجهه علامات الحزن الشديد: "كم كان عمر بلقيس حين اختفت؟" أجابت العجوز: "كانت في نهاية الثلاثين ولكن من ينظر لها يعتقد إنها في العشرين. كان عودها رقيق ولم يظهر عليها العمر أبدا" شعر رزاق بالاسى الشديد لهذه المرأة وابنتها لكنه تنبه إلى انها قالت أن لديها ابن وبنت غير بلقيس فسالها عنهما واجابت: "ابنتي في الخارج سافرت إلى استراليا مع زوجها ولكم طلبت مني أن اسافر لهم لكني لن افعل بسبب بحثي عن بلقيس اما ابني فهو متزوج ويسال عني بين الحين والأخر فقد تعب من عنادي في البحث عن اخته " سالها: "لكن الا يبدو لك بعد كل هذه السنوات أن بلقيس قد تكون ماتت فلا جدوى من البحث عنها الأن" لم تجب العجوز بل نهضت وحزمت متاعها على ظهرها وغادرت بعد أن شكرت رزاق على الطعام. سالها رزاق قبل أن تذهب : "مالذي تحملينه في الكيس العملاق" اجابته: "فراش صغير وبطانية وذكريات من بلقيس ابنتي" واستدارت متابعة طريقها في برد الشتاء لا تهتم أن عصفت ريح أو زخ مطر. تذرع كل يوم شوارع المدينة بحثا عن بلقيس التي لا أثر لها ومع هذا هي لا تيأس ولا تكل ولا تمل. يال الأمهات! لو أصبح لديهن مئة طفل لا ينسين أبدا طفل خسرنه. تلك العاطفة التي يحملنها بين أضلعهن. مقدار الحب الغير مشروط الذي يناله كل طفل من أطفالهن لا يمكن لأي حب أخر أن يفوقه. حبهن لا يتقسم بل هو كامل لكل طفل. لا يمكن أن تكره أم طفلها ولو احرقها بالنار فقلبها يغفر دوما وعقلها لديه الف حجة ليعذر طفلها. انهن هبة الله لكل البشرية. النعمة التي لا يقدرها الا القليل. كل جعدة في وجه الام تحكي حكاية من الم وسهر ودمع فلم يكبر ذلك الطفل بالهين بل كبر على حساب حياة امه.

    ردحذف
  49. كان جزءا من سعادتها وجزء من تعاستها وذكرياته حفرت على تجاعيد وجهها وانسابت مع بياض شعرها. تعتقد الام أن طفلها هو بقية من جسدها موقعه قرب قلبها أن تاذى تبكي هي ضعفين وان غاب تغيب عنها دنياها فلا سعادة لها مع عضو مفقود من جسدها. فكر رزاق بحجم المعاناة التي تعانيها هذه العجوز المسكينة وهي في قرارة نفسها تعلم جيدا أن ابنتها لن تعود ولن تظهر ببساطة لأنها ليست على قيد الحياة. فكيف بمرجانة التي تعلم جيدا أن ابنها حيا ولكنه اختار تركها ببساطة. تساءل بينه وبين نفسه باسى. كم يا ترى كبرت امه في هذين اليومين اللذين ابتعد فيهما عنها. هل تشعر بفراقه كما تشعر أم بلقيس؟ شعر كانه قد مرض فانفه احمر وجسده يؤلمه وهذا بالتأكيد بسبب البرد خصوصا انه غسل راسه قبل أن يخرج بماء بارد. عاد إلى الفندق وارتمى على السرير الخرب ذو الصوت المزعج ودثر نفسه بدثارين وبدا يستشعر كل أثار الحمى كأن نارا قد اجتاحته. ظل يهلوس طوال الليل وهو يرى كوابيس مخيفة تارة عن نفسه وتارة عن اهله ولكن اكثر الكوابيس الذي جعله يرتجف ويبكي هو رؤيته بلقيس. لقد حلم بها تشبه الوصف الذي وصفته أمها وهي تمسك يده باكية وقد كانت فعلا تبدو اصغر من العمر الذي قالته العجوز . لم ير نفسه. فقط راها هي بتلك العيون الدامعه ترميه في ازبال قذره وتودعه مرغمة. قفز من سريره مرعوبا. يال هذا الكابوس المريع. لقد اختلطت عليه الأوراق وبدا عقله الباطن يلجا إلى الخطة البديلة التي عن طريقها يخرج سموم أفكاره .. طريق الاحلام. في منزل معصوم كانت رحمة لا تزال خائفة من موضوع سامر الذي كان يرن عليها وهي تتجاهل رنته. ما عساها تفعل فلا يمكن لفتاة محترمة أن تجيب هاتف رجل لا تعرفه يرن عليها بدون سبب. كانت هذه المرة العاشرة التي يرن عليها وهي تنظر فقط إلى الهاتف بدون أن ترفعه. أخيرا قررت أن تغلق هاتفها تماما فاغلقته وأخرجت البطارية منه أيضا ونا